وظاهر كلام الخرقي أنه ليس له ضربها في النشوز في أول مرة. وقد روي عن أحمد إذا عصت المرأة زوجها، فله ضربها ضربا غير مبرح. فظاهر هذا إباحة ضربها بأول مرة ; لقول الله تعالى: ﴿واضربوهن﴾. ولأنها صرحت بالمنع فكان له ضربها، كما لو أصرت ولأن عقوبات المعاصي لا تختلف بالتكرار وعدمه، كالحدود ووجه قول الخرقي المقصود زجرها عن المعصية في المستقبل، وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل، كمن هجم منزله فأراد إخراجه. وأما قوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ الآية، ففيها إضمار تقديره واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع، فإن أصررن فاضربوهن، كما قال سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ والذي يدل على هذا أنه رتب هذه العقوبات على خوف النشوز ; ولا خلاف في أنه لا يضربها لخوف النشوز قبل إظهاره. وللشافعي قولان كهذين فإن لم ترتدع بالوعظ والهجر، فله ضربها ; لقوله تعالى: ﴿واضربوهن﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح)) رواه مسلم. ومعنى " غير مبرح " أي ليس بالشديد.
قال في الفواكه الدواني: (( كل من امتنعت من إطاعة الزوج في أمر من شأنها فله وعظها وهجرها، وإن لم تمتثل فله ضربها إن ظن إفادته ضربا غير مبرح بأن لا يكسر عظما ولا يشين لحما، ويصدق الزوج في أنه ضربها لوجه )). الفواكه الدواني (2/23).