\مقالات\المكتبة المقروءة

العلماء بين الدور المنشود والدور المفقود

العلماء بين الدور المنشود والدور المفقود
almosleh.com/index-ar-show-1060.html

العلماء بين الدور المنشود والدور المفقود
مشاهدات : 6709

الأحد 26 شوال 1434 هـ - الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالميننبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

أما بعد.

 فغير خاف على من له علمومعرفة بدين الإسلام أن للعلماء من رفيع المنزلة وعلو المكانة وسبق الفضلما لا يزاحمهم فيه غيرهم من أصناف الناس. ففضائلهم في الكتاب والسنة مشهورةومناقبهم فيهما منشورة، فهم الواسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الشريعةوالدلالة عليه جل وعلا. قال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بينالله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. فالعلماء خلفاء الرسل في أممهمووارثوهم في علمهم يحتاج إليهم الصغير والكبير والذكر والأنثى والحاكموالمحكوم. فالواجب عليهم عظيم بقدر ما تبوؤوه في الأمة من المكانةوالمنزلة. فبصلاحهم وقيامهم بما فرض الله عليهم من النصح والبيان يصلح معاشالناس ومعادهم. ولهذا قيل: إن زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلقكثير. ولقد أخذ الله على أهل العلم ميثاق البيان وعدم الكتمان كما قالتعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} آل عمران: 187 وذم الكاتمين للحق المعرضين عن القيام به، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَااللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}  البقرة: من الآية140 وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِوَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} البقرة:159 وإن وجوب البيان والنصح للأمة على أهل العلم ليتأكد في أزمنة الفتنوأيام المحن التي تنطمس فيها سبل الهدى ويلتبس فيها الحق بالباطل وتستحكمفيها الأهواء ويتبع الناس فيها كل ناعق ويخفى فيها الحق على طالبه، ولذلكشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن بقطع الليل المظلم، أي: الأسودالذي لا نور فيه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتناًكقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبحكافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا)). رواه مسلم (169) من حديث أبي هريرة رضيالله عنه. ولقد مرت أمة الإسلام عبر تأريخها بأزمات كثيرة وفتن متلاحقةقيض الله فيها للأمة من أهل العلم والفضل وأهل النصح والعدل من أنقذ بهمالأمة وحفظ بهم الملة، فأثر العلماء ودورهم في إخراج الأمة من الفتنوالنجاة بها من متلاطم المحن مشهور مذكور، فمعهم مصابيح الدجى ومشاعلالهداية التي يخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور. وقد بشر رسول اللهصلى الله عليه وسلم هذه الأمة بالعز والسناء والرفعة، وأنه لن يزال فيهاقائم بأمر الله حتى تقوم الساعة ففي البخاري 6767 ومسلم 3545 من حديثالمغيرة وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال طائفة من أمتيظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)). وأهل العلم هم أئمة هذه الطائفةالظاهرة المنصورة. ولا ريب أن أمة الإسلام اليوم في شرق الأرض وغربها تمربمرحلة بالغة الحساسية والخطورة، هي أحوج ما تكون فيها إلى أهل العلمالراسخين في علومهم العاملين لدينهم الناصحين لأمتهم العالمين بواقع الأمةوما يحيط بها من أخطار. فهؤلاء بهم تسير السفينة ويبلغ المقصود، بل الأمةاليوم بحاجة إلى كل جهد من أبنائها المشفقين البررة. فكيف يسوغ في مثل هذهالظروف الحرجة من تأريخ أمتنا أن يترجل الفارس وأن ينزوي أهل العلم والخيرعن ساحات البيان والنصح ومواقع التأثير والإصلاح، بل الواجب على كل صاحبعلم وخير أن يساهم في نصح الأمة بما يستطيع من قول أو رأي أو عمل، وأنيتقدم كل ناصح إلى ميادين الدعوة والبناء بإخلاص وجد وعلم وبصيرة، فإن نصرالله عز وجل ونصر دينه واجب على أهل الإيمان قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْأَقْدَامَكُمْ} محمد: 7. ومن رحمة الله وسعة فضله أن نصر المؤمنين للهولدينه لا يحده حد ولا يقف عند رسم، بل إن استقامة الواحد منا في نفسه مننصرنا لله تعالى. فينبغي أن لا يحقر أحدنا في هذا السبيل شيئاً، فقد قالالنبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي اللهعنه: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعهالله بها درجات)). فكل جهد في نصر دين الله والذب عن أمة الإسلام نافعمبرور مهما قل في أعين الناس وصغر روى البخاري في صحيحه 2681 أن رسولالله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما رأى لنفسهعلى من دونه فضلاً: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم))  ورواهالنسائي(3127) بلفظ: ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهموإخلاصهم)). وفي لفظ آخر 3128 ((ابغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرونبضعفائكم)). إن نجاح أهل العلم في الاضطلاع بدورهم وفي إنقاذ الأمةوالخروج بها من حلقات الفتن وسلاسل المحن والإبحار بها نحو الغايات العظاملا يمكن بلوغه ولا سبيل إلى دركه إلا بأسباب تمخر بها سفينة الأمة عباب هذهالأمواج المتلاطمة فإن السفينة لا تجري على اليبس. وهذه الأسباب سلسلة منخصال البر من إخلاص العمل لله تعالى وإصلاحه بمتابعة النبي صلى الله عليهوسلم وتقوى الله تعالى في السر والعلن، والنصح للأمة والتحلي بأحسن الأخلاقمن العلم والحلم واللين والرفق والصبر وغير ذلك من صفات الخير التي تتحققبها صفات أئمة المتقين التي ينتظمها قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَوَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف: 199وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24  إن كثيراًمن أهل العلم الذين يحملون همَّ هداية الأمة وإصلاح أوضاعها لا يخفى عليهمما لهذه الأسباب من الأهمية والأثر إلا أن هناك سبباً رئيساً غائباً غفلعنه كثيرون، وهو لا يقل أهمية عن الأسباب المتقدمة لإنجاح دور العلماءالمنشود في إنقاذ الأمة من الفتن والمحن، ألا وهو تواصل أهل العلم فيمابينهم وتواصيهم بالبر والتقوى والصبر والمرحمة وتعاونهم في ذلك. إن أهلالعلم بحاجة ماسة إلى أن يمدوا بينهم جسور المحبة والألفة والاجتماعوالأخوة والمشورة، فإن كثيراً من الخير وحظاً وافراً من الإصلاح يتحققبذلك. ويتأكد هذا التواصل والتواصي في النوازل الكبار والأزمات الجساملأمور عديدة أبرزها ما حوته النقاط التالية: أولاً أن معالجة ما تمر بهالأمة من أخطار ومواجهة ما يعصف بها من أحداث أمر يفوق جهود الأشخاصويتجاوز طاقات الأفراد مهما كانت ألمعية عقولهم ورسوخ علومهم، وقد كانسلفنا يقولون في بعض ما يرد عليهم من مسائل العلم: هذه مسألة لو وردت علىعمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر، فإذا كان هذا هديهم فيالمسائل الشخصية الفردية، فكيف بالنوازل المصيرية التي يتأثر بها واقعالأمة ويرتسم بها مستقبلها، أفيسوغ أن يبت فيه فرد أو يستقل بها رأي؟! فليتشعري من الذي تقوى درعه على تلك السهام. فلا بد من تضافر الجهود وتراصالصفوف ونبذ الاعتداد بالنفس والاستبداد بالرأي وتضخيم الذات، اللهم ألهمنارشدنا وقنا شر أنفسنا. ثانياً أن جزءاً كبيراً مما أصاب الأمة ويصيبها منالفتن والنكبات إنما هو بسبب ما جرى في الأمة من التنازع والفرقة قال شيخالإسلام ابن تيمية: ((وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها; وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها)). ثالثاً أن مما يؤكدضرورة أهل العلم إلى وصل ما بينهم في أيام الفتن وتواصيهم بالحق والصبر أنالفتن أعاذنا الله منها تغير القلوب وتشوش عليها بما تبعثه من الشبهاتالمانعة من معرفة الحق والحائلة دون قصده. ولهذا وصف رسول الله صلى اللهعليه وسلم الفتن بأنها كقطع الليل المظلم كما جاء في صحيح مسلم 169 منحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (( بادروابالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم))، ووصفها أيضاً بأنها عمياء صماء كما فيسنن أبي داود 3706 من حديث حذيفة. وإنما وصفت الفتنة بذلك؛ لأن الإنسانيعمى فيها عن أن يرى الحق، وأن يسمع فيها كلمة الحق. رابعاً أن واجبالنصيحة للأمة يتطلب من أهل العلم ورثة الأنبياء أن يبذلوا وسعهم في دلالةالأمة على خير ما يعلمونه لهم وأن يحذروهم شر ما يعلمونه لهم وإنما يبلغالناصح ذلك بالاجتهاد في تبين الصواب ومشاورة أولي الألباب من إخوانه، فقدأثنى الله على أهل الإيمان بهذا فقال في سياق الثناء عليهم: {وَالَّذِينَاسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىبَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} الشورى: 38. وما كانأغنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يشاور أحداً وقد تكفل الله لهبالهداية والنصر، ومع ذلك فقد أمره الله تعالى بمشاورة أصحابه رضي اللهعنهم فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آلعمران: 159. ولقد بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأخذ بذلك حتىقال أبو هريرة رضي الله عنه كما في الترمذي: ما رأيت أحداً أكثر مشورةلأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فواجب على ورثته أن يتأسوا به. قال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلىعقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل والعقل الفرد ربما ضل. وقال بشاربن برد: إذا بـلغ الرأي المشـورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعلالشورى عليك غضاضة فإن الخـوافي قـوة للقوادم ولا طريق إلى تحصيل ذلك معهذا التقاطع الذي يخيم على علاقة كثير من أهل العلم والفضل ويعد من أكبرالعوائق دونه. خامساً أن كثيراً من الشر وفساد ذات البين الواقع بين أهلالعلم منشؤه ما يكون بينهم من تباعد وتقاطع يورثهم بذور الجفوة التي يسقيهاسعاة الباطل ونزغات الشيطان، فالتواصل والتواصي ضمانة لتضييق الدائرة علىأسباب الفرقة، وهو كفيل بمحو بذور الجفوة، وإشاعة الألفة والمحبة. ومماقيل: المحبة شجرة أصلها الزيارة.

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
5007
تعليقات فيس بوك

موقع أ.د خالد المصلح.