الدروس
خطب الجمعة
المؤلفات
المحاضرات
كلمة الموقع

مشاركات
شرائد الفوائد
قضية ورأي

الفتاوى
مواعيد
البث الحي
بحث
اتصل بنا
حول الموقع


السيرة والتاريخ

 

وقفات مع فقه الشيخ ابن باز رحمه الله

الخطبة الأولى

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله أيها المؤمنون إن الأمة بحاجة ماسة إلى التعرف على القدوات البارزة من أهل العلم والدين وأهل الخير والفضل الذين تحملوا المسؤوليات الجسام بقوة واقتدار وكفاءة واصطبار دون كلل ولا ملل فإن النموذج الحي والقدوة الصالحة المعيشة تؤثر في النفس تأثيراً بالغاً وتعطي للنشء الثقة بأنه لا يزال في الأمة أئمة هدى وصلاح مفاتيح للخير ومغاليق للشر يحفظ الله بهم دينه ويقيم بهم الحجة.

أيها المؤمنون إن من أعلام الهدى ومنارات التقى ديناً وورعاً علماً وعملاً فضلاً وجوداً إمام العصر الذي ودع الدنيا فجر الخميس القريب مجاهداً صابراً باذلاً نافعاً عبدَ العزيز بنَ عبد الله بن باز نحسبه كذلك والله حسيبه.

فجيعتنا فيه عظيمٌ مصابها              فنحن بها ما بين باكٍ وواجمِ

أيها المؤمنون عاش شيخنا عبدُ العزيز بنُ باز رحمه الله حياة جادة فريدة مليئة بالجهاد والعلم والتعليم والنصح بذل نفسه وماله ووقته وجاهه عاش خادماً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يحمل همهم ويغضب لهم ويسهر على قضاياهم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر خصيماً للباطل وأهله نصيراً للحق وحزبه داعياً إلى التوحيد محذراً من الشرك فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء رفع الله درجته في المهديين. فـ:

يا رب واجعل جنان الخُلد منزله              مع نبي الهدى والصحب والآلِ

أيها المؤمنون إن لنا مع فقد هذا العالم الفذ الرباني عدة وقفات:

الوقفة الأولى:

أننا نُعزي أنفسنا والمسلمين عامة بفقد هذا العلم الشامخ والشيخ العامل رحمه الله رحمة واسعة ونوصي الجميع بالصبر والاحتساب فالموت مصير كل حي: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾(1) ولا شك أن المصاب جلل وأن القلب يحزن والعين تدمع والقائل يقول:

فمن يدخر منا الدموع لنكبة      فقولوا له قد آن أن تبذل الذخرا

 ولكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون:

تأس فقد يجدي التأسي أخا الحجا     وأطفئ بماء الصبر من حزنك الجمرا

الوقفة الثانية:

أن من أعظم نعم الله على العبد أن يضع له القبول في الأرض وأن يمن عليه بذكر حسنٍ ولسان صدق في الآخرين ولا شك أن الشيخ عبدَ العزيز بنَ باز رحمه الله قد اجتمعت على محبته والثناء عليه قلوب المؤمنين وعمّ ذلك كلَّ قاصٍ ودانٍ وإن هذه والله لمنقبة كبرى لشيخنا رحمه الله في عصر راجت فيه الخصومات وتشعبت بالناس فيه الأهواء والخلافات فعجباً للصدق كيف يصنع فإن من صدق الله صنع له وصدقه فـ:

يا إخوة الدين ما فوز بلا تعب      مهر الجنان جهاد صادق دأبُ

الوقفة الثالثة:

أيها المؤمنون إنه وإن كان موت العالم العامل ألماً موجعاً حدثاً مؤلماً لانقطاع خير كثير بموته إلا أن الله حافظ دينه وناصر كتابه ومظهرٌ أمره فدين الله غالب منصور لا يرتبط بحياة شخص ولا بموته مهما كانت منزلته ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾(2). وإنما ينبغي لأهل العلم والإيمان الاجتهادُ في الخير والحق لسد المكان الذي خلا بموت العالم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(3).

 

الوقفة الرابعة:

أن حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين العاملين فوق كل حاجة فهم مصابيح الدجى وعلامات الهدى:

فلولا همُ كانت ظلاماً بأهلها                ولكن همُ فيها بدور وأنجمُ

أيها المؤمنون إن العلماء في الناس كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن فما لهم من خلف ولا عنهم من عوض فالناس لا يعرفون كيف يعبد الله إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحيّر الناس، ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))(4). فاتقوا الله أيها المؤمنون وبادروا بأخذ العلم عن أهله قبل ذهابه، فإن ذهابه بذهاب حملته، فأقبلوا أيها المؤمنون أيها الشباب يا طلاب العلم أقبلوا على العلوم النافعة بجد وإخلاص، خذوا العلم عن الأكابر واجتهدوا في ضبطه وحفظه ووفروا أوقاتكم عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(5).

أيها المؤمنون إن طلب العلم وتحصيله وأخذه من أهله من أفضل القربات وأجل الطاعات لا سيما في هذه الأوقات المتأخرة التي فشا فيها الجهل بين الناس، وعظمت فيها الحاجة إلى العلماء الربانيين الذين يبلغون رسالات الله وشرائعه، فإذا قصرت منزلة أحدكم عن تحمل هذه الأمانة العظمى فلا أقل من مجالسة أهل العلم والإفادة منهم، فإن صلاح القلوب في مجالستهم وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم.

أيها المؤمنون مصابنا بالشيخ عظيم:

وترنا فنادينا التجلد داعياً     وهيهات إرعاء التجلد مسمعا

 فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها. وإننا إن شاء الله سنصلي عليه صلاة الغائب بعد صلاة الجمعة ودعاؤنا: اللهم اغفر لشيخنا وارحمه، اللهم ارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه بالصالحين وافسح له في قبره ونور له فيه.

 


 

الخطبة الثانية

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله واصبروا على طوارق الدهر وخطوب الزمان ألا وإن من أعظم المصائب وأكبرها فقدَ العلماء العاملين والأئمة المهديين الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله ولا عجب فإن حاجة الأمة إلى العلماء فوق كل حاجة:

فلولا همُ كانت ظلاماً بأهلها     ولكن همُ فيها بدور وأنجمُ

 فهم كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن فما لهم من خلف ولا عنهم من عوض وقد أُصيبت أمتنا بمصاب جلل وهو موت عَلم من أعلام الهدى ومنارات التقى ديناً وورعاً علماً وعملاً تعليماً وتعلماً الفقيه العالم المجاهد الصابر شيخنا ووالدنا محمد الصالح العثيمين رحمه الله رحمة واسعة:

فجيعتنا فيه عظيمٌ مصابها      فنحن بها ما بين باكٍ وواجمِ

فإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيراً منها فاصبروا أيها المؤمنون واحتسبوا الأجر عند الله في مصابكم فالموت مصير كل حي قال الله تعالى مخاطباً نبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾(6) ولا شك أن المصيبة بفقد الشيخ عظيمة وأن الثلمة كبيرة وإن القلوب لتحزن والعيون لتدمع فإياكم أن تقولوا إلا ما يرضي ربكم:

تأس فقد يجدي التأسي أخا الحجا      وأطفئ بماء الصبر من حزنك الجمرا

وعزاؤنا في مصابنا ما خلفه شيخنا عبد العزبز بن باز من تركة علمية عظيمة مكتوباً ومسموعاً وأنه رحمه الله ضرب مثلاً رائعاً في تعليم العلم وبذله ونفع الناس وقضاء حوائجهم حتى آخر لحظات حياته لم يدخر في ذلك وسعاً فصدق قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾(7).

 


 

(1) الزمر: (30).

(2)   آل عمران: 144.

(3)   المائدة: 23.

(4) البخاري: (98)، مسلم: (4828).

(5) آل عمران: (200) .

(6)   الزمر: (30) .

(7)   الحجر: ( 99) .





حقوق النشر والطبع © 1424هـ -2003م الشيخ خالد المصلح. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 almosleh.com . All rights reserved
info@almosleh.com