أسباب القلق والفرح
الخطبة الأولى:
أما بعد...
أيها المؤمنون إن هذه الدار التي نحيا ونعيش فيها ليست دار قرار بل هي دار زوال وارتحال كثيرة آلامها عديدة همومها وغمومها فأسباب الضجر والكدر والضيق والقلق في هذه الدنيا كثيرة متنوعة قال الله تعالى : ﴿لقد خَلَقنا الإنسانَ في كبَد﴾(1) أي معاناة وشدة ومشقة والناظر في أحوال الناس يرى صدق هذا في واقعهم ومعاشهم فالدنيا مجبولة على الأكدار والشدائد:
جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار
وإنما يتمايز الناس ويفترقون في التعامل مع هذه الحقيقة والتخلص من أسباب الضيق والكدر.
أيها الإخوة الكرام رغم ما نعيشه في هذا العصر من وسائل الراحة وأسباب رغد العيش وهنائه إلا أن معدل الضجر والقلق في ازدياد وعلو وهذا يوجب على كل من رغب في السعادة أن يبحث عن أسبابها الحقيقية التي يحصل بها سكون الفؤاد وصلاح البال واستقامة الحال وزوال الضجر والقلق.
أيها المؤمنون ! إن أعظم الأسباب التي تحصل بها طمأنينة النفس وتحمل مشاق هذه الحياة الإيمان الصادق والعمل الصالح قال الله تعالى : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(2).
فبالإيمان الراسخ يهون على العبد ما يلقاه : ((إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))(3) فهو في خير في كل ما يطرقه من المسرات والمكاره فكل شيء بقضاء وقدر ﴿إنا كلَّ شيءٍ خَلَقناهُ بِقَدَر﴾(4) فعلام الضجر والقلق ؟ فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فالمؤمن الذي يبصر قضاء الله وقدره في كل ما يحدث له ويصيبه ؛ يسلم من التخبط الناجم عن تقلب الأحوال .
أيها الإخوة الكرام ! إن مما يعين الإنسان على إزالة القلق والهم من حياته أن يوطن نفسه على ملاقاة ما يكره فإن ذلك يهونه عليه ويزيل عنه شدته ويعين الإنسان على الخروج مما حل به ونزل أما إذا كان الإنسان مقدراً في كل أموره أكمل الأحوال وأحسن النتائج فإن ذلك يوقعه في كثير من الأزمات والضوائق .
أيها المؤمنون إن مما يزيل القلق والضجر أن يتخلى الإنسان عن الأوهام والخيالات فإن الاستسلام للأوهام والخيالات من أعظم المنغصات. ومن أبرز هذه الخيالات التي يعاني منها كثير من الناس التخوف من المستقبل والمجهول والاشتغال بذلك عن معالجة الواقع والحاضر فيخسر بذلك إصلاح يومه بسبب هم يوم لم يدركه بل قد لا يدركه قال الله تعالى : ﴿ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾(5) فإياكم أيها الإخوة والاستسلام للأوهام والخيالات بل ثقوا بالله تعالى واركنوا إليه ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾(6).
أيها المؤمنون إن مما يساعد المرء على اجتياز المشكلات والأزمات أن لا يعطي المشكلة أكبر من حجمها فإن ذلك يخلق القلق و الاضطراب وهذا سبب لتشتت أفكاره وغرقه في مشكلات متعاقبة لا مخرج له منها.
ومما يعين على الخروج من القلق والضيق أن يستشعر المرء أن الشدة والضيق مهما طالا فهما إلى زوال فدوام الحال من المحال ؛ وهذا الشعور يفتح له أبواب الأمل ويعينه على الصبر ؛ وبالصبر يتخطى المرء الصعاب ((فما أعطي أحد عطاء خيراً ولا أوسع من الصبر))(7) ومما يعين على حصول السعادة وزوال الكدر كثرة ذكر الله تعالى.
(1) سورة : البلد : آية ( 4 ) .
(2) سورة : النحل : آية ( 97) .
(3) أخرجه : مسلم ( 5318 ) .
(4) سورة : القمر : آية (49) .
(5) سورة : محمد : الآيتان (20،21) .
(6) سورة : المائدة :آية (23).
(7) هو جزء من حديث أخرجه : أحمد (11456) ؛ وأبو داود (1401) من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري وهو صحيح.