موقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلحموقع أ.د خالد  المصلح
مناشط دعوية
فضائيات
قصص
فتاوى
خطب
محاضرات
خطب
  • خطبة : أقوى أسلحة الحرب
  • إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، إلهُ الأوَّلين والآخِرين، لا إله إلا هو الرَّحمنُ الرَّحيم، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنَّته بإحسانٍ، إلى يوم الدِّين.
    أمَّا بعدُ، فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى كما أمركم بذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} سورة الأحزاب: الآية رقم (70-71).
    عبادَ الله، إنَّ الله تعالى أمرَ المؤمنين بأن يعتصموا بحبله، جلَّ في علاه، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}. فالاعتصامُ بكتابِ اللهِ الحكيمِ وشرعِه القويم، يحمي من الضَّلالةِ والهَلَكة، وبه تجتمعُ القلوبُ، وتأتلفُ الكلمة، نعمةً من الله وفضلاً؛ فتلك الثِّمارُ الطَّيِّبة الزَّاكية التي تصلُح بها دنيا النَّاس ودينُهم، لا يمكن أن تُدرَك إلا بفضلِ الله ومِنَّته، قال اللهُ لرسولهِ صلواتُ الله وسلامُه عليه: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} سورة آل عمران: الآية رقم (103)..
    أيُّها المؤمنون، إنَّ الأُمَّة عبر تأريخها، كلَّما اجتمعتْ كلمتُها، وائتلفتْ قلوبُ أبنائِها؛ حازتْ كلَّ عزٍّ ونصرٍ، وحقَّقتْ كلَّ سبقٍ وفَضل، ولا غَرْوَ فإنَّ القرآنَ يهدي للَّتي هي أقومُ؛ فَمَنِ استمسكَ به هُدِيَ، ومَنْ أعرضَ عنه ضلَّ وعَمِيَ.
    أيُّها المؤمنونَ، لا يخفَى عليكُم ما أصابَ أمَّتَنا، في هذهِ الأزمنةِ المتأخِّرَة، من افتراقٍ وضَعْفٍ وتشرذُمٍ وتنازُعٍ، كان سبباً رَئيساً لتَسَلُّطِ أعدائها عليها، من دَاخِلِها  وخَارجِها. وإنَّ عَدُوَّ الدَّاخِلِ أخطرُ على الأُمَّةِ من عدوِّ الخارجِ الكاشِح، دَلَّ على ذلكَ كتابُ اللهِ تَعالى، وشَهِدَ به حاضرُ الأمَّة وماضِيْها، لذلك بَيَّنَ اللهُ تعالى عظيمَ خطرِهم وشِدَّة عَداوتِهِم، فقالَ جلَّ وعَلَا: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} سورة المنافقون: الآية رقم (4).، فحصَرَ العَدَاوَة فيهم، كمَا لو قالَ: لَا عدُوَّ إلا هُمْ، ومَا ذاكَ إلا لِشِدَّةِ بليَّةِ المسلمينَ بهم، فهُم أعظمُ بَلِيَّةً على المسلمينَ من الكُفَّار المُجَاهِرِين، فالمُنافِقون ينتسبونَ إلى المسلمينَ ظاهِرًا، ويزعُمون أنَّهم ينصُرون الإسلامَ، ويذُبُّون عنه، ويَسْعَونَ في مصالحِه، وهُم كاذِبونَ، كما قالَ اللهُ تعالى فيهم: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} سورة البقرة: الآية رقم 12، فهم أحقُّ بالعداوةِ من سائر الأعداء، بل هُم عَوْنٌ لِكُلِّ عَدُوٍّ عَلى أهلِ الإسْلَام، يَتربَّصُون بِهِم الدَّوائرَ.
    نعم، هُمُ العَدُوُّ فخُذُوا حِذْرَكُم مِنْهُم؛ فإنَّه لا يَنَالُكم شرٌّ من عَدُوٍّ خارجٍ في غالبِ الحالِ، إلا من طريق عدوٍّ مختفٍ مُستتِرٍ مُنافقٍ، يسعَى في تفريقِ كَلِمَتِكُم، وتشتيتِ شمْلِكُم، وإيقاعِ الضُّرِّ بِكُم.
    أيُّها المؤمنون، إنَّ مصائبَ أمَّتنا اليومَ بالمنافقينَ عظيمةٌ، وإنَّ الله تعالى قيَّضَ لهذه ِالأمَّةِ علماءَ وحكماءَ وناصِحينَ، بَيَّنُوا خطرَ هؤلاءِ الأعداءِ، وكَشَفُوا أطماعَهم، وحذَّرُوا الأمَّة مِن ألاعيبِهم، منذُ سنواتٍ بعيدة. نعمْ، صاحَ النَّاصِحُون منذُ بدايةِ ظهورِهِمْ، وحذَّرُوا مِن شِعَارَاتِهِم الَّتي خَدعُوا بها كثيرًا من النَّاس، كشعارِ "الموتُ لأمريكا، والموتُ لإسرائيل"؛ فَتكشَّفَ الأمرُ عنْ نفاقٍ وكذبٍ وتضليلٍ عظيمٍ، تظاهرُوا بنُصرةِ الإسلامِ وهُم سَاعُونَ في هَدْمِه، ويَدَّعُون جمعَ كلمةِ المسلمينَ، وهُم لا يَألُوْنَ جُهْداً في التَّفريقِ بَيْنَهُمْ.
    وقد أظهرَ اللهُ كَذبَ تلك الدَّعَواتِ للقريبِ والبعيدِ والعالمِ والجاهلِ، وافتضحَ بينَ العالَمينَ نفاقُهم وضلالُهم، وشاهدَ النَّاسُ قَاصِيْهِم ودَانيهِم كذبَ تلكَ العمائمِ الَّتي ما دخلتْ بَلَدَاً إلا أفسدَته، ولا ظَهَرَتْ في مِصرٍْ إلا فرَّقت أهلَه وأشاعَت بينهم الفسادَ والنِّزاعَ والدَّمار، شواهدُ ذلكَ ناطقةٌ في العراقِ وسُوريا. وقد بدتْ بوادرُ شَرِّهِم وعلائمُ فتنتِهِم، ومظاهرُ فسادِهِم تلوحُ في اليمنِ، من خلالِ الحُوثِيِّينَ المفسدينَ الَّذين تسلَّطوا على اليَمَنيِّين؛ قَتلاً وتشريداً؛ سَجناً وتعذيباً؛ تخريباً للبلاد وتدميراً لها، احتلُّوا المدنَ واستباحوا الممتلكاتِ، وانتهكوا الحُرُماتِ، هدَّموا المساجدَ، ودمَّرُوا دُورَ القرآن ومعاهدَ الذِّكر، ولم يقتصرُوا على ذلكَ، بل تجاوزَ شرُّهُم الحدودَ، فهدَّدُوا بلادَ الحرمينِ، وزعَمُوا احتلالَ مكَّةَ والمدينةَ، إلا أنَّ اللهَ تعالى قيَّضََ من أدركَ الخطرَ، واستشعر النُّذُرَ، وبادرَ إلى قطع يدِ الفسادِ والفِتنةِ والشَّرِّ في اليمن؛ فهبَّتْ بفضل الله وتسديدِه وعونِه وتوفيقِه عاصفةُ الحزمِ الَّتي هَبَّتْ من بلادِ الحرمينِ، نجدةً لليَمنِ ونُصرةً للمستضعفينَ من أهلِها، واستنقاذاً لهم من طُغيانِ الحُوثِيِّين الَّذين استقْوَوْا بمن دمَّر العراقَ، ومزَّقَ سوريا، وفرَّق لبنان.
    ألا وإنَّ من بشائر النَّصر وعلائم التَّوفيقِ اجتماعُ قلوبِ الأمَّة على تأييدِ هذه العاصفة المباركةِ التي قادتها بلادُ الحرمينِ ودولُ الخليج، فجاء التَّأييدُ من غربِ الأمَّة وشرقِها، فتشكَّلَ حلفٌ عربيٌّ إسلاميٌّ، لحمايةِ بلادِ الحرمينِ، ونُصرةِ أهلِ اليمنِ الَّذينَ اصطلَوا بأذى الحُوثيِّينَ ومَن وراءهم، فنحمدُ الله تعالى على ذلك حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه. أقولُ ما تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ العظيمَ، لي ولكم، فاستغفروهُ إنَّه هو الغفورُ الرَّحيم.
     
    الخطبة الثَّانية:
    الحمدُ لله الملكِ الحقِّ المبين، وأشهدُ أن لا إله إلا هو ربُّ العالمينَ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُ الله ورسولُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلى آلِه وصَحبِه، ومن اتَّبع سُنَّته بإحسانٍ إلى يومِ الدِّيْن.
     أمَّا بعدُ.
     فاتَّقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ، اتَّقُوا اللهَ تعالى حقَّ التَّقوَى، فبِالتَّقوَى تُدركونَ الآمالَ، وبالتَّقوَى تنجُونَ من الأخطارِ، قال اللهُ تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} سورة الزمر: الآية رقم (61).. وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} سورة الطلاق: الآية رقم (2- 3)..
    أيُّها المؤمنون، إنَّ هذه العاصفةَ المباركةَ، ليستْ نُزهةَ ولا رحلةً، بل هي دفاعٌ عن بلاد الحرمينِ، وكبحٌ لجماحِ المعتدينَ، ونُصرةٌ لإخوانكمُ المستضعفينَ. والحربُ لها حقوقٌ وواجباتٌ على الصَّغيرِ والكبير، فواجبٌ علينا استشعارُ الخطرِ، فالعدُوُّ متربِّصٌ لا يألُو جُهداً في النَّيلِ مِنَّا بكلِّ وسيلةٍ وسبيل،  فلابُدَّ من أخذ الحِيطةِ والحَذَر، وتوقِّي كلِّ سببٍ يكونُ عونًا لأعدائنا علينا، سواءٌ أكانَ ذلك من قِبَلِ أنفسِنا أم من غيرِنا. وإنَّ من أعظمِ ما نحتاجُ إلى تذكُّره في مثل هذه الظُّروف، ما كتبهُ الفاروقُ عمرُ بن الخطابِ -رضي الله عنه-  لسعدِ بن أبي وقَّاصٍ قائدِ القادسيَّة ومَن معه من الأجناد، كتب لهم، فقال:"فَإنِّيْ آمرُكَ ومَن مَعكَ بتقوى اللهِ على كلِّ حالٍ، فإنَّ تقوى الله أفضلُ العُدَّة على العدُوِّ، وأقوى المكيدةِ في الحربِ، وآمرُك ومن معكَ أن تكونُوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي مِنكُم مِن عَدوِّكُم، فإنَّ ذنوبَ الجيشِ أخوفُ عليهِم من عَدُوِّهِم، وإنَّما يُنصرُ المسلمونَ بمعصيَّةِ عَدُوِّهِم، ولولا ذلكَ لم تكُنْ بهم قوَّةٌ؛ لأنَّ عدَدَنا ليس كعدَدِهِم ولا عُدَّتَنا كعُدَّتِهم، فإن استوَيْنا وأعداءَنا في المعصيةِ، كان لهمُ الفضلُ علينا في القُوَّة، ولا ننتصرُ عليهِم بفضلِنا، ولم نغلِبْهم بقُوَّتِنا، واعلموا أنَّ عليكم في سَيرِكم حَفَظَةً من الله، يعلمونَ ما تفعلونَ؛ فاستحيُوا منهم، ولا تَعملوا بالمعاصي، وأنتم في سبيل اللهِ، ولا تقولوا: إنَّ عدُوَّنا شرٌّ مِنَّا فلن يُسَلَّطَ عَلَينَا، فرُبَّ قَوْمٍ سُلِّطَ عليهِم شَرٌّ منهم، كما سُلِّطَ على بني إسرائيلَ لمَّا عمِلُوا بمساخِطِ اللهِ كفارُ المجوس {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} سورة الإسراء: الآية رقم (5).. واسألوا اللهَ العونَ على أنفسِكم، كما تسألونَه النَّصرَ على عَدُوِّكُم، أسألُ اللهَ ذلكَ لنا ولكُم". فما أحوجَنا أيُّها المؤمنونَ لاستحضارِ هذهِ المعاني، فقد جمعتْ أسبابَ النَّصْرِ على الأعداءْ.
    أيُّها المؤمنون، إنَّ الدُّعاءَ أعظمُ ما يُستنزلُ به النَّصرُ، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «هَلْ تُنْصَرُوْنَ وتُرْزَقُوْنَ إلا بضُعَفَائِكُمْ » صحيح البخاري: باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب, حديث رقم: (2739).، بدُعائهم وصلاحِهِم، ولا يَغترَنَّ أحدٌ بقوَّةٍ أو عُدَّةٍ أو عَتادٍ أو كثرةِ جمعٍ، فاسألوا اللهَ النَّصْرَ بتضرُّعٍ وتمامِ افتِقَارٍ.
    فنسألُ اللهَ العظيمَ، ربَّ العرشِ الكريمِ، أن يحفظَ اليمنَ من كلِّ سوءٍ وشرٍّ، وأن يُطهِّرَه من الحُوثيِّينَ ومَن وراءَهم، وأن يُعيدَه عزيزًا سعيداً، كما نسألُه جلَّ في علاه أن يحميَ بلادَنا من كلِّ سُوءٍ وشرّ، اللهمَّ إنَّا نسألُك بأنَّك أنتَ اللهُ لا إله إلا أنتَ، نسألُك بعِزَّتِك وقُوَّتِك، أن تنصُرَنا على مَن عادانا، اللهمَّ انصُرْنا ولا تنصُر علينا، اللَّهُمَّ أعِنَّا ولا تُعِنْ علينا، اللهمَّ ألِّفْ بينَ قُلوبِنَا، وأصلحْ ذاتَ بينِنَا، اللهمَّ وَفِّقْ وَليَّ أمرِنَا الملكَ سلمانَ إلى مَا تُحِبُّ وتَرْضَى.
    اللَّهُمَّ واكتبْ مثلَ ذلك لإخوانِه وأعوانِه ووزرائهِ وجميعِ من يعملُ معه، اللهمَّ وفِّقْهم إلى كلِّ خيرٍ وبر، وسدِّدْهم في آرائهم وأعمالِهم، اللهمَّ وسدِّدْ رَمْيَ جُنودِنا يا ربَّ العَالمينَ، اللهمَّ احفَظْهم إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير، اللهمَّ احفظهُم من بينِ أيدِيهِم ومِنْ خلفِهم.
    اللهمَّ مَن أراد بهم سوءًا أو مَكرًا؛ فرُدَّ سُوءَه ومكره إلى نحرِه يا ربَّ العالمينَ، ربَّنا ظلمنا أنفسَنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، اللهمَّ إنا نسألُك الهدى والتُّقى والعفاف والرَّشاد والغِنى، اللهمَّ إنا نعوذُ بك من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وإذا أردتَ بعبادكَ فتنةً فاقبضنا ربَّنا إليك غيرَ مفتونين، وصلى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آلِه وأصحابِه أجمعينَ.

    التفاصيل
    0
    506
  • خطبة: يا ليتنا أطعناه
  • إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليَّاً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى أله وصحبه، ومن اتَّبع سنَّته، بإحسان إلى يوم الدين.

    أمَّا بعد،

    فإنَّ أصدقَ الحديث، كتابُ الله، وخيرَ الهدي، هديُ محمد، صلَّى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلُّ محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة.

    عباد الله، إنَّ نِعم الله تعالى على عباده كثيرة، لا تُحصى، قال جلَّ في علاه: ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾   سورة النحل، الآية 18، فنِعمُه تترى على عباده صباحَ مساءَ، فمع كلِّ نفَسٍ، ولحظِ عينٍ، ونبضِ عرقٍ، لا ينفكُّ الخلقُ عن نعمةٍ من نعمِ الله تعالى، تستوجبُ شكراً، فله الحمدُ كثيراً كثيراً، لا نُحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.

    أيها المؤمنون، عباد الله، إنَّ هذه النِّعم، توجب حقوقاً، نُسأل عنها، بين يدي الله تعالى، كما قال: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ سورة التكاثر، الآية 8، قال قتادة: "إنَّ الله يسأل كلَّ ذي نعمةٍ، عمَّا أنعمَ عليه"، فما من نعمةٍ إلا وسيُسأل عنها صاحبها، وهذا شامل لكلَّ ما تفضَّل الله تعالى به على عباده من النعيم.

    أيُّها الناس، إنَّ من أعظم نِعمِ الله تعالى، على عباده، نعمةَ الأمنِ، وقد فسَّر عبد الله بن مسعود، النَّعيم في قوله تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ سورة التكاثر، الآية 8، فقال: الأمن والصِّحَّة، وهذا تفسير للآية ببعض صورها.

    أيُّها النّاسُ، إنَّ نعمة الأمن، تنتظم بها كلَّ النِّعَم وتصلح وتستقيم، فجميع النِّعَم تختلُّ وتفسُد، إذا غاب الأمنُ، فالأمن جِماع النِّعم؛ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: «من أصبحَ منكم آمِناً في سِربِهِ، معافىً في جسدهِ، عنده قوتُ يومهِ، فكأنَّما حِيزت له الدُّنيا» سنن الترمذي: باب في التوكل على الله، حديث رقم(2346)، قال الألباني: حسن. .

    أيُّها المؤمنون، إذا غاب الأمنُ، لم تستقم حياةٌ، ولم يطب عيشٌ، فلا تصلح دنيا، ولا يقوم دين، إلا بالأمن، فالأمن أوَّلُ المطالب، وأساس كلِّ خيرٍ، لذلك لما دعا إبراهيم عليه السَّلام لأهله الَّذين تركهم، في وادٍ غير ذي زرع، دعا أول ما دعا بالأمن، قال الله تعالى: ﴿وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وبِئْسَ المَصِيرُسورة البقرة، الآية 126.

    أيُّها الناس، إنَّه لا يعرف قدرَ الأمن إلا من فقده، وقد أقام الله تعالى لكم، فيمن حولَكم عظةً وعبرةً، والسَّعيد من وُعِظ بغيره!

    أيُّها المؤمنون، إنَّ اختلالَ الفكر، واضطرابَ التَّفكير، من أعظم ما يُزعزعُ نعمةَ الأمن، فاختلال الفكر، واضطرابُ التَّفكير، غشاء يُعمي البصيرةَ، ويوقعُها في الرَّدى، فيرى الحقَّ باطلاً، ويرى الباطلَ حقَّاً.

    أيُّها المؤمنون، إنّ من أعظم صور الاختلال الفكريِِّ والانحراف العقديِّ، الغُلوَّ في التَّكفير، فبه تُستباحُ الدِّماء، وتُستحلُّ الأموال، وتدمر البلدان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في بيان خطورة ما يترتَّب على التكفير:"إنَّهم يُكفِّرون بالذّنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذُّنوب، استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام، دار كفر، ودارُهم دار إسلام".

    فالتّكفير بالباطل عبر التاريخ بوَّابة كلِّ فتنةٍ وشرٍّ وفسادٍ وبلاء، قال عياض رحمه الله: "يجب الاحتراز من التَّكفير في أهل التَّأويل، فإنَّ استباحة دماء المصلِّين الموحِّدين، خطأ"، ثم قال رحمه الله: "الخطأ في ترك تكفير ألف كافر، أهونُ من الخطأ في سفك محجمةٍ من دمٍ مسلم حرام".

    أيُّها المؤمنون، الخوارجُ أعظم من اشتهر بالتَّكفير، وقد ذمَّ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مسلك هؤلاء، وبيَّن سبب انحرافهم، في كلامٍ موجزٍ، فقال: «يقرءُون القرآن لا يُجاوز حناجرَهم، يقتلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان» صحيح مسلم: باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم(1064).

    نعم، إنهم يقرءُون القرآن لكنَّهم لا يفقهون معانيه!

    نعم، إنَّهم يستدلُّون على ضلالهم بالقرآن، فيُنزلونه في غير مواضعه، كما قال عبد الله بن عمر، رضي الله عنه: "إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين".

    أيُّها المؤمنون، إنَّ تورُّطَ فئامٍ من الشَّباب في التَّكفير بالهوى، من غير هُدىٍ؛ حملهم على الإجرامِ في حقِّ أنفسهم وأهليهم وبلدانهم، حملهم على الإفسادِ في الأرض، وإهلاكِ الحرث والنَّسل، وشاهد هذا ما نراه ونسمعه، ممَّا يجري على الإسلام والمسلمين من فسادٍ عريض وشرٍّ مستطير، بسبب هؤلاء الغلاة التَّكفيريِّين، في شرق الأرض وغربها، باسمِ الجهاد، زوراً وبهتاناً،

    ليت شعري أيُّ حقٍّ نصروا، وأيُّ خيرٍ نشرُوا، وأيُّ بلدٍ استنقذوا، وأي مظلوم نصروا ما أصدق وصف النّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم حين قال:«رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ» صحيح مسلم: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، حديث رقم (1847).

    أيُّها المؤمنون، إنَّ مِن تزيُّن الشَّيطان لهؤلاء، أن يُسمُّوا قبيحَ أفعالهم، وشنيع إفسادهم جهاداً، وإصلاحاً، واعلاءً لكلمة الله تعالى، خابوا وخسروا.

    الجهادُ ذروة سنام الإسلام، وهو لإعلاء كلمة الله، ولا يكون إلا وفق نور الشَّريعة، وعلى هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، صدق عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، حينما سُئل عن قوله تعالى:﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾  سورة الكهف، الآية 103، 104، قال: هم أهل حروراء، أي: الخوارج، الذين خرجوا في هذه البلدة، وكفَّروا أهل الإسلام، واستحلُّوا دماءَهم، حتى قال شاعرُهم، في مدح قاتل عليِّ بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، صِهر رسول الله وابنُ عمِّه:

    يا ضربةً من تقيٍّ، ما أراد بها * إلا ليبلُغَ من ذي العرش رِضواناً

    إنِّي لأذكرُه حِيناً فأحسبُه * أوفى البريَّة عند الله مِيزاناً

    فجعل قاتلَ عليِّ بن أبي طالب، أثقلَ الخلقِ ميزاناً عند الله!

    أيُّها المؤمنون، إنَّ الغلوَّ في التَّكفير، إذا استولى على العقول، فقدت وعيها، وخرجت بأصحابها إلى متاهات الطَّيش والعبثيَّة، في مسلسل دامٍ من التَّدمير والتَّفجير والتَّكفير، وقتل النُّفوس المعصومة البريئة غدراً، وخيانةً، صداً عن سبيل الله، تشويهاً للإسلام، عوناً لأعداء الله، إنَّهم لا يرقُبون في بلاد المسلمين، إلَّاً ولا ذمَّة، فهؤلاء ما دخلوا بلداً، إلا أفسدوها، ولا تبنَّوا قضيَّة، إلا كانوا شرَّاً، على الأمة فيها، فلا للإسلام نصروا، ولا للكفر والشَّرِّ والفساد كسروا، بل أصبح هؤلاء الغلاة التَّكفيريُّون مطيَّةً لأعداء الدِّين، يُوجِّهونهم بمكرهم، ودسائسهم، للإضرار ببلاد الإسلام، والنَّيل منهم بكلِّ سبيل، وجَّهوا سهامهم، إلى بلاد المسلمين، وخصُّوا بلاد الحرمين المملكة العربيّة السعوديّة، بالنَّصيب الأوفى، من كيدهم، وسبِّهم، وذمِّهم، وتربُّصِهم، فاستهدفوا بعض أبنائنا، وغرَّروا بهم تحت شعاراتٍ كاذبة، ودعاوَى مضلِّلة، سخَّروهم لقتل أبناء بلادهم، وزعزعة أمنهم، خابوا وخسروا، أيُّ جهادٍ هذا الَّذي ترك الدُّنيا كلَّها؟ ولم يعرف إلا بلاد المسلمين، ليتسلَّط عليهم قتلاً، وذبحاً، وأذيَّة، وإفساداً وتدميراً؟ جرائمهم متلاحقة، ومن آخرها، ما جرى من استهداف شرذمةٍ من الضُّلَّال المجرمين، لنقطة حدوديَّة في شمال المملكة، في عرعر، فاعتدَوا على رجال الأمن، وفجَّروا أنفسهم.

    أيُّها المؤمنون، إنَّ هذه العمليّات اليائسة العبثيَّة، تفضح سبيل هؤلاء الغلاة التَّكفيريِّين، وتبيّن خطورة فكرهم، وأنَّنا بحاجةٍ إلى تحصين أنفسنا، وأبنائنا ومجتمعنا من ضلالهم وانحرافهم؛ حفاظاً على هذه النعمة، وقدراً لها، ويؤكد أيضاً إغلاق كلِّ سبيل، يسعى إلى تفريق كلمتنا، وزعزعة أمننا، وإيجاد الفرقة، بين الرَّاعي والرَّعيَّة، فإذا اجتمع المؤمنون، على كلمة حقٍّ، والتأمت قلوبهم، على كلمة هدى، تحقَّق بذلك الخيرُ الكثير، وخابت تلك الدَّعوات المُضِلَّة، وتلك المساعي المنحرفة.

    أسال الله العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يرُدَّ كيدهم في نحورهم، وأن يحميَ بلادنا من شرورهم، وأن يجمعَ كلمتنا على الحقِّ والهدى، وأن يُديم أمننا، وأن يحفظ بلادنا من كلِّ سوء، إنه على ذلك قدير، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم، لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله، حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، أحمدُه حقَّ حمده، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، واعلموا أنَّه لا نجاةَ للخلق، إلا بالرُّجوع إلى كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله، فأصدقُ الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، صلَّى الله عليه وسلم، إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ، وإنَّ الرجوع إلى كتاب الله عز وجل، يكون للمستطيع القادر، على فهمه بنفسه، فإن لم يستطع، فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون، قال الله تعالى: ﴿وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم﴾  سورة النساء، الآية 83، وهم العلماء، الذين يفهمون كلام الله تعالى، ويُدركون مقاصد كلامه، جلَّ في علاه، فيبيِّنون ذلك، ويهدون الناس إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم.

    إنَّ من أعظمِ ما يُحقِّق به الغلاة التَّكفيريُّون مآربهم، ويُروِّجون به باطلهم، ويُسوِّقون به شرَّهم، الطَّعنَ في أهل العلم الأثبات، وتنقُّصهم، والصَّدَّ عنهم، ليخلوَ لهم الجوُّ، فيتَّخِذهم الناس رؤوساً، فيَضِلُّون ويُضلون.

     أيُّها المؤمنون، إنَّ مسلكهم هذا معروفٌ مشهور، فابنُ عباس، ترجمان القرآن، بعثه عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، للخوارج حتى يناقشهم، فأقام عليهم الحجَّة، حتى رجع منهم ألفان، وكانوا ستَّة آلاف، فلمّا أبان لهم الحقَّ، قال بعضهم لبعض: لا تُخاصِموا قريشاً -يقصدون ابن عبَّاس- فإنَّ الله قد قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ سورة الزخرف، الآية 58، فنزَّلُوا ما قاله الله في صناديد مكَّة، كأبي جهل، وأبي لهب، وأُبيِّ بن خلف، على ترجمان القرآن. وإليك هذا الخبر: روى الإمام مسلم، في "صحيحه"، من حديث يزيدٍ الفقير، يقول: "شغفني رأيٌ من رأي الخوارج"، أي أخذ بقلبي وأعجبني، قولٌ من أقوال الخوارج، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله، يُحدِّث القومَ، جالساً إلى ساريةٍ من سواري مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما يعرفونه، فقالوا له: يا صاحبَ رسول الله، ما هذا الذي تُحدِّثونا به؟ فبيَّن لهم الحقَّ، من كتاب الله وسنة رسوله، فلمّا رجعوا من مجلس جابرٍ قالوا: ويحكم، أترون الشَّيخَ يكذبُ على رسول الله، فلا واللهِ ما خرج منَّا غيرُ رجلٍ واحد، سلَّمهم الله بوعظ وبيان جابر، إلا رجلاً واحداً، عميت بصيرته، فسار في هذا المسلك المظلم.

     أيُّها المؤمنون!

    إنَّ الرجوع إلى أهل العلم غنيمة، وأقُصُّ لكم ما جرى في فتنة ابن الأشعث، وهي فتنة حدثت في زمن الحجاج، قام فيها بعضُ أهل العلم، مع ابن الأشعث، مناصرين له، ضدَّ ظلم الحجَّاج وبطشه، فوفَّقَ اللهُ الحسن البصريّ وعصمه، فقال لهم: "لا تدفعوا عقوبةَ اللهِ بالسَّيف، عليكم بالتَّضرُّع والسَّكينة!"، فماذا جرى؟ مشى مع ابن الأشعث مَن مشى، حتى وقعت المقتلة بينهم، وبين أهل الشام، فقُتل وجُرح كثير منهم، فقال واحدٌ ممَّن دخل في فتنةِ ابن الأشعث، وشهد معه المشاهد كلها، لقيتُ الفقهاء والناسَ، ولم أرَ مثل الحسن، ثم قال: يا ليتنا أطعناه، يا ليتنا أطعناه في عدم الخروج، يا ليتنا أطعناه في عدم حمل السيف، يا ليتنا أطعناه في لزوم جماعة المسلمين، كأنه نادم على قتال الحجاج.

    أيُّها المؤمنون!

    إنَّ الأمن مسئوليَّة الجميع: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِسورة التكاثر، الآية 8 فكلُّنا مسؤولٌ عن نعمة الأمن، شكراً وحفظاً وصدَّاً لكلِّ ما يزعزعها، ويسعى إلى إفسادها، هذه مسئوليتنا جميعاً، وفي الصف الأول رجال الأمن، الذين وُكلوا بحفظ أمننا، فلهم منَّا الثَّناء والدُّعاء، واجبهم عظيم، وحقُّهم على بقيَّة الأمة المؤازرةُ، والمناصرة بما يستطيعون، من إعانةٍ، ودعاء، فنحن جميعاً في سفينة واحدة، إذا غرقت فلن ينجوَ أحد!

    اللهمَّ آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمَّتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتَّقاك واتبع رضاك، اللهمَّ إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف، والرَّشاد والغنى، اللَّهمَّ ارزقنا شكرَ نعمك، وأدم علينا فضلك وإحسانك، اللهمَّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفهاء منَّا، اللهمَّ اجمع كلمتنا على الحق والهدى، يا ذا الجلال والإكرام، اللَّهمَّ وفِّق ولاة أمورنا إلى ما تُحب وترضى، اجمع كلمتهم على الحق والهدى، اللهمَّ سدِّدهم في أقوالهم وآرائهم وأعمالهم، يا ربَّ العالمين، اللهمَّ اشفِ وليَّ أمرنا عبد الله بن عبد العزيز، اللهم اشفه شفاءً عاجلاً، وبارك فيه وفي إخوانه، وأعِنهم على ما فيه خيرُ العباد والبلاد، يا رب العالمين، ربَّنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، اللهمَّ اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلَّاً للذين امنوا، ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم، اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    1450
  • خطبة : بماذا تتقي النار.
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، صفيُّه وخليله، خِيرته من خلقه، لم يترك خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًا إلا حذَّرنا منه، حتى تركنا على محجَّةٍ بيضاء، طريقٍ واضحٍ جليٍّ، لا زلل فيه ولا خفاء، من استمسك به هُدي، ومن حاد عنه ضلَّ وعمي، فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله حق التقوى، وقوموا بما أمركم الله تعالى به في حقه، من توحيده، من تعظيمه، من محبته، من إجلاله، من السَّعي إليه بكلِّ ما تستطيعون، من طلب رضوانه، فإنَّ خيرَ ما يَستعمل به الإنسان نفسه، أن يشتغل بما يُرضي ربَّه جلَّ في علاه، وإنَّ الله تعالى فرض عليكم فرائض، لتُسعدكم في دنياكم، ولتحفظكم من أهوال يوم معادكم، فاحرصوا على القيام بها على الوجه الَّذي يرضى به عنكم، فإنَّ كلَّ طاعة تقربكم إليه، كما أنَّ كل معصية تُباعدكم منه، فكلُّ قُربة، كلُّ طاعة، ظاهرة أو باطنة، فيما بينك وبين الله عز وجل، أو فيما بينك وبين الخلق، في أداء الحقوق والإحسان إليهم، كلُّ ذلك يقربك إلى مولاك، واعلم أنَّ من أعظم ما تَتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، أن تؤدي الحقَّ الذي فرضه عليك، في حقِّه وفي حق عباده، فأحبُّ ما تقرَّب به العبدُ إلى الله، أداء الواجبات والفرائض، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يقول الله تعالى : «إنَّ الله قال: من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطشُ بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته» صحيح البخاري: باب التواضع, حديث رقم: 6137 .

     فالمرتبة الأولى هي: أن تقومَ بما فرض الله تعالى عليك، والمرتبة الثانية هي: أن تقوم بالاستكثار من الصَّالحات والتطوُّعات والمستحبات، فتلك الطريق هي التي يدرك بها الإنسان رضا الله جلَّ وعلا، بها يدرك فوز الآخرة، ونجاة الدنيا.

    أيُّها المؤمنون عباد الله،

    إنَّ مما يُدرِك به الإنسانُ رضا الله مما فرضه عليه، أن يشتغل في وقاية نفسه، من كلِّ ما يقربه إلى النار، ومن كلِّ ما يُباعده عن طريق الهداية، وهذه مسؤولية أناطها الله تعالى بكل واحدٍ منَّا، فكلُّ واحدٍ منَّا مكلف، أن يقيَ نفسه النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ سورة التحريم، الآية 6   إنَّ الله أمرنا، بأن نشتغل وأن نعمل، في وقاية أنفسنا من عذابه، ومن سخطه، ومما أعده للعصاة من النار، ذاك لا يكون إلا بطاعته والإقبال عليه، إنك مسؤول عن نفسك، ستحاسب على الدقيق والجليل، الصغير والكبير، السر والإعلان، فاحذر أن يرى الله تعالى منك ما لا يرضى، فإنَّ الله تعالى أخرج آدم عليه السلام من الجنَّة بمعصية، فلا تستهتر، ولا تستخفَّ بالذنب مهما دقَّ وصغر، فإنَّ الذنوب إذا اجتمعن على صاحبها أهلكنه، جاء في "الصحيح "عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ضرب لهنَّ مثلًا: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، فأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها» مسند أحمد بن حنبل: مسند عبدالله بن مسعود, حديث رقم: 3818, حسن لغيره

    أي: الذنوب التي تُحتقر لا يراها الإنسان شيئًا، يقول هذه ما بضارةً، وهذه لن تؤثر عليَّ، وهذه لن تبعدني عن طريق الاستقامة، وهذه لن تُغضب الله عليَّ، ((إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنَّهن يجتمعنَ على الرجل حتى يُهلكنه)) هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمعن على الرجل فيهلكنه، ثم ضرب مثلًا يوضح كيف يقع الهلاك بصغائر الذنب ومحقَّر الخطايا، فقال صلى الله عليه وسلم: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأجَّجوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها» سبق تخريجه

     هكذا يقع الهلاك بالذَّنب تلو الذنب، والصغير تلو الصّغير، وإنَّ المؤمن مطالب بأن يقي نفسه الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وبَاطِنَهُ سورة الأنعام، الآية 120 ، فأمرنا الله تعالى بتوخِّي ظاهر الإثم، وهو ما يقع عليه أعين الناس، أو أسماعهم، أو علمهم، وباطنه وهو ما يكون بينك وبينه جلَّ في علاه، فاحذر واجتهد في اجتناب ذلك، «كلُّ ابن آدم خطاء» سنن الترمذي: باب 48, حديث رقم: 2499, سنن ابن ماجة: باب ذكر التوبة.  لكنَّ الخطائين يختلفون في إفاقتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «وخير الخطائين التوابون» ، إنَّ النبي أقرَّ بالخطأ، ولا تقف عند هذا؛ لأنَّ من الناس من يُبرر لنفسه الخطأ، بأنَّ كل ابن آدم خطَّاء، لكنه يغفل عن توجيهٍ نبويٍّ مهم، وهو أنَّ خير الخطَّائين التوابون، فكن توابًا، والتواب ولم يقل التَّائبين، بل قال التَّوَّابون، لكثرة توبتهم، ومعاودة التوبة بين فترة وأخرى، فهم لا يستغنون عنها، هي العبادة، التي لا ينفكُّ عنها الإنسان، في حينٍ من الأحيان، ولا في حال من الأحوال، هي عبادة العمر، فما أحوجَنا إلى كثرة التوبة والاستغفار، لا تقل: لن تضرَُّني تلك المعاصي، إنَّني أذنبتُ ولم أرَ لها أثرًا، فما من معصية إلا ولا بد أن تترك أثرًا، لكن عندما تنطمس البصيرة، ويعمى القلب، ما لجرحٍ بميت إيلام، تتوالى على الإنسان الخطايا، حتى يسودَّ قلبه، وهو في غفلة، عند ذلك لن يتمكن من اليقظة، سيكون هناك عوائق، تعيقه عن معاودة المسير إلى الله، وإصلاح الطريق في العودة إليه جلّ وعلا، فأكثر من التوبة والاستغفار، محمد بن عبد الله، أطيبُ الناس قلبًا، وأقربهم إلى ربه عبادة وطاعة، وأتقاهم لله، وأقومهم بأمره، أتدري كم كان يستغفر؟ إنه يحسب له في المجلس الواحد، كمجلسنا هذا أكثر من سبعين استغفارًا، «ربِّ اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور» أخرجه الترمذي(3434)، وابن ماجه(3814)، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، هذا حال من حَطَّ الله خطاياه، وخفَّف عنه الذنوب، ورفع درجته، وأماط عنه كل أذى، يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارًا، وجاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان من آخر ما يقول في صلاته، بين التشهد والتسليم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ» صحيح مسلم: باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود, حديث رقم: 1112.

    إنه يسأل الله باستفاضة، طالبًا مغفرة الذنوب والخطايا، ليشملها كلها، دقيقها وجليلها، تفقَّد نفسك من صباح هذا اليوم إلى الآن، كم هي خطاياك؟ ولا تكن غافلًا عن خطايا، لا يراها الناس، لكن يعلمها ربُّ العالمين، كم في قلبك من الكِبر؟ كم في قلبك من الحقد؟ كم في قلبك من الحسد؟ كما في قلبك من العُجب ورؤية فضلك على الناس؟ كم في قلبك؟ وكم في قلبك؟ بعض الناس يقصر المعصية على صورة، يقول: أنا ما أزني، أنا ما أسرق، أنا ما اعقُّ والديَّ، ويغفل عن أن هذه المعاصي ليست هي كل المعاصي، ولكن هناك معاصٍ أخرى، قد تفضي بك إلى الهلاك، وقد توقعك في شر المآل وسوء الحال، فاتَّق الله في السر والعلن، وذر ظاهر الإثم وباطنه، واجتهد في التخفُّف من المعاصي والسيئات ما استطعت، وأكثر من التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، فإنّ الله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرَّحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله حمدَ الشاكرين، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناءًا عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بطاعته، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بالقيام بما أمركم به، اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، بترك ما نهاكم عنه، لأن ذلك يحقق لكم سعادة عاجلة، وفوزًا أجلا، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ سورة أل عمران، الآية 185 ، ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا سورة عم، الآية 31، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.

    أيُّها المؤمنون،

    إننا بحاجةٍ، إلى من يُذكِّرنا، إلى من يعظنا، إلى من يوقظنا من غفلتنا، فإنَّ كثيرًا من الناس استحكمت عليهم الغفلة، وذاك بسبب ما وقعوا فيه من إقبال على الدنيا، وانصراف عن الآخرة، لذلك ينبغي للمؤمن أن يعالج نفسه، وأن ينظر في إصلاح مسيره إلى ربه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾  سورة المدثر، الآية 38، لا تغترَّ بكثرة المخطئين، لا تغترَّ بكثرة الغافلين، لا تغترَّ بكثرة المعرضين، فإنَّ الله لن يحاسبك مع المجموع، بل سيحاسبك منفردًا، ويسألك عن أمره ونهيه، ماذا صنعت في كذا؟ ماذا فعلت في كذا؟ لماذا عصيت في كذا؟ فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا في كتابه، أنّ كل واحد منا محبوسٌ على عمله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌسورة المدثر، الآية 38، يعني محبوسة، كل نفس في كسبها وعملها محبوسة، عملك إما أن يفُكَّك، وإما أن يُقيِّدَك، فإن كان صالحًا فكَّك عن عذابه، وأعتقك من عقابه، وإن كان غير ذلك فلا تلومنَّ إلا نفسك.

     اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرَّ أنفسنا، قوموا بما أمركم الله تعالى به، من إصلاح أنفسكم، وأوصوا أهليكم بكلِّ خير، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» صحيح مسلم: باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْىِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ, حديث رقم: 4828.

    لن تنجوَ إذا قصرت بحق أهلك، وفي حق من ولاك الله تعالى عليهم، ولا يلزم أن يكون هذا التوجيه للأب، حتى يقول غيرُ الأب نحن لسنا مخاطبين، هذا الخطاب لكل مؤمن: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ » صحيح مسلم: باب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ, حديث رقم: 186. ، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾  سورة التحريم، الآية 6  وأهليكم بوصيتهم، ونصيحتهم، الأب، الأم، الأخ، الأخت، الصغير، الكبير، كلُّنا مأمورون بأن نأتمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، إنَّ الذنوب تحجب عن الناس الخير، تحجب عنك الخير، تحجب عنك أول ما تحجب طمأنينة الفؤاد، وانشراح الصدر، فأكثر من الاستغفار ليزول ذلك، ثم يترتب على هذه الذنوب، من البلايا والشرور في الأرض والسماء، ما ذكره ربنا جل في علاه، حيث قال: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا سورة الروم، الآية 41، أي ليرى الناس ثمرة شيء، من أعمالهم، وتقصيرهم، لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ سورة آل عمران الآية: 72 ، أي لأجل أن تحصل منهم إفاقة، إذا توالت علينا النُّذر، ولم نرَ من أنفسنا رجعة، عند ذلك تستحكم على قلوب الناس الغفلة، فلا ينفع فيهم وعظ، ولا ينفع فيهم تذكير، حتى تَحِلَّ بهم العقوبات، وتنزل بهم النَّقمات، وعند ذلك، لا يلومنَّ الإنسان إلا نفسه، الله تعالى يؤدب عباده، فيما يُجريه عليهم في الخاص والعام، فيمنع منهم ما يُحبُّون، ويوقع بهم ما يكرهون، ليُفيقوا ويعودوا، فلتكن المصائب، وحرمان النعم، سببًا للإفاقة، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾   سورة النساء، الآية 160 والتحريم هنا  منه ما هو تحريم قدريٌّ، يعني يقضي الله بمنع الناس شيئًا مما يحبون، بسبب ظلمهم، كما فعل في بني إسرائيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا التحريم يحتمل أنه تحريم شرعي، ويحتمل أنه تحريم قدري، بأن يمنع الله تعالى شيئًا من أنعامه، والطبيات على عباده، بسبب ذنوبهم، وإنّ أعظم ما تُستدفع به النقمات، وتزول به البلايا والمصيبات، الخاصة والعامة، العودة إلى رب الأرض والسموات، بالاستغفار والتوبة، فتوبوا إلى الله، وأمِّلوا منه خير زاد.

     والتوبة باختصار: ندم على ما مضى من إساءة، وإقلاع عن الخطأ الحاضر، وعزم على الرشد والصلاح في المستقبل، هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًاسورة التحريم، الآية 8

    اللهمَّ ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اسلك بنا سبيل الرَّشاد، يا ربَّ العالمين، اجعلنا من عبادك، وأوليائك وحزبك، واصرف عنَّا السوء والفحشاء يا الله، اللهم إنَّا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والرَّشاد والغِنى، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، اللهم إنا نسألك من فضلك إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، ورشدًا في الظاهر والباطن، يا ربَّ العالمين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    1358
  • خطبة :ويتخطف الناس من حولهم.
  • الخطبة الأولى:

    إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له ومن يضلل فلن تجد له وليَّاً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، صفيُّه وخليله خِيرته من خلقه، أرسله الله بالهدى ودين الحقِّ بين يدي السّاعة بشيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع سُنَّته بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أمَّا بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى، فإنَّ تقوى الله جلَّ في علاه سببُ كل سعادة في الدنيا والآخرة، وتخلُّف التَّقوى، وغيابها سبب كلِّ شقاء في الدنيا والآخرة، قال جلَّ في علاه: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}  سورة الزمر : آية 61 . ينجِّيهم من كلِّ ما يخافون، يقيهم شرِّ ما يحذرون, يُبلِّغُهم ما يؤمِّلون, يُوصلهم إلى طمأنينة وسعادة وبهجة في الدُّنيا قبل الآخرة.

     أيُّها المؤمنون عباد الله, إنَّ الله جلَّ في علاه بعث الرسل جميعًا ليعبدوه وحده لا شريك له, ويدعوا الناس لعبادة الله وحده لا شريك له, وإن هذه العبادة قوامها الإيمان بالله, والإيمان برسله, والإيمان باليوم الآخر, وما يتبع ذلك من أركان الإيمان وأصوله؛ فإنّه لا يتحقق إيمانٌ إلا باجتماع وائتلاف؛ فإنّ الإيمان إنَّما يتحقَّق بائتلاف المؤمنين واجتماعهم, ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ » صحيح مسلم: باب بَيَانِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلاَمِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا, حديث رقم 203

    إنَّ السلام الذي أمر النبي صلي الله عليه وسلم بإفشائه بين الناس ليس هو كلماتٍ تُلقى, دون أن يكون لها رصيد في القلوب، دون أن لا يكون لها رصيد في المعاملة، دون أن يكون لها رصيد في المسلك والممارسة.

     إنَّ السلام معنى شامل لإيصال كلِّ خير، وكفِّ كلِّ شرٍّ، وبذل كل إحسان، وكفِّ كل أذى وإساءة، لذلك ذكر النبي صلي الله عليه وسلم وصفًا مجملًا للمسلم يَقيس به مدى ما معه من الإسلام فقال  صلي الله عليه وسلم، كما في الصحيحين: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» صحيح البخاري: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, حديث رقم: 10 , صحيح مسلم: باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلاَمِ وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ, حديث رقم: 171.

    فبقدر ما يسلم الناس من أذية بلسانك وبيدك وبقلبك فإنك تحقق من خصال الإيمان والإسلام ما يكون أعلى من غيرك, لذلك ينبغي للمؤمن أن ينظر في نفسه ومدى تحقُّق هذه الخصال في مسلكه ليقيس إسلامه، وليعرف قدر ما معه من الإسلام.

     أيُّها المؤمنون، إن النبي صلي الله عليه وسلم جاء برسالة مليئة بالنور والهدى, عنوانها الأعظم وشعارها الأكبر، ومنطلقها الذي لا يتخلَّف في حكم من أحكامها قولُ الله جلَّ وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} سورة الأنبياء : آية 107 . فالنبي صلي الله عليه وسلم جاء رحمة للناس, لا يتخلّف في ذلك موافق ولا مخالف, فهو رحمة لمن آمن به, وهو رحمة لمن عارضه وخالفه  ولم يؤمن به, وهذه الرَّحمة قوامها إيصال الخير وتحقيق العدل.

     عباد  الله!

     إنه لا يتحقق سلام ولا تتحقق رحمة، ولا يمكن أن يتحقق عدل ولا يمكن أن يُدرك الناس شيئًا من مصالح دنياهم أو أخراهم إلا بأمن يأمنون فيه على أنفسهم, يأمنون فيه على أموالهم, يأمنون فيه على عقولهم، يأمنون فيه على ما يحتاجونه من مصالحهم, لذلك اختصر النبي صلى الله عليه وسلم، قيمة الأمن في تحقيق الحياة الهنيئة, فقال كما في الترمذي من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((من أصبح منكم معافىً في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)) سنن الترمذي (2346)،وابن ماجه (4141)، وابن حبان(2/445)، ح(671)،وقال الترمذي حسن غريب. أي كأنما جُمع له كل متع الدنيا, كل نعيمها في تحقيق هذه الأمور الثلاثة, الأمن في النفس والجماعة، الأمن الصحي، الأمن الغذائي، فحياة الناس لا يمكن أن يتحقق فيها شيء من مصالح الدين، أو مصالح الدنيا، إلا بتحقيق الأمن, ولا يمكن أن يُحقِّقوا الأمنَ، إلا بالأخذ بشريعة الله عز وجل, والقيام بحدوده فإنَّ الله تعالى جعل الأمن جزاء لأوليائه وعباده، فمتى حقق الناس الإيمان وقاموا بالشرائع فُتحت لهم أبواب الأمن، لا يعني ألا يصيبهم أذى أو ألا ينزل بهم ما يكرهون, فالناس لابد أن يذوقوا من حصائد أعمالهم ما يكون سبباً لرجوعهم وإفاقتهم, قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الروم : آية 41 ، لكن شتَّان بين أن يكون الاختلالُ للأمن في أحوال وأحداث خاصة؛ وبين أن يكون اختلال الأمن على الجميع وسمةً للأمة, فعندها يكون الأمر مختلفاً غاية الاختلاف؛ لذلك من أعظم ما ينبغي أن يستشعر الناس نعمته, وأن يدركوا فضله ما أنعم به عليهم من الأمن, فإنه نعمة يتبعها كلُّ خير, وكلُّ النعم تنبثق  عن الأمن فمتى غاب الأمن كان ذلك مدعاةً لحصول فساد كبير وشر عريض, والله تعالى يجري على الناس في سلامة دينهم وإقامة شعائر إسلامهم في حال أمنهم ما لا يدركونه في حال الفرقة والنزاع والخوف والشقاق.

     اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك  واتبع رضاك يارب العالمين .

    الخطبة: الثانية.

    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًِّا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى, أحمده حق حمده لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله, اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد.

     أما بعد.

     فاتقوا الله عباد الله, اتقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى تُستجلب الخيرات, اتقوا الله تعالى حق التقوى تستدفعوا النقم والبليَّات, اتقوا الله تعالى حق التقوى تدركوا سعادة الدنيا, وفوز الآخرة.

     اللهم اجعلنا من عبادك المتقين, وحزبك المفلحين, وأوليائك الصالحين يا ربّ العالمين.

     أيها المؤمنون!

     إنَّ الناظر في أحوال الناس، يرى ممن فقدوا الأمن ما يكون له عبرة, وما يكون فيه عبرة؛ فإنَّ الإنسان إذا نظر لأحوال الأمم وما أصابها من فقد الأمن، وكيف حياتهم بعد أن فقدوا الأمنَ، يكون هذا من داوعي إفاقته, ويدعوه إلى التدبر والاستيعاب, بأسباب ذلك ونتائجه، ويكون حريصاً غاية الحرص على أن لا يصيبه ما أصابهم, وألا ينزل به ما نزل بهم, وإنَّ فقد الأمن الذي نُشاهده فيمن حولنا يوجب اتعاظنا واعتبارنا, فإن فقد الأمن في تلك البلدان عبرة وعظة, فلا دنيا تكون حال غياب الأمن, ولا دين تصلح حال غياب الأمن, ولهذا كانت المحافظة على الأمن ضرورة يشترك فيها الجميع, ليست خاصة لفئة أو لجهة بل مسؤولية الجميع, مسؤولية كل واحد منا أن يحافظ على أمنه الذي يعيش فيه, وأمن بلده, وأمن من حوله, فإن ذلك من الإحسان  الذي يجب على كل واحد منَّا أن يشارك فيه قدر طاقته واستطاعته، وما يجري من تربص الأعداء بنا ومحاولتهم النيل منا في تسليط بعض أبناء هذه البلاد, سواء كان تسليطًا كلاميًا, بإشاعة الشر والشقاق والفتنة وبذر الفرقة بين الناس, أو كان ذلك بالعمل المسلح الذي يحمل بعض أبناء هذه البلاد على زعزعة الأمن بحوادث متفرقة, لا يمكن أن يجمعها إلا جامع واحد، وهو استهداف بلادنا بكل سوء وشر لزعزعة أمنها والنيل من وحدتها.

     إنَّ ما جرى في رمضان الماضي من اعتداء فئة على بعض أطراف البلاد, وما جرى بالأمس القريب من اعتداء فئة على جماعة من المواطنين بقتل بعضهم، كله يجري في مساقٍ واحد, إنه لا يقيم حقًا، ولا يسعى إلى إصلاح، ولا يمكن أن يبرره مبرر، إنه فساد في الأرض, كل واحد منا مستهدف بهذه الحادثة، وبتلك الحوادث المتوالية التي تتابع للنيل من أمننا, إننا نصبح ونمسي في نِعَم لا يعلمها إلا الله, قَلَّ شكرنا فنسأل الله أن يغفر لنا ما قصرنا فيه, لكن هذه النِعَم إذا لم نتنبّه إلى ضرورة المحافظة عليها وقطع الطريق على المفسدين تحت أي شعار وتحت أي تبرير؛ فإننا على خطر عظيم, إن هؤلاء يسعون إلى زعزعة قبلة المسلمين, نحن نسير ونجوب الفيافي والقفار الواحد منا يركب سيارته ويمشي آلاف الكيلو مترات لا يخاف إلا الله, أترون أنَّ هذه النعمة ستكون لو اختل الأمن؟! والله لن تدوم ولن يتحرك الواحد إلى عمله لا إلى بلد آخر بعيد! إلا و هو قد اصطحب سلاحه، ولم يأمن على نفسه حتى مع ما معه من سلاح.

     فالواجب علينا أن نستشعر أن المستهدف هو ديننا هو أمننا هو مكتسباتنا, فلذلك يجب علينا أن نفيق.

     إن حفظ الأمن ليس مسؤولية لرجال الأمن فحسب, إنهم يقومون بما يقومون به من واجبات لكن ذلك لا يكفي في تحقيق الأمن, إذا لم نكن عونًا, التعاطف مع هؤلاء أو التبرير لهم أو البحث عن مسوِّغات، كل ذلك مشاركة في الجريمة, فمن برر لهؤلاء الأشرار االفجار الذين اعتدوا على المواطنين في الأحساء, والذين قتلوا رجال الأمن في القصيم, فقد شاركهم في الدم الذي أريق بغير حق, وله نصيب من وزر قبيح أعمالهم وفسادهم في الأرض.

     أسال الله العظيم رب العرش الكريم، أن يرفع عنا وعنكم البلاء, وأن يحمي هذه البلاد من المتربِّصين بها, اللهمَّ اجمع كلمتنا على الحق والهدى, اللهم ألِّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا, اللهمَّ من سعى بيننا بشر أو فساد أو فرقة أو شقاق، اللهم اجعل كيده في نحره, اللهم اجعل كيده في نحره,  اللهم افضح أمره, اللهم أفسد سعيه, اللهم أفشل مخططاته, اللهم اجعل دائرة السوء عليه يارب العالمين, اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المتقين وحزبك المفلحين وأوليائك الصالحين, اللهم آمِنَّا في أوطاننا, وأصلح أئمتنا ولاة أمورنا, وأجعل ولايتنا فيمن خافك, واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين, اللهم وفِّق رجال الأمن إلى ما فيه خير العباد والبلاد, اللهم أعِنهم وسدِّدهم، اللهمَّ أعنهم وسدِّدهم، اللهمَّ أعِنهم وسدِّدهم، اللهم ارزقهم البصيرة، واحمهم ممن يتربص بهم يا ربَّ العالمين, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين .

    التفاصيل
    0
    20
  • خطبة : الخلاف شر
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حق التقوى، وارقُبوا مقامكم بين يدي الله جلَّ وعلا، فإنَّ كلَّ أحد قائم بين يدي ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، يسأله جل وعلا عن الدقيق والجليل، والصغير والكبير، ولا فكاك من ذلك كله إلا بتقوى صادقة وتوبة راشدة يعود فيها الإنسان إلى ربه، يتوقَّى مواطن الزلل ومواقع الخطأ والخطر.

    أيها المؤمنون، عباد الله! إن هذه الدنيا جُبلت على التنوع والاختلاف، فالله تعالى قد خلق الزوجين ذكراً وأنثى، والله سبحانه أجرى من سنته في كونه ليلاً ونهاراً، فله اختلاف الليل والنهار سبحانه وبحمده، ومن بديع صنعه وعظيم قدرته أن خلق الأضداد، فذاك حسن وذاك قبيح.

    والضد يظهر حسنه الضد***وبضدها تتميز الأشياء .

    الاختلاف أمر واقع لا محالة، ولا سبيل إلى محاصرته، ولا سبيل إلى القضاء عليه، فهو سنة جارية في بني آدم، بل في الكون كله، فالاختلاف موجود، إلا أن الاختلاف أنواع وأشكال وألوان، فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما هو شر مستطير وفساد كبير، ولذلك ينبغي للناس أن يميزوا بين أنواع الخلاف المذموم وأنواع الخلاف السائغ المقبول، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفصيل، وإن الخلاف شرٌّ، ولا يتميز الخير إلا بمعرفة الشر.

    عرفت الشرَّ لا للشر لكن لتوقيه      

    ولا يعرفُ الإسلامَ من لم يعرف الجاهلية، وإنما تنقض عرى الإسلام بجهل الجاهلين وما عليه المارقون.

    أيها المؤمنون! إن الله تعالى قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء:92 ، وهذه الوحدة لا تقتصر على زمان ولا على مكان ولا على أمة، بل هذه الأمة التي وصفها الله تعالى بأنها أمة واحدة؛ هي أمة الإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى آخر موحد في هذه الدنيا، ممن يأذن الله تعالى بقبض روحه في آخر الزمان، كل هؤلاء أمة واحدة يجتمعون على مقصد عظيم، وهو ما قام له الكون، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56 .

    فهذه الوحدة لا يمكن أن يساوَم عليها، ولا يسوغ أن يُتنازل عنها، فالخلاف فيها هو الخلاف المذموم الأكبر الذي ذم الله تعالى أهله وأصحابه في كتابه وسنة رسوله. فالخلاف إذا عُطِّلت به قضايا التوحيد وانتُهكت به حقوق رب العالمين، وأخرج الناس من الإسلام لله رب السماوات والأرض فإنه مذموم ولا شك، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} هود:118 ، لكن حكمته اقتضت الافتراق والاختلاف، {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود:118 ، وهذا الاختلاف ليس الاختلاف في الإباحة والتحريم في مسائل وفروع الدين، وإنما هو اختلاف ذكره الله تعالى في قوله: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:7 ، اختلاف أهل الكفر مع اختلاف أهل الإيمان، {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} البقرة:176 ، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء:115 ، إنه خلاف الاعتقاد بربٍّ لا إله غيره، ولا مالك سواه، ولا مدبر غيره، ولا معبود بحق إلا هو، هذا الخلاف هو الاختلاف الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا يسوغه مسوغ، فهذا الخلاف شر، ولذلك قال ربنا: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} هود:118-119 ، فمن رحمه الله؛ سلم من هذا الخلاف، لأنه خلاف يفضي إلى النار، كما قال ربنا: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:7 .

    وأما الاختلاف الذي يكون في دائرة الأحكام والحلال والحرام، فهذا ليس بِشَر على الإطلاق، أي: لا يكون شراً في غالب الأحوال، لكنه قد يكون شراً في بعضها كما سنبين شيئاً من صور الشر في الخلاف الواقع في الأحكام والفروع والحلال والحرام.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التفرق في الدين وتقسيم الأمة وشرذمتها إلى طوائف وأحزاب، وفئات وجماعات متناحرة، يقول الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} آل عمران:105 ، فهذا الخلاف خلاف مذموم؛ لأنه يدعو إلى تمزيق وحدة الأمة ونسيجها الذي لا يساوم عليه، ولا يجوز أن يتنازل عنه، فالأمة اتحدت في مقصدها وغايتها، فقصدها الله، وغايتها تحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، فإذا اختلفت الآراء وتنوعت الاجتهادات تحت هذه المظلة الكبرى فلا حرج ولا ضير، فإذا استُثمر ذلك الخلاف في تمزيق الأمة وشرذمتها والدعوى بدعوى الجاهلية تحت أي مسمى من المسميات، فإنه من الشر الذي يجب توقِّيه ويدخل فيما قاله ابن مسعود: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    نعم، الخلاف شرٌّ أيها المؤمنون إذا أدى إلى البغي والعدوان وهتك الحقوق وانتهاك الحرمات.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التهاجر والتباغض، ولو كان في أصغر المسائل، سواءً كان ذلك في مسائل الدين أو مسائل الدنيا.

    الخلاف شرٌّ، إذا اتُّخذ وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة ونقض عراها والعبث بالدين، والنقض للثوابت والقيم.

    الخلاف شر إذا كان وسيلة للتغريب وإزالة هوية الأمة ومحاولة الدخول والنفوذ من الخلاف إلى ما لا خلاف فيه.

    وأضرب لك مثلاً لتعلم ما المقصود بهذا النوع من الخلاف: أولئك الذين يستغلُّون الخلاف لتمرير فساد يُشيعونه في المجتمع، أو شرٍّ يحملون الناس عليه، كل ذلك باجتهادات يسوغونها ليس قصدهم إعلاء كلمة الله ولا نصر الملة ولا توضيح الشريعة، وإنما قصدهم هدم الثوابت والتنازل عن القيم والرجوع إلى الخلف، والقيام بما جرى من بلاء في بقية البلدان باجتهاد أو بغير اجتهاد بحسن نية أو بغير حسن نية، فحسن النية لا يدفع لسوء العمل، فكم من عمل كانت نيته طيبة لكنه لا يمكن أن تشفع له النية الطيبة في الحكم عليه بالصحة والقبول، ومن هذا ما نسمعه هنا وهناك من الخلاف في مسألة الحجاب وكشف المرأة لوجهها، فكثير من الكُتَّاب والمتكلمين يتكلمون عن مسألة ستر المرأة لوجهها، ويتكلمون عن اختلاف العلماء في ستر الوجه: هل هو جائز أو لا، ويسوقون الأدلة، ويحكون الأقوال، ويحشدون الآراء، ويؤيدون المقالات بأنواع من المقولات، لكنه يخفى عليه أن وراء الأكمَّة ما وراءها، فليس الشأن في كشف الوجه، فالوجه مسألة خلافية لا يمكن حسم الخلاف بإلغائه، بل العلماء مختلفون فيه منذ قِدَم، لكن الشأن وراء ذلك من كشف الشعور والنحور وإبداء المفاتن وإخراج المرأة من سترها وحيائها، هذا الذي يقصدونه وإن قدموا له بخلافات فقهية، فالخلافات الفقهية لا يُقصد منها في بعض الأحيان بيان الحق وإيضاحه بقدر ما يكون وسيلة إلى ما هو أبعد من ذلك من سفور وشر، نسأل الله أن يقينا شرها.

    اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب العالمين، أحمده لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى والزموا أمره وشرعه وقدِّسوا ما أمركم بتقديسه، فإن تعظيم الله تعالى في القلوب من أجلِّ القربات، {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} نوح:13 ، ومن تعظيمه: تعظيم شرعه، وتعظيم حقه، لا نحصي ثناءً عليه سبحانه وبحمده، نعوذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه، لا نحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه.

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة، إذا وضع في غير موضعه لتسويق شر وفساد، ولذلك أمثلة كثيرة يمكن أن تكون في كلام هذا أو ذاك، إلا أن التفطنَ والتنبيه والتناصح والتعاون على البر والتقوى من أعظم وسائل محاصرة الشر والفساد، وإنَّ قضية كبرى تُطرح بين غالٍ وجاف، بين مفرِط ومفرِّط، بين داعية إلى شر وداعية إلى جمود وانغلاق؛ ألا وهي مسألة اختلاط المرأة بالرجال في الأعمال وغيرها، فهذه المسألة مسألة كبرى لا يتسنمها إلا من آتاه الله تعالى علماً بقوله وقول رسوله ومآلات الأقوال وما تنتهي إليه الأحوال، فإنه من الخطأ أن يتجرأ الإنسان على كلام لا يدري ما عاقبته ولا يدرك غائلته، ولا يرى شواهده في واقع الناس.

    إنَّ استحضار النصوص في اختلاط المرأة بالرجل في زمن النبوة في المسجد أو غيره، لا ينفع في تسويق الاختلاط الماجن الذي قد حُلَّ عن كل قيد وضابط، وهذا نموذج من الخلاف الذي يدخل فيما قال فيه ابن مسعود: «الخلاف شر».

    إن المرأة لابد أن تعمل في هذا الزمان الذي كثرت فيه الحوائج وفتحت فيه مجالات العمل، فهذه مسألة ليست محل نقاش فيما يبدو، والنقاش فيها هو رجوع إلى الوراء بما لا فائدة فيه، لأن المرأة في كثير من الأحيان خارجة خارجة شئنا أم أبينا، لكنَّ الأمر ينبغي أن يتحول إلى ما هو أهمُّ وهو ضبط هذا الخروج، لنتوقى الشر الذي ينذر الأمة بفساد عريض، فما أتيت الأمة من شرٍّ وفتنة، بقدر ما تؤتاه من قبل الاختلاط وفتنة النساء، وهذا ليس تعبيراً وإنشاء، وإنما هو قول من لا ينطق عن الهوى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أسامة: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، وهذا يدل على خطورة الأمر. والغريب أن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا الأمر ويُسوغون خروج المرأة دون ضبط ولا قيد، المرأة خارجة، لكن ينبغي أن يكون خروجها على وجه تحفظ فيه العورات، وتؤمن فيه الفتن والغوائل، وتحفظ فيه الشرائع، ويحاصر فيه الفساد؛ ألا وهو الزنا الذي هو أعظم الموبقات المفسدة للمجتمعات، ولذلك قال ربكم: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} الإسراء:32 .

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان مفضياً إلى فُرْقة الأمة، مفضياً إلى هتك حرمة الجماعة، فالجماعة رحمة كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير بإسناد لا يستقيم استقامة تطمئن لها النفس، لكن معناه صحيح: «الجماعة رحمة، والفُرْقة عذاب»، فينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق الجماعة، فليلة تحت وليٍّ ظالم خير من ليلة في فُرْقة وعذاب، وأنتم تشاهدون ما يصطليه إخوانكم في كثير من بلاد المسلمين لفقد الولايات التي تقوم عليهم وتنظم شؤونهم.

    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا

    فينبغي لأهل الإسلام أن يجتمعوا ويأتلفوا، وأن يعتصموا بحبل الله تعالى، ومن الاجتماع المحمود: الاجتماع على ولاة الأمر وحفظ حقوقهم والدعاء لهم بالتوفيق والتثبيت والحرص على نعمة الأمة، وعدم تخلل الشر وأهل الفتنة فيها، فلابد أن تقرر هذه القضية.

    واستمع إلى هذا المثال الذي نختم به هذه الخطبة: صلى عبد الله بن مسعود خلف عثمان بن عفان رضي الله عنهما في حجة في وقت خلافة عثمان، وكان عثمان في يوم عرفة يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، يصلي ركعتينِ الظهرَ والعصرَ في عرفة، إلا أنه اجتهد في سنة من السنوات فرأى أن يُتم الصلاة فصلى الظهر أربعاً والعصر أربعاً فصلى خلفه ابن مسعود، وكان قد قال: «إن ذلك خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم»، فقال له الناس: يا عبد الله! تقول هذا خلاف السنة ثم تصلي خلف عثمان وقد أتمّ؟ فقال رحمه الله: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    فهذا الفقه الدقيق في جمع الأمة وعدم خرق نسيجها، لأجل اختلافات فقهية أو آراء اجتهادية، هو مما ينبغي أن يشاع وأن يرهب، وأن لا يثرَّب على المجتهد مهما خالف اجتهادك اجتهاده، ما دام أنه في هذه المخالفة شر وفساد وفرقة وعدوان.

    اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارزقنا الاعتصام بحبلك، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} آل عمران:103 .

    اللهم قنا شرَّ كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته، اللهمَّ ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، وثبتنا عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    965
  • خطبة : الخوف من الله تعالى
  • الخطبة الأولى:

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    أما بعد.

    أيها المؤمنون بالله ورسوله.

    اتقوا اللهَ واحذروا عقابَه وشديدَ عذابِه وسخطَه، فالله سبحانه وتعالى شديدُ العذابِ شديدُ العقابِ ذو الطَّوْلِ لا إله إلا هو إليه المصيرُ، كما قال اللهُ جل ذكره: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} سورة الحجر: 49 -50

    وقد حذَّركم اللهُIنفسَه في كتابِه، فقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}   سورة آل عمران: 28قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرِ هذه الآيةِ: "أي: يخوِّفُكم اللهُ من نفسِه أن تركَبُوا معاصيَه أو توالوا أعداءَه، فإن إليه مرجعَكم ومصيرَكم بعد مماتِكم، فإن خالفتُم أمرَه نالكم من عقابِ اللهِ ما لا قِبَلَ لكم به، فاتقوه واحذروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب" جامع البيان في تفسير القرآن 5/320

    أيها المؤمنون.

    إن خوف الله تعالى من تمام الإيمان به لذلك أمر الله تعالى به عباده، فقال جل ذكره: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}  وقال سبحانه:{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}، سورة البقرة: 150.

    بل قد جعلَ سبحانه وتعالى خوفَه شرطاً لصحةِ الإيمانِ، فقال سبحانه عز وجل:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} سورة آل عمران: 175. .

    وقد أنذرَكم اللهُ أيها المؤمنون الأمنَ من مَكْرِه وعَذابِه، فقال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} سورة الرعد: 13. وقال سبحانه:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ –أي: عملوا السيئات - أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} سورة النحل: 45-47. ،وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} سورة الأعراف: 97 -99.

    أيها المؤمنون.

    إن الخوفَ من اللهِ تعالى من أجلِّ العباداتِ ومن أعظمِ القُرُباتِ، فهو الذي يحُولُ بينَكم وبينَ محارمِ اللهِ- عز وجل- ومعاصِيه، فللهِ ما أعظمَه، وللهِ ما أحوجَنا إليه، وللهِ ما أحسنَ عاقبتَه في الدنيا والآخرةِ؛ إذ بالخوفِ يا عبادَ الله يَنزِعُ العبدُ عن المحرَّماتِ، وبه يُقبِلُ على الطَّاعاتِ، فهو واللهِ أصلُ كلِّ فضيلةٍ، وباعثُ كلِّ قربةٍ.

    وبالخوفِ من الله أيها المؤمنون يستيقظُ القلبُ من غفلتِه وينتفعُ بالإنذارِ ويتأثرُ بآياتِ القرآنِ، قال الله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} سورة طه: 2-3. وقال سبحانه: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} سورة الزمر: 23.

    عبادَ اللهِ! إن الخوفَ من اللهِ تعالى هو من أخصِّ صفاتِ عبادِ اللهِ المتقين وأوليائِه المحسنين، قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} سورة الأنفال: 2.   قال الإمامُ الطبريُّ رحمه الله: "المؤمنُ هو الذي إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَ قلبُه وانقادَ لأمرِه وخضعَ لذِكْرِه خوفاً منه وفَرَقاً من عذابِه" جامع البيان في تفسير القرآن 11/ 27. .

    أيها المؤمنون.

    لقدْ كانَ النَّبيُّ  صلى الله عليه وسلم  شديدَ الخوفِ من اللهِ عظيمَ الخشيةِ له، مع ما خصَّه اللهُ -سبحانه وتعالى- به من الخصائصِ والفضائلِ والهِباتِ، ففي الصحيحين قال  صلى الله عليه وسلم : «فواللهِ إني لأَعلَمُكم باللهِ وأشَدُّكم له خشيةً»أخرجه البخاري (6101)، ومسلم (2356) من حديث عائشة رضي الله عنها.

    وعن عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ  رضي الله عنه  قال: «أتيتُ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم  وهو يُصلِّي، وله أزِيزٌ كأَزيزِ المِرْجَلِ من البكاءِ» أخرجه أحمد (15877) من حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه..

    أيها المؤمنون.

    هذا نبيُّكم  صلى الله عليه وسلم  غفرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخرَ، بلغَ الغايةَ في العملِ والطاعةِ، ومع ذلك كلِّه كانَ شديدَ الخوفِ من ربِّه، حتى كانَ أكثرَ دعائِه كما في جامع الترمذي: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"أخرجه الترمذي (2140) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه ، وكان من دعائِه كما في "صحيحِ مسلمٍ": «اللهم مصرَّفَ القلوبِ صرِّفْ قلوبَنا على طاعتِك»"صحيح مسلم" (2654) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ،أما صحابتُه الكرامُ فهم الذين قال فيهم القائلُ:

    إذا ما الليلُ أظلمَ كابَدُوه **** فيُسفِرُ عنهم وَهُم رُكوع

    أطارَ الخوفُ نومَهُمُ فقاموا**** وأهلُ الأمنِ في الدنيا هُجوعديوان عبد الله بن المبارك ص 14. 

    فَسَيْرُهُم رضي الله عنهم حافلٌ بالعِبَرِ والعِظاتِ، فهذا صدِّيق هذه الأمةِ وأفضلُها بعد نبيِّها  صلى الله عليه وسلم  المبشَّرُ بالجنةِ وعظيم المِنَّة كان إذا قامَ إلى الصلاةِ كأنه عودٌ من خشيةِ اللهِ تعالى.

    وهذا عمرُ بن الخطاب  رضي الله عنه  المبشَّرُ بالجنةِ، قرأ سورةَ الطورِ حتى إذا بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع} سورة الطور: 7. بكى واشتدَّ بكاؤُه حتى مرِضَ وعادَه الناسُ  رضي الله عنه  ، وكان يقولُ لابنهِ وهو في الموتِ: "ويحَكَ ضَعْ خدِّي على الأرضِ عساه أن يرحمَني"المحتضرين (47). .

    وهذا عثمانُ  رضي الله عنه  كان إذا وقفَ على القبرِ بكى حتى يبلَّ لحيتَه  رضي الله عنه .

    أما جمهورُ الصحابةِ  رضي الله عنهم ، فقد أخرجَ البخاري ومسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه  أنه قال: خطبَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  خطبةً ما سمعتُ مثلَها قطْ، فقال: «لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكتُم قليلاً ولبَكيتُم كثيراً»"صحيح البخاري" (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال أنسٌ: فغطى أصحابٌ رسولِ الله  صلى الله عليه وسلم  وجوهَهم ولهم خنين.

    فرضي اللهُ عنهم وأرضاهم ما أجمل فعلهم وأعذب ذكرهم!

    عبادَ الله! هذه نماذجُ من مخاوفِ القومِ مع ما خصَّهم به اللهُ تعالى من الرِّضا والغُفرانِ وتبشيرِ بعضِهم بالجنانِ. 

    فليتَ شعري!! ماذا نقولُ وقد قَسَت مِنَّا القلوبُ، وأمِنَتْ مِنَّا المخاوفُ، فلا بقُربِ الرحيلِ ننتبه، ولا بآياتِ اللهِ نتعظُّ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العليِّ العظيمِ.

    الخطبة الثانية

    أما بعد.

    اتقوا اللهَ ،واعلموا أن من علاماتِ خوفِ اللهِ تعالى وخشيتِه عدمَ الأمنِ من عذابِ اللهِ وعقابِه وسَخطِه ،قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} سورة المؤمنون: 57. ،فهؤلاء يا عبادَ اللهِ قوم حسُنت أعمالهُم وطابت سرائرُهم وَزَكَت قلوبُهم واستقامت جوارحُهم، إلا أنهم مع ذلك لم يأمَنوا عقابَ اللهِ وعذابَه، فقلوبُهم وجلةٌ خائفةٌ أنهم إلى ربِّهم راجعون.

    وهذا يفسِّرُ لنا ما كانَ عليه النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  من شدَّةِ الحَذَرِِ من عِقابِ اللهِ والخوفِ من سَخَطِه، ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  إذا كان يومَ الرِّيحِ أو الغَيْمِ عُرِف ذلك في وجهِه، وأقبلَ وأدبرَ فإذا مَطَرت سُرَّ به وذهبَ عنه ذلك، قالت عائشةُ: فسألتُه؟ فقال: إني خشيتُ أن يكونَ عذاباً سُلِّطَ على أُمَّتي »أخرجه مسلم (899). .

    وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ قال لها لما سألتْه: « يا عائشةُ، ما يؤمِّنُني أن يكونَ فيه عذابٌ، وقد عُذِّب قومٌ بالرِّيحِ، وقد رأى قومٌ العذابَ، {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}»"صحيح البخاري "(4829) من حديث عائشة رضي الله عنها..

    ولما كسفت الشمسُ في عهدِه  صلى الله عليه وسلم  خرجَ إلى المسجدِ مُسرِعاً فزِعاً يجرُّ رداءَه من شدةِ الفزعِ، فقام بأصحابه  صلى الله عليه وسلم  قياماً طويلاً شديداً حتى جعلوا يخرُّون من طولِ القيامِ، فاستكملَ رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  في الرَّكعتين أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ، رأى في صلاتِه تلك الجنةَ والنارَ، فلما فَرَغَ من تلك الصلاةِ خطَبَ خطبةً عظيمةً بليغةً كان منها أن قال  صلى الله عليه وسلم : «أيها الناسُ إن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللهِ لا يخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافزَعوا إلى الصلاةِ وادعوا اللهَ وكبِّروا وتصدَّقوا، يا أمةَ محمدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً» أخرجه البخاري (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. ، وفي رواية قال  صلى الله عليه وسلم  عن الكسوفِ: «إنه من آياتِ اللهِ تبارك وتعالى يعتبِرُ بها عبادَه، فينظرُ من يُحدِثُ منهم توبةً»أخرجه أحمد (19665) والحاكم (1230) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والحديث صححه الحاكم..

    فلا إله إلا الله ما أطيبَ قلوبَهم وأزكى سرائرَهم وأشدَّ خوفَهم وحبَّهم وتعظيمَهم لربِّهم جل وعلا، فإن هذه الآياتِ والعظاتِ لا يَعتبرُ بها إلا من عَمَّرَ الخوفُ قلوبَهم، قال الله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} سورة هود: 103. ،وقال سبحانه:{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} سورة الذاريات: 37. .

    أيها المؤمنون.

    إنه لما ضعُفَ إيمانُنا باللهِ وقلَّ خوفُنا منه وتعظيمُنا له قَسَتْ مِنَّا القلوبُ وساءت الأعمالُ وصدق في كثيرٍ منَّا قولُه جل وعلا:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون} سورة يوسف: 105. ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    التفاصيل
    0
    4373
دروس
  • الدرس(20) باب مفسدات الصلاة ومكروهاتها ,وصلاة الكسوف
  • باب مفسدات الصَّلاة ومكروهاتها

    (تبطلالصلاةبتركركنأوشرط،وهويقدرعليهعمدًاأوسهوًاأوجهلًا إذا لم يأت به،وبترك واجبٍعمدًا،وبالكلامعمدا،وبالقهقهة،وبالحركةالكثيرةعرفاً،المتواليةلغيرضرورة؛ لأنهفيالأولتركمالاتتمالعبادةإلابه،وبالأخيراتفعلمايُنهىعنهفيها.

    ويُكرهالالتفاتفيالصلاة؛لأنالنبي صلى الله عليه وسلم سئلعنالالتفاتفيالصَّلاةفقال: ((هو اختلاسٌ يختلسه الشَّيطانُ من صلاة أحدكم )) رواهالبخاري صحيح البخاري:3117  .

    ويكرهالعبثووضعاليدعلىالخاصرة،وتشبيكأصابعهوفرقعتها،وأنيجلسفيها مُقعيًا كإقعاءالكلب،وأنيستقبلمايلهيه،أويدخل فيهاوقلبهمشتغلبمدافعةالأخبثين،أو بحضرةطعامٍ يشتهيه،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ » صحيح مسلم: 1274.

    ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أنيفترشالرجلذراعيهفيالسجود.

    هذا الباب عادة الفقهاء رحمهم الله يذكرونه منضمًّا إلى باب صفة الصلاة. أفرده المصنف رحمه الله ببابٍ مستقلٍّ لأهمية العناية به، والتمييز بين ما يفسد الصلاة وما يُكره فيها.

    يقول رحمه الله: (باب مفسدات الصلاة ومكروهاتها). (مفسدات). جمع مُفسد، والمفسد هو المبطل، وإبطالُها لا فرق فيه بين أن يفعله عامدًا أو ساهيًا، على ظاهر ما ذكره المصنف رحمه الله.

    وأما فعلها جاهلًا، فمحلُّ تأمُّل في كلام المصنف، لا نستطيع أن نجزم بإبطالها إلا فيما نصَّ عليه؛ لأنه فرق فيها بين ترك ركن وبين الكلام، وسنأتي على أثر الجهل في ثنايا ما ذكر رحمه الله .. هذا ما تعلق بالمفسدات.

    أما (المكروهات). فالمكروهات جمع مكروه ،وهو ما يُثاب تاركه ولا يُعاقب فاعله .. قال رحمه الله: (تبطل الصلاة). سواء كان فرضًا، أو نفلًا، (بترك ركن أو شرطٍ). بترك ركنٍ من أركان الصلاة كالركوع، والقيام، والسجود، والرفع منه، قراءة الفاتحة، (أو شرط). كاستقبال القبلة، أو الطهارة، أو ستر العورة في الصلاة.

     قال (وهو يقدر عليه). هذا قيدٌ لبطلان الصلاة بترك الرُّكن أو الشَّرط. يُقيَّد ذلك بما إذا كان يقدر عليه، يُعلم من هذا أنه إذا عجز عنه فإنه لا تبطل صلاته بتركه، سواءً كان ركنًا أو كان شرطًا، أما دليل ذلك قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} سورة التغابن : آية (16).

    وأما الركن فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)) صحيح البخاري: 1066 وأما الشرط، فقوله جل وعلا: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} سورة البقرة : آية (239)، فأذن لهم الله تعالى بالحركة في الصلاة، وأذن لهم بالصلاة حيثما توجهوا، لقوله: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} ومعلوم أن الراكب والراجل لا يلزم أن يستقبل جهة القبلة .

    قال رحمه الله: (عمدًا أو سهوًا أو جهلًا) ؛ أي لا يسقط بترك ركنٍ أو شرط، سواءً كان عامدًا، إذا كان قادرًا عليه، أو ساهيًا، أو جاهلًا، إذا لم يأت به، هذا قيد، وبترك واجبٍ عمدًا؛ أي تبطل الصلاة بترك الواجبات إذا كان متعمِّدًا، كالتشهد، وكالتكبير على ما ذكر المصنف، وقول "سمع الله لمن حمده"، وقول "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى"، في الركوع والسجود، وربِّ اغفر لي بينهما.

    قال: (وبالكلام عمدًا). أي وتبطل الصلاة بالكلام عمدًا، وخرج به ما إذا كان سهواً أو جهلًا؛ فإنه لا تبطل الصلاة بذلك، ودليل ذلك أنَّ الله تعالى أمر بالقنوط في الصَّلاة، وهو ترك الكلام قال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } سورة البقرة : آية (238).

    وقد جاء في الصَّحيح في حديث زيد بن الأرقم، قال: كان الرجل يحدِّث أخاه في حاجته في الصَّلاة حتى نزل قول الله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } سورة البقرة : آية (238). فامتنع الناس عن الكلام في الصلاة .

    قال: (وبالقهقهة). أي الضحك الذي يكون معه صدور هذا الصوت، وهو المبالغة في الضحك، شدة الضحك. القهقهة، هي شدة الضحك التي يصحبها هذا الصوت غالبًا، وذلك أنه يُنافي مقصود الصلاة، ويُنافي الطمأنينة فيها.

    وبعد ذلك قال: (وبالحركة الكثيرة عرفًا). هذا الرابع من المفسدات والمبطلات التي ذكرها المصنف، (بالحركة الكثيرة عُرفًا، المتوالية لغير ضرورة). فخرج به، الحركة الكثيرة غير المتوالية، لغير ضرورة، أي إذا لم يكن ثمَّة ضرورةٌ لهذه الحركة .

    التعليل: الآن يستدل لما تقدم؛ قال: لأنه في الأول ترك  ما لا يتم العبادة إلا به، وهو فيما إذا ترك ركنًا، أو شرطًا، أو واجبًا عمدًا، وكذلك قال: (وبالأخيرات فعلى ما يُنهى عنه فيها). وهو الكلام والقهقهة والحركة، إذ إن الحركة تُنافي القنوت، وهو القيام والسكون فيها، والله تعالى إنما أذن بالسير فيما إذا كان محتاجًا إليه في قوله: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} سورة البقرة : آية (239).

    يقول المصنف رحمه الله: (ويُكره الالتفات في الصَّلاة ). ثم ذكر دليل ذلك، فالالتفات في الصلاة المقصود به هنا، الالتفات بالعنق، بالرأس، وأما الالتفات بالبدن، فإنه يبطل الصلاة؛ لأن الله تعالى أمر بالتوجه إلى البيت، قال تعالى:  {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } سورة البقرة : آية (144). فإذا التفت ببدنه عن القبلة، لم يكن مستقبلًا القبلة، فيكون قد فوَّت شرطًا من شروط الصلاة.

    فقوله: (ويُكره الالتفات في الصلاة). أي الالتفات بالرأس دون البدن، واستَدل بذلك بقوله لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الالتفات في الصلاة فقال: ((هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاة أحدكم )) صحيح البخاري:3117 هو اختلاس، أي الأخذ خفية، أخذ الشيء خفيه، وعلى حين غفلة وغِرَّة، يختلس من صلاة العبد، أي ينقص به صلاة العبد، وهذا يُشعر بأن الالتفات في الصلاة مكروه، وهذا فيما يتعلَّق بالالتفات بالرأس.

    أمَّا إذا التفت بقلبه التفاتاً كليًا غيَّب الخشوع تمامًا، ففي صحة صلاته قولان لأهل العلم؛ لأن منهم من يرى أن الخشوع يحصل بالقدر الأدنى من الطمأنينة، وأن الخشوع ليس واجبًا، ومنهم من يرى أن الخشوع حضور القلب مع الطمأنينة، فإذا غاب بالكلية بطلت صلاته.

    وأما إذا كان يلتفتُ التفاتًا يسيرًا بقلبه، أو ينشغل ويدافع فإنَّ صلاته صحيحة، وينقص من صلاته بقدر ما غَفل، فله من صلاته بقدر حُضور قلبه، أمَّا الالتفات بالبدن، فقد تقدم الكلام عليه، إذًا الالتفات في قوله رحمه الله: (يُكره الالتفات في الصلاة). المقصود به الالتفاتُ بالرأس، وأمَّا الالتفات بالبدن فتبطل به الصلاة، إذا لم يكن ضرورة ، وأما الالتفات بالقلب ففيه التَّفصيل الذي تقدم.

    قال رحمه الله: (ويُكره العبث). والمقصود بالعبث هنا، العبثُ بشيء من الأعضاء، سواءً كان بيده، أو بقدمه، أو بغير ذلك، والعبث الذي يُكره هو ما لا يصل إلى حد الحركة الكثيرة، فإن وصل إلى حد الحركة الكثيرة، ولم يكن ضرورةٌ؛ فإنها تبطُل صلاته كما تقدَّم، وضابطُ ذلك فيما يظهر -والله أعلم- أن يكون في حالٍ لا يصلح معها أن يكون مصلِّيًا في نظر النَّاظر.

    قال: (ووضع اليد على الخاصرة). أي: يُكره أيضًا وضعُ اليد على الخاصرة، والخاصرة، هي ما أسفل الجنبين، ما بين نهاية الأضلاع إلى الحوض، هذا يسمى خاصرةً ، فيكره أن يضع يده على الخاصرة، ولا فرق في ذلك بين أن يضعَها وهو قد ضم يديه، أو يضعها مفرِّقًا بين يديه، يعني لا فرق بين أن يضعها هكذا، الآن، هكذا وضعها على الخاصرة، وبين أن يضعها هكذا، كلاهما مما يدخل فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا منهيٌّ عنه، وإن كان قد ضمَّ يديه، وهذا منهيٌّ عنه؛ لأنه يتحقق به ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من وضع اليدين على الخاصرة.

    قال رحمه الله: (وتشبيك أصابعه). أي: يُكره تشبيكُ أصابعه، وهو إدخالُ بعضها في بعض، سواءٌ كان إدخالاً لجميع الأصابع أو لبعضها، كأن يدخل بعض أصابعها في بعض، كل ذلك مما يدخل فيما يكره، لحديث  كعب بن عجرة قال: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - الْمَسْجِدَ وَقَدْ شَبَّكْتُ بَيْنَ أَصَابِعِي , فَقَالَ لِي: يَا كَعْبُ , إِذَا كُنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فلَا تُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ , فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتَ الصَّلَاةَ)) وهذا الحديث رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد تكلم جماعةٌ من أهل العلم على إسناده مسند أحمد: 18155.

    والتشبيك الذي يُكره، هو التشبيك الذي لا حاجة إليه، أما إذا كان له حاجة فإنه لا حرج فيه، فقد شبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه في المسجد مع أنه في صلاة، وكان ذلك لحاجة، ولم يكن تشبيكًا دون حاجة، وقيل: إنَّ تشبيكه كان عاذرا.

    أما التشبيك لحاجة فهو تمثيله صلى الله عليه وسلم: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » صحيح مسلم: 6751، والحديث الآخر : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضا، وشبَّك بين أصابعه)) صحيح البخاري: 2314، فهذا للتمثيل، والتوضيح، وبيان المعنى .

    وأيضًا لما أخبر بنقص صلاته صلى الله عليه وسلم، قام وشبك بين أصابعه، ووضع يده على خده واتكأ عليها صلى الله عليه وسلم.

    قال: (وفرقعتها). أي تكره فرقعتها، لما روى ابن ماجة في حديث عليٍّ رضي الله عنه، قال: ((لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ)) سنن ابن ماجه: 965 ، وجاء مثله كذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، حيث صلى شعبه مولى بن عباس بجواره ، فقعقع أصابعه، فلما قضى الصلاة، قال له ابن عباس رضي الله عنه" لا أم لك- تُقعقع أصابعك وأنت في الصلاة"؛ لأن ذلك مما ينافي الخشوع والحضور والأدب في القيام في الصلاة.

    والأحاديث الواردة في ذلك في إسنادها مقال، لكنها من جملة ما يُستدلُّ به على أنه مما يخالف الأدب في الوقوف بين يدي الرب جل في علاه.

    قوله رحمه الله: (أن يجلس فيها مُقعيًا، كإقعاء الكلب). أي يُكره أن يجلس في الصلاة مُقعيًا كإقعاء الكلب، وذلك لما ورد من النهي عن الإقعاء كإقعاء الكلب، فجاء ذلك في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((أمرَني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بثلاثٍ ، ونَهاني عن ثلاثٍ : أمرَني برَكْعتيِ الضُّحَى كلَّ يومٍ ، والوترِ قبلَ النَّومِ ، وصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ ، ونَهاني عن نَقرةٍ كنقرةِ الدِّيكِ ، وإقعاءٍ كإقعاءِ الكلبِ، والتفاتٍ كالتفاتِ الثَّعلب)) مسند أحمد: 8091،وذلك في الصلاة، حيث كل هذه المنهيَّات مما يتعلق بالصلاة.

    قال رحمه الله: (أن يجلس فيها). أي في الصلاة، سواءً كان في التشهد أو بين السَّجدتين؛ لأنه يشمل كلَّ مواضع الجلوس، مُقعيًا كإقعاء الكلب، والإقعاء اختلف العلماء في صفته على قولين.

    • منهم من قال: ينصب قدميه، ويلصق مقعدته بالأرض، هذه صفة.

    • الصفة الثانية: قيل إنه ينصب قدميه ويجلس عليهما - هذه الصفة الثانية التي ذكرها أهل العلم أو فسَّر بعض أهل العلم  الإقعاء بها.

    وهذه الصفة الثانية هي نصب القدمين، والجلوس عليهما، كرهها جمهور العلماء، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها سنة بناءً على ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ. فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ -صلى الله عليه وسلم) صحيح مسلم: 1226. ففعل ذلك في هذا الموضع ليس مكروهًا، لوروده عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

    إذًا اختُلف في صفة الإقعاء، فقيل: أن ينصب رجليه، ويجلس على مقعدته بينهما، هذه صفة، الصفة الثانية أن ينصب قدميه، ويجلس على عقبيه.

    • الصفة الثالثة: قيل أن يجلس متكئًا على يديه، فهذه عدَّها بعضهم من الإقعاء، والذي يظهر والله أعلم، أنه أن ينصب قدميه ويجلس بينهما، أن يلصق مقعدته  بالأرض وينصب قدميه، هذا أقرب ما يقال في صفة الإقعاء المنهيِّ عنه؛ لأن هكذا يجلس الكلب، هذا الإقعاء كإقعاء الكلب.

    ثم قال رحمه الله: (وأن يستقبل ما يلهيه). أي يكره أن يستقبل ما يلهيه، أو أن يلبس ما يلهيه، سواءً كان ما يلهيه في موضع سجوده أو بين يديه، وسواءً كان ما يُلهيه صورة أو صوتًا، فكلُّ ما يلهي ويشغل صورةً أو صوتًا في موضع سجوده، أو فيما بين يديه فإنه يُكره أن يستقبل ما يلهيه.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله، أنه مما يتعلق بالنظر؛ لأنه لا فرق فيما يلهي صوتًا بين أن يكون بين يديه أو عن يمينه، أو عن يساره، أو عن خلفه؛ لأن الصوت يبلغ أينما كان لكن الذي يقرب إلى الصواب، أنه يُكره أن يصلي بقرب ما يُلهيه، سواءً كان ذلك مما يراه أو مما يسمعه.

    أما قوله: (أن يستقبل ما يلهيه). المقصود به ما ينظر إليه، وذلك لما في ذلك من الإشغال، وقد جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في إزالة الملهيات حيث صلى في خميصةٍ لها أعلام، ثم لما فرغ نزعها، وقال: « اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِى جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا في صَلاَتِي » صحيح مسلم: 1267.

    وهذا معلوم أنه لم يستقبلها، لكنها كانت عليه صلى الله عليه وسلم  فأشغلته.

    أما الاستقبال فجاء في حديث أنس أنه كان قرام لعائشة بين يديه سترت به جانبًا من بيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((أَمِيطِي عَنِّي، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاَتِي)) صحيح البخاري: 5614، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالته، هذا ما يتصل بقوله رحمه الله: (وأن يستقبل ما يلهيه).

    قال: (وأن يدخل فيها وقلبُه مشتغل). أي: يدخل في الصلاة وقلبه مشتغل، وذكر صورتين من صور الاشتغال، ويُلحق بهما أمثالهما، (بمدافعة الأخبثين). وهو البول والغائط، لحديث عائشة رضي الله عنها كما سيأتي، (أو بحضرة طعام يشتهيه). أي بحضور، (طعام يشتهيه). أو تعلقت نفسه به، ولا فرق في الطعام بين أن يكون مأكولًا أو مشروبًا، فإن الطعام يُطلق على هذا وعلى هذا، حتى يتفرغ قلبه ويقضي نهمته من طعامه، أو يقضي ما يحتاج قضاءه من حاجته.

    ودليل ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قال: بقوله : « لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ » صحيح مسلم:  1274

    . لا صلاة بحضرة طعام، هذا النفي يشمل في الأصل الحقيقة، لكن لما كانت الحقيقة توجد حملوه على الصحة، أو على الكمال، أما حمله على الصحة، فذلك فيما إذا كان لا حضور لقلبه بالكلية ، وأما على الكمال فيما إذا كان ذلك يشغله ويأخذ من قلبه .

    قال رحمه الله: (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود). هذا مما يكره في الصلاة ، أن يفترش الرجل يديه في الصلاة، أي يجعلهما فراشًا يمدهما بأن يجعلهما ملتصقتين بالأرض في سجوده، لحديث عائشة رضي الله عنها: ((وكان يَفرِشُ رجلَه اليسرى وينصِبُ رجلَه اليمنى , وكان يَنهَى عن عُقْبَةِ الشيطانِ ويَنهَى أنْ يَفرِشَ الرجلُ ذِراعَيْهِ افتِراشَ السَّبُعِ)) صحيح مسلم:240.

    ثم ذكر المصنف رحمه الله بعد ذلك باب صلاة التطوع، بهذا قد يكون فرغ المصنف رحمه الله من باب مفسدات الصلاة ومكروهاتها .

    بعد الكلام عن الفريضة جاء المصنف رحمه الله بالحديث عمَّا يكملها وهو النافلة والتطوع. قال رحمه الله

    باب صلاة التطوع، صلاة الكسوف

    (وآكدها صلاة الكسوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها، وتُصلَّى على صفة حديث عائشة: ((أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- جَهَرَ فِى صَلاَةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) متفق عليه صحيح البخاري: 1016,صحيح مسلم:2131.

    المصنف رحمه الله قال: (باب صلاة التطوع). أي: الصلوات غير المفروضات، وغير ما يُلحق بها من التطوُّعات، فإن من التطوع الرواتب، لكنه قدَّم ذكرها؛ لأنها ملحقة بالفرائض.

    فقوله: (باب صلاة التطوع). يعني ما لا صلة له بالفرائض من المتطوَّع به من الصلاة، أو المتطوّع به من الصلوات، مما لا صلة له بالفرائض، وجملة ما ذكر المؤلف رحمه الله من التطوُّعات يمكن أن يصنَّف إلى صنفين:

    • ما يُشرع التطوّع به على وجه الدوام .

    • وما يشرع التطوع به عند وجود سببه.

    فبدأ رحمه الله بصلاة الكسوف، والسبب في بدايتها قال: (وآكدها). لأنها آكد صلاة التطوع وهي صلاة لسبب.

    وقوله رحمه الله: (آكدها). أي أعظمها منزلةً وتأكيدًا وطلبًا، فالتأكيد هو الإلحاح في الطَّلب أو التَّرغيب الشديد في الفعل.

    قال رحمه الله: (آكدها صلاة الكسوف). صلاة من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني الصلاة التي سببها الكسوف، والكسوف ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضهما، هذا تعريف الكسوف.

    وهي آية من آيات الله التي يخوف بها عباده ، ودليل مشروعيتها وآكديتها أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها،  فإنه صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس في زمانه، خرج يجرُّ رداءه يظنها الساعة، وأمر بها فقال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا لِلصَّلاَةِ » ولفظ البخاري: ((أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)) . هذا وجه قول المصنف رحمه الله: (وأمر بها).

    قال رحمه الله : (وتُصلى على صفة حديث عائشة). وذلك أن صفة صلاة الكسوف وردت على أنحاء، وعلى أوجه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أصح ذلك وأكمله ما ذكره المصنف مما جاء في وصف عائشة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم للكسوف.

    قال رحمه الله: (وتُصلى على صفة حديث عائشة، ((أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَهَرَ فِي صَلاَةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) صحيح البخاري: 1016,صحيح مسلم:2131

    إذًا هي جهرية، سواءً كانت صلاة لكسوف الشمس أو القمر، فصلى أربع ركعات في ركعتين، يعني يصلي في كل ركعة ركعتين، وأربع سجدات، فختم الصلاة بأربع ركعات وأربع سجدات..

    واختلف العلماء رحمهم الله في الركعة التي يُدرك بها الركوع في صلاة الكسوف، فمن قائل إنه الركوع الأول، ومن قائل إنه الركوع الثاني. والأقرب –والله أعلم - أن الركوع الأول هو الذي تدرك به الركعة، إذ القراءة والركوع الثاني سنة.

    فلو اقتصر على صلاة الكسوف على قراءة ثم ركوع ثم سجود ثم قيام ثم قراءة ثم ركوع ثم سجود لصحت صلاته، فدل هذا على أن الركوع الذي هو ركن تدرك به الصلاة هو الركوع الأول.

    ووضع المصنف رحمه الله صلاة الكسوف في صلاة التطوع، هو أحد قولي أهل العلم، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها واجبةٌ لفعله صلى الله عليه وسلم ولأمره، حيث قال: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزَعُوا)). والفزع هو شدة المبادرة لفعل الشيء.

    لكن لما كانت الصلوات الواجبة قد جاء بيانها في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت هذه الصلاة مطلوبة على وجه التأكيد، لا على وجه الوجوب. هذا دليل الجمهور. قالوا إن المفروض الذي لا خلاف فيه ودلت عليه الأدلة هو المكتوبات وأما ما عداه فهو ليس مفروضًا.

    والأدلة في ذلك عديدة، ومنها حديث أبي طلحة رضي الله عنه: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة المكتوبات، هل عليَّ غيرها؟ قال: « لاَ. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ فَقَالَ « لاَ. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ». فلما انصرف قال: ((وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ) صحيح البخاري: 2532, صحيح مسلم: 109.

    أجاب القائلون بالوجوب بأن وجوب صلاة الكسوف عارضٌ وليس دائمًا، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأحاديث  يبين ما يجب على وجه الدوام، لا على وجه العارض.

    والأقرب من القولين هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم الوجوب، وإنما يتأكد ذلك في حال الكسوف، وليس واجبًا، ويُسن أن ينادى لها: الصلاة جامعة ،كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: ((لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نُودِيَ: «إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ، فَرَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ [ص:37] جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ»، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا)) صحيح البخاري: 1003.

    من حديث إن الصلاة جامعة.

    التفاصيل
    0
    210
  • الدرس(19)باب سجود السهو والتلاوة والشكر
  • الحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده جل في علاه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    أما بعد،

    قال المصنف رحمه الله: (باب سجود السهو والتلاوة والشكر).

    (باب سجود السهو والتلاوة والشكر، وهو مشروع إذا زاد الإنسان في صلاةٍ ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا سهوا، أو نقص شيئًا من المذكورات أتى به وسجد للسهو، أو ترك واجبًا من واجباتها سهوا، أو شكَّ في زيادة أو نقصان.

    وقد ثبت " أنه صلى الله عليه وسلم قام عن التشهد الأول فسجد، وسلم من ركعتين من الظهر أو العصر، ثم ذكَّروه فتمَّم وسجد للسهو"، ((وصلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيدت الصلاة، فقال: وما ذاك، قالوا صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلَّم) صحيح البخاري:(392).

    وقال:((إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَم صلَّى ؟ ثلاثًا أمْ أربعًا ؟ فليطرَحِ الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقنَ . ثمَّ يسجُدُ سجدتينِ قبلَ أن يسلِّم، فإن كانَ 

    صلَّى خَمسًا، شفَعنَ لَه صلاتَه . وإن كانَ صلَّى إتمامًا لأربعٍ، كانتَا تَرغيمًا للشَّيطانِ) رواه أحمد ومسلم صحيح مسلم:(571)، مسند أحمد:(11799).

    وله أن يسجد قبل السلام أو بعده، ويُسن سجود التلاوة للقارئ والمستمع في الصَّلاة وخارجها، وكذلك إذا تجدَّدت له نعمةٌ، أو اندفعت عنه نِقمة، سجد لله شكرا . وحكم سجود الشكر كسجود التلاوة).

    بعد أن فرغ المصنف من باب صفة الصلاة بأقسامها، الأركان والواجبات والمستحبات، عطف على ذلك باب سجود السهو، فجاء بباب سجود السهو؛ لأنَّ السَّهو جبرٌ لنقصٍ في الصلاة، وهو ترك الواجب، نسيانًا وغفلةً، روح الصلاة وكمالها بحضور القلب.

    ولذلك ينبغي للمؤمن أن يجتهد في حضور قلبه، لكن مهما كان القلب حاضرًا، قد يطرأ على الإنسان من السهو ما يجعله يُنقص أو يزيد في صلاته، فبينت الشريعة كيف يتعامل مع النقص والزيادة في الصلاة.

    قوله رحمه الله: (باب سجود السهو). أي السُّجود الذي سببه السَّهو، فهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، السجود الذي سببه السهو، والسهو هو الذُّهول والغفلة والنسيان، وعدم استحضار الشيء يسمى سهواً، والسهو في الصلاة لم يرد فيه ذنبٌ ولا عيبٌ لصاحبه، بل وقع ذلك من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما المذموم هو السَّهو عن الصَّلاة، يقول الله جل وعلا: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} سورة : الماعون(5،4).

    أما السهو في الصلاة، فإنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تَنسون) سنن أبي داود (1038). فهو أمر تقتضيه الجبلة والطبيعة، ولذلك بينت الشريعة كيف يُتلافى هذا النقص الذي ينتج عن الطبيعة والجبلة.

    فبينت الأحكام المتعلقة بالسَّهو، السهو له ثلاثة أسباب: إما زيادة، وإما نقص، وإما شك، المصنف رحمه الله قال: (وهو مشروع). مشروع: أي جاءت به الشَّريعة، ولما يقال مشروع، فمن أهل العلم من يريد بالمشروع الواجب والمستحب، وهذا هو التعبير الصَّحيح، ويُضاف إلى هذا ما نصت الشَّريعة على إباحته، فإنه مشروع؛ لأنه جاءت به الشريعة.

    أما ما ليس كذلك، أي ما ليس بواجب ولا مستحب، ولم يأت نص بإباحته، فإنه لا يوصف بأنه مشروع، على الراجح من قولي أهل العلم، إلا إذا نظرنا إلى أنه: ما لم تأت الشريعة بالنص على إباحته، فإباحته مستفادة من عموم النصوص، فهنا يدخل بعضهم المباح في المشروع.

    لكن في الغالب أن المشروع هو ما جاءت به الشريعة، إما إيجابًا وإما استحبابًا، هذا الغالب ويدخل بعضهم المباح، سواء كان ذلك المباح بالنص أو المباح بالعموم.

    قوله رحمه الله: (وهو مشروع). هذا بيان لما جاءت به الشريعة في السهو، فيما يتعلق بأحكامه.

    قال رحمه الله: (فإذا زاد). قال الإمام أحمد رحمه الله، قبل أن نمضي، "يُحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في السهو خمسة أشياء، سلَّم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة وفي النقص، وقام من الثنتين ولم يتشهد". هذه خمسة مواضع حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم في السهو.

    قوله رحمه الله: (إذا زاد الإنسان في صلاةٍ). صلاةٍ، نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، يعني سواءٌ كانت صلاةً مفروضة أو صلاةً مستحبة متطوَّعاً بها، فأحكام سجود السهو، لا تختص الفريضة، بل تكون في الفريضة وفي النافلة.

    (إذا زاد الإنسان في صلاةٍ ركوعًا، أو سجودًا، أو قيامًا، أو قعودًا سهوًا). هذا أول ما يشرع له سجود السهو، زيادة فعل من جنس أفعال الصلاة، هذا هو الجامع بين هذه الأفعال، ركوع، سجود، قعود، قيام، الجامع بين هذه الأفعال أنها زيادة من جنس أفعال الصلاة، وهي أركانها، فإذا زادها المصلي ناسياً أو جاهلا، صحت صلاته، وعليه أن يسجد للسهو، فإن تعمد زيادتها بطلت صلاته.

    وإن كانت الزيادة في قولٍ ما ذكره المصنف رحمه الله: الكلام عن الزيادة القولية، إنما تكلم عن الزيادة في الفعل، الزيادة في القول لا يجب لها سجود سهوٍ، هذه القاعدة، ولكن يُستحب لها، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((لكل سهو سجدتان) صحيح البخاري:(1168).

    ثم قال رحمه الله: (أو نقص شيئًا من المذكورات). المذكورات فيما تقدم قريباً، وهي الركوع والسجود والقيام والقعود، إذا نقص شيئًا من هذه الأركان أتى به، لأنه لابد أن يأتي به، فلا يسقط بالنسيان، أتى به وسجد للسهو.

    فمثلًا إنسان كبر للصلاة، وقرأ الفاتحة، ثم سجد، سها عماذا؟، عن الركوع، فما الواجب في هذا؟، أن يقوم ويأتي بالركوع والرفع منه، ويتابع صلاته، ثم يسجد، ويتم صلاته على النحو المشروع، وبعد ذلك يسجد للسهو.

    هذا معنى قوله: (أو نقص شيئًا من المذكورات). ما هي المذكورات؟، هي الأركان، وهي الركوع والسجود والقيام والقعود، أتى به وسجد للسهو.

    قال: (أو ترك واجبًا من واجباتها سهوًا). هذا حكم ترك الواجبات، ما يتعلق بترك الأركان، بين حكمه، أنه يجب أن يأتي به وأن يسجد للسهو.

    أما الواجبات فقد قال رحمه الله: (أو ترك واجبًا من واجباتها سهوًا). فهذا يكفي فيه فقط السجود، ولا يلزمه أن يأتي بما ترك من الواجب.

    قال: (أو شك في زيادةٍ أو نقصٍ). أو شك في زيادة، بأن شك، هل زاد أو نقص، والشك قد يترجح معه شيء، وقد لا يترجح معه شيء، فقوله: (أو شك في زيادةٍ أو نقصٍ). يشمل نوعي الشك، ما إذا ترجح له شيء، وما إذا لم يترجح له شيء.

    قال: ( "وقد ثبت أنه قام عن التشهد الأول فسجد، وسلم من ركعتين من الظهر أو العصر، ثم ذكروه، فتمم وسجد للسهو" ). هذا سرد للمواضع التي سها فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

    ( ((وصلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيدت الصلاة، فقال: وما ذاك، قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم) ) صحيح البخاري:(392).

     متفق عليه). هذه المواضع التي سها فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ويُلاحظ أن السهو فيها كان بزيادة وكان بنقص.

    فتسليمه من ركعتين من الظهر، ثم ذكروه فسلم، فتمم وسجد، (هنا زاد) هو نقص، لكن النقص أدى إلى زيادة، وهو زيادة التسليم في الصلاة، هذا نقص لكنه زاد بالنظر إلى تداركه للأمر، وما انتهت إليه الصلاة، انتهت الصلاة إلى أنه زاد تسليمًا في صلاته.

    أما الوجه الأول فهو نقص، استقرت الصلاة على نقصٍ في التشهد، أما الصورة الأخيرة فهي زيادة واضحة، إذ إنه زاد ركعةً تامةً، فسئل ((فقيل: وما ذاك، قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم) ) صحيح البخاري(392)

    هذا ما يتعلق بأدلة الزيادة والنقص، وأنه يُشرع له سجود سهوٍ، في الزيادة وفي النقص.

    قال: (وإذا شك). هذا دليل الشك، دليل أنه يسجد للسهو إذا شك، قال:((إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَم صلَّى؟» . التبس عليه، ( ((ثلاثًا أمْ أربعًا ؟ فليطرَحِ الشَّكَّ)) أي يلقه، ولا يلتفت إليه، ((وليبنِ على ما استيقنَ) فما الذي استيقن فيما إذا شك أثلاثًا أم أربع؟، المستيقن ثلاث، المتيقن ثلاث، ((ثمَّ يسجُدُ سجدتينِ قبلَ أن يسلِّمَ . فإن كانَ صلَّى خَمسًا ، شفَعنَ لَه صلاتَه . وإن كانَ صلَّى إتمامًا لأربعٍ ، كانتَا) الضمير يعود إلى أي شيء؟، إلى سجدتي السهو، ((كانتا َترغيمًا للشَّيطانِ)) أي إرغاما له، ومغايظة ومغالبه له؛ لأن الشكوك موردها تسلط الشيطان على الإنسان بالوساوس، رواه أحمد ومسلم صحيح مسلم: (571)، ومسند أحمد: (11799)..

    قال: (وله أن يسجد قبل السلام أو بعده). ظاهر كلام المصنف، أنه يُباح له أن يسجد قبل السلام أو بعده، في كل أنواع السهو.

    وهذا قولٌ من الأقوال وهو الذي يسع الأئمَّة؛ لأنَّ الأئمة غالبهم لا يضبط أحكام السهو، من حيث الزيادة، ومن حيث النقص، ومتى يسجد للزيادة؟ ومتى يسجد للنقص؟ وهذا القول فيه سعة لهم، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه السجود قبل السلام، والسجود بعد السلام.

    فلذلك قال بعض أهل العلم، إنه يستوي السجود قبل السلام وما بعد السلام، وقال آخرون: يسجد للسهو قبل السلام في المواضع التي سجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم قبل السلام، وبعد السلام في المواضع التي ورد فيها أنه سجد للسهو بعد السلام.

    وما لم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام نصٌ، يعني لم يرد أنه سجد قبل السلام أو بعد السلام، فيسجد للسهو قبل السلام، لأنه جبرٌ لها فيكون فيها.

    وقال آخرون: إنه يسجد للسهو إذا كان عن زيادةٍ بعد السلام، وإذا كان عن نقصٍ قبل السلام، وهذا مذهب مالك رحمه الله، وهو الجاري على القياس، أنه يسجد للسهو في الزيادة بعد السلام، وفي النقص قبل السلام.

    وماذا عن الشك، الشك يجري فيه الخلاف المتقدم، لكنه فيه حالة تفصيل: يقال إن الشك لا يخلو من حالين، إما أن يكون شكًا لا ترجيح معه، كالحديث الذي ذكره، ((إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلى أثلاثا أم أربع، فليطرح الشك)) هنا في حال لا ترجيح، متى يسجد للسهو؟، قال صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: ((وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)) إذاً يسجد للسهو قبل السلام في حال كون الشك لا ترجيح معه.

    أما إذا مال إلى اختيار، إما الأقل، وإما الأكثر، لكنه مبنيٌّ على التحري والترجيح، فإنه يسجد للسهو بعد السلام، لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا شك أحدكم في صلاته  فليتحرَّ الصَّوابَ فليُتمَّ عليهِ ثمَّ ليسلِّم ثمَّ ليسجُدْ سَجدتَينِ)) هكذا جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيح، وهو يبين التفريق بين ما إذا كان الشك بنى فيه المصلي على اليقين، أو تحرى وبنى فيه على الترجيح.

    فإذا بنى على اليقين، يكون سجوده للسهو قبل السلام، كما في حديث أبي سعيد، وإذا كان الشك قد عمل فيه المصلي بالتحري والترجيح، فيكون السجود بعد السلام عملًا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه.

    ثم قال المصنف رحمه الله: (ويُسنُّ سجود التلاوة). بعد أن فرغ من ذكر حكم سجود السهو، ذكر ما يُلحق بسجود السهو من السجود، وهو سجود التلاوة، وسجود الشكر.

    قال: (ويُسنُّ سجود التلاوة للقارئ والمستمع، في الصلاة وخارجها). وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الصَّحيح، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ((كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا مكاناً لموضع جبهته) صحيح البخاري: (1029). يعني أنهم يتسابقون للسجود، ولازدحامهم لا يجد أحدهم موضعًا لجبهته، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم، أنه سجد في النجم، وأنه سجد صلى الله عليه وسلم في الانشقاق، وفي العلق، وفي ص، فورد عنه صلى الله عليه وسلم السجود في مواضع عديدة.

    إلا أن هذا السجود سنة، كما ذكر المصنف رحمه الله لما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: "إننا لم نؤمر بالسُّجود إلا أن نشاء". أي جعل ذلك مخيرا، وقد جاء عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، ولم يسجد، فدلَّ ذلك على أن السجود ليس لازماً بل هو سنة، إن فعله فهو سنة، وإن تركه، فقد تركه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    إلا أنه يُسنُّ للقارئ والمستمع له في الصلاة وخارجها، وعلم منه أنه لا يُسنُّ للمستمع دون القارئ، فإذا لم يسجد القارئ، لا يُشرع للسامع السجود، كما جرى من الصحابة رضي الله عنهم، عندما قرأ عمر رضي الله عنه على المنبر آيةً فيها سجدة فسجد، فسجدوا معه، ثم قرأ في الجمعة الثانية، آية فيها سجدة، فلما تهيئوا للسجود لم يسجد، وقال: "إنَّا لم نؤمر بالسُّجود إلا أن نشاء". أي إنَّ ذلك على حسب ما يختار الإنسان من السجود وعدمه.

    ثم قال رحمه الله: (ويُسن سجود التلاوة للقارئ والمستمع، في الصلاة). أي: في أثنائها وداخلها، (وخارجها). وقوله: (في الصلاة). يشمل الصلاة السرية، والصلاة الجهرية، فقراءة آية فيها سجدة سواءً في السرية، أو في الجهرية، يُسن معها السجود، سواءً كان للإمام والمأموم، سواءً كان يصلي إمامًا، أو منفردًا.

    قال رحمه الله: (إذا تجدَّدت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة، سجد لله شكرا). أي يُسن أيضاً السجود لله عز وجل شكراً، إذا تجدَّدت له نعمة، ويدل لذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه في حديث أبي بكر: ((أنه إذا جاءه خبر يسره خر لله ساجدا) سنن أبي داود:(2774). وثبت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة.

    وقوله: (إذا تجدَّدت له نعمة، أو اندفعت عنه نقمة). أي إن سجود الشكر يكون شكرًا لله عز وجل على تجدُّد نعمة، والمقصود بالنعمة: النعمة المستجدة، وليست النعمة الدائمة، وإلا فالبصر نعمة، والذوق نعمة، والحركة نعمة، لكنها غير متجدِّدة إنما هي نعمة مستصحبة.

    لكن لو أن إنسانًا عمي، ثم رد الله عليه بصره، هذا تجددت له نعمة، فهنا يُشرع له أن يسجد للشكر، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسجد للشكر، إذا أُخبر بما يسرُّه صلى الله عليه وسلم.

    يقول: وحكم سجود الشكر، كسجود التلاوة، أي فيما يجب له، وفيما يشرع فيه، والصواب في ذلك، أن سجود السهو، وكذلك في الصفة، والصواب أن سجود الشكر والتلاوة، ليسا بصلاة، فلا يشترط لهما ما يشترط للصلاة، وإنما يكبر ويسجد، ويُثني على الله عز وجل بما هو أهله، على أي حالٍ كان، في سجود الشكر، وكذلك في سجود التلاوة، يسجد ويقول ما ورد من الأذكار في سجود التلاوة.

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    189
  • الدرس (18) تابع صفة الصلاة
  • بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة  والسَّلام على أشرف الأنبياء، والمرسلين، نبيِّنا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين أما بعد، فاللُّهم اغفر لنا، ولشيخنا، والحاضرين، وجميع المسلمين،

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأركان القولية من المذكورات: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة على غير مأموم، والتشهد الأخير، والسلام. وباقي أفعالها أركان فعلية، إلا التشهد الأول فإنه من واجبات الصلاة، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع، سبحان ربي الأعلى مرةً في السجود، رب اغفر لي بين السجدتين، مرة مرة، وما زاد فهو مسنون، وقول سمع الله لمن حمده للإمام، والمنفرد، ربنا لك الحمد للكل، فهذه الواجبات تسقط بالسَّهو، ويجبرها سجوده السَّهو، وكذا بالجهل.

    والأركان لا تسقط سهوًا، ولا جهلًا، ولا عمدًا، والباقي سنن أقوال، وأفعال، مكمل للصلاة، ومن الأركان الطمأنينة في جميع أركانها، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا قُمْتَ إِلى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا)، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا)) صحيح البخاري: 793، صحيح مسلم: 397 متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي)) متفق عليه صحيح البخاري:631ومسلم (674).

    الحمد لله حمداً كثيرًا، طيبًا، مباركًا فيه، كما يحب ويرضى ربنا جلّ في علاه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهُّم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد أما بعد..

    فيقول المصنف رحمه الله في باب صفة الصلاة:

    (والأركان القولية من المذكورات)، ثم عدَّها، بعد أن فرغ المصنف من ذكر صفة الصلاة إجمالًا، وراعى فيها الاختصار، عاد إلى ذكر مراتب تلك الأقوال، والأفعال، وهذا فائدته التَّمييز بين هذه الأقوال، فيما يجبره سجود السهو، وفيما لا يضر تركه، وفيما لا تصح الصلاة بدونه، فائدة هذا العدِّ هو التَّمييز بين مراتب الأفعال: ما لا تصح الصلاة إلا به، ما تصح الصلاة بدونه، ما يكون فقدُه نقصًا في الصَّلاة، لكنه يُجبر، أي بيَّنَ المصنف الأركان، والواجبات، والمستحبات، والمسنونات، يقول رحمه الله: أبتدئ بأركان لأنه أهمها وأخطرها أثرًا على الصلاة، يقول: (والأركان)، الأركان جمع ركن، والركن هو جزء الشيء، وماهيته، هكذا يعرفه أهل الأصول، الركن جزء الشيء، وماهيته فهو من حقيقة الشيء لا يتم الشيء، ولا يوجد إلا بأركانه، يقول رحمه الله: (والأركان القولية من المذكورات)، أي فيما تقدم من صفة تكبيرة الإحرام، هذا واحد، (وقراءة الفاتحة على غير المأموم) هذا الثاني، (والتشهد الأخير) هذا الثالث، والسلام هذا الرابع، إذًا الأركان القولية أربعة، وهي: افتتاح الصلاة، واختتامها، وقراءة الفاتحة، وهو في أولها، والتشهد في آخرها إذًا ركنان في الأول، وركنان في الآخر، ركنان في أول الصلاة، وركنان في آخرها، أما تكبيرة الإحرام فهي ركنٌ، باتفاق أهل العلم، لا تسقط جهلًا، ولا سهوًا، ولا عمدًا؛ لأنه لا يدخل الصلاة إلا بها، أما قراءة الفاتحة على غير المأموم، فهذا ما ذكره المصنف رحمه الله، جارٍ على ما عليه عامة أهل العلم، ودليل ذلك ما في الصحيحين من حديث عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) صحيح البخاري: بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ, حديث رقم:756، صحيح مسلم: بَابُ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، وَلَا أَمْكَنَهُ تَعَلُّمُهَا قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا، حديث رقم: 394 ، وتقدم الكلام على الفاتحة، واستثناؤه المأموم؛ لأن المأموم اختلف في قراءته، والمصنف رجح أنها ليست ركنًا  في حقه، ومعنى هذا أنه إذا تركها نسيانًا أو عجزًا، فإنه لا يؤثر على صحة صلاته، وأما العجز فيستوفيه الأركان، والواجبات فتسقط بالعجز.

    قال رحمه الله: (والتشهد الأخير)، هذا ثالث ما ذكره من الأركان القولية، والتشهد الأخير، هو قول التحيات لله، والصلوات إلى آخر التشهد، وهو قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ويدخل فيه أيضًا الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنها ركن على ما ذهب إليه المصنف،  وهو مذهب الحنابلة، وقيل إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست ركنًا، وإنما هي واجبة، وقيل هي سنة، ففيها ثلاثة أقوال الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والأقرب من هذه الأقوال أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم واجبة، واجب من واجبات الصلاة، هذا أقرب ما يُقال، ودليل ذلك حديث فضالة بن عبيد أنّه قال: ((سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجِلَ هَذَا " ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: " إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ)) سنن أبي داود1481، سنن الترمذي: 3477، قال المصنف: (والسلام) أي قول السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وقول السلام يشمل التسليمتين، على قول جماعة من أهل العلم، فكلا التسليمتين ركن، وقيل بل التسليم الأول هو ركن، والثاني واجب، وقيل التسليم الثاني سنة، ففي التسليم الثاني، ثلاثة أقوال منهم من قال إنه ركن، ومنهم من قال: إنه واجب، ومنهم من قال: إنه مستحب، والأقرب أن التسليم الذي يحصل به الخروج من الصلاة واحد، والثاني مستحب، لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج من الصلاة بتسليمة واحدة، ولو كان ركنًا لما تركه صلى الله عليه وعل آله وسلم، ثم قال المصنف رحمه الله: وباقي أفعالها أركان فعلية، أي باقي ما ذكره فيما تقدم من القيام، والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والسجود كلُّ ذلك أركان فعلية، يقول المصنف رحمه الله: (إلا التَّشهد الأول فإنه من الواجبات)، الآن عاد إلى ذكر ما خرج من الاستثناء السابق، ليس فقط من الأفعال بل الاستثناء من الأقوال والأفعال، فقوله: إلا هنا استثناء مما تقدم من الأركان، قولية، أو فعلية، قال: التشهد الأول فإنه من واجبات الصلاة، ودليله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، سجد للسَّهو لما تركه وكان يلازم فعله صلى الله عليه وسلم، (والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام)، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام استثناء من تكبيرة الإحرام، فالتكبيرات واجبة، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، واختاره المصنف، وقيل أن التكبيرات سنة، وليست واجبة، فلو لم يكبر، فإنه تصح صلاته، واستدلوا لذلك بأنه لم ينقل عنه الأمر بها، إنما نقل عنه فعلها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والقائلون بالوجوب قالوا: إن ملازمة فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي)) يدل على وجوبها، والأقرب من هذين القولين أن التكبيرات سنة، وليست واجبة، فلو تركها المصلي فإنه لا يحتاج إلى سجود سهو واجب، ويكون قد ترك سنة، لعدم الدليل على الوجوب، وهذا قول الجمهور، جمهور العلماء.

    قال رحمه الله : (وقول سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى مرة في السجود)، هذا هو القدر الواجب من التسبيح في الركوع، والسجود، وهذا يتحقق بكل صيغة من صيغ التسبيح، ليس هذا على وجه التَّعيين، فلو قال: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، أو قال: سبوح قدوس رب الملائكة والروح في الركوع، أو قال: سجد وجهي للذي خلقه فصوره، وشق سمعه، وبصره تبارك الله أحسن الخالقين، أو قال غير ذلك من الأدعية، والأذكار، فإنه يتحقق به الواجب، وقيل: إنه يتعين أن يأتي بالتسبيح بهذه الصيغة، في الركوع، وفي السجود لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما في الصلاة، لكن الأمر بهما ورد في حديث ضعيف، فالصَّواب أنه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من تسبيح، أو دعاء يكفي في حصول المطلوب في الركوع، والسجود، وقول: (ورب اغفر لي بين السجدتين، مرة مرة)، وما زاد فهو مسنون، أيضاً هذا ملحق بما تقدم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم،  بذلك.

     قال: (وقول سمع الله لمن حمده)، سمع الله لمن حمده للإمام، والمنفرد لفعل النبي، ومداومة لذلك، ويجري فيها الخلاف الذي يجري في التكبيرات، قال رحمه الله: (وربنا لك الحمد)، وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: ((فَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)) مسند أحمد:9385، قال: فهذه الواجبات أي المذكورة فيما تقدم، وهي واجبات قولية، فهذه الواجبات إلا التشهد الأول فإنه يجمع قولًا، وفعلًا، وهو الجلوس، أما الباقي فإنها أقوال قد تكون في أركان، فسبحان ربي العظيم، قول في ركن، وهو الركوع، سبحان ربي الأعلى، قول في ركن، وهو السجود رب اغفر لي، قول في ركن، وهو الجلوس بين السجدتين ربنا ولك الحمد، قول في ركن وهو الرفع من الركوع، فهذه الواجبات تسقط بالسهو أي بالغفلة عنها، تسقط أي بلا إثم، ولا طلب إعادة، ويجبرها أي: يقوم مقامها، ويعوض نقصها سجوده للسَّهو، أي سجود الناسي، الساهي للسهو، وكذا بالجهل، أي كذلك تسقط بالجهل، وفهم منه أنه لا تسقط الأركان بالجهل، وهذا فيما إذا كان في الوقت نعم، أما إذا كان في خارج الوقت فإنه يسقط بالجهل، كما دل عليه حديث المسيء في صلاته، فإنه أخلَّ بأركان في صلاته، ولم يطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد ما مضى من الصلوات، بل أمره بإعادة الصلاة الحاضرة التي لم يصلها على الوجه الصحيح، ((ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)) صحيح البخاري:757، صحيح مسلم: 397 ، ولم يطلب منه أن يعيد ما تقدم لعلمه بجهله، فالركن لا يسقط بالجهل إذا كان في وقت الصلاة، إذا علم الانسان بوقت الصلاة فإنها تسقط أما بعد ذلك فإنه يسقط قال رحمه الله: ونص على ذلك بقول: (والأركان لا تسقط  لا جهلًا، ولا سهوًا، ولا عمداً) أي لا تسقط في حال من الأحوال لا تسقط سهوًا غفلة ونسيانًا، ولا جهلًا عدم علم، ولا عمدًا، ولا بتعمد الترك، خلافًا للواجبات فإنها تسقط سهوًا، وتسقط جهلًا، لكنها لا تسقط عمدًا، كذلك خلافًا للمسنونات فإنها تسقط سهوًا، وجهلًا، وعمدًا لا يترتب على تركها عمدًا شيء، لذلك قال: (والباقي سنن أقوال، وأفعال مكمل للصلاة)، وفي قوله مكمل للصلاة، أي أن نقصها لا يخل بالصلاة الشرعية، بل صلاته صحيحة.

    ثم عاد فقال: ومن الأركان الطمأنينة في جميع أركانها الأركان التي ينبغي أن يستحضرها وأن يأتِي بها المصلي الطمأنينة، والطمأنينة هي السكون بأن يفعل الصلاة على حال مطمئنة، وقدر الطمأنينة هو أن يأتِي بكل ركن على وجه مستقل متميز عن غيره من الأفعال، ويبين هذا ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» صحيح البخاري:6290، « إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ)) أي بلِّغ الماء جميع أعضاء الطهارة، الإسباغ هو تبليغ الماء إلى جميع أعضاء الطهارة، «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ) هذا أول أركان الصلاة، استقبل القبلة يعني وجه وجهك شطر المسجد الحرام، «فَكَبِّرْ) وهذه تكبيرة الإحرام، ((ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن))، ثم جاء بيان ذلك في سائر الحديث أن أقل ما يكون في القراءة الواجبة في الصلاة، الفاتحة، ((ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)) أي حتى تستقر في ركوعك، وأقل ذلك قدر قول: سبحان ربي العظيم مرة واحدة، هذا أقل قدر للاطمئنان الواجب في الركوع: أن يكون ذلك بقدر قول سبحان ربي العظيم مرة واحدة، ((ثم ارفع حتى تستوي قائمًا))، أي: يرجع كلُّ عظم إلى مكانه، ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، أي: ما تقدم من الإتيان بالقيام، والركوع، والرفع منه والسجود، والرفع منه، والسجدة الثانية، يفعل ذلك في صلاته كلها، على النحو الذي تقدم، ثم قال رحمه الله: وقال صلى الله عليه وسلم: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) صحيح البخاري: باب رحمة الناس والبهائم, حديث رقم: 5662، وهذا الحديث أصل في الحرص على متابعة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وقد تقدم أن قوله: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي)) خطاب لمن ؟  للصحابة ومن بعدهم، كيف يحقق ذلك ؟ بأن يتابعه فيصلي كما وصفت له صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا فرغ من صلاته أي قضى صلاته، وأتى بها على النحو الموصوف أركانا وواجبات، ومستحبات ما الذي يشرع ؟ قال رحمه الله:

    (فإذا فرغ من صلاته استغفر ثلاثاً و قال: ((اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) صحيح مسلم: 591 ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، تمام المائة)) صحيح مسلم: 597.

    والرواتب المؤكدة التابعة للمكتوبات عشر، وهي المذكورة في حديث ابن عمر ضي الله عنهما قال: ((حفظتُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الفجر)) متفق عليه صحيح البخاري:1180، صحيح مسلم: 729

    بعد أن فرغ المصنف من ذكر مراتب أفعال الصلاة من أركان وواجبات، ومستحبات، قال: فإذا فرغ من صلاته أي: قضى صلاته، شرع له ما يأتي أن يستغفر ثلاثًا، أي أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في الصحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: " كَيْفَ الْاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ)) صحيح مسلم: 591 ، انصرف من صلاته أي قضاها بالتسليم، والخروج من الصلاة بالتسليمتين، وهذا يدل على أنه يفعل ذلك إذا فرغ من صلاته مباشرة، فلا يفصل بين ذلك بسكوت، أو بوقت أو بعمل بل يأتي به مباشرة، يقول أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وظاهر السنة أنه كان يقولها صلى الله عليه وسلم مباشرة قبل غيرها من الأذكار، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يكبر بعد صلاته، استدلالا بما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس قال: ((كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه و سلم بالتكبير) صحيح البخاري: 806، ومسلم (583) ، أي برفع الصوت بالتكبير، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا قضى صلاته كبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لكن هذا خلاف قول الجمهور، والمقصود بالتكبير الذكر بعد الصلاة، الذي منه التكبير، وليس المقصود التكبير بذاته إنما المقصود جملة ما يُقال من الأذكار بعد الصلاة فكما لو قال كنت أعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر بعد الصلاة وأما تفصيل الذكر، فهو مأخوذ من مجموع الأحاديث، والأحاديث دلت على أنه كان يبتدئ بالاستغفار قبل غيره صلى الله عليه وسلم كما جاء عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ». قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ قَالَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَسْتَغْفِرُ اللَّه) صحيح مسلم:1362، هذا جاء فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أَبِى الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ حِينَ يُسَلِّمُ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ». وَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ) صحيح مسلم: 594، وجاء أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ثلاث مرات بعد السلام جاء ذلك في "الصحيح" والأمر في هذا قريب، فيحتمل أنه كان يكرر هذا الذكر ثلاث مرات لا اله الا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ومنها لفظ ما جاء في مسلم من حديث ابن الزبير، ويحتمل أنه جملة ما ذكر في هذا من التهليل ثلاث مرات فعدَّه القائل ثلاثًا « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» صحيح مسلم: 594، فهنا ذكر التهليل ثلاث مرات، الأمر في هذا قريب، والذي يظهر والله أعلم أنه يقولها مرة واحدة، هذا الأقرب إلى ظاهر السنة والله أعلم.

    ثم يقول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، تمام المائة)) صحيح مسلم: 597، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الذكر اليسير الذي يفرط فيه كثير من الناس، وهو التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين،  والختم بمائة فيه فضل عظيم كبير، فيه ما ما رواه أبوهريرة، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)) صحيح مسلم: 597، تصوَّر هذا الفضل، وتجد كثيراً من الناس يقول الإمام، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، تجدهم عند الباب ما سبب تعجلهم؟ على أي شيء يركضون ؟ ماذا يريدون ؟  تجد واحد منهم يطلع يقف مع زميله، أو صاحبه ساعة عند المسجد، ولا يشعر بالوقت، لكنه في هذه الأذكار اليسيرة التي لا تستغرق أقل من خمس دقائق، يغفل عنها، مع أنها ذات فضل عظيم غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر يا الله ! عفوك، ومغفرتك الخطايا أثقلت كواهلنا، وهذه فرص لحط الخطايا، وهذا مما يتحقق به قول النبي صلى الله عليه وسلم، الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، هذه الصيغ هي إحدى الصيغ التي وردت في التسبيح في دبر الصلاة، وورد غير ذلك ورد التسبيح ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير أربعًا وثلاثين، وورد التسبيح عشرًا، والتحميد عشرًا، والتكبير عشرًا، وورد التسبيح إحدى عشرة مرة، والتحميد إحدى عشرة مرة، والتكبير إحدى عشرة مرة، وورد أيضًا التسبيح خمسًا وعشرين، والتحميد خمسًا وعشرين، والتكبير خمسًا وعشرين، والتهليل خمسًا وعشرين، كل هذا مما جاءت به السنة فما فعله الإنسان من هذه الصيغ تنويعًا، أو لزم إحداها فإنه أصاب السنة أو بعضها.

    ثم قال المصنف رحمه الله،  (والرواتب المؤكدة التابعة للمكتوبات عشر)، الرواتب جمع راتبة، وسميت هذه الصلوات بالرواتب؛ لأنها دائمة، فالراتب هو الشيء الدائم، فإنها سنة دائمة مستقرة، لذلك سميت بالرواتب، ومنهم تسمية الإمام، الدائم في المسجد، الإمام الراتب لأنه دائم، و منه تسمية ما ينزل في الحسابات في آخر الشهر للموظفين، بأنه دائم مادام العمل، إذًا الرواتب المقصود بها السنن الدائمة المقارنة للصلاة المكتوبة، وصفها بالمؤكدة للزوم النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، ولما ورد فيها من عظيم الأجر، وكبير الفضل، قال رحمه الله: (والرواتب المؤكدة التابعة للمكتوبات عشر وهي المذكورة في حديث ابن عمر) ذكره المصنف قال:  ((حفظتُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الفجر)) ، متفق عليه صحيح البخاري: 1180، صحيح مسلم: 729 . هذه هي الرواتب، وقيل الرواتب ثنتا عشرة ركعة، عملًا بما جاء في مسلم من حديث أم حبيبة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بنى الله له بيتا في الجنة) سنن النسائي:1809، وجاء تفصيل ذلك في رواية الترمذي حيث قالت: ((قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر) سنن الترمذي: 415، هذا ما ورد عن النبي في السنن الراتبة التابعة للمكتوبة.

    التفاصيل
    0
    161
  • الدرس (17) تابع صفة الصلاة (3)
  • الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلِّم على المبعوث رحمًة للعالمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    قال رحمه الله:

    (ثم يسجد). كما سبق في وصف صلاته صلى الله عليه وسلم، في حديث عائشة، وفي حديث أبي هريرة (على أعضائه السبعة). أي يُشرع أن يسجد على أعضائه السبعة.

    وأعضاؤه السبعة جاء بيانها في الحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: (كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) لأنها تابعةٌ للجبهة، فهي واحد، وليس اثنين، قال: (وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ» صحيح البخاري: باب الأذان, حديث رقم: (779) ، صحيح مسلم: باب الصلاة, حديث رقم (490) هذا ما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد عليه، فإنه لا يجزئ سجودٌ دون السجود على هذه الأعضاء السبعة للمستطيع، أما من عجز عن شيء من ذلك، فهذا مما يدخل في قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} سورة: التغابن الآية (16).

    لكن إن عَجِزَ عن السجود على الجبهة، سقط السجود عن بقية الأعضاء، وهذا الفرق بين السجود على الجبهة وما عداه. السجود على الجبهة هو الأصل في السجود، والباقي تابع، فإذا عجز، لم يتمكن من أن يسجد على جبهته، فإنه لا يجب أن يضع يديه ولا ركبتيه ولا قدميه، لماذا؟ لأن ذلك تابعٌ، ولا يقال هنا فليأتِ بما استطاع، لماذا؟ لأن السجود غير متحقق، لا يسمى ساجدًا من وضع يديه وركبتيه وقدميه، إنما السجود خاصٌّ بوضع الجبهة، فإذا لم يتمكن، لم يجب عليه سجودٌ، بل يسقط وضع بقية الأعضاء.

    يقول رحمه الله: (ويقول: "سبحان ربيّ الأعلى").

    لحديث حذيفة المتقدم، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى » صحيح مسلم: باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، حديث رقم (203). ولو زاد معها ما تقدم «يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ » سنن ابن ماجه: باب التسبيح في الركوع والسجود، حديث رقم (889).  كما في حديث عائشة، ويسن في السجود أن يفرِّج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه، هذا إذا لم يضايق من عن يمينه وعن يساره، فإنه إذا ضايق من عن يمينه وعن يساره، هنا تسقط السنة دفعا للأذى، وهذه قاعدة أنه عندما يترتب على فعل السنة أذية لمسلم، فان ترك الأذية مقدم على فعل السنة، للقاعدة دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح والمنافع.

    (ثم يكبر). كما سبق في صفه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، (ويجلس على رجله اليسرى). ويكبر رافعًا، في حديث أبي هريرة، وكذلك في حديث غيره، (ويجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى وهو الافتراش). هذا هو الافتراش، (يجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى). فستكون مقعدته على رجله وقدمه اليسرى، وينصب اليمنى، هكذا جاء في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة، وفي حديث أبي حميد.

    فعَائِشَةَ، قَالَتْ: « وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى » صحيح مسلم: باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول (240). وفي حديث أبي حميد: « فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى » صحيح البخاري: باب سنة الجلوس في التشهد (828).  (ويفعل ذلك في جميع جلسات الصلاة). يعني بين السجدتين، وفي التشهد.

    قال: (إلا في التشهد الأخير). هذا استثناء من هذه الصفة، أنه في التشهد الأخير (فإنه يتورك). هذا الفرق بين جلسه التشهد الأخير وغيره، والدليل على هذا حديث أبي حميد رضي الله عنه، فإنه قال: « إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ » صحيح البخاري: باب سنة الجلوس في التشهد، حديث رقم (828). يقول أبو حميد رضي الله عنه « قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» صحيح البخاري: باب سنة الجلوس في التشهد، حديث رقم (828). وفي تقديم رجله اليسرى صفتان:

    1- إما أن تكون تحت رجله اليمنى.

    2- وإما إن تكون بين ساقه وفخذه.

    كما جاء ذلك في حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، في صفة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلاَةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ) صحيح مسلم: باب صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلاَةِ وَكَيْفِيَّةِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ, حديث رقم:( 1335). وهذه تنفع الذي فيه بدانة وله وزن، يعني أحيانا يتكلف، تراه يتكئ على الذي على يساره أو يؤذيه، هذه الصفة سنة، ويغفل عنها الكثيرون.

    ويقول: ("رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني"). وجاء هذا الذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، منقولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوله بين السجدتين كما في الترمذي، وغيره.

    وجاء أيضا أنه كان يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". يكررها في ما بين السجدتين، فجاء هذا وجاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    طبعًا في الأسانيد مقال، لكن مجموع الأسانيد يدل على ثبوت هذه الأذكار عنه صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال: (ثم يسجد الثانية كالأولى). أي يسجد الثانية كصفة سجوده الأولى، قال: (ثم ينهض مكبرًا). أي ينهض دون جلوس، ويقول في نهوضه "الله أكبر".

    قوله: (على صدور قدميه). أي يكون ثقله على صدور قدميه، دون أن يعتمد على الأرض، وذلك لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَضُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ » سنن الترمذي ت بشار: بَابُ مِنْهُ أَيْضًا (288). وهذا الحديث رواه الترمذي، لكن إسناده ضعيف، ولذلك ضعفه رحمه الله.

    ونُقل هذا الوصف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كان ينهض على صدور قدميه، ولا يجلس إذا صلى في أول ركعة حتى يقضى السجود» سنن البيهقي الكبرى: باب من قال يرجع على صدور قدميه, حديث رقم:(2596), قال الشيخ رحمه الله هو عن ابن مسعود صحيح ومتابعة السنة أولى وابن عمر قد بين في رواية المغيرة بن حكيم عنه أنه ليس من سنة الصلاة وإنما فعل ذلك من أجل أنه يشتكي وعطية العوفي لا يحتج به. أي حتى يقضي صلاته رضي الله عنه.

    وهنا يتبين من خلال كلام المؤلف رحمه الله أن الجلوس للاستراحة غير مسنون، والجلوس للاستراحة، والاستراحة هي جلسه خفيفة تكون بعد الرفع من الركعات الوترية، قبل القيام في الأولى، وفي الثالثة من الرباعية، في الأولى من كل صلاة، وفي الثالثة من الرباعية، يجلس جلسة خفيفة، على صفة جلوسه بين السجدتين، لكنها خفيفة، ولذلك سميت جلسه الاستراحة.

    وهذه الجلسة اختلف فيها العلماء، عامة العلماء، وأكثر الفقهاء على أنها ليست بسنة، وإنما هي للحاجة، وذهب طائفة إلى أنها سنة، لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والأقرب والله أعلم، أنها ليست بسنة إلا إذا كانت حاجة، وأما إذا لم يكن حاجة، فإنها لا تُستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا بعدما كبُر، وأخذه اللحم صلى الله عليه وسلم.

    وهي جلسة خفيفة، وسواءً قلنا سنة أو غير سنة، متى يُكبر؟، كثير من الذين يجلسونها يكبرون بعد جلوسهم.

    يقوم، يرفع رأسه من السجود، ويجلس، ثم إذا جاء للقيام قال: "الله اكبر".

     وهذا خلاف السنة، السنة أن يكبر عند رفعه من السجود، ثم ما يحتاج إلى مدة التكبير، إذا جلس وقام، هذه الجلسة لا يحتاج معها القائم إلى تكبير، لكن لم أقف على أحد من أهل العلم قال إنه يكون التكبير عند القيام من جلسة الاستراحة.

    إنما عامة من قال بمشروعيتها، قال: يكبر إذا رفع من الركوع، طبعًا هنا إشكالية إنه كثير من الناس يقول ورانا ناس، إذا كان إمامًا ورائي جماعة إذا كبرت قاموا وخلوني، ولكن هذا يقال له: مع التعليم سيتعودون عليك وينتظرونك، لكن لا تؤخر التكبير عن موضعه، السنة في التكبير هو عند الرفع.

    ثم قال بعد ذلك: (ويصلي الركعة الثانية كالأولى). لقول أبي حُميد الساعدي  رضي الله عنه في وصف صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: « ثم صنع في الثانية مثل الأولى إلا أنه كان لا يكبر فيها للإحرام ولا يستفتح ولا يستعيذ».

    ثم قال: (ثم يجلس للتشهد الأول)، لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان «يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ » صحيح مسلم: باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول، حديث رقم (240). وسمِّي تشهدًا لأنه متضمن للشهادتين: أشهد أن لا اله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.

    أما صفته فقد بينه المؤلف رحمه الله في قوله: (وصفته " التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله").

    قد وردت هذه الصيغة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وورد عنه صيغ أخرى في التشهد، كما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَكَانَ يَقُولُ « التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ » صحيح مسلم: باب التَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ, حديث رقم:( 929 ). جاء ذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

    والكلام على معاني هذه الكلمات الحقيقة مهم، مهم جدا أن نقف عند معاني هذه الكلمات، لأن كثيرًا منا يقولها دون وعيٍ لمعانيها، وإجمالًا:

    - التحيات أي كل تحيةٍ يتحايى بها الناس، فالله أولى بها وأحق.

    - والصلوات المقصود بالصلوات أي العبادات، كل صلاتي لله عز وجل.

    - والطيبات أي كلُّ ما يكون طيبٍ قولًا أو فعلًا، ظاهرًا أو باطنًا، فهو لله جل وعلا.

    هذه الكلمات يا إخواني عندما يقولها الإنسان مدركًا هذا المعنى، بالتأكيد أنه سيجد لها أثرًا في قلبه أكبر وأعظم من أن يقولها فقط تأسيًا بالنبي "التحيات لله والصلوات". وهو ما يدري ما معنى التحيات ولا الصلوات ولا الطيبات، ولا يستحضر هذه المعاني التي ذكرها العلماء في شرحهم لهذه الأذكار النبوية.

    ("السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" ثم يكبر). أي للقيام، لما في حديث أبي حميد رضي الله عنه « ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ »هكذا في الصحيح من حديث أبي حميد رضي الله عنه.

    قال: (ويصلي باقي صلاته بالفاتحة في كل ركعة، ثم يتشهد التشهد الأخير وهو المذكور). المتقدم، ويزيد على ما تقدَّم: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد). وهذه هي إحدى صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أصح الصيغ، وقد وردت بأصح حديث عنه صلى الله عليه وسلم.

    وعلى أي صفةٍ صلى أجزأ ذلك، لكن هذه الصفة صفة الكمال، أما الإجزاء فبأي صفة صلى عن النبي صلى الله عليه وسلم أجزأ ذلك.

    وقد تكلم العلماء عن شرح هذه الكلمات المباركات، وأصح ما قيل في معنى الصلاة على النبي، أنها دعاءٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالخير الكثير في الدنيا والآخرة، في حياته وبعد مماته.

    قال: (ثم يقول: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال). يُسنُّ أن يقول هذا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» صحيح مسلم:(128).

    وقد ورد ذلك عَنْ عَائِشَةَ،  «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» قَالَ: وَقَالَ: «إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ» سنن النسائي: (5504). وذكرت ذلك.

    (أعوذ  بالله من عذاب جهنم). هذه استعاذة بالله، اعتصام واحتماء، (أعوذ). بمعنى اعتصم وألتجئ وأحتمي بالله (من عذاب جهنم، ومن وعذاب القبر). (وفتنة المحيا). أي كل فتنة بالحياة، (والممات). ومن كل فتنة في الممات، ومنه سؤال منكر ونكير.

    (ومن فتنة المسيح الدجال). خُصت بالذكر لأنها أعظم فتن الدنيا، فالدجال شر غائب يُنتظر، نعوذ بالله من شره ومن فتنته، (ويدعو الله بما أحب). أي يدعو بعد ذلك بما أحب، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين « لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو » صحيح البخاري:(835). يعني ما يحب، (ثم يسلم عن يمينه وعن يساره "السلام عليكم ورحمه الله وبركاته"). عن يمينه لحديث وائل بن حجر الذي رواه أبو داود، وكذلك السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

    وجاء في بعض روايات أبي داود عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» سنن أبي داود: (997).

    والصيغة المشهورة أنه كان يقتصر فقط على السلام والرحمة دون ذكر البركة.

    وقال:(والأركان القولية). هنا نقف على هذا الأركان القولية في المذكورات، سيعُد الآن بعدما ذكر الصفة، الأركان والواجبات فيما ذكر.

    والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد!

    التفاصيل
    0
    166
  • الدرس (16) استكمال صفة الصلاة (2)
  • الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمهً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

     قال رحمه الله: (ويضع يده اليمنى على اليسرى). أي: يضع يده اليمنى على اليسرى، وذلك لمجيء ذلك في أحاديث عديدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في حديث وائل بن حجر، وجاء في حديث عليٍّ، وجاء في حديث سهل بن سعد، ومن أصح الأحاديث وأصرحها في مشروعية وضع اليمين على اليسار في الصلاة، ما جاء في البخاري، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: « كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة » صحيح البخاري(740).

    فهذه صفة من صفات الوضع، طبعًا هذه الصفة هي أريح ما يكون، لأن بها توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فتكون اليد قريبة من تحت الصدر، وقد يقول قائل: إنها هكذا تحت، يحتمل هذا، لكن فيما يظهر أن أريح ما يكون ما تحت الصدر، لوضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة، كما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وهذه إحدى الصفات.

    وجاء أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، وهنا يصدق عليها هذه الصورة، أن يضع اليد اليمنى على اليسرى، وجاء في صفة القبض أيضًا حديث، بأن يقبض كوع اليمنى، ويبسط اليمنى عليها، ويوجه أصابعه إلى ناحية الذراع، جاء ذلك أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، في ما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه، في صفة وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده، قال في وصفه الصفة، « قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فنظرت إليه فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها قال: ووضع يديه على ركبتيه، ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)) سنن النسائي (889). والرسغ الذي هو المفصل بين اليد والكف، والساعد، هذه الصفة التي نقلها وائل بن حجر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبعد ذلك قال: (فوق سرته). أي من السنة أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى، على الصفة التي ذكر (فوق سرته). وفي موضع وضع اليد في الصلاة، هل هو فوق السرة؟، هل هو على الصدر؟، هل هو تحت الصدر؟، هل هو تحت السرة؟، أقوال لأهل العلم، والذي عليه مذهب الحنابلة والحنفية، أنها تحت السرة، توضع تحت السرة لحديث علي، وقول في مذهب أحمد أنها فوق السرة، وقيل إنها تحت الصدر، وقيل إنها على الصدر، وكل ذلك تحتمله النصوص.

    ولكن أقرب ما في ذلك أنه إما على الصدر، أو تحته، أو قريبًا منه، لما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وائل بن حجر أنه «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَشُدُّ بَيْنَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ » فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه، والأمر في هذا قريب، فإذا وضع على صدره، أو دون صدره، أو وضعها فوق سرته، الأمر في هذا قريب، ولكن الأقرب فيما يظهر للسنة، هو أن توضع على الصدر لما جاء في حديث وائل بن حجر، قال: «حضرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين نَهَضَ إلى المسجدِ، فدخل المِحْرَابَ، ثم رفع يَدَيْهِ بالتكبيرِ، ثم وضع يده اليمنَى على يسراه على صدره))صحيح مسلم(918).

    على أن بعض العلماء، رأى أن وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى، على الصدر مكروه، وقد نُقل ذلك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، بناءً على أن أكثر ما ورد لم يذكر الصدر، فلعله رأى أن هذه الرواية شاذة.

    (ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، هذا يسمى دعاء الاستفتاح، وهو من سنن الصلاة، في قول عامة العلماء، خلافًا للإمام مالك رحمه الله، ولا فرق في ذلك بين النفل والفرض، فيسن هذا الذي ذكره المصنف، هذه صفة الصلاة في الفرض وفي النفل، جميع ما سيأتي هو صفة للصلاة في الفرض وفي النفل.

    ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، في المقدمة، وإن كان الحديث في إسناده مقال، لكنه اعتضد به الإمام مسلم، ورواه في مقدمته، أنَّ عُمر: « كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ.)) صحيح مسلم(399).

    ورد غير ذلك، ولذلك قال: (أو غيرِه). (أو غيرَه). يعني يقول (سبحانك اللهم وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرُك). وهو الاستفتاح المنقول عن عمر، لم يثبت بإسنادٍ مرفوعٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيح، لكنه جاء عن عمر أنه كان يجهر به يُعلمه الناس، وهذا في محضر الصحابة، فلو لم يكن قد سمعه وسمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم لما أقرُّوه على ذلك.

    (أو غيرَه). أو غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أشهرها ما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة - قال أحسبه قال: هنية - فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: " أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)) صحيح البخاري (744)، ومسلم(963). وهذا الحديث في الصحيحين.

    وهذا صريح أنه قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، في المكتوبة، وقد قال الإمام أحمد "ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح"، لماذا؟؛ لأنه صحيح الإسناد، وهو مضافٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم علمه النبي أبا هريرة، وينبغي للمؤمن أن يقول هذا مرًة وهذا مرة؛ لأن في ذلك تنويعًا وإتيانًا على السنة الواردة.

    قال: (ثم يتعوذ). هذا من السنن أيضًا، وهو سنَّة لكل من قرأ، لقول الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } سورة: النحل، الآية (98).

    وأما ورود ذلك في السنة، فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل واستفتح صلاته وكبر قال " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك "، ثم يقول: " لا إله إلا الله " ثلاثا، ثم يقول: " أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه "، ثم يقول: " الله أكبر " ثلاثا، ثم يقول: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه)) مسند أحمد (11473).

    هكذا جاء في حديث أبي سعيد، إلا أنه حديث في إسناده مقال، فالاستعاذة عمدة من قال باستحبابها، هو ما جاء في القرآن في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } سورة: النحل، الآية (98).

    قال (ويبسمل). أي بعد الاستعاذة بالله عز وجل (يبسمل). يعني يقول بسم الله الرحمن الرحيم، استحبابًا، فقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى نعيم المجمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، «عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] فقال: «آمين». فقال الناس: آمين ويقول: كلما سجد «الله أكبر»، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: «الله أكبر»، وإذا سلم قال: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم)) سنن النسائي:(905).

    فدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها، وإنما جهر بها أبو هريرة رضي الله عنه تعليمًا للناس، وإلا فالسنة ألا يجهر بذلك، كما جاء في حديث أنس رضي الله أنه قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون ب الحمد لله رب العالمين، لا يذكرون {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] في أول قراءة ولا في آخرها )) صحيح مسلم: باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة.. وفي بعض الروايات « يسرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم». كما في رواية ابن خزيمة.

    وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد، حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم» صحيح مسلم:(240).

    هذا ما جاء فيما يتعلق بقراءة البسملة، وأنها سنة، وليست واجبة، حيث جاء ذلك عن أنس، فيما أخبر من فعله، وفعل الخليفتين بعده، فعل أبي بكر، وفعل عمر، وكذلك في حديث عائشة رضي الله عنها: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم «يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين)) صحيح مسلم(240). هكذا فيما رواه الإمام مسلم من حديث عائشة.

    بعد ذلك قال: (ويقرأ الفاتحة). يقرأ الفاتحة؛ لأن الفاتحة ركنٌ من أركان الصلاة، وقد جاءت النصوص بوجوب قراءتها، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة: «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بأُمِّ القرآن» صحيح مسلم:(394)). وفي حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» صحيح مسلم: (38 - (395)). خداج فاسدة أو ناقصة، وهذا هو الأصل في الخداج، هو الشيء الناقص، ومنه تسمية من ولد قبل التمام خديجًا، لأنه ناقص في مدة  بقائه وحمله.

    يقول المصنف: (ويقرأ الفاتحة). وقراءة الفاتحة مما ذهب إليه عامَّة علماء الأمة، رضي الله عنهم، قال: (ويقرأ معها في الركعتين الأوليين من الرباعية والثلاثية سورةً). لما جاء في الصحيح من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب، وسورتين يطوِّل في الأولى، ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية)) صحيح البخاري(759). لكن في طول الأولى دون طول صلاة الظهر، وفي طول الثانية دون صلاة العصر.

    وجاء ذلك أيضاً في حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حزرهم قدر قراءته صلى الله عليه وسلم قال: «كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك)) صحيح مسلم:(156-(452)).

    ثم قال رحمه الله بعد أن فرغ من ذكر ما يتعلق بمشروعية قراءة الفاتحة، ذكر السنة في القراءة، قال: (تكون في الفجر من طوال المفصل). أي يُسنُّ في صلاة الفجر أن يقرأ من طوال المفصل، والدليل على ذلك ما في السنن من حديث سليمان بن يسار، رواه أحمد والنسائي، وغيرهما، عن أبي هريرة، «أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان» مسند أحمد(7991). لم يذكر فلان، من القائل؟، أبو هريرة، ثم ذكر ما شاهده «- قال سليمان - كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل )) مسند أحمد (7991).

    هذا دليل قول المؤلف: (تكون في الفجر من طوال المفصل). إذًا العمدة في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في وصف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أن النبي صلى الله عليه  سلم كان يقرأ في الفجر بـ"ق" وجاء عنه أنه قرأ "الطور"، وجاء عنه أنه قرأ غير ذلك صلى الله عليه وسلم.

    أما في المغرب قال: (من قصاره). للحديث السابق، وقصار المفصل من سورة الضحى إلى الناس، ولا يضرُّ لو أطال أحيانًا، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرأ "المرسلات"، وأنه قرأ الطور في "المغرب"، (وفي الباقي من أوساطه). في الباقي يعني في باقي الصلوات، وشمل ذلك الظهر والعصر والعشاء.

    أما العشاء، فلنص حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيما نقله سليمان بن يسار في وصف صلاة من قال عنه أبو هريرة:  « ما صليتُ وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان)) مسند أحمد (7991).

    وأما ما يتعلق بـ الظهر والعصر، فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرته، فيما رواه مسلم قال: « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك - وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك)) صحيح مسلم:(157). ويستحب أن يطيل في الأولى ويقصر في الثانية، وهكذا الصلاة تبدأ طويلة ثم تتناقص تخفيفًا.

    قال: (يجهر في القراءة ليلًا، ويُسرُّ بها نهارًا). وهذا محل اتفاق، أن صلاة الليل هي موضع الجهر، وأن صلاة النهار موضع الإسرار، لا خلاف في استحباب ذلك، والأصل فيه ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة إلا بقراءة» قال أبو هريرة: «فما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم)) صحيح مسلم:(42). يعني في القراءة فما كان يجهر به النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة، جهر به الصحابة، وما أخفاه صلى الله عليه وسلم في قراءته، أخفاه الصحابة رضي الله عنهم.

     استثنى المصنف رحمه الله من ذلك، قال: (إلا الجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء، فإنه يجهر بها). لورود السنة بذلك، فالسنة واردة في الجهر بالجمعة.

    فقال رحمه الله: (ويضع  يديه على ركبتيه). أي من السنة أن يضع يديه على ركبتيه، كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ الأَكُفَّ عَلَى الرُّكَبِ)) سنن الترمذي(259).كما جاء في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد عن سعد أنه صلى بجنب أبيه، فطبق مصعبٌ يديه، وضعهما بين فخذيه، فنهاه عن ذلك « كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ الأَكُفَّ عَلَى الرُّكَبِ )) سنن الترمذي بشار: باب ما جاء في وضع اليدين على الركب، حديث رقم (259).

    وقد جاء في مستدرك الحاكم، عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرَّج أصابعه, وإذا سجد ضم أصابعه الخمس )) سنن الدارقطني(1283). وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم، في السُّنن أنه كان إذا ركع مكَّن يديه من ركبتيه.

    قال: (ويجعل رأسه حيال ظهره). أي من السنة أن يجعل رأسه على وزن ظهره (حيال). أي على وزن، على مستوى ظهره، فلا يُشخص"لا يرفع"، ولا يُصوِّب "لا ينزل" كما جاء ذلك في وصف ركوعه صلى الله عليه وسلم، من حديث عائشة قالت: «يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك)) صحيح مسلم:(240- (498)).

    وبعد ذلك قال: (ويقول سبحان ربي العظيم). هذا فيما يتعلق بالمسنون قوله، لحديث حذيفة « ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) صحيح مسلم:(203-(772)). قد جاء ذلك في المسند عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وقد جاء مثله عن ابن عباس رضي الله عنه، في قوله في الركوع سبحان ربي العظيم.

    قال: (ويكرره). قال حذيفة رضي الله عنه، « يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) سنن النسائي:(1133). يكرر ذلك، وورد عنه أنه كان يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، ورد ذلك في الركوع، وفي السجود من حديث عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ)) صحيح مسلم:(217-(484)).

    حيث قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} سورة: النصر، الآية (3،1).

    قال: (وإذا قال مع ذلك حال الركوع، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، فحسن). لثُبوته عن عائشة، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ )) صحيح مسلم:(217-(484)).

    قال: (ثم يرفع رأسه قائلًا). هل يقولهما سواء؟ يقول هذا وذاك، من أهل العلم من يقول: إذا قال ذكرًا فلا يخلطه بغيره، فإذا قال سبحان ربي العظيم، لا يأتي بغيره، بل يلزم سبحان ربي العظيم؛ لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم، جمع بين ذكرين في حال.

    ولكن الذي يظهر والله أعلم، أن الأمر في ذلك واسع، وإن لزم ذكرًا بعينه، هو الأقرب والظاهر من السنة، لكن لو أضاف إليه شيئًا آخر، كأن يقول: "سبحان ربي العظيم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" فالذي يظهر لا بأس، لكن ظاهر السنة، أنه يقتصر على ذكرٍ واحد، ويكرِّره، فإذا قال "سبحان ربي العظيم، يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم"، وإذا قال "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، كرَّر ذلك، هذا الذي يظهر، والله تعالى أعلم، في الركوع وفي السجود.

     قال رحمه الله: (ثم يرفع رأسه). أي: يجب على المصلي أن يرفع رأسه، (بعد الركوع، قائلًا سمع الله لمن حمده). لما جاء في صفة الصلاة، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلاَثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا)) صحيح البخاري:(793).في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة، لمن أساء في صلاته.

    ثم يقول سمع الله لمن حمد، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم، ربنا ولك الحمد، هكذا جاءت السنة في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    هذا (إن كان إمامًا، أو منفردًا). هذا المشروع إن كان إمامًا أو منفردًا في هذا، لأنَّ القول في الرفع من الركوع، مما يُفارق فيه المأموم، الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يقول ذلك، لظاهر السنة في حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه قال: « وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا))سنن أبي داود(601).قال أنس، « وإذا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) سنن أبي داود(601).

    أنس يصف صلاة النبي، أو ينقل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُون)) صحيح البخاري: (689). وهذا يقتضي أنه إذا قال الإمامُ "سمع الله لمن حمده"، قال المأموم "ربنا ولك الحمد".

    وهذا مما يفارق فيه المأموم الإمام، لقائل يقول لماذا لا يقول سمع الله لمن حمده، ثم يقول ربنا ولك الحمد؟، الجواب على هذا أنه في هذا الحديث، قال: «وإذا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا)) سنن أبي داود(601). الفاء للترتيب والتعقيب القريب، فيدل عل أن المشروع أن يقول « فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) سنن أبي داود، باب الإمام يصلي من قعود، حديث رقم(601).هذا هو المشروع للمأموم، وقد قال بعض أهل العلم: إن المأموم يقول كالإمام، سمع الله لمن حمده، ثم يقول ربنا ولك الحمد.

    لكن فيما يظهر أن المشروع للمأموم، هو أن يقول ربنا ولك الحمد، وجه الدلالة في الحديث، أنه قال: « وإذا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) سنن أبي داود(601). الفاء للتعقيب والترتيب القريب، الذي يفيد أن هذا القول يقع بعد ذلك القول.

    قال: (ويقول الكل: ربنا ولك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدًا  كثيرًا مباركًا فيه، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد). لما جاء في حديث رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه، قال: « كنا يومًا نصلِّي وراءَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلما رفَع رأسَه من الركعةِ، قالسمِع اللهُ لمَن حمِدَه. قال رجلٌ وراءَه: ربَّنا ولك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرَف، قال: مَنِ المتكلِّمُ. قال:أنا، قال: رأيتُ بِضعَةً وثلاثينَ مَلكًا يبتَدِرونها، أيُّهم يكتبُها أولُ((صحيح البخاري:(799).

    وهذا يدل على ما ذكرتُ قبل قليل، من أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة، منه ما هو قوليٌّ، ومنه ما هو فعليٌّ، ومنه ما هو إقرار، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر هذا، على قوله ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا مباركاً فيه، وأخبر عن هذا العدد من الملائكة الذين يبتدرون هذه الكلمة يكتبونها.

    وجاء عن عبد الله بن أبي أوفى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) صحيح مسلم:(476). مما يقوله في هذا الموضع.

    ومن أجمع ما جاء، ما جاء في حديث أبي سعيد، في مسلم: « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ) صحيح بن حبان (1905).

    فإذا قال هذا أو ذاك أو ذكر الأول، كله مما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    التفاصيل
    0
    151
  • الدرس (15) باب صفة الصلاة
  • بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين....

    أمَّا بعد،

     اللهمَّ غفر لنا، ولشيخنا، والحاضرين، وجميع المسلمين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صفة الصلاة، يُستحب أن يأتي إليها بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد قال: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك "، ويقدم رجله اليُمنى لدخول المسجد، و اليسرى للخروج منه ويقول هذا الذكر، إلا أنه يقول "وافتح لي أبواب فضلك"، كما ورد في ذلك الحديث، الذي رواه أحمد وابن ماجه.

    فإذا قام إلى الصلاة قال: " الله أكبر "، ورفع يديه إلى حِذو منكبيه، أو إلى شحمتي أُذنيه، في أربعة مواضع:

    1- عند تكبيرة الإحرام.

    2- وعند الركوع.

    3- وعند الرفع منه.

    4- وعند القيام من التشهد الأول.

    كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويضع يده اليمنى على اليسرى فوق سرَّته، أو تحتها، أو على صدره، ويقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك". أو غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثمّ يتعوَّذ ويبسمل، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ معها في الرَّكعتين الأوليين من الرباعية والثلاثية سورة، تكون في الفجر من طوال المفصل، وفى المغرب من قصاره، وفى الباقي من أوساطه.

    يجهر في القراءة ليلًا، ويسرُّ بها نهارًا، إلا الجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء، فإنه يجهر بها، ثمّ يكبر للرُّكوع ويضع يديه على ركبتيه، ويجعل رأسه حيال ظهره، ويقول "سبحان ربى العظيم" و يكرره.

    وإن قال مع ذلك حال ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"فحسن، ثمّ يرفع رأسه قائلًا: "سمع الله لمن حمده" إن كان إمامًا أو منفردا، ويقول الكل: "ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد".

    ثمّ يسجد على أعضائه السبعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:« أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - والكفين والركبتين، وأطراف القدمين» متفق عليه صحيح البخاري:(779)، صحيح مسلم (490).

    ويقول: "سبحان رب الأعلى" ثمّ يكبر، ويجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى وهو الافتراش، ويفعل ذلك في جميع جلسات الصلاة، إلا في التشهد الأخير، فإنه يتورك: بأن يجلس على الأرض، ويخرج رجله اليسرى من الخلف الأيمن، ويقول "ربِّ اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني"، ثمّ يسجد الثانية كالأولى.

    ثمّ ينهض مكبرًا على صدور قدميه، ويصلي الركعة الثانية كالأولى، ثمّ يجلس للتشهد الأول، وصفته:

    "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا أله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله".

    ثمّ يكبر، ويصلي بالفاتحة باقي صلاته بالفاتحة في كل ركعة.

    ثمّ يتشهد التشهد الأخير: وهو المذكور، و يزيد على ما تقدم: " اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. ويدعو الله بما أحب، ثمّ يسلم عن يمينه وعن يساره ؛ السلام عليكم ورحمة الله. لحديث وائل بن حُجر رواه أبو داوود.)

    الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمًة للعالمين، نبيِّنا محمد وعلى آله، وأصحابه، أجمعين.

    أما بعد،

    بعد ما ذكر المصنف رحمه الله في مقدمة كتاب الصلاة الأحكام المتعلقة بشروط الصلاة، وما يتَّصل بها، انتقل إلى بيان صفة الصلاة، والأصل في صفة الصلاة: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وقاله وأقرَّه، إذ الأصل في صفة الصلاة سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تعالى أسوة للمؤمنين )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(سورة: الأحزاب، الآية (21)، في قوله، وفي فعله، وفي إقراره.

    فما جاء في الصلاة من المسنونات والمشروعات، جاء فعلًا وقولًا وإقرارًا، أما القول فقد قال فيما رواه البخاري، في حديث مالك بن حويرث «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي » "صحيح البخاري"(631). فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بأن تتأسَّى به في صلاتها، فتصلي كما رأته يصلي، هذا خطاب للصحابة الحاضرين المشاهدين له، وهو خطاب للأمة بعده، أن يصلوا على نحو الصفة التي نقلت إليهم عن صلاته صلى الله عليه وسلم.

    فهذا خطاب للأمة الحاضرة، والأمة القادمة، أي هو خطاب للصحابة الذين شاهدوه ورأوا صلاته، وكذلك خطابٌ لمن بعدهم، أن يتأسوا بما نُقل إليهم من صفة فعله صلى الله عليه وسلم، وقد علم الأمة الصلاة بفعله، كما ندبها إلى الاتساء به قولًا، ندبها إلى الاتساء به فعلًا، فجاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: «أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي » صحيح البخاري(917). هذا لتعلَموا أو لتعلَّموا كلاهما صحيح، هذا بيان عملي لصفة الصلاة، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يبين بقوله وعمله: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي.

    إذاً المرجع في صفة الصلاة إلى قوله، وفعله، وإضافًة إلى ذلك إقراره، ومن صور إقراره، ما أقرَّ عليه الرجل الذي لما جاء إلى الصلاة  قال: الله أكبر كبيرا وسبحان الله كثيراً، والحمد لله بكرة وأصيلاً، أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قال عمر رضي الله عنه:" فلم أزل أقول ذلك منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهو إقراره وهو قوله:  «رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول » صحيح البخاري(799).

    المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه فيما يتعلق بالصلاة قولًا وفعلًا، وإقرارًا، المصنف رحمه الله يقول: (يستحب). بدأ بذكر ما يتعلق بمقدمة الصلاة، (يستحب أن يأتي إليها بسكينة ووقار). ووجه ذلك أنه من مشى إلى الصَّلاة فهو في صلاة، من كان ماشيًا إلى الصلاة فهو في صلاة، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه كما في حديث كعب بن عجرة، وإن كان في إسناده مقال عن تشبيك الأصابع، واستدلَّ به العلماء أن التشبيك منهيٌّ عنه، حتى في الطريق وذهاب الإنسان إلى  المسجد.

    (يُستحب أن يأتي إليها بسكينه ووقار). أي هذه الصفة التي ينبغي أن يأتي الصلاة عليها أن يأتي بسكينة ووقار، السكينة والوقار قيل هما مترادفان اسمان لمعنًى واحد، وهو المجيء بأناةٍ وطمأنينة، واتزان في الحركة والمظهر.

    وقيل: بل بينهما فرق، فالسكينة في القلب، والوقار في الهيئة، وهذا أقرب ما يقال في الفرق بينهما، أن السكينة تتعلق بالقلب طمأنينًة و خشوعًا وإخباتًا، وأما الوقار فهو في الصورة والهيئة، بألا يكثر الحركة، ولا يكثر العبث ولا يعدو، وما أشبه ذلك مما يُنافي الوقار.

    ووجه ذلك، أي وجه استحباب المجيء على هذه الصفة، ما جاء في الصحيحين  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إذا أتيتم الصلاة فأتوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» صحيح البخاري (610)، صحيح مسلم(602).

    ثم قال: (فإذا دخل المسجد قال: " بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك "). هكذا جاء في السنة عنه صلى الله عليه وسلم، في هدي ما يقوله المؤمن إذا أتى إلى الصلاة، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي حُميد، أو حديث أبي أَسيد رضي الله عنهما، شك من الراوي قال: صلى الله عليه وسلم « إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك » صحيح مسلم: باب ما يقول إذا دخل المسجد، حديث رقم (68). هذا بخصوص قوله (اللهم افتح لي أبواب رحمتك).

    وأما السلام عليه، فقد جاء في رواية «فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» سنن ابن ماجه (722). وعن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ » سنن الترمذي (234).

    وأما القول بـ (اللهم اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك). فهذا عند الخروج تتمة حديث فاطمة رضي الله عنها.

     قال: (يقدم رجله اليمنى للدخول). لحديث أنس رواه الحاكم والبيهقي وغيرهما، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي قال"من السنة إذا دخلتَ المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى" ولأنها أحق في التقديم وقد كان من هديه في الصحيحين من حديث عائشة «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره» صحيح البخاري:(168). فاليمين للمكرمات، واليسرى لغير ذلك.

    قال: (واليسرى للخروج منه ويقول هذا الذكر، إلا أنه أي يقول هذا الذكر).  المتقدم (بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي)، قال: (إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب رحمتك). لما جاء في حديث فاطمة رضي الله عنها في هدي ما يقوله عند الدخول والخروج، حديث فاطمة رواه أحمد وأصحاب السنن إلا أن الترمذي قال ليس إسناده بمتصل لكنه يعتضد بما في صحيح الإمام مسلم، من حديث أبي أسيد وحديث أبي حميد.

     قال رحمه الله: (فإذا قام إلى الصلاة قال "الله أكبر") هذا بيان وشروع في بيان صفة الصلاة، (إذا قام إلى الصلاة قال الله أكبر). فهم منه أنه لابد من القيام إلى الصلاة، وهذا متفق عليه لا خلاف بين العلماء في وجوب القيام إلى الصلاة، وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ سورة: البقرة، الآية (238). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ سورة: الفرقان، الآية (64).  وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ سورة: النساء، الآية (102). وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ سورة: المزمل، الآية (2،1).

    قال بعد ذلك (فإذا قام للصلاة قال الله أكبر) هذا التكبير هو تكبيرة الإحرام وهي مفتاح الصلاة، وقد أمر الله تعالى بذلك في قوله ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ سورة: المدثر، الآية (3). وفي قوله - جل وعلا -: ﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾ سورة: الإسراء، الآية (111). والاتفاق منعقد على أن الصلاة لا يدخل فيها المصلي إلا بتكبير، جاء ذلك من حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث وائل بن حجر، ومن حديث مالك بن الحويرث، كل من وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يفتتح الصلاة بالتكبير.

    فافتتاح الصلاة بالتكبير متفقٌ عليه بين علماء الأمة، لا خلاف بينهم أن تكبيرة الإحرام، وأن التكبير في ابتداء الصلاة واجب، لا يشرع في الصلاة إلا بتكبير، وتسمى هذه التكبيرة تكبيرة الإحرام.

    ثم قال المصنف رحمه الله: (ويرفع يديه). أي يُسنُّ أن يرفع يديه عند التكبير، والرفع، هل يُقارن التكبير، أو يكون قبله، أو يكون بعده، يعني هل يقول الله أكبر؟ (مع رفع اليدين) أم يقول: الله أكبر؟ (قبل رفع اليدين)، أم يقول: الله أكبر؟ (بعد رفع اليدين)، هذه صفات وردت والعلماء لهم فيها أقوال في مقارنة اليدين للتكبير، وفي تقديم التكبير على الرفع، وفي تقديم الرفع على التكبير، وهل يقول ذلك ابتداءً مع التكبير، وانتهاءً معه، أم يقوله ابتداءً ولا يراعي مدة التكبير، أقوال لأهل العلم.

    والذي يظهر أنّ رفع اليدين ورد على كل الصور، مقارِنًا وسابقًا ولاحقًا، مقارنًا للتكبير، وسابقًا له، و لاحقًا له، كلُّ ذلك جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما نُقل عنه، فقد ورد في ذلك صفاتٌ متعددة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    فجاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كبر ثم رفع يديه، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبر، وجاء عنه أنه رفع يديه حين كبر، وجاء عنه عدة روايات فيما يتعلق بتقديم اليدين، ومقارنة اليدين للتكبير.

    المصنف يقول رحمه الله: (إلى حذو منكبيه أو إلى شحمتي أذنيه). أي يُسنُّ في الرفع أن يكون حذو منكبيه، حذو منكبيه يعني أن تكون اليدان مقابلتين للمنكبين، فحذو الشيء إزاءه، ومقابله، وقريبًا منه، هذان المنكبان، فإذا كبر هكذا، كان حذو منكبيه.

    وجاء (أو إلى شحمتي أذنيه) يعني أن يكون هكذا، شحمة الأذنين هذه التي في أسفل الأذن، أن تكون يداه محاذية لشحمة أذنيه، وقيل إنهما صفة واحدة، وإنما اختلف النقل بالنظر إلى مبدأ اليد ومنتهاها، فمن قال إلى شحمة أذنيه، نظر إلى أطراف أصابعه، ومن قال إلى حذو منكبيه، نظر إلى أسفل يديه.

    فهكذا يكون حذو أذنيه، وحذو منكبيه، والأمر في هذا قريب، سواءً كبر هكذا حذو المنكبين، أو حذو الأذنين، أو وسطهما فكانت أطراف أصابعه حذو أذنيه، وأسفلهما حذو منكبيه، الأمر في ذلك قريب، وكله مما تحتمله النصوص.

     جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الرفع حذو المنكبين، في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه «فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه » صحيح البخاري:(738). وجاء في حديث وائل بن حجر «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، - وصفهما حيال أذنيه -» صحيح مسلم (54) والأمر في هذا كما ذكرت قريب، وكلٌّ جاءت به السنة.

    قال رحمه الله: (في أربعة مواضع). أي يرفع يديه حذو منكبيه في أربعة مواضع من الصلاة، عدَّها المصنف رحمه الله، فيُستحب رفع اليدين (عند تكبيرة الإحرام). وهذه التكبيرة سميت تكبيرة الإحرام ؛لأن بها يدخل في الصلاة، ويحرم عليه ما يحرم فيها، فلما كانت هذه التكبيرة "الله أكبر" التي في بداية الصلاة، تمنعه من الحديث، تمنعه من الحركة التي تبطل الصلاة، تمنعه مما يمتنع منه المصلي، سُميت تكبيرة الإحرام؛ لأن بها يدخل في ما يحرم على المصلي أن يفعله قولًا أو فعلًا.

    قال رحمه الله: (عند تكبيرة الإحرام). وهذا لا خلاف فيه، أنه يُسن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، قال ابن قدامة رحمه الله: "لا نعلم خلافًا بين أهل العلم، في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة". وذكر ابن منذر رحمه الله قال:" لا يختلف أهل العلم في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة". فهذا الرفع متفق عليه بين أهل العلم، الرفع الذي عند تكبيرة الإحرام، وهذا هو الموضع المتفق عليه، وأما بقية المواضع الثلاثة، فهي مما وقع فيه خلافٌ بين أهل العلم.

    أما الموضع الثاني قال: (وعند الركوع). أي يرفع يديه عند الركوع، وأيضًا في موضع الرفع، هل هو قبل أن يركع؟، أم أثناء حال ركوعه؟، كلامٌ لأهل العلم كالسابق، فيُكبر رافعًا يديه، يرفع يديه ثم يكبر، ويكون تكبيره حين يركع، التكبير ليس حال القيام على الصحيح، بل التكبيرات كلها تكون في موضع الانتقال، حين الانتقال، فكبر حين ركع، ورفع اليدين في هذا الموضع سيأتي دليله في كلام المصنف، وعند الرفع منه أي عند الرفع من الركوع يكبر.

    والمشهور من المذهب مذهب الحنابلة الاقتصار على هذه المواضع الثلاثة في التكبير، وهي التكبير تكبيرة الإحرام، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ورفع اليدين عند الركوع، ورفع اليدين عند الرفع من الركوع، مع التَّسميع، أو التَّحميد.

    أما الموضع الرابع قال: (وعند القيام من التشهد الأول). أي يُسن له رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول، المصنف طوى الاستدلال فقال: كما صحَّت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففُهم من كلام المؤلف أن هذه الصفة وردت في جملة من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    جمعها حديث ابن عمر في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده» صحيح البخاري:(736). قال ابن عمر «ولا يفعل ذلك في السجود». صحيح البخاري:(736). أي نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد رفع يديه في السجود، سواءً للسجود، أو الرفع منه، سواءً كان رفعًا للجلسة بين السجدتين، أو رفعًا قيامًا من السجود، إما لتشهد، أو للقيام للركعة الثانية.

    وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي قلابة أيضًا، وهو في البخاري: «إذا صلى كبَّر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه » صحيح البخاري:(737). فجاء ذلك من حديث عبد الله بن عمر، وكذلك من حديث أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

    وأما الرفع في الموضع الرابع، وهو عند القيام من التشهد فقد جاء في حديث أبي حميد، أنه كان إذا قام من الركعتين رفع يديه، وهذه المواضع اقتصر العلماء على رفع اليدين فيها، وأما ما عدا ذلك، فقد قال ابن عمر رضي الله عنه، «ولا يفعل ذلك في السجود » صحيح البخاري:(736). وجاءت أحاديث فيها الرفع، رفع اليدين في السجود، لكن أسانيدها لا تخلو من مقال، كما إنها مخالفة لما دل عليه حديث عبد الله بن عمر.

    ولو صحت تلك الأسانيد، وثبتت تلك الأحاديث، لقلنا إن ابن عمر أخبر بما رأى، فلا يمنع من إثبات ذلك كما أننا قلنا إن حديث ابن عمر لم يتضمن الرفع من القيام من التشهد، وثبت في حديث أبي حميد فأضيف، فما في حديث ابن عمر هو أنه نفى الرفع في السجود، ولم ينفِ فيما سواه، فلو أنه ثبت أنه رفع في السجود، لقيل إن ابن عمر أخبر بما رأى، وما رآه ليس حجةً على ما رآه غيره ورواه إذا ثبت، وهذا مأخذ من قال بأنه يرفع في كل تكبير، في سجودٍ وغيره، أخذ ذلك من الأحاديث الواردة.

    لكن جمهور العلماء على أنه لا تصح تلك الأحاديث، وبالتالي لا يثبت الرفع في غير ما ذكر ابن عمر رضي الله عنه، وما جاء في حديث أبي حميد.

    التفاصيل
    0
    164
مقالات
  • مفطرات الصيام المعاصرة
  • الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلِّم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اتَّبع سنَّته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد.

    فإنَّ الصوم ركن من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره العظام، فرضه الله تعالى على أهل الإسلام، كما دلت على ذلك الأدلَّة من الكتاب والسنة، وقد أجمع على ذلك علماء الأمة.

     فواجب على كلِّ مسلم ومسلمة، أن يتعلَّم من أحكام الصيام ما يُقيم به هذا الرُّكن على الوجه الذي يُرضي الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان لله خالصاً، ولهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم موافقاً، ومن وسائل تحقيق ذلك مطالعة مراجعة كتب أهل العلم فقد كتبوا في الصومِ قديماً وحديثاً، في مسائله وأحكامه، ونوازله  ومستجداته، فمن طالع ذلك أدرك كثيراً من أحكامه، ومن أشكل عليه شيء، واحتاج إلى مزيد إيضاح وبيان؛ فليسأل أهل العلم والبيان، كما أمر الله في محكم القرآن، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل:43.

    ولمَّا كان الصوم يقوم على ركنين: الأول: النية، والثاني: الإمساك عن المفطِّرات، كان لزاماً على المسلم أن يتعرف على المفطرات التي يلزمه الإمساك عنها، وقد بيَّن الله تعالى أصول المفطرات فقال:﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ سورة البقرة:187،فأصول المفطرات، هي ما أمر الله تعالى بالإمساك عنه في يوم الصيام، فذكر في الآية ثلاثة منها وهي: الجماع والأكل والشرب، وجاء في السنة المطهرة: أنَّ الحيض والنفاس، وتعمُّد إخراج ما في الجوف بالاستقاءة، من المفطرات، وقد أجمع على ذلك أهل العلم؛ فتكون المفطرات المجمع عليها هذه الأشياء الخمسة آنفة الذكر.

    أما ما عداها من المفطرات فقد اختلف أهل العلم في حصول الفطر بها، وسبب هذا الاختلاف منه ما يرجع إلى العلم بالدليل أو الاختلاف في ثبوته، أو في فهمه أو في تحقيق مناطه في الوقائع والنوازل والمستجدات.

     والمطالع في دواوين الفقه وشروح السنة يقف على أشياء عديدة، اختلف العلماءُ في كونها مفطِّرة: كالحجامة، والاستعاط، والاكتحال ونحو ذلك، وقد جدَّت مع الثورة الصناعية التي غيرت نمط حياة الناس أشياء كثيرة متصلة بالمفطرات، اختلف العلماء المعاصرون في كونها مفطرة، وغالبُها ذو صلة بالطب كشفاً وتشخيصاً ومعالجة ودواءً، كالبخَّاخات المستعملة في علاج الصَّدر، وأنواع المناظير الطبية المستعملة في التَّشخيص والعمليات، والحقن بأنواعها، والقطرات في العين والأنف والأذن، وحَقْنِ الدَّم وسحبه، وأنواع الغسيل الكلوي، والتَّخدير والتَّبنيج وغير ذلك.

    ومن الجدير بالذكر أن في كلِّ مسألة من هذه المسائل، أقوالاً واستدلالات ومناقشات وترجيحات، صدرت في غالبها قراراتٌ من مجامع فقهية، وهيئات علمية، ولجان شرعية توضِّح حكمها من حيث كونها مفطرة أو لا.

    ومما ينبغي أن مراعاة عند النظر في اختلاف العلماء في المفطرات المعاصرة، أنه لا يُحكم في شيء من الأشياء أنه يُفطر إلا بدليل، وهذا أصل متفق عليه بين أهل العلم، وذلك أنَّ الله ورسوله، قد بيَّنَّا ما يحصل به الفطر، فلا يُزاد على ما جاء في الكتاب والسنة، فإذا كان لدى المسلم قدرةٌ في التَّوصُّل إلى حكم هذه المسائل المستجدة، فالواجب عليه بذل الوُسع في ذلك ويلزمه ما انتهى إليه اجتهاده، وأما إذا كان غير قادر على ذلك كما هو حال عامة الناس من غير المتخصِّصين؛ فإن الواجب عليه ما أمره الله تعالى به من الرجوع إلى أهل الذكر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾، فإذا اختلفت عليه الأقوالُ في شيء، هل هو مفطِّر أو لا، فإن أمكنه أن يعرف الراجح من الأقوال فهذا هو المطلوب، وإلا فإنَّ عليه أن يأخذ بقول الأعلم من المختلفين، فإن كانوا في العلم سواءً؛ فبقول الأكثرين من أهل العلم، فإنه أقربُ إلى الصواب في الغالب، والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    553
  • أهمية الاستعداد لاستقبال مواسم الطاعات
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمن المهم لكل مؤمن ومؤمنة، لكل فرد في هذا الكون أن يعلم أنه إنما خلق لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، الله جل وعلا يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56، ويقول سبحانه وبحمده: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}الملك:2، فهذه الدنيا هي دار عبادة وابتلاء واختبار، وقد كلف الله تعالى العباد فيها بألوان وأنواع من التكاليف، ونحن لم نُخلق إلا لغايةٍ عظمى ومقصد أسمى، ألا وهو تحقيق العبودية لله تعالى، فلا تقرُّ حياة الناس ولا تستقيم دنياهم ولا تصلح آخرتهم، ولا تسعد قلوبهم ولا يدركون شيئاً من الطمأنينة والانشراح في هذه الدنيا إلا إذا حققوا هذه الغاية؛ ألا وهي عبادة الله تعالى، فعبادة الله جل وعلا هي مشروع حياة، ليست مشروع حياة فردي، بل هو مشروع حياة للناس كافة، فالله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، بالهدى الذي هو العلم النافع، ودين الحق الذي هو العمل الصالح.

    فمهمة كل إنسان هو تحقيق العبودية لله تعالى، وهذه العبودية هي في الأصل عبودية القلوب؛ لأنه إذا لم تدن هذه القلوب وتذل وتخضع لله تعالى فلا فائدة في أن يقوم الإنسان ويقعد ويذهب ويجيء ويفعل ويترك لأنه عمل لا روح له، فروح العبادة هو عبودية القلب لله تعالى، ومن رحمة الله جل وعلا بعباده أن يسر لهم من الشرائع ما يحقق هذه الغاية، فنحن إذا نظرنا إلى هذا المقصد الكبير والهدف العظيم؛ فإن هناك وسائل لتحقيق هذا الهدف، هناك آلات وأدوات لتحقيق هذا الهدف، إن آلات وأدوات تحقيق هذه الغاية -وهي تحقيق العبودية القلبية والعبودية التامة لله تعالى في الجوهر والمظهر، في الباطن والظاهر- هو ما جاء في شرائع هذا الدين الكريم الذي شرع الله تعالى فيه ألواناً من العبادات الظاهرة والباطنة، التي بها يتحقق المقصود الرباني من هذا الكون وهو تحقيق العبودية لله تعالى.

    فعلى سبيل المثال: العبودية الظاهرة رأسها الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، وكذلك الزكاة والصيام والحج، فهذه أصول وأركان تبنى عليها سائر ألوان وأنواع العبادات، فنحن إذا اشتغلنا بهذه العبادات فإنه ينبغي أن نعلم أننا نحقق غاية ألا وهي عبودية القلب، ولذلك لو أن الإنسان عجز مثلاً عن الصلاة، أو عجز عن الزكاة، أو عجز عن الصيام، أو عجز عن الحج، هل هذا يعني أنه ليس عبداً لله تعالى؟ الجواب: لا هو عبد لله سبحانه وبحمده؛ لأن هذه وسائل، وإذا كانت وسائل فتخلفت، فلا يعني هذا أن الغاية مَلغيَّة أو غير موجودة، فلذلك ينبغي أن ننظر إلى هذه العبادات وهذه الشرائع بهذا المنظار: أنها وسائل لتحقيق غاية عظمى ومقصد كبير ألا وهو عبودية القلب لله تعالى، الذل الذي هو مفتاح العبودية، والمحبة التي هي عنوانها الأكبر، فالعبادة تقوم على هذين الركنين القلبيين: غاية المحبة مع غاية الذل.

    ولا شك أن من رحمة الله بنا أن نوَّع الطرق الموصلة إليه، فلم يجعل الطريق الموصل لتحقيق هذه الغاية صلاة أو زكاة أو صياماً، بل هي منوعة، فمنها ما يتصل بالبدن، ومنها ما يتصل بالمال، ومنها ما يتعلق بين العبد وربه، ومنها ما يتعلق بحقوق الخلق، ألوان وأصناف من العبادات تندرج تحت هذه التقسيمات.

    فنحن نستقبل هذا الشهر المبارك، شهر رمضان الذي فيه من ألوان العبادة والطاعة ما تنشط له النفوس، ويجد فيه الإنسان لذة وروحاً وطمأنينة وسكناً، وهذا الموسم الكريم يحتاج إلى شيء من التهيئة، فالتهيئة نوعان: تهيئة قلبية بالاستعداد، وهذا ما كان عليه سلف الأمة، لما كانوا كما قال المعلى بن الفضل: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان. هذه تهيئة قلبية. وهناك تهيئة عملية، وهي أن يتمرن الإنسان على العمل الصالح قبل مجيء الشهر، حتى إذا جاء الشهر يكون قد مَرِن جسمُه وتدرب بدنه على القيام بالطاعات، ولهذا كان السلف يكثرون من قراءة القرآن في هذا الشهر، وكان بعضهم يغلق حوانيته حتى يتفرغ لقراءة القرآن في شهر شعبان، حتى إذا جاء رمضان وقد تهيأت نفسه ونشطت للأعمال الصالحة بأنواعها وألوانها.

    ولذلك شرع النبي صلى الله عليه وسلم الصوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر قط.. تقول عائشة كما في الصحيحين: «ولم أره في شهر أكثر صياماً منه في شعبان»، والعلة في هذا هي تهيئة النفس لاستقبال هذه الفريضة.

    نحن نحتاج إلى أن نأخذ بهذه السنن وأن ندرك معانيها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم رمضان هكذا بلا غاية ولا علة، بل هو نوع من التهيئة التي تتهيأ بها النفوس.

    وأيضاً السنن الراتبة مثلاً، التي تكون قبل الفجر، وتكون قبل الظهر، وتكون بعد العشاء، كل هذا نوع من التهيئة أو التكميل، نوع من التهيئة هذا في السنة القبلية، ونوع من التكميل هذا في السنن البعدية، فينبغي أن نشتغل بالعبادات، وأن نهيئ لهذا الشهر نفساً قد تروضت على الطاعة، وأقبلت على الله تعالى واستعدت للعمل الصالح.

    وأسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم، وأن يبلغنا وإياكم رمضان، وأن يرزقنا فيه صالح الأعمال.

    التفاصيل
    0
    1185
  • يوم صومك مختلف عن يوم فطرك
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    فالصوم غرضه وغايته هو تحقيق التقوى لله جل وعلا، هذا هو الغرض والمقصود من الصوم، ولذلك قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183.

    وقد يقول قائل: ما معنى التقوى؟ التقوى: هي الاشتغال بالطاعة والبعد عن المعصية، رغبة في ثواب الله تعالى وخوفاً من عقابه.

    هذا التعريف الميسور المختصر للتقوى، فالتَّقيُّ هو ذاك الذي يفعل الطاعات ويجتنب المحرمات، وهو في الفعل والترك بين خوف ورجاء، رغبة ورهبة، لا يتركه عادة ولا يأتيه عادة، لا يترك المحرم عادة وحياءً من الناس، ولا يأتي الواجب عادة وموافقة للناس، بل يأتيه رغبة ورهبة، رغبة فيما عند الله تعالى ورهبة منه. وهذا هوالمعنى العام الذي من أجله شرع الله تعالى الصيام، ولهذا ينبغي للصائم أن يفتش عن هذه الحكمة في نفسه وفي خلقه وفي عمله، حتى يفوز بأعظم الأجر.

    فالصوام- وهم الممسكون عن الطعام والشراب- كُثر، لكن بين أجر صائم وصائم كما بين السماء والأرض، وذلك باختلاف ما يقوم في قلوبهم من الإخبات والإخلاص وصدق الإيمان والبرهان، ولاختلاف ما تترجم ممَّا في القلوب من الأعمال، وهذا الذي قام في القلب ينبغي أن يترجم إلى الجوارح صلاحاً في المسلك، وصدقاً في العمل، وبعداً عن السوء والشر، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جنة»، ومعنى جنة: أنه وقاية يقي به الإنسان نفسه الشرور والفساد، وهذا يفيد أنه ينبغي أن يكون الصوم على هذه الصورة وقاية، كما لو كان الإنسان داخلاً في حصن يمنعه من السوء والفساد والشر وسيء الأخلاق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن امرؤ سابه أوشاتمه فليقل: إني امرؤ صائم))، أي: ممتنع عن مبادلتك بالإساءة لأني صائم، وهذا يبين أن الصوم سلوك في القلب يترجم إلى العمل وهو بأن يكف الإنسان نفسه عن كل سيء من الأخلاق ولو كان ذلك في مقام الانتصاف للنفس، فالله تعالى يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} النحل:126، ويقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى:40، ومع هذا فالصائم مأمور بالترفع والاعتلاء على هذه النوازع، وهذه الرغبةُ في المجازاة بالمثل، بأن يقول: إني امرؤٌ صائم،فيكفّ لسانه عن مجاراة السفهاء، ويكفَّ عمله عن الوقيعة في السوء، ينبغي أنيكون صوم أحدنا ترجمة لإيمانه وصدق يقينه بثواب الله تعالى، ولهذا قالالنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من صامرمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا ما أشرت إليه قبلقليل أن الناس تتفاوت أجورهم بحسب ما قام في قلوبهم من التصديق والبرهان،ولهذا من الضروري أن نفتش عن هاتين الخصلتين في صيامنا: الإيمان والاحتساب.

    والإيمانيتحقق بالإقرار، فإذا أقر الإنسان بوجوب الصيام فقد آمن بشرعيته،والاحتساب هو أن يأمل العقبى عند رب العالمين، فإن عاقبة الصوم عظيمةجليلة، فهي مما يدخل في قول الله جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّىالصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر:10، ويكفي فيه ما جاءفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عملابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به »

    ومما ينبغي أن يتنبه إليه الصائم، ما ذكره جماعات من السلف: ينبغي أن يكون يوم صومك مختلفاً عن يوم فطرك، وهذا الاختلاف ليس في الكسل والضعف والتواني عن الأعمال والتأخر عن الواجبات وسوء الأخلاق، كما هو شأن كثير ممن يُتبع نفسه هواها، ويجعل الصيام فرصة للتنفيس عن العادات الرديئة؛ احتجاجاً بأنه صائم، وأنه منهك وأنه مرهق، فهذا غلط، بل ينبغي أن يكون الصوم حاملاً للإنسان على طيب الأخلاق وزكيها، وعلى النشاط، وعلى القيام بالواجبات وأداء الحقوق، وهو بطاعته لله تعالى في صيامه أعظم أجراً من طاعته لله تعالى فيغير الصيام، وذلك أن مشقة الصوم تؤثر على الإنسان ضعفاً، فإذا حمل نفسه على طاعة الله تعالى كان ذلك من أسباب الأجر، كما في الصحيح من حديث عائشة رضيالله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «أجرُكِ على قدر نفقتكِ ونصبكِ» يعني: على قدر ما تنفقين من المال، وعلى قدر نصبه، وهو الجهد والتعب الذي يبذل في تحقيق طاعة الله جل وعلا.

    فهذه جملة من الخصال التي ينبغي أن لا تغيب عن الإنسان في يوم صومه، وخلاصته: ينبغي أن يكون يوم الصوم مختلفاً عن يوم الفطر، لا اختلاف نزول، بل اختلاف زكاء ونماء وصلاح وتقوى وإيمان.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    التفاصيل
    0
    769
  • حول شهر رمضان
  • الحمدلله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينامحمد وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فلاريب أن المؤمن تتوق نفسه إلى مواطن البر ومواقع الخير وأزمنة المغفرةوالرحمة، الله تعالى يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْوَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} آل عمران:133، ويقول جلوعلا: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} الحديد:21، ورمضان هومن الأشهر التي تتنوع فيها أسباب المغفرة، وتتلوَّن فيها أسباب العطاياوالهبات والمنِّ، من رب عظيم كريم يجزي بالعطاء على القليل الكثير.

    وحقهذا الشهر لاشك أن النفوس تتوق إليه؛ لأنه شهر فيه حط الخطايا، فالنبي صلىالله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم منذنبه»، هذا عمل النهار، «ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدممن ذنبه»، وهذا عمل الليل، ثم يكمل الفضل ويزداد الجود فيقول صلى الله عليهوسلم: «من قام ليلة القدر»، ليلة واحدة من هذا الشهر، «إيماناً واحتساباًغفر له ما تقدم من ذنبه»، فلاشك أن النفوس تتوق لمثل هذا الموسم المباركالذي يجزل الله تعالى فيه العطاء، ولو لم يكن في الصيام إلا أن النبي صلىالله عليه وسلم يقول فيما يخبر عن الرب جل وعلا: «يقول الله سبحانه وبحمده: الصيام لي وأنا أجزي به» لكان ذلك كافياً، فإنه ما من عمل ذكر الله تعالىفيه أجراً كهذا الأجر، وهو أنه أضافه إليه سبحانه وبحمده.

    وإذاقيل لك: هذا للملك، كان هذا مدعاة لرفعة شأنه وعلو مكانته، فكيف والذيأضافه إليه هو ملك الملوك جل وعلا سبحانه وبحمده، فلا شك أنه موسم كبيرمبارك، ولو لم يكن فيه إلا هذه الفضائل لكان كافياً في أن تتلهف النفوس إلىلقياه وإلى الاجتماع به، والله يعطي على القليل الكثير، وبه نفهم السرالذي جاء في قول المعلى بن الفضل: كان سلف الأمة يدعون الله ستة أشهر حتىيبلغهم رمضان، ويدعون الله ستة أشهر حتى يتقبل منهم.

    إذاً: هم في ارتباط عام ودائم بهذا الشهر، في استقباله وفي تخليفه والذهاب عنه.

    التفاصيل
    0
    742
  • مقال شبكات التواصل تحاصرنا
  • الإنسان مدنيٌّ بطبعه فلا حياة له إلا بالتواصل مع بني جنسه، وخلافُ هذا هو خروج عن الطبيعة البشرية، وقد عهد الناس عبر تاريخهم البشري أوجهاً من التواصل بينهم عبر قنواتٍ عدَّة، غالبها يعتمد على المباشرة والمعرفة الشخصية التي لها أسبابها المعهودة  من الاشتراك في بلد أو قبيلة أو عرق أو عمل أو حرفة، أو غير ذلك ، وفي كثير من الأحيان قد يفرضُ ذلك ألواناً من التواصل الاضطراريِّ الذي لا يتمكن المرء من تفاديه والنأي عنه حتى قيل في هذا النوع من التواصل المكروه المفروض:

    ومن نكد الدُّنيا على الحرِّ أن يرى***عدوَّاً له ما من صداقته بدٌّ من شعر المتنبي  انظر "دواوين الشعر العربي على مر العصور

    وقد أتاحت التقنية الحديثة وثورة الاتصالات أنماطاً من التَّواصل لم يكن للناس بها عهد ولا معرفة، أتاحت  لكلِّ راغب أن يُشَّكل ما يشاء من الصلات في عالم افتراضيٍّ متنوِّع، لا يحدُّه مكان ولا زمان ولا جنس ولا سن،  في تواصل عالميٍّ واسع الانتشار، استوعب العالم بكل ما فيه، كما استوعب جميع أوجه التواصل، سواءٌ  أمان عبر الكلمة كما في تويتر والفيس بوك، أمعبر الصوت والصورة كما في برنامج الكيك، أوعبر الصور الفوتغرافية التي ينتقيها المشاركون أو يلتقطونها  كما في برنامج إنستقرام ، وبهذا تكون شبكات التواصل الاجتماعيُّ  قد استوعبت كل أوجه التواصل الممكنة بين الناس .

    وكل هذه الأنواع من التواصل الاجتماعي، أحدثت نُقلة في حياة كثير من الناس، فصار الاشتغال بهذه الشبكات بأنواعها في الحياة اليومية لكثير من الناس على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم ومستوياتهم التعليمية .

    بل إنك ترى هذا العالم الافتراضيَّ يحاصر العالم الحقيقيَّ، حتى يخنقه أو يكاد.

    وقد توالت الدراسات والتوصيات في ترشيد هذا التواصل لجني ثماره وتوقِّي عِثاره، فبقدر ما يحصل فيه من خير ومنافع للناس، بقدر ما تتهاوى فيه قيم وتزلُّ فيه أقدام، ليس في مزالق الشهوات فحسب بل فيما هو أخطر، من مهاوي الشبهات والانحرافات الفكرية المتنوعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالتأكيد  إنَّ كثيرين  يتواصلون عبر هذه الشبكات دون هدف أو رؤية أو رسالة، بل متعة أو محاكاة أو تجربة أو استطلاعاً، لذا كان من المهم إشاعة أدبيات التعامل مع هذه الشبكات وإدراك منافعها ومعرفة مخاطرها، فإنَّ من يدخلها دون ذلك كالذي يبحر في محيط متلاطم الأمواج بقارب صغير فهو بين غرق وعطب، ويتأكد ضرورة العناية بتوعية المستخدمين لهذه الصفحات المتنوعة حداثة سن أكثرهم، وقلة تجربتهم الحياتية، وكثرة المتربصين الذين وجدوا في هذه الصفحات منفذا وطريقاً للوصول إلى شرائح وأذهان يصعب عليهم التواصل المباشر معهم، مما يتطلب رفع مستوى المناعة الفكرية والأخلاقية، والرقابة الذاتية والقدرة على الفرز والتمييز بين الصواب والخطأ ، والخير والشر، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

    كتبه

    أ.د خالد المصلح

    أستاذ الفقه بجامعة القصيم

    11 / 2 / 1435هـ

    التفاصيل
    0
    7127
  • مقال الشهر: اليوم الصالح عاشوراء
  • عاشوراء يوم صالح هكذا وصفه بنو إسرائيل عندما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم لماذا تصومونه، قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال صلى الله عليه وسلم:«فأنا أحق  بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه أخرجه البخاري(2004).

     عاشوراء يوم صالح أظهر الله تعالى فيه الحق وأزهق الباطل، كما قال تعالى:{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة الأعراف:118، كيف لا يكون يوما صالحا، وظهور الحق به صلاحُ العالم وسعادة البشرية.

     عاشوراء يوم صالح نصر الله أولياءَه وأنجاهم، نَجَّى الله فيه كليمه موسى وقومه وخذل أعداءه وأخزاهم، فأغرق فرعون وجنده، كما قال تعالى :{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} سورة غافر:45

     عاشوراء يوم صالح يتذكر فيه أهل الإيمان فضل الله عليهم بنصر إخوانهم المؤمنين وصنعه لهم، فأخوة الإيمان تتجاوز كلَّ حدود الزمان والمكان، فتجمع أهل الإيمان على اختلاف أممهم وأنبيائهم وأنسابهم وأزمانهم، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} سورة الأنبياء:92 ، فيفرح المؤمن بنصر إخوانه ولو تباعد ما بينهما من زمان فهو أحق بهم من أي أحد فرابطة الإيمان فوق كل رابطة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبني إسرائيل لما قالوا له هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى:« فأنا أحق بموسى منكم» نعم هو بأبي وأمي أحقُّ بموسى من اليهود. عاشوراء يوم صالح من صامه كَفَّرَ ذنوب السنة التي قبله، ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»"صحيح مسلم"(1162). .

     عاشوراء يوم صالح تدرك فضيلته بصوم اليوم العاشر من محرم ولو بصيامه منفرداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قَدِمَ المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم وقال:«ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»، فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فنحن أحق وأولى  بموسى  منكم» أخرجه مسلم(1130) ، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.

    عاشوراء يوم صالح كان صلى الله عليه وسلم يصومه قبل هجرته موافقة لقومه حيث كان يوماً تعظمه قريش فيكسون فيه الكعبة ويصومونه. عاشوراء يوم صالح أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم على صومه، فكان الصحابة رضي الله عنهم يصومونه ويصوّمون صبيانهم وصغارهم المطيقين للصيام، كما جاء ذلك في "صحيح البخاري" من طريق خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوّذ قالت أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار «من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم» قالت: فكنا نصومه بعد، ونُصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار. عاشوراء يوم صالح قضاءً وقدراً بما أجراه الله تعالى فيه من نجاة موسى وقومه وهلاك فرعون وجنوده، وهو يوم صالح ديانة وشرعاً من صيامه وبما تفضَّل فيه على صُوَّامه من حطِّ ذنوب عامٍ قبله. أصلح الله لي ولكم الأيام والأعمال.. آمين.

    التفاصيل
    0
    7924
محاضرات
  • ابن عثيمين سيرة ومسيرة.
  • الحمد لله حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، كما يحبُّ ربنا و يرضى، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى علي نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

     أما بعد.

     في هذه الليلة ليلة السَّابع عشر من شهر شعبان عام ألف وأربعمائة وأربعة وثلاثين للهجرة النبوية، يسرُّني الالتقاءُ بكم في هذه الصالة، في هذا المكان، في مؤسسة شيخنا محمد بن صالح العثيمين الخيرية.

     حديثنا في هذه الليلة، حديث حرت في كيفية التعاطي معه، ذاك أني سأتكلم عن علم من أعلام الأمة، وهو شيخنا؛ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وعندما تتحدث عن شخص بهذه القامة، يمثل تاريخاً يمتدُّ أكثر من نصف قرن في العطاء، والبذل والتعلم والتعليم والنفع والخير، تُوقن وتجزم يقيناً، إنك لن تستطيع أن تستوعب جوانبَ هذه الشخصية، في محاضرة، أو في كلمةٍ في دقائق تنقضي، فتأملت في كيفية التناول لهذه المحاضرة، سبق أن ألقيت محاضرة قريبة من هذا الموضوع، لكنها من زاوية أخرى، وهي شيخنا ابن عثيمين، كما عرفته، اليوم لست متحدثاً عن معرفتي الشخصية به( رحمه الله)، إنما أتحدث عن علم من أعلام الأمة، في هذه القرون المظلمة، التي يفتقر الناس فيها إلى الهدايات، وإلى أنوار النبوة، الحديث عن شيخنا محمد بن صالح العثيمين حديث صعب حقيقة، ذاك أنه عالم جليل امتد عمره في حقبة زمنية امتازت بجملة من المميزات، لذلك قبل أن أخوض في الحديث عن شيخنا( رحمه الله)، أحبُّ أن أعرض المحاور التي من خلالها سأتناول سيرة شيخنا رحمه الله، وهي محاور معدودة لكنها تمثل إضاءات في سيرة هذا العَلم من خلالها نستجلي مسيرته، من خلالها نستطيع أن نعرف شيئاً من شخصية هذا العالم، لاسيما وأن شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، لم تحظ سيرته بتأليف يستوعب ذكر الجوانب المهمة في حياته، ما يتعلق بكثير من المقدمات وكثير من العرض الذي يًكتب عن سير العلماء، هو في الحقيقة ترجمة للمتكلم أكثر منها للشخص المترجم له: فيقول الشخص: رأيت الشيخ وجلست معه وقلت له وقال لي، فهي جوانب شخصية في الحقيقة، لا تُبيِّن المنهج والمسيرة والطريقة التي انتهجها هذا العالم، لهذا حريٌّ بشيخنا رحمه الله أن يُعنى طلابه ومحبوه، والمؤسسة علي وجه الخصوص، بدراسة تبرز جوانب شخصية الشيخ محمد بن صالح العثيمين، لا في الجانب الشخصي فقط بل في المسيرة ككل، سأتناول سيرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله من خلال النقاط التالية:

    النقطة الأولى: النشأة والبيئة.

    والنقطة الثانية: ابن عثيمين متعلماً وعالماً ومعلماً.

    النقطة الثالثة: مسيرته الحياتية (يومياته رحمه الله وحياته اليومية).

    النقطة الرابعة: حياته الأسرية والاجتماعية.

    والنقطة الخامسة: ابن عثيمين إماماً. ثم بعد ذلك وفاته رحمه الله.

    هذه نقاط رئيسة، تحتها العديد من القضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتجلية، ابتداءً: لماذا نقرأ سير العلماء؟

    سير العلماء هي حياة الأرواح، هي طيب القلوب، هي البهجة التي تعمر نفس القارئ، لما يراه من نماذج نيرة، التي من خلالها تشرق نفسه، ويستفيد منها عبرة وعظة، ولهذا كان السلف رحمهم الله يحرصون على قراءة السير، بل الله جلَّ في علاه في محكم كتابه وهو أطيب كلام وأصدق حديث يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ سورة يوسف، الآية:111، قراءة سير العلماء والصالحين والأئمة، تبعث النفوس على العمل الصالح، وعلى العمل الجادّ، وعلي التشبه بأهل الخير، وعلى الاهتداء بهديهم، كما قال الله تعالى بعد أن قصَّ خبر من قصَّ من النبيين قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فبهادهم اقْتَدِهِ سورة الأنعام، الآية:90، فتشبَّهوا إن لم تكونوا منهم، إن التشبه بالكرام فلاح.

     إنَّ قراءة سير الصالحين هي الترجمة العملية، لما حوته صدورهم من المعارف والعلوم، ومن المعاني والخصالِ، ولذلك ينجذب الإنسان لقراءة السيرة، لما فيها من الترجمة العملية النظرية، قد تسمع من يُثني على الكرم بياناً واضحاً جلياً طويلاً، لكن عندما تقرأ قصة في الكرم سيكون لها من الوقع في نفسك والتأثير عليك، أكبر بكثير من قراءتك لمدح الكرم والثناء عليه، ذاك أن الترجمة العملية لها من التأثير ما ليس لغيرها، ولهذا امتاز الصحابة رضي الله عنهم عن بقية طبقات الأمة، لأنهم شهدوا التنزيل، وشهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتقوا به، وأخذوا عنه، فكان ذلك ميزةً لا تحصل لفئة ولا لطبقة من طبقات الأمة عبر القرون.

     شيخنا محمد ابن عثيمين رحمه الله، ولد في السابع والعشرين من شهر رمضان، عام سبعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة النبوية، ووُلد الشيخ رحمه الله ببيتٍ من أهل هذه البلدة "عنيزة" بيتٍ متواضعٍ من أبوين نحسبهما صالحين، فترعرع ونشأ في كنف والديه، في صلاحٍ وخيرٍ.

    قبل أن نتكلم عن مراحله التعليمية رحمه الله، وما مرَّ به من أطوار في التعلم، الوقت الذي وُلد فيه الشيخ تميز بسمات، ذاك أنه ولد رحمه الله في عام سبعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم بعد ذلك توالت أحداث إبّان حياته أبرز ذلك: احتلال فلسطين، إعلان المملكة العربية السعودية دولة بهذا المسمى، واجتماع الناس على الملك عبد العزيز رحمه الله، بعد أنواع من الاضطرابات والخلافات، التي كانت نهايتها في سنة ولادته رحمه الله، حصول عدة انتكاسات للعرب في قتالهم ومحاربتهم لليهود، وجود متغيِّرات كثيرة في حياة الناس، من أبزرها فيما يتعلق بالشيء المباشر لحياة شيخنا رحمه الله، هو التطور الذي شهدته البلاد، فتزامنت نشأته باكتشاف البترول، الذي كان سبباً لانفتاح الدنيا على الناس، وتغير أحوال الناس، ولاحظ أن هذا التغير له تأثير، الشيخ رحمه الله أول حج حجه في حج الفريضة، كان على سيارات اللواري القديمة، التي كان يركب فيها الناس في العراء ويتكبدون المشاق في الوصول إلي مكة، وليس هناك طرق معبدة، فهي نشأة في بدايتها شهدت الحال الأولى التي كان عليها الناس في وسط الجزيرة العربية، التي يقول بعض العارفين بالتاريخ أنها تشبه المجتمع المدني في كثير من النواحي، من حيث المدنية، فالناس يسكنون في بيوت من طين، يشتغلون ويمتهنون الزراعة، وأرزاقهم محدودة بالتجارة وبالرعي، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانت معهودةً في زمان النبوة، فلم يكن هناك نقلة كبيرة بين ذلك الحال التي كان عليها الناس في حاضرة وسط الجزيرة العربية "نجد"، وبين ما كان عليه الحال زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حصل التغير بانفتاح كنوز الأرض على الناس، واكب الشيخ هذا التغير، فشهد الشيخ مجيء المخترعات بشتى صورها في بداياتها، طبعا هذا التغير الذي كان في أول الوقت، كانت له تبعات من حيث القبول والرفض، فمن الناس من لم يقبل، وعدَّ ذلك نوعاً من الإحداث والخروج عما كان عليه السلف، وبعضهم تقبَّل، وأخذ من هذه المنتجات والمخترعات والمبتكرات ما يناسب العصر، وما يناسب الحياة، وما يخدم الدين.

     والحوادث في هذا كثيرة فمثلاً: المكبرات، لواقط الصوت في المساجد، التكييف، أشياء عديدة، الراديو، السيارات، أشياءٌ كثيرةٌ كانت في أول فترة في حياة الشيخ رحمه الله، حادثة جديدة على الناس، هذا بالتأكيد سيلقي نوعاً من التأثير، على من يعيش في هذا العصر، من حيث تقبل التغير، هذا ما يتصل بالحالة الاجتماعية والمدنية في زمانه رحمه الله، إذا نظرنا أيضاً إلى الجانب الفكري والمذاهب والأفكار، كانت مرحلة عاصفة، حيث شاعت الأفكار بشتى صورها المنحرفة (اشتراكية، شيوعية، وجودية، رأسمالية)، وكان لها حضورٌ وتأثيرٌ على الشباب، والشيخ رحمه الله كان من الشباب في تلك الفترة، فعصمه الله تعالى من تلك النوازع المتعددة، لكنه عايشها ورآها، وكان مهتماً بالإجابة عن كثيرٍ من الإشكاليات التي أفرزتها تلك الأفكار في أذهان الشباب، هذا ما يتصل بالبيئة والنشأة البدائية التي كان عليها رحمه الله.

    الشيخ رحمه الله في مسيرته العلمية، بدأ تلقي العلم بالقراءة، كسائر أهل بلده والمشتغلين بالعلم في زمانه، يبدؤون بالكتاتيب وقراءة القرآن، فقرأ على جده الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، فحفظ عليه ما تيسر من القرآن، وتلقى شيئاً من علوم الحساب، وطالع بعض النصوص الأدبية في مدرسة عبد العزيز بن صالح الدامغ، ثم التحق بالشيخ عليّ بن عبد الله الشحيتان، وكان إماماً لمسجدٍ من مساجد عنيزة، يشتغل بتعليم العلم وجُل اهتمامه في تحفيظ القرآن، لكنه ليس من العلماء، وقد حدثني عنه شيخنا الشيخ عبد الله البسام رحمه الله، أنه كان مهتماً بالتحفيظ فقط، ليس عنده شيء من المعرفة بالتفسير، وما إلى ذلك، لكن ذكر لي بعض الأمور التي تتعلق بهذا الأمر، المهم أنه كان معروفاً بتحفيظ القرآن وتجويده، ويقرأ عليه طلبةُ العلم، قرأ عليه شيخنا محمد بن صالح العثيمين، وقرأ عليه الشيخ عبد الله البسام، ومجموعة من طلبة العلم كانوا يقرؤون عليه القرآن، لحفظه وضبطه.

    هذه المرحلة الأولى، وهي مرحلة التأسيس والتكوين والتأصيل فيما يتعلق بالقرآن، أتم الشيخ رحمه الله حفظ القرآن وعمره أربعة عشر عاماً، ثم بعد ذلك انتقل إلى الدراسة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وهو من جعله الشيخ رحمه الله معلماً ومدرساً لصغار الطَّلبة، وذلك أن الشيخ عبد الرحمن السعدي كان في تعليمه مقسماً الطلبة إلى صغار وكبار، فصغار الطلبة وهم المبتدئون الذين أتموا حفظ القرآن، ولكن ليس عندهم حصيلة علمية يبدؤون بالقراءة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وكذلك على الشيخ علي الصالحي، فكان الشيخ شيخنا رحمه الله من نصيب الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فقرأ عليه في التوحيد والفقه والنحو، ثم ترقى به الحال إلى أن التحق بحلقة الشيخ عبد الرحمن السَّعدي رحمه الله، وقد سمعته رحمه الله يجيب من سأله متي بدأت القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي؟ قال: وعمري قريب من واحد وعشرين سنة، فترة بين حفظ القرآن وبين القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله سبع سنواتٍ تقريباً، هذه لم تكن منقطعة عن التعلم، إنما قرأ في خلالها على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فلما تمكن وترقَّى به الحال انتقل للقراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وكان من الملازمين للشيخ عبد الرحمن السعدي طوال حياته، لكنه انقطع مدة عامين للدراسة النظامية في الرياض، فقد أشار عليه الشيخ عليُّ الصالحي لما فتح المعهد العلمي بالرياض، أن يلتحق به، فذهب في سنة ألف وثلاثمائة وأثنين وسبعين للقراءة في الرياض، وكان رحمه الله مغتماَّ بتركه للشيخ عبد الرحمن السعدي، يحدثني الشيخ نفسه ويقول: عندما ذهبت للرياض وبدأت بالدراسة، وأصبح يأتي أنواعاً من المعلمين، وقد تركت عالماً جهبذاً كبير الشأن في المعارف والعلوم، وجاء إلى علماء وأفاضل ومشايخ لكن يقصرون كثيراً عمّن عهدهم وعرفهم في بلدته، فكان يتحسر، يقول: فدخل علينا شيخ رث الهيئة، فصغر في نفسي هذا الذي دخل، وما كان يعرفه الشيخ، فبدأ  بالتفسير يقول: فانبهرت من شدة استحضاره، وقوة علمه، ورسوخ قدمه في اللغة العربية، وفي الاستشهاد، فإذا هو الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان، فحمدت الله أن الله سكن ما في نفسي من حزن لفراق الشيخ، بأن وجدت من آخذ عنه العلم في الرياض مدة وقته فيها، فقرأ على الشيخ الشنقيطي رحمه الله في المعهد، وقرأ على مجموعة من المشايخ، إلا أن أبرز من قرأ عليه في أثناء إقامته بالرياض، شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد قرأ عليه في العقيدة، وفي الفقه، وقرأ عليه في جملة من الرسائل، وكان يقرأ عليه في أوقاتٍ خاصة، إضافة إلى القراءة العامة، بعد ذلك رجع الشيخ رحمه الله إلى "عنيزة"، وعاد إلي قراءته على شيخه، ويحدثنا الشيخ رحمه الله أنه في آخر الزمان؛ آخر زمن الشيخ عبد الرحمن السعدي، لم يبقَ من طلبة العلم إلا نذر يسير، ذاك أن طلبة العلم جاءت الوظائف والبلد في بدايتها، وفي أول تأسيسها، ونشأتها بحاجةٍ إلى التعليم، وقد اتسعت رقعة البلد، فكان المشايخ وطلبة العلم إذا آنسوا من الشخص ضبطاً للقرآن، ومعرفة للمهمات يبعثونه شيخاً إلى القرى، والهجر في شرق البلد، وجنوبها، وشمالها، وفي سائر جهاتها فلم يبقَ عند الشيخ عبد الرحمن السعدي إلا قليل، حتى قال رحمه الله: إني كنت أقرأ عليه في الضحى في قواعد ابن رجب ليس معه إلا أنا، أخرج أنا وإياه من المسجد ما معه إلا أنا، وهذا يفيدنا أن الشيخ رحمه الله استمر في التلقي على الشيخ عبد الرحمن السعدي، إلى أن توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو ملازم له، هذه المعلومة تفيدنا في مسألة ستأتي إن شاء الله تعالى في خصال الشيخ وصفاته، توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وتقلد مكانه الشيخ محمد بن صالح العثيمين، باتفاق من جماعة الجامع وأهل البلد، وتولى مهمتين: المهمة الأولى: التدريس، والمهمة الثانية: الإمامة في الفروض والجمع والأعياد، التدريس لم يكن مبتدئاً بوفاة الشيخ عبد الرحمن السعدي، بل الشيخ عبد الرحمن السعدي أوكل إليه التعليم أو ندبه إلى تعليم بعض الطلبة قبل وفاته، بقريب من ست سنوات حيث بدأ الشيخ رحمه الله يعلِّم عام ألف وثلاثمائة وسبعين للهجرة، وهذه مدة متقدمة وعمره قريب من ثلاثة وعشرين سنة أو نحواً من ذلك، هذه بداية الشيخ رحمه الله بالتعليم المباشر في الجامع "جامع ابن عثيمين، الجامع الذي كان يدرس فيه الشيخ عبد الرحمن السعدي والمعروف الآن باسم جامع ابن عثيمين، وهو الذي استمرّ يعلم فيه إلى أن توفي رحمه الله، إذا حسبت من عام ألف وثلاثمائة وخمسين إلى وفاته عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هذه كم سنة؟ واحد وخمسين سنة والشيخ رحمه الله يدرس في هذا الجامع، نسأل الله أن يعمره بالعلم النافع والعمل الصالح.

     نقف بعد هذه المرحلة التعليمية التي رأى الشيخ فيها جملة من الأكابر ومن علماء عصره، كالشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو أكبر من كان له أثرٌ على علم الشيخ، وسيرته، وسلوكه، وتكوينه العلمي، الشيخ عبد العزيز بن باز كذلك، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، جملة من المشايخ الذين اختلط بهم أخذ منهم الشيخ رحمه الله معارف حديدة، ومناهج رصينة، أثمرت تميزاً في منهجه رحمه الله، ولهذا من المهم أن نقف على عجل في إبراز أبرز سمات علم ابن عثيمين رحمه الله، ما الذي يميز علمه؟ ما الذي يميز ابن عثيمين عن غيره من العلماء فيما كان عليه من علم؟ أنت ممكن أن تقرأ أو تسمع لعلماء شتى، ثم تجد أنَّ هنا شيئًا مميزًا. فما الذي ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؟ من أبرز ما ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في علمه، سواء كان ذلك تعليماً في المساجد، أو كان ذلك تأليفاً، أو كان ذلك إفتاءً، أولاً: اعتماده على الدليل، تعظيمه للدليل الكتاب والسنة، فقد كان الشيخ رحمه الله معظماً للنصوص، مقدماً للدليل، ونحن هنا نحتاج إلى أن نلمح، إلى أن الشيخ نشأ في بيئةٍ مذهبية، إذ المذهب الشائع في البلد في عامة "نجد" هو المذهب الحنبلي، الخروج عنه من أشقِّ ما يكون، ومن أصعب ما يكون، لا سيما الخروج عنه في الإفتاء، وفي الرأي، وفي القول، ليس في الاختيار الشخصي، قد يخرج عنه في الاختيار الشخصي ولا نعلم به، لكن في الإفتاء والرأي كان من أشقِّ ما يكون، الخروج عمَّا ساد و انتشر، لشيوع الأخذ بقول أحمد رحمه الله، وقلة المجتهدين، أبرز من خرق هذا التعصب للمذهب، وعدم الخروج عنه، أول من بدأ ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي شيخ شيخنا رحمه الله، ثم الشيخ عبد العزيز بن باز أظهر ذلك وتبين بيانًا جليا في مسلكه وإفتائه وعلمه، ولقي في ذلك رحمه الله ما هو معروف في سيرته ما لا نحتاج إلى إشارة إليه، ثم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله جرى على هذه الطريقة من شيخيه، فكان معظماً للدليل حتى ولو خالف ما هو معهود وما هو سائد، وحتى يتضح لك عظيم تأثير المذهب والتعصب له في الزمن الذي نشأ فيه الشيخ، وكيف كان يلقى صعوبة في الخروج، يحدثني بعض زملاء الشيخ، ومن تلقَّوا العلم معه، وتلقوا العلم عنه، يقول لي: كيف الشيخ ابن عثيمين يخالف المذهب في هذه المسألة؟ قلت: يا أخي هو متَّبع للدليل، هكذا لاح له الدليل فأخذ به، قال: لو يأتي -قد يكون هذا غير دقيق، ولا يريده، ولكن هذا ما قاله لي بالحرف- "لو جاءني النص مثل الشمس يخالف المذهب، ما أخذت إلا بالمذهب" هذا يبين لنا كيف أن الخروج عن المألوف المذهبيّ الفقهيّ في ذلك الوقت في عسر ومشقة،  قد يقول قائل: الأمر سهل هو اختيار وليس بالأمر العسير، أنت لا تنظر إلى ابن عثيمين في نهايته لما صار إماماً يُقتدى به، انظر إلى ابن عثيمين يوم كان فرداً يقال قال الشيخ ابن عثيمين وخالف بذلك المشايخ والعلماء والأجلاء والكبراء من علماء وقته ومن العلماء المتقدمين، بالتأكيد أنه سيكون في ذلك مشقةٌ وصعوبة لا ندركها نحن، لكن يدركها من خرج عن المألوف باختياره، وضغط الواقع عليه، كيف يكون محتاجاً إلى قوة نفسية وعلمية وقناعة بصحة المسلك، حتى يثبت على هذا الطريق، وهذه سمة مشتركة في كلّ من كان لهم تأثير عبر القرون، فعلماء الأمة المميزون هم العلماء الذين يكون عندهم الحق مقدماً على كل مألوف، سواء  كان المألوف قولاً فقهياً شهيراً، كان المألوف عادةً، كان المألوف عرفاً، كان المألوف وضع سياسيًا معينًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، الخروج عن المألوف ليس معنى هذا انه مفروض أن يخرج الإنسان عن المألوف، لكن المفروض هو أن يعمل الإنسان بما دل عليه الدليل، المهم هذه القضية حتى لا يقول قائل: طيب هذا شيء معروف، كل العلماء يعظمون الكتاب والسنة، أردت أن أقف عندها حتى تتميز ويستفيد منها طلبة العلم، في أنّ تعظيم الكتاب والسنة هو الاستمساك بما دل عليه، مهما كان مخالفاً لما عهده الناس وعرفوه.

    ثاني ما يتميز به الشيخ رحمه الله في الجوانب العلمية عنايته بالحكمة والتعليل، فالشيخ رحمه الله كان ذا اهتمام بالحكِم والتعليل وأسرار الشريعة والغايات بشكل واضح، ولهذا كان يؤكد على ضرورة العناية بمعرفة أسرار الشريعة وإدراكها وإظهارها في الأحكام حتى يعرفها الناس ويتمرن عليها طلبة العلم، يقول شيخنا رحمه الله: "فما من حكم من أحكام الشريعة، إلا وله حكمة عند الله عز وجل، لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا أو تقصيرنا في طلب الحكمة".

     ثم يذكر الشيخ رحمه الله ثلاث فوائد للعناية بالحكمة:

     وهي تبين هذه الحفاوة التي تميَّز بها رحمه الله، لماذا كانت؟ قال في فوائد: التأكيد على الحكم والآثار والغايات في الأحكام أنها تزيد المسلم طمأنينة؟ أنها تبين سمو الشريعة، أنها تمكن العالم المجتهد من القياس.

    من سمات شيخنا رحمه الله في مسيرته العلمية، ومما ميَّز منهجه: الاحتفاء بالاستدلال العقلي، فكان رحمه الله كثيراً ما يردد الدليل السمعي، والدليل النظري، الدليل من الكتاب والسنة، والدليل العقلي، وهذا ليس خارجاً عن نسق الأئمة والعلماء، لكنَّه أكَّد عليه رحمه الله في تعليمه، وفي إفتائه، لضرورة الناس إليه، وأشار إلى أن القرآن احتفى بالتعليل وذكر الحكم للأحكام، حتى يُقبل الناس عليها، ويتأكد هذا الاهتمام في هذا الزمان. لماذا؟ لأن الناس في هذا الزمان عندهم من ضعف الإيمان ما يُحتاج معهم في إقناعهم، إلى أن تُبرز الأدلة العقلية ليكون ذلك عاضداً للدليل النصي.

    مما تميز به الشيخ رحمه الله ضبطه للعلم بالقواعد والأصول، علم الشيخ رحمه الله ليس علماً أفقياً،  كان علماً رأسياً علماً فيه رسوخ، وفرق بين العلم الأفقي هو العلم أن تأخذ من هذا العلم نتفة ومن هذا العلم نتفة ويكون عندك معارف شتى، لكن ليس لديك رسوخ، وهذا كثيرٌ في طلبة العلم، لكن الذي ميز الشيخ رحمه الله أنه كان علماً راسخاً، مبني على أصول وقواعد، فلذلك تميز رحمه الله عن غيره، وكان دقيقاً في رأيه واختياره وإفتائه ونقده، بسبب رسوخ علمه، على قلة المصادر التي كانت متوفرة في أيديهم، اليوم ما شاء الله الكتب تملأ كل مكان وفي يد طلبة العلم، والذي لا يستطيع أن يقتني الكتاب يستطيع أن يصل إليه من خلال وسائل الاتصال الحديث والإنترنت وما أشبه وذلك، يصل إلى مخطوطاتٍ في أقصى الدنيا، فتيسُّر المعلومة بالتأكيد أنه يُكسب ملكة، لكن في زمانه رحمه الله في أول سني تدريسه لم تكن الكتب مطبوعة، إنما طبعت الكتب لاحقا، فكان ذلك داعياً إلى أهمية التركيز والتأصيل في العلم حتي يتمكن من الإجابة عن كل ما يمكن أن يجد ويحدث، الشيخ رحمه الله كان طيب الصلة بزملائه، متعاوناً في تعليمه وفي صلته بالمشايخ بعد ذلك، وهذا جانب من الجوانب الذي يمثل أن مما ميز شيخنا في علمه سلامة الصدر، لم يكن الشيخ رحمه الله حريًا منافساً، لم يكن منافساً على منزلة عند الناس، أو منزلةٍ يسبق بها غيره، إنما كان رحمه الله حريصاً على بذل العلم بكل وسيلة ومن كل طريق ومن كل وجه، أرجو أن يكون ذلك ابتغاءَ ما عند الله عز وجل، فلم يكن رحمه الله ينافس أحداً، أنا أذكر مرة من المرات قلت له: زارنا أحد المشتغلين بعلم الحديث( أحد المشايخ وطلبة العلم) فكان يقول: هؤلاء الفقهاء ما عندهم علم والعلم عند المحدثين، ويذكر في هذا شيئاً كثيراً حول هذه النقطة بالذات، وهذا معروف في كلام العلماء مسألة خلاف المحدثين مع الفقهاء شيء معهود ومعروف، فقلت له يا شيخ ما رأيك في هذه المقولة : قال: لو أننا نستشعر أننا خدام للشريعة؛ لفرح كل واحد منا بعمل الآخر الذي فيه رفعة الشريعة ونشرها، وهذا المعنى يغيب عن طلاب العلم في كثير من الأحيان، وتجدهم يتنافسون على المنازل، وعلى اكتساب القبول عند الناس، في حين أن الشأن ليس فيما تكسب عند الناس، الشأن فيما تكسب عند الله عز وجل، الناس تضيق المنازل عندهم، فلا تتَّسع قلوبهم لكثيرين، لكن فضل الله ورحمته وعطاؤه ومنُّه، يتسع لكل من قصده جلَّ في علاه، فهذه النفسية لها تأثير كبير انعكست في طريقته في التعليم، في محبته لنشر العلم، في كراهيته للنيل من أحد من الناس في مجلسه من طلبة علم أو مشايخ، كان يكره أن يذكر أحداً حتى في نسبة الأقوال، لو قلت: ما رأيك في القول الفلاني؟ وما قال به فلان؟ قال: اترك فلان لا يعتني بالقائلين طلباً لسلامة الصدر؟ وتربية للنشء وطلبة العلم على الاعتناء بالأقوال دون القائلين، وبالأفكار دون أصحابها، وهنا تميز الشيخ رحمه الله، وكان له مسحةٌ ظاهرة في هذا الجانب.

    الشيخ رحمه الله هوى التعليم هوايةً، بمعنى أن التعليم كان يجري في دمه رحمه الله، وهذا من أسرار تميزه ذلك أنه منذ أن بدأ رحمه الله مسيرته وهو مشتغل بالتعليم، فبدأ متعلماً معلماً، وقد حدَّثني بعض خاصته رحمه الله أنَّ هذا رافقه منذ أن كان صغيراً، فكان وهو طفل يُمارس دور المعلم في الكتاب في وقت اللعب، فيصف الأشياء أو يلقي عليهم وما أشبه ذلك مما يتعلق بمهنة التعليم والتدريس، هكذا حدثني بعض خاصته رحمه الله وهو ما اتضح في طريقة تعليمه شرق الدنيا وغربها، إذا سألتهم أي شرح أيسر لكم لفهم العلم، قالوا: شرح الشيخ محمد العثيمين رغم أنه رحمه الله يشرح متوناً تفكك بأصعب ما يكون من وسائل التفكيك، وأدق وأصعب العبارات، لكن الله طوَّع له البيان، وكان من همه تقريب العلم فبلَّغه الله عز وجل ذلك، ولهذا الآن يتسابق الناس على مؤلفاته، الشرح الممتع لو ذكرت من ذكرت في الكتب والمؤلفات التي خدمت ذاد المستنقع لن تجد ما يشفي طلبة العلم ويقرب لهم المعلومة أكثر من هذا الكتاب، رغم أنه لم يكن تأليفاً، وهذه مسألة مهمة لأن التأليف يختلف عن التدريس، فالتأليف له نوع من التحرير والدقة ليست فيما يتعلق بالإلقاء والتدريس الذي يكون مشافهةً للطلبة، شيخنا ابن عثيمين رحمه الله بذل عبر نصف قرن جهداً مضنياً، وعملاً دءوباً في التعليم بشتى الصور، لم يترك سبيلاً ولا طريقاً إلا وسلكه في التعليم، وكان رحمه الله مبادراً، وهذه خصلة تخفى على بعض الناس، الشيخ لم يكن متوارياً أو متوانياً في تقديم العلم، كان يجيب السائلين عبر الكتابات والاستفتاءات التي تصل إليه، ويخصص لذلك وقتاً، وهذا ليس في آخر وقته فقط، بل من أوائل وقته، وقد وقفتُ علي تحريرات دقيقة بالغة في العمق العلمي من أوائل الثمانينات، هذا الذي رأيته قد يكون أمرًا قبل ذلك، لكن هذا ما رأيته، وهناك أشياء لم أشهدها، وهي محفوظة في بعض فتاوى الشيخ رحمه الله، كلها كانت إجابة سائلين، وأنت في هذا الحين تقرأ هذا التحرير العلمي وهذه الدقة، هل لأنها تنشر في صحيفة أو في مجلة؟ هي وسائل خاصة، إذاً هو منهج وليس أمراً لأجل أن ينشر، الآن عندما أقول لك: ألقِ كلمة في مسجد، وألقِ كلمة عبر موقع سينقل صوتاً وصورة إلى العالم، بالتأكيد بينهما فرق في الإعداد والتهيئة وطريقة العرض والاهتمام، لكن الشيخ رحمه الله كان لا يفرق فيما يكتبه بين أن يكتب لمستفتٍ متخصّص، وبين مستفتٍ يأنس فيه أنه طالب علم، طبعاً هناك أجوبة تناسب عامّة الناس، لكن ما شهدته من كتاباته تحريرات علمية دقيقة، لمن يتوقع أنه من طلبة العلم وبعضهم  كان ممن يدرس ويتلقى عنه رحمه الله، هذا من أوجه مبادرته في التعليم.

    ومن أوجه مبادراته وقفه نفسه للتدريس بصورة ليس لها نظير، لا أظن والله أعلم أنه في المشاهير، نحن لا نعلم عن الأخفياء، في المشاهير أن أحداً بلغ ما بلغه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في نصب نفسه بالتعليم، واهتمامه بالتدريس، وعنايته بطلبة العلم، على الرغم من انشغاله في آخر الوقت، لكن كان هذا جانباً بارزاً في حياته رحمه الله ومهماً، ويعطيه من الأولوية ما كان مرافقاً له تماما إلى آخر حياته، ولا ننسى أن نذكر هذا النموذج لعنايته رحمه الله: في يوم السادس عشر من شعبان في عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هو اليوم الذي دخل فيه رحمه الله إلى مستشفى التخصصي بالرياض، لإجراء بعض الفحوصات إثر تعبه رحمه الله وما ألمّ به من المرض، دخلت معه وكنت مرافقاً له في تلك اللحظة في دخول المستشفى، فكان والله ما أنسى يا أخواني ما إن وضع الشيخ ظهره علي السرير، وكنت بجواره وأشار بأصبعه رحمه الله قائلاً: ترى أنا رتبنا دروس الجامع، اهتموا بالطلبة وعليكم بالاتفاق، شخص في مثل هذا الظرف، وفي مثل هذه الحال، بالتأكيد أنه قد ينسى، لكن التعليم كان حاضراً معه رحمه الله في كل مراحل حياته، ولذلك رغب أن يعلم رغم مرضه، والذهاب إلي مكة ليس فقط لشهود صلاة، أو شهود بقعة مباركة إنما لتعليم العلم، وبذل كل ما يمكن إلى آخر رمق، إلى آخر ليلة من  رمضان، عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرون، وقد توفي بعدها بأربعة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً، كان رحمه الله يعلم، هذا نوع من المبالغة، هذا نوع من الحرص والشفقة في نشر العلم، وإيصال المعارف والخير إلى الناس.

    من مبادراته رحمه الله أنه لم يتردد في المشاركة في الراديو، رغم وجود عدم إلفة في مثل هذا في أول الوقت عند بعض من المشايخ والبيئة التي وصفتها لكم، حتى في المشاركة في التلفاز حضر رحمه الله، عُرض عليه برنامج إفتائي في التلفاز، وقبل وأراد أن يذهب، فجاءه من جاءه في ذلك الظرف الذي كان الناس هناك من يعارض مثل هذه الأمور، ولا يقبل مشاركة المشايخ في مثل هذا، فقال له ما قال، فرأى الشيخ أن من المصلحة أن يُنيب غيره في قراءة استفتاءات عُرضت عليه، وقال: وكان الأصل أن يقدم هو البرنامج، لكن لمراعاة ظروف معينة قبل الشيخ رحمه الله، ولم يضيع الفرصة أن يقوم بتقديم البرنامج أحد محبيه، وأحد من كلفهم بتقديم السؤال والجواب، وصدر في ثلاث مجلدات، ما كان يلقى من أسئلة وأجوبة ما كان يلقى فيما يُعرف بمنار الإسلام، ثلاث مجلدات لكتاب منار الإسلام، هي عبارة عن أسئلة ذلك البرنامج الذي شارك فيه الشيخ رحمه الله، بل عندما جاء الإنترنت وجاءت المواقع، الشيخ رحمه الله بادر إلى تأسيس موقع، وظل إلى الآن المؤسسة تبث الخير، وتنشر من علوم الشيخ من خلاله، وتمارس نشاطها من طريقه، إضافة إلى القناة العلمية، التي تبث دروس الشيخ رحمه الله، كل هذا يدل على أنه رحمه الله كان مبادراً، وهذا من سمات العالم: أن لا يتردد في باب من أبواب الخير، يطمع من خلاله أن يوصل المعارف ويوصل العلوم، هذا الجانب الأول من جوانب شيخنا رحمه الله فيما يتصل بجانب العلم والتعليم والتعلم.

     فيما يتصل بالجانب الثاني، مسيرته في حياته رحمه الله، شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله لم يكن علمه صورياً، ولم يكن علمه علم لسان، بل مما ميزه الله تعالى به أن كان علمه علماً ترجمه في عمله، وظهر على سلوكه، وقوله، وأخلاقه، ومعاملته، ولهذا عندما نتكلم عن مسيرته الحياتية سيظهر لنا جلياً، أثرُ العلم في سلوك الشيخ رحمه الله، فكان رحمه الله عظيمَ التعهد للقرآن، كان رحمه الله وغفر له، يعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «فو الذي نفس محمد بيده لهو أشدُّ تفلتاً من الإبل في عقلها» صحيح مسلم (1880).، كان يختم في الشهر مرتين في الأيام العادية، وكان في رمضان يختم في كل ثلاثة أيام، إلي أن شغل رحمه الله فاقتصر على الختم في رمضان في كل عشرة أيام، ليس الشاهد في القراءة فقط بل في التدبر، الشيخ رحمه الله كان عظيم التدبر في القرآن، ويلفت نظر من يعاشره ويخالطه في لفتاته واقتباساته من الآيات من القرآن، في مواقف حياتية عادية، فكم من مرة استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا سورة النساء، الآية:86، على سلام، مرة دخل رحمه الله على مجلس، وكان فيه أحد الطلاب، فقال الشيخ: السلام عليكم، فرد الأخ بصوت خافت: وعليكم السلام، فقال الشيخ: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، وهذا ترجمة للقرآن واستحضار لمعانيه في المعاملة، وفي الممارسة، مرة من المرات، في خروجه من المعهد العلمي من المحاضرة، وكان هناك من يحتفي بالشيخ من الحرس(حرس المعهد)، فكان فرحاً بالشيخ ويشير بيديه احتفاءا به، و كنت معه فلما التفت إذا بالشيخ يبادله نفس الطريقة في الإشارة، هكذا ثم التفت إليَّ الشيخ رحمه الله وكان يرى فيَّ استغراباً قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا سورة النساء، الآية:86

     هذه نماذج عملية لتدبر القرآن، وفهمه وترجمته لواقع عملي، وفي قراءته رحمه الله كان يعجبه في القراءة أن يقرأ قراءة تدبر، وقفات للمعاني ويحتفي بذلك سماعاً، وقد قال: إنما تعلمت هذا عن شيخنا عبد الرحمن السعدي، كنا نقرأ القرآن هزَّاً دون الوقوف على معانيه، فكنا نصلي خلف الشيخ عبد الرحمن السعدي فكنا نتعجَّب من وقفاته، فنسأل فيتبين لنا من خلال ذلك السؤال، أنها وقفات لتتمَّ المعاني بها، أو يبتدئ معنى جديداً، فارتكز ذلك في نفسي، قال وألقى الله في قلبي العناية بالقراءة التفسيرية، ولهذا كان الشيخ رحمه الله حفياً بأن يقرأ هذه القراءة.

    مما يظهر في سلوك الشيخ رحمه الله عنايته في تعليم القرآن، فقال وقد سمعت: وودت لو أن تعليمي كله في تفسير القرآن، ولكن الطلبة لا يطيعون، أي إن الطلاب يطلبون منه شرح، متون في الفقه، وفي الحديث، وفي سائر أبواب العلم، ولا أحد، كلمة العلماء على مر العصور، كلما رسخت قدم العالم نطق بمثل هذه الكلمات، وهي تمنّيه أن يكون القرآن جلّ اهتمامه، ولهذا ابن تيمية رحمه الله قال: تمنَّيت أن لا أشتغل بغير تفسير القرآن، وذلك لعظيم ما يجدونه من الكنز في هذا الكتاب الحكيم، ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ سورة العنكبوت الآية:49.، أما ما يتعلق بالسنة فالشيخ رحمه الله، لم تر عيني مثله رحمه الله في تعظيمه للسنة، وعمله بها، لا أقول ذلك عن ظن بل والله عن مشاهدة، في تفاصيل دقيقة وقد يقول قائل: هذه أمور عادية يفعلها الناس، وكونك تفعلها مرة إذا أردت أن تشرب جلست، هذا يحصل، لكن كونك في كل مرة تشرب على مرِّ مدة طويلة وسنوات متوالية، تحرص على تطبيق السنة في الشرب، تطبيق السنة في اللباس، تطبيق السنة في الصلاة، تطبيق السنة في المعاملة، هنا الاختبار والامتحان، ليس الشأن أن تنجح في تطبيق السنة في موضع أو موضعين أو فترة أو فترتين، إنما الدوام ولذلك  كان أحب العمل إلى الله أدومه، وكان رحمه الله دائم العمل بالسنة حريصاً، أنا أول موقف لفت نظري في حرص الشيخ على السنة، كنت طالباً في جامعة البترول والمعادن، وزار الشيخ رحمه الله الجامعة، وكنت مرافقاً له، فلما أردنا النوم فرشتُ للشيخ رحمه الله فراشاً جديداً ومهيأً، وكان معنا شخص ثالث، لما جلس الشيخ يريد النوم نزع غترته، وأخذ يمسح فراشه بالغترة، فقلت له يا شيخ أيش هذا؟ قال: هذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله إذا أوى إلى فراشه، تعهَّد فراشه بطرف إزاره ألا يكون قد خلفه شيء، هذا العمل المستمر الذي كان يديمه رحمه الله، هو حمل النفس على اكتساب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل الطرق، وفي كل الأحوال في الغيب و الشهادة، وهنا يكون سر القبول، هنا يكون سر أن يجعل الله تعالى للإنسان القبول في علمه، فكلما كان العلم الذي يتكلم به شيئا من الممارسة واليقين والإيمان، كان ذلك أمثل في قلوب الناس، وأرجى للتأثير عليهم. الشيخ رحمه الله منذ عرفته، لم يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أنا عرفته من عام ألف وأربعمائة وثلاثة تقريباً، وكان القرب الملازم في عام ألف وأربعمائة وثمانية، منذ هذا الوقت إلى وفاته كان يحرص على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ما أخلَّ بها في شهر، حتى في شعبان في ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هذا هو عام المرض رحمه الله إلا أنه صام، ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي كان الشيخ فيه صائماً رحمه الله، هذا العمل على هذا الامتداد يدل على أن الثبات والدوام من أسرار النجاح، من أسباب القبول، من دواعي التوفيق والتأثير في الآخرين، طبعاً في الأصل الأجر والثواب والرسوخ في الأصول، من ذلك أن يؤثر وأن يكون ذلك مؤثراً على الآخرين.

     الشيخ رحمه الله في صلاته، كان عظيم الاحتفاء بالسنة، وهو صلاته مميزة، في طولها، في مراعاتها للآداب النبوية في كل تفاصيلها، وهذا لم يكن فقط في صلاته في المسجد، بل حتى في صلاته في خلواته رحمه الله، شهدته مرات وهو يصلي النافلة، لا تفرقه عن صلاته في المسجد، من حيث الخشوع، والتأني، والهدوء، والطمأنينة، وهكذا يكون أهلُ العلم، سرهم إلا أن يكون أطيب من علانيتهم فهو كعلانيتهم.

    قيامه لليل رحمه الله كان لا يخل بقيام الليل، ويحرص على صلاة شيء من الليل، ولو يسيرا ولو ركعة، ومن الجوانب التي شهدتها فيه رحمه الله، وهي مما يتعلق بمسيرته لترجمة العلم، حرصه على الأذكار، كان رحمه الله شديد العناية بالأذكار، أذكار الصباح، وأذكار المساء، وأذكار بعد الصلوات، وهذا واضح، ومنوَّع، ولا يثبت على نوع واحد من الأذكار، بل كان ينوع، أذكر من عنايته بالذكر رحمه الله، كان يُدرس بالحرم المكي في رمضان، فكان الدرس يبدأ مباشرة بعد الصلاة، فيُسبح الشيخ رحمه الله تسبيحات يسيرة، بما تيسر من السنة من التسبيح أدبار الصلاة، ثم يقوم بالدرس لأن الناس يجتمعون، فيقدم الذكر التعليمي على الذكر من التسبيح والتحميد إلى آخره، حتى تشرق الشمس يدرس رحمه الله،  ويجلس في درسه إلى ما بعد الشروق قريب الساعة، ثم يذهب إلى بيته ليستريح، كان رحمه الله إذا ذهبنا إلى البيت، وآوى كل واحد إلى فراشه، جلس يذكر الله تعالى، أذكار الصباح التي لم يتمكن من القيام بها، سبحان الله وبحمده مائة مرة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة. والله ياإخواني!!!  كأنه الآن أمام عيني في الصالة يدور رحمه الله، يقضي ما انشغل عنه من الذكر بسبب التعليم، هذا نموذج من الترجمة العملية، وبه يحصل التميز، به يحصل الخير والصدق للإنسان.

    أما الجوانب الأخرى من ورعه رحمه الله، وتحريه فهذا يعرفه من خالطه، القصص في هذا كثيرة وظاهرة، زهده رحمه الله شيء بين وظاهر في سلوكه، وعمله، كل هذه سمات العلم، لكن السمات البارزة التي لا تخطئها في أخلاق الشيخ رحمه الله، ومعاملته: التواضع، لم يكن الشيخ رحمه الله بينه وبين الناس حاجز، يصل كل الناس القريب والبعيد العربي والعجمي الصغير والكبير الذكر والأنثى كان قريباً من الناس، قد تحدث حدة بعض الأحيان بسبب كثرة الناس عليه، لكن رحمه الله لم يكن بعيداً عن الناس، وكان رحمه الله من أوسع الناس صدراً في تعليم العلم، وفي تحمُّله، ومن شهد اكتظاظ الناس عليه في الحرمين، وفي مواسم الحج، وفي أواخر شهر رمضان، يقول: كيف يتحمل هذا شخص بلغ من السن قريب السبعين، لكن رحمه الله كان يصبر على الناس، فكان هذا من سمات الشيخ رحمه الله، أيضاً أنه كان صبوراً، وسآتي على الصبر في ناحيةٍ بعد قليل، في إبراز جانب من جوانب صبره رحمه الله، لكن نستكمل ما يتعلق بالتواضع، كان تواضعه سبباً لقرب الناس منه، كم من مرةٍ كان الشيخ رحمه الله شاهدته جالساً يكتب لأحد على الرصيف في الشارع! يكتب لامرأة، يكتب لرجل، أو يقضي حاجة أحد، وهذا ما يفعله بعض الناس الذين لم يبلغوا ولا عشر معشار ما بلغه رحمه الله، وهو إمام وعالم يأتيه الناس من كل حدبٍ وصوب، لكن تواضعه كان فطري جبلي، كان الشيخ رزقه الله تواضعاً فطرياً هذبه وجلاه نظره في فضيلة التواضع: فمن تواضع لله رفعه.

    فيما يتعلق بالصبر سمة من سمات شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله كان صبوراً، وصبره رحمه الله من أسرار تميزه، ولا شك أن الصبر خير ما يُعطى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره: «ومن يَستعفف يُعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله  ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» صحيح البخاري (1469). فهو خير عطاء لأنه الحامل على كل فضيلة، والزاجر عن كل رذيلة، كان رحمه الله صبوراً صبر في تعلمه، صبر على قله ذات اليد في أول الوقت، صبر على منافسيه الذين كانوا لا يُريدون تفوُّقه وتميزه وقبول الناس له، صبر على مخالفيه الذين خالفوه في مسائل العلم، وأغلظوا له القول حتى إن بعضهم بلغ به مبلغًا، أن قال فيه قولاً عظيماً، صبر رحمه الله على تعليم العلم، وبذله، في وقتٍ انفتحت الدنيا للناس، وكان الشيخ يمكن أن يصل إلى ما يريد من خير الدنيا، بما منحه الله تعالى من العلم والمعرفة، لكنه آثر التعليم فصبر على التعليم والبقاء في حلق العلم، فأعقبه الله خيراً بهذا القبول وهذه النتائج العظيمة التي خلفه، صبر رحمه الله على الطلبة، في ضعفهم وكسلهم، في وقت كان الذي يحضر الحلقة واحد، في بعض الأحيان وكان في بعض الأحيان قد لا يجد طالب عنده، وقد حدثني عبد الرحمن ابنه، وهو من درسه الشيخ في المعهد العلمي، أن الشيخ كان يقول لهم: تعالوا بعد العصر الجامع، أي شيء يشكل عليكم في أي مادة أدرسكم، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكرته قبل قليل، أن الشيخ رحمه الله كان راغباً في التعليم، جبلة وفطرة في حرصه على تعليم الناس، ونفعهم فيقول تعالوا في أي مادة جغرافيا تاريخ، أعلمكم ما تحتاجون، هذا صبر ليس باليسير ولا بالسهل، كان رحمه الله صبوراً على من يسئ إليه، ولا يقابل الإساءة بمثلها بل يتحمل، وأنا شهدت من هذا شيئاً كثيراً، سواء كان ذلك من طلابه، أو كان ذلك من عامة الناس، أو كان ذلك من أقرانه، أو من أهل العلم، كان رحمه الله سليم الصدر، واسع الخُلق في قبول الناس والإحسان إليهم والعفو عن أخطائهم، لا يعني أنه ملك، لكن نحن نبرز الجوانب البارزة، لا يعني أنه لم يكن هناك نوع من القصور والتقصير البشري، لا لكن في السير والتراجم نبرز الجوانب الإيجابية التي كانت غالبة، متواضع رحمه الله حتي أني أذكر زار الشيخ الألباني "جدة" في فترة كان الشيخ رحمه الله فيها، كان في "جدة" توافق أن كان الشيخ محمد بن عثيمين في "جدة" والشيخ الألباني في "جدة"، فحرص الشيخ غاية الحرص على أن يلتقي به، وطلب رحمه الله التنسيق له، فزار الشيخ الألباني في بيته، وكانت جلسة في غاية الأدب والجلالة والمهابة والحلاوة، قطبان من أعلام الأمة يجتمعان في مجلس يتبادلان الود والمحبة والتعاون، رغم ما بين الشيخين من افتراق في الاهتمام، الشيخ الألباني كان اهتمامه منصباً في الحديث، تصحيحاً ورواية، وشيخنا رحمه الله كان اهتمامه في فقه الحديث، وفهمه، ودرايته، مع هذا كان المجلس في غاية المهابة والجلالة، هذا نموذج مّما يتعلق بصبره رحمه الله، والشواهد والقصص كثيرة في هذا الجانب، لكن أحببتُ أن أشير إشارات لعلي لا أطيل عليكم.

    فيما يتعلق بحياته الأسرية شيخنا رحمه الله تعالى، رزقه الله تعالى زوجة صالحة، ومنَّ عليه بأبناء بررة، وبنات صالحات، فرزق شيخنا رحمه الله من زوجته أم عبد الله، خمسة من الأبناء، أكبرهم عبد الله، ثم عبد الرحمن، ثم إبراهيم، ثم عبد العزيز، ثم عبد الرحيم، و له من البنات ثلاثة من البنات، كلهم أهل خير وصلاح، نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيهم، وأن يجعلهم خلفاً مباركاً صالحاً لشيخنا الجليل.

     الشيخ رحمه الله كان مثالاً مميزاً في تعامله العام، وفي تعامله الخاص، فكان من خير الناس لأهله، في قضاء حوائجهم، وفي الإحسان إليهم، وفي القرب منهم، رغم كثرة انشغالاته، ورغم عظيم ما كان قد تبوأه في آخر عمره من مسؤوليات، إلا أنه رحمه الله كان في مهنة أهله، قريباً منهم يقضي حوائجهم، يتلمس حاجتهم، ويتعهد أبناءه وبناته في التعليم والدراسة والمتابعة على حسب ما يسَّر الله له رحمه الله من وقت، ومن مطالعة لأحوال الأسرة، فكان نموذجاً للأب الرحيم، والمربى المتابع، والناصح المشفق، وثمرة ذلك ما كان من تماسك الأسرة، وصلاحها وصلاح الأبناء صلاحاً مديماً، على الجميع الخير والبر والتوفيق.

    لاستكمال القراءة يمكنك تحميل الملفات المرفقة word  &  pdf

    التفاصيل
    0
    475
  • تأملات في السيرة النبوية
  • الحمد لله حمدًا كثيـرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده حقَّ حمده، أحقُّ من ذُكر وأعظم من حُمد، وأثني عليه، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنـى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمـدًا عبد الله ورسوله صفيّه وخليله، خيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين،
    أما بعد،
    فحيَّاكم الله أيها الأخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك في هذه البقعة الطاهرة المباركة في هذا اليوم العظيم، في ليلة عرفة من منى، أسأل الله عز وجل أن يبارك لي ولكم في حجنا وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا وإياكم على تحقيق الحج المبرور الذي به تبلغ الأماني وتدرك المطالب، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
    أيها الإخوة الكرام، عندما يتحدث الإنسان عن شخص له مكانة ومنزلة، تعجز الألفاظ وتضيقُ أوجه البيان في بيان مكانته ومنزلته. هذا فيما إذا كان يتحدث عن شخص ذي تأثير ومكانة في الأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالصحابة الكرام رضي الله عنهم، والأئمة العظام على تعاقب الليالي والأيام، في تاريخ الأمة المجيد.
    تعجز الألفاظ عن أن توفي أولئك الأبرار، أولئك الأعلام ما لهم من مكانة، أن توفي ما لهم من مزايا، أن توفي ما قدموه للأمة وما تركوه من بصمات مباركة في أمتهم، فكيف إذا كان الحديثُ عن سيّد ولد آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
    كيف إذا كان الحديث عن سيرة خير الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم؟
    كيف إذا كان الحديث عن صفوة الله من خلقه؟
    إنَّ الأمر يختلف تمامًا، فمهما أوتي الإنسان من البيان، وفُتح عليه في أوجه الفصاحة وقوة اللسان، فإنه سيقصر عن توضيح ما كان عليه خلق الأنام صلى الله عليه وسلم من المكانة والمنزلة.
    يكفيه فضلًا ومكانةً أن الله اصطفاه وشهد له بالكمال البشري وقال:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } سورة القلم الآية رقم 4، يكفيه منزلة ومكانة أن الله تعالى رفع قدره، وبلَّغه منزلة لم يبلغها أحد من الأولين والآخرين، ليس فقط في فضائله وشمائله وخصائصه وما كان عليه من طيب الأخلاق صلى الله عليه وسلم وحسن السجايا؛ بل الأمر يتعلق بما خصه به من عظيم المكانة والقرب منه جل في علاه، فقد أعلى الله منزلته ورفع مكانته وأدناه منه جل في علاه حتى بلغ مقامًا لم يبلغه أحدٌ من الأولين والآخرين؛ بلغ مقامًا في ليلة المعراج سمع فيه صرير الأقلام صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ الأقلام التي تجري بأقدار الكريم المنان جل في علاه، الأقلام التي يُستنسخ بها ما في اللوح المحفوظ، سمعه صلى الله عليه وسلم وهذه منزله لم يبلغها أحد قصر عنها كلُّ خلق الله عز وجل من الإنس والجن والملائكة وغيرهم ممن خصهم الله تعالي بالمزية والمكانة.
    أيها الإخوة عندما نتحدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن نتحدث عن الكمال البشري؛ عن الأسوة الذي جعل الله تعالى أخلاقه وشمائله وما كان عليه نجاةً للبشرية، ليس في عصر ولا في مصر ولا في مكان ولا في حقبة من الزمان، بل ذلك على تعاقب الليالي والأيام، بل ذلك على مر العصور والدهور.
    فمحمد بن عبد الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم هو أكمل البشر على مر العصور، لم يأتِ أحد قبله بمنزلته، كما أنه لا يبلغ أحد ممن بعده منزلته صلى الله عليه وسلم في العلم بالله، وتحقيق التقوى وكمال العبودية لله جل في علاه.
    «أما والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له» أخرجه البخاري (5063)، وأحمد(6/61) واللفظ له، ولفظ البخاري ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) هكذا أخبر صلى الله عليه وسلم، ليس فخرًا ولا خيلاء ولا علوًا على الخلق بل ذاك كان بيانًا لما حباه الله به وما خصه به من كمال العلم به وكمال تحقيق العبودية لله عز وجل.
    النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الأسوة والقدوة والخير للأمة في كل باب من الأبواب، لم يستثنِ في ذلك باب؛ فإذا نظرت في نفع الناس فهو الإمام المقدم،  في نصح الناس فهو السابق الأول، في الجهاد فهو الشجاع المقدام، في التعليم والبيان كذلك، في القيادة والريادة له السبق والتقدم، في حسن العشرة مع أهله وضعفاء الناس كان نموذجًا يُحتذي، لا يُشقُّ له غبار صلى الله عليه وسلم فكمّل الله به محاسن الأخلاق في تحقيق العبودية ما بين العبد وربه في صلته بالله وفي صلته بالخلق.
    عندما نتحدَّث عن سيرته، نتحدث عن حلقات من النور ومواقف من الهداية، إنَّنا لا نروى قصصًا تملأ به المجالس ولا حكايات تُسلى بها النفوس، إننا نقصُّ حياة من جعله الله قدوة للأمة عبر الليالي والأيام على اختلاف العصور والدهور، وعلى اختلاف الأحوال والمواقف، قدوة للصغير والكبير، للذكر والأنثى، للحاكم والمحكوم، في حال السَّعة والضيق، في حال المنشط والمكره، في حال الفتنة وفي حال السعة والأمن.
    إنه إمام الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس هذا تمجيدًا له فحسب؛ هذا بيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم حتى نعرف أهمية ما نقرأه، أهمية ما نسمعه، أهمية ما نطالعه من أخباره صلى الله عليه وسلم. أخباره ليست قصصًا تُروى وتُملأ بها المجالس وتشنف بها الأسماع وتعطر بها الاجتماعات، إنها مدرسة، إنها منهج حياة، إنها مخرج من كل ضيق إلى كل سعة، إنها هداية، إنها أسوة كما قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} سورة الأحزاب الآية رقم 21
    إذًا عندما نتعامل مع سيرته صلى الله عليه وسلم على هذا النحو؛ إن نظرتنا ستختلف، لن نقرأ سيرته على إنها نموذج من نماذج الإنجاز البشري، كغيره من سير البشر، وكغيره من سير الناس، يُنتقى منها بعض ما فيها من إضاءات ليكمل ما في النفس من نقص!
    لا؛ إنه أسوة في كل لحظة، في كل دقيق وجليل، في عبادته وصلته بربه، وفي معاملته للناس وصلته بالخلق، هذا المعني ينبغي أن يركّز في نفوسنا حتى نعلم أن قراءة سيرته وسماع أخباره ليس للمتعة ولا للابتهاج ولا للتسلية، إنما هو للعلم والعمل.
    فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جعله الله قدوة للأمة، كما قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ} سورة الأحزاب الآية :21.
    أيها الإخوة، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أسوةً للأمة في حقبة دون حقبة، بل مرَّ صلى الله عليه وسلم بأطوار عديدة؛ مرَّ بهزيمة ونصر، ضعف وقوة، منشط ومكره، إقبال من الناس وإدبار. كلَّ ذلك كان مدرسة للأمة لتعرف كيف تتناول وتتعامل مع الأحداث على اختلافها وتنوعها، فإنَّه لا دوام لحال؛ بل الأمة على مر العصور تتقلب في أحوالها بين حال إلى حال.
    إن التأملات في السيرة ليست موقفًا تُقرأ فوائده، وتستنبط عظاته وعبره، إنه أكبر من ذلك؛ إننا نحتاج في البداية قبل أن نلج إلى تفاصيل الأحداث وموقف النبي صلى الله عليه وسلم هنا أو هناك، نحتاج إلى أن نعرف كيف نتعامل مع السيرة، ما هي أهمية التأمل في السيرة؟
    إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من المهمَّ لكل مؤمن: أن يعلم أنها مفتاح تحقيق الإيمان به صلى الله عليه وسلم، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأني رسول الله»أخرجه البخاري(25)، ومسلم(20)، والشهادة له بالرسالة لا تكون عن جهل بحاله، ولا عن معرفة لما جاء به، لا تكون الشهادة كاملة ولا صادقة ولا وافيةً، إلا إذا كانت عن علم به صلى الله عليه وسلم؛ فالدراسة لسيرته والوقوف عند أخباره هو مما يتحقق الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ولهذا كانت سيرته دليلًا على نبوته، وقد قال ذلك جماعات من أهل العلم كما هو واضح من سير الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم أو الَّذين عاشروه.
    يقول شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله: "فسيرته وأخلاقه وأقواله وشريعته كلها من آياته"؛ أي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فما كان عليه من سيره، ما كان عليه من خلق، ما كان عليه من شمائل، ما كان عليه من أقوال، ما جاء به من تشريع، كل ذلك دليل على صحة نبوته ورسالته.
    إننا لم ندرك انشقاق القمر، ولم ندرك نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه على آله وسلم، ولم ندرك تسبيح الطعام بين يديه، لكنَّنا سمعنا من شمائله وأخباره وصدق ما دلَّ على نبوته، ما تنشرح به صدور أهل الإيمان ويعلمون صدق قول الرحمن: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} سورة فصلت الآية رقم 53 والضمير يعود على الرسول في أحد الأقوال التي ذكرها المفسرون، أنه الحق الذي جاء من الله، الحق الذي جاء بالحق من الله، الحق الذي دل على الحق الذي هو الله جلَّ في علاه.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى قوم في عماء، كما وصف ذلك بقوله:«إن الله نظر إلى أهل الأرض –ليس إلى العرب فقط إلى أهل الأرض- فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» هؤلاء البقايا هم من كانوا على أثرة من علم من النبوات السابقة، وأما عامَّة الخلق فكانوا في عماء، جاء فلم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه ما يسوؤه أو ما يُذم به، بل تولى الله عز وجل صناعته بعينه ورحمته حتى كان على أكمل ما يكون البشر دون رسالة؛ في شمائل الأخلاق، في البعد عن الرذائل، في الصدق وفي الأمانة، وفي سائر الخصال التي تكمل بها خصال الإنسان دون الرسالات؛ من مقتضيات الفطرة ومن مقتضيات ما اجتمعت عليه فطر البشر من قبل الخصال الحميدة والخلال الحسنة.
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم فبعثه الله عز وجل وأرسل إليه رسولًا، فبلغه ما بلغه من الهداية والنور والنبوة، فانتقل إلى السمو حيث انتقل إلى كمال بجهد بشري، إلى كمال بولاية رب العالمين ونوره وتوفيقه وتسديده ومعيته التي كانت في سمعه وبصره وقوله وعمله وسائر شأنه صلى الله عليه وسلم.
    فانتقل صلى الله عليه وسلم إلى كمالٍ آخر، هذا الكمال الآخر ذاع في الآفاق وسمع به الناس فجاء الناس يتحسسون ما عنده، رغم عظم الدعاية المضادة لما كان يدعو إليه من عبادة الله وحده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جاء من يتلمس أخباره، ليعرف حقيقةَ ما يدعو إليه فجاء العرب يعرفون من أحواله وأقواله ما دعاهم إلى الإيمان به دون مرغبات. فلم يكن عنده في أوائل دعوته ما يدعو الناس إلى الإيمان به رغبة في دنيا أو طمعًا في تحصيل منفعة، إنما كان القائد لإيمان أولئك الذين آمنوا  به قبل هجرته ما كان عليه من الصدق، ما كان عليه من الهداية، ما جاء به من الهدي ودين الحق صلى الله عليه وسلم.
    تسامع به الناس فخرج صلى الله عليه وسلم بعد الأذى الشديد إلى المدينة، وكان ما كان بينه وبين قومه من مناوشات بدئت في بدر ثم عقبتها أحد ثم الأحزاب، ثم كان ما كان من الصلح بينه وبين قومه. في هذه الأثناء ذاع صيته صلى الله عليه وسلم، بل كتب بنفسه صلى الله عليه وسلم إلى الآفاق يدعو العالم للإيمان به وسماع رسالته، فكان ممن بلغهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم هرقل؛ وهو عظيم الروم أكبر دولة في ذلك الزمان، كتب إليه صلى الله عليه وسلم كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وإنما أقصُّ هذا الخبر لنعرف أن العلم بسيرته من أعظم أسباب الإيمان به، ومن أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، هرقل لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، لم يصل إليه، لم يعاشره، لم يخالِطه كان بعيدًا عنه، وملكه ومكانته تحول دون أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ليستمعَ منه مباشرة.
    فلما جاءه الكتاب وكان ذا عقلٍ راجح، دعا من يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك من قومه، فجاء أبو سفيان وهو أقرب الناس من الوفد الذي حضر هرقل، فجعله بين يديه والقوم خلفه، فقال: ( إن كذب فأعلموني)، فسأل هرقل أبا سفيان جملة من المسائل، هذه المسائل مجملها يعود إلى حقيقة ما جاء به النبي، ما هي سيرته؟ ما هي أخباره؟ ما هو حاله؟ فسأله عنه صدقًا وكذبًا، هل عهدتم عليه كذبًا؟ هل له ملكٌ يبحث عنه لآبائه وأجداده ملكًا يريد إحياءه؟
    جملة من المسائل ذكرها البخاري وغيره في صحيحه في مسائل هرقل "صحيح البخاري" (7)، ومسلم (1773)، جملتها تعود إلى أسئلة لاستكشاف حال النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في سيرته وفي سيرة من آمن به، فماذا كانت النتيجة؟
    إنها المفاجأة أن قال هرقل لأبي سفيان ومن حوله: إنه نبي الله، وإن صدق ما قلت فسيملك ما تحت قدمي هاتين، ولو استطعت أن أخلص إليه لغسلت التراب عن قدميه، من الذي يقول هذا؟
    هرقل عظيم الروم، يقول هذه الجمل، من أين استخلص هذه النتيجة؟
    إنه من التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذًا التأمل في السيرة يقود إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يقود إلى تحقيق الإيمان به تكميلًا لأهل الإيمان وإيجادًا لمن لم يكن مؤمنًا به.
    ولذلك من أعظم وسائل الدعوة في العصر الحديث الذي غفل عنه كثير من المسلمين؛ من أعظم وسائل الدعوة أن يبين لهم سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، اسم محمد اسم معروف وشهير في العالم حتى أصبحت بعض الدول الكافرة في أوروبا وغيرها، الاسم الأول في البلد للمواليد محمد، أليس حريًا لأهل الإسلام أن يقدموا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا مبالغة ولا غلوَّ ولا زيادة؟ ففي سيرته من أنوار رسالته واصطفاء الله له ما يكفي عن أن يجتهد البشر زيادة في مقامه ورفعة في منزلته، فقد بلغه الله منزلة تقصر عنه كل الاجتهادات التي تسعي إلى رفعه صلى الله عليه وسلم.
    ومن رفعه الله فلا خافض له، وقد رفعه الله وأعلى ذكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن حقِّه أيها الإخوة، من حقه على أمته جماعات وأفراداً أن يبذلوا الجهد في بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، فسيرته تأسر القلوب، وعندما تقرأ ما كتبه وما تفوَّه به عظماء الزمان ممن طالعوا سيرة خير الأنام صلى الله عليه وسلم تعرف يقينًا أن إظهار سيرته على النحو الذي كان عليه دون مبالغة ودون تتبع لشواذ الأخبار وضعيفها، إنما ما صح وثبت من سيرة خير الأنام وما ذكره أصحاب السير عنه صلى الله عليه وسلم، كافٍ في بيان فضله وعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم.
    إن الإيمان به، إنَّ التأمل في سيرته هو الطريق الذي يحقق المؤمن به العبودية لله عز وجل، قد يقول قائل: هذه مبالغة!
    لا والله ليست مبالغة؛ إن تحقيق كمال العبودية لله عز وجل مرهون بكمال العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نعرف أنَّ السيرة ليست قصصًا تروى، ولا حكايات تُسرد، إنما هو بيان لما كان عليه قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، في سرِّه في منشطه ومكرهه صلى الله عليه وسلم، في خاصته وبين الناس؛ نعرف أنه لا يمكن أن يحقق الإنسان كمال العبودية لله عز وجل إلا من خلال سيرته صلى الله عليه وسلم.
    أتعلمون أصحَّ كتاب بعد كتاب الله، ما هو؟
    صحيح البخاري؛ صحيح البخاري ما حقيقته؟
    إنه الجامع لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وسيرته وأيامه، إنه جامع لسيرته صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله وغزواته وأيامه صلى الله عليه وسلم. هذا أصح كتاب؛ وهو كتاب من الكتب العلمية العظمى التي عكف العلماء على دراستها وشرحها وبيان ما فيها من العلوم والكنوز، هذا السِّفر المبارك هو سيرة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لأحد أن يحقق العبودية لله عز وجل إلا بمعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
    كيف كان يعبد ربه؟
    وكيف كان يعامل الخلق؟
    وكيف كان في عسره ويسره، منشطه ومكرهه، وفي سائر أحواله صلى الله عليه وسلم؟
    ولهذا كلما زاد نصيب الإنسان علمًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من طيب الأخلاق وكريم الشيم والخصال؛ زاد نصيبه من العلم بالله ومعرفة الطريق الموصل إلى الله جل وعلا.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تبليغ الأمة دقيق الأمر وجليلها، حتى لم يترك شيئًا تحتاج الأمة إلية إلا وقد بينه ووضحه، تركنا على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ليس فقط في شأن معاملة العبد لله عز وجل وفي شأن العبودية، بل في هذا الشأن وفي كل شأن.
    يقول الله عز وجل:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}.
    ويقول جل في علا:{ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة الحشر آية رقم 7
     ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أخرجه البخاري(631)، ومسلم (674) ، وفي الحج يقول صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم» أخرجه مسلم(2877).
    فلا يمكن لأحد أن يحقق كمال العبودية لله إلا بتحقيق العلم بسيرته صلى الله عليه وسلم، وهنا نحتاج إلى أن نُشيع بين الناس أن السيرة ليست فقط سيرة بن هشام، وليست فقط سيرة بن كثير، وليست فقط الرحيق المختوم، وليست فقط ذاك أو ذاك من الكتب التي تناولت غزواته، إنها أوسع من ذلك.
    إن السيرة تشمل صحيح البخاري وصحيح مسلم ودواوين السنة جميعًا، بل وحتى المختصرات، كبلوغ المرام والأربعين النووية وغيرها من كتب الأحكام التي جمعت أصول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، هي من سيرته.
    وعندها تتسع الرؤية ويتسع الأفق في فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست قصصًا للترويح عن النفس والاستئناس بذكره صلى الله عليه وسلم، إنها أبعد من ذلك، إنها إيمان به، إنها دليل على نبوته، إنها الطريق الذي يحقق به المؤمن العبودية لله عز وجل.
    كلنا يرجو أن يبلغ ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري رقم(15) ومسلم رقم(44) من حديث أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
    وفي حديث عمر لما قال:"والله يا رسول الله إنك أحب الناس إلي إلا من نفسي"، قال: «لا يا عمرو، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال:« الآن يا عمر» "صحيح البخاري"(6632).
     الآن كملت الإيمان، الآن حققت كمال الإيمان به صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى لا يمكن أن يتحقق لمن كان لا يعرف أخباره صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من كريم الخصال وطيب الأخلاق.
    إنَّ جزءًا من أسباب صلاح الأمة في عهدها الأول، هو قربها منه وشهودها له صلى الله عليه وسلم، وبالتالي كلما كانت الأمة قريبة من سيرته، عارفة بهديه، مطلعة على أخباره كان ذلك من علامات صحتها وسلامة منهجها وطريقها، وخروجها من الأزمات والمضايق.
    أيها الإخوة، إنَّ الحديث عن السيرة حديث ذو شجون، وهنا يقف الإنسان عند جفاة لا يعرفون من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلا نتفًا من أحاديث الأحكام، وغلاةٍ في محبته أهدروا سيرته المتعلقة بمنهج الحياة وعكفوا على أخبار ضعيفة يتناقلونها من كتب السير، والسيرة الحقيقية هي معرفة ما كان عليه في كل شأن؛ في علاقته بربه وفي علاقته بالخلق وفي سائر أيامه ولياليه صلى الله عليه وسلم، وإن لمحة موجزة في معرفة سيرته في حجه تدعو القلوب إلى محبته.
    إن الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أيام معدودة من خروجه من المدينة إلى رجوعه، إذا حرص المؤمن على مطالعة كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم بما أننا في أيام الحج وأعماله، ويمرُّ علينا كثير من أخباره صلى الله عليه وسلم في حجه، كيف كان في عرفة؟
    وكيف كان في المزدلفة؟
    وماذا صنع في منى، وكيف كان لما قدم إلى مكة، وماذا قال لأصحابه وكيف ردُّوا عليه؟
    ومعاملته العامة للأمة، ومعاملته الخاصة لأفرادها، في شأنه الخاص في زوجاته وسائر من احتكَّ به صلى الله عليه وسلم ممن نقل عنه خبر معايشته للنبي صلى الله عليه وسلم؛ يرى عجبًا، يرى في هذه البرهة المختصرة التي لا تتجاوز القريب من العشرين يوماً أو أقل من ذلك.
    يرى من دلائل نبوته وصدقه ومحبته وتحقيق العبودية لله عز وجل، ما يحقِّق تلك المعاني كلها. لذلك من المهم أن نستحضرَه في حجِّنا، ليس فقط في جانب من الأعمال والأحكام، بل في العمل القلبي قبل العمل الصوري.
    كيف كان قلبه صلى الله عليه وسلم؟ في حجه؛ هذا معنى يغيب عن كثير منا، إنه في غاية الذل لله عز وجل، في غاية الخضوع له، انعكس هذا الذل والخضوع القلبي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، فحج صلى الله عليه وسلم على رحل رثٍ وعلى قطيفة يقول الراوي: (لا تُساوي أربعة دراهم)، في غاية التواضع، في غاية الذل لله عز وجل، في غاية الحرص على نفع الناس لذلك طاف صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس ويتأسوا به.
    ولما وقف في عرفة في ذلك الموقف العظيم لم ينعزل عن الناس في زاوية، وكان قادرًا على أن تضرب له أفضل القباب، فهو سيد العرب، سيد الجزيرة في ذلك الوقت.
    كل الناس دانوا له صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم على راحلته التي كانت برحل رثٍ وهي زاملته –يعني التي عليها طعامه وشرابه صلى الله عليه وسلم- ما كان عنده رحل ثاني للعفش والمتاع، بل كان رحله ومتاعه على نفس البعير الذي حج عليه صلى الله عليه وسلم.
    كان واقفًا من بعد الزوال إلى غروب الشمس، وقد تربَّص بمكان يكون فيه بارزًا للناس، فجعل بطن راحلته إلى الصخرات وحبلُ الناس بين يديه صلى الله عليه وسلم لينفعهم وليأتسوا به، وليقتدوا بما كان عليه صلى الله عليه وسلم، وإن أشكل عليهم شيء أخذوا عنه ورجعوا إليه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} سورة النحل الآية رقم 43 .
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم في غاية الذل لله عز وجل والتواضع للخلق وإظهار العبودية لله عز وجل، قولًا وعملًا، وفي غاية الرأفة والرحمة، فكان يأمر الناس بالهدوء والسكينة: (( عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع)) "صحيحالبخاري"(1671).
    إنها كلمات يا إخوان تمثل منهج حياة؛ تختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أي إن الذين لم يشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم طوال السنوات الخالية حجُّوا معه فأدركوا ما كان عليه من الرحمة، من النصح، من الإخلاص لله عز وجل، من الإحسان للخلق، من تحقيق العبودية، من التواضع، من الذل لله جل في علاه، من حسن الصحبة للصغير والكبير، فكان لا يردف معه عظماء الناس بل يردف معه الصغار ترفُّقًا بهم، على خلاف حال الكبراء فإنهم لا يردفون معهم إلا من يُشار إليهم بالبنان.
    هكذا كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم تأمل، أنا أدعو نفسي وإياكم بما أننا في الحج أن نتأمل سيرته ونسجل أبرز معالم سيرته في حجه، وأجزم أن هذا الذي سنستخلصه من خلال مطالعتنا في سيرته سنجده ملخصاً لرسالته وبياناً لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من أخلاق امتدَّت عبر سنوات اختصرها في أيام معدودات.
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا نسألك باسمك العظيم أن ترزقنا حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم يا ربَّنا اسلك بنا سبيل الرشاد، وأعنَّا على الطاعة والإحسان، ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأعمال، اللهم اجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم بلغنا فيه الأماني يا حي يا قيوم بفضلك وإحسانك وكرمك وعظيم جودك، اللهم اجعلنا من أوفر عبادك نصيبًا من رحمتك وعطائك وإحسانك يا رب العالمين.
    اللهم تبعنا سنة نبينا محمد ظاهرًا وباطنًا، اللهم ارزقنا محبته واحشرنا في زمرته، واجعلنا من حزبه وأوليائه، اللهم يا رب العالمين، ارزقنا شفاعته وارزقنا الذبَّ عن سنته والقيام بحقه ظاهرًا وباطنًا.
    ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربَّنا إنك رؤوف رحيم.
    وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد. 

    التفاصيل
    0
    400
  • العناية بما يستقبل به رمضان
  • الحقيقة... حديثي... في هذه الدقائق، التي أتشرف بالحديث معكم فيها، حول: ما الذي ينبغي أن نعتني به، فيما يتعلق باستقبال هذا الشهر المبارك؟!

     أنتم لا يخفى عليكم؛ أننا بعد أيامٍ  قلائل، ثلاثة أيامٍ أو أربعة أيامٍ نبلغ الشهر المبارك، شهر رمضان" أسأل الله العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يُبلَّغنا إيَّاه في أحسن الأحوال، وأن يرزُقنا صيامه وقيامه، إيماناً واحتساباً".

    هذا الشهر المبارك له ميزة، فينبغي علينا أن ننطلق منه

     أن نعرف لماذا كان هذا الشهر، بهذه المكانة، في الدين الإسلامي، ما فيه أمر شرعه الله عزَّ وجلَّ، واصطفاه زماناً أو مكاناً أو تشريعاً، إلا والله تعالى له فيه حكمة، هناك سر، هناك علّة، هناك سبب لهذا الاصطفاء، الله جلَّ وعلا، يقول في محكم كتابه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} سورة القصص، الآية: 68 معناه؛" أن الله عزّ وجلَّ، يخلق ما يشاء ويختار من هذا الخلق ما يشاء"، لكن هذا الاختيار الذي يختاره الله جلَّ وعلا، ليس اختياراً لا سبب له، بل كل شيء في هذه الاختيارات الإلهية، تشريعية كانت أو زمانية أو مكانية، لله فيها حكمة.  اختار الله تعالى رمضان، فخصه بهذه الخِصاص الكثيرة، والمميزات العظيمة، لماذا؟

       نذكر منها .:               

    - أولاً أن النبي صل الله عليه وسلم، قال: (رمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينهما، إذا اجتنبت الكبائر)

    وقال صل الله عليه وسلم، (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال (من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)

     قال النبي صل الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)

    والنبي صل الله عليه وسلم كان يشتدُّ في طاعة الله عزَّ وجلَّ، ويجد ويكد ويعمل عملاً في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور، حتى إنه صل الله عليه وسلم في آخر الشهر يعتزل في المسجد، وينفرد بربه جلَّ في علاه، ذاكراً وممجِّداً، وتالياً لكتابه.

     لمَ  كل هذا؟

    هذه الخصائص التشريعية، لابد لها من سبب، سببها يفسره ما ذكره الله جلَّ وعلا في ثنايا آيات الصيام، بل في مقدمة فرض الصيام، بعد أن كان الصيام خيارياً، بمعنى أن الصوم أول ما شرع شُرع على الاختيار، من شاء صام، ومن شاء أطعم عن صيام كل يوم، فالله تعالى يقول: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}سورة البقرة، الآية:184 ، أي: يستطيعون أن يصوموا، هذا في أول التشريع.

     {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}سورة البقرة، الآية:184 أي: فدية عن صيام ما شرع الله تعالى من صيامٍ واجب، لكن قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} سورة البقرة، الآية:184.

     ثم بعد ذلك جاء التشريع بفرض الصيام على الجميع، فقال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} سورة البقرة، الآية:185  انتبه!! {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} سورة البقرة، الآية:185.

     ثم قال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة، الآية:185 الفاء في قوله{فَمَنْ} تفيد التعقيب والترتيب في  ارتباط بين المقدمة والنتيجة، والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ يقول:" مِن شُكر نعمتي عليكم بإنزال القرآن، في هذا الشهر المبارك، شرعت لكم صيامه".

    {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فالأمة عبر القرون المتعاقبة في الدنيا كلها، وفي الزمان كله، وفي المكان كله، كلهم يشرع لهم صيام رمضان.

     لماذا؟

     لأنه الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن هذه ميزة وخاصية ينبغي أن نتنبه لها، وأن لا نغفل عنها، أن هذا الشهر له سمة، وخاصية ينبغي أن نعتني بها، وأن نستحضرها في سبب صيامنا، فصيامنا شكر للقرآن ولهذه النعمة وقيامنا كذلك شكر لهذه النعمة، تلاوتنا للقرآن  شكر أيضاً لهذه النعمة، فكل هذه النعم، التي أنعم الله تعالى بها علينا يا إخواني هي شكر لهذه النعمة العظيمة، التي هي أعظم نعمة، مَنّ الله بها على البشرية، بل بشّر الله تعالى بها الناس أجمعين، يقول الله جل في علاه، يا أيها الناس، الخطاب للناس كافة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} سورة يونس، الآية:58 الإنسان يا أحبابي، ويا إخواني، يحتاج إلى زاد، يحتاج إلى زاد يتزود به، تماماً كالذي يسير في طريق سفر، هذا الطريق الذي يسافر من خلاله، تتوقَّعون يا شباب، أنه يمكن أن يصل إلى هدفه وغايته، دون أن يكون معه وقودٌ في سيارته يوصله إلى غايته، فمثلاً الشخص في بلدته لا يحتاج لوقود كثير ليتحرك، فإذا ما سافر احتاج إلى إعادة تعبئة الوقود، حتى يتمكن من مواصلة السير، بل لابد من هذا، فلا يمكن أن يصل دون وقود، فالآخرة سفر، وهذا السفر ليس اختيارياً، كلنا إلى الله مسافرون، أنا وأنت والجميع، والذكر والأنثى، والحاضر والغائب، المسلم والكافر، كلنا مسافرون في هذا الطريق، ليس لنا فيه خيار، {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} سورة الانشقاق، الآية:6 فهذا السفر كلنا سنسافره شعرنا به أم لم نشعر ،نحن في رحلة ،نحن في انتقال، ولهذا فالدنيا ليست دار قرار، مطايا هذا السفر أي المراكب التي يركبها الناس، لوصولهم إلى آجالهم، وهو منتهى السفر، فالمراكب هي الليل والنهار فهما المطية التي نركبها لنصل إلى آجالنا وقد جعل الله لكل شيء قدرا وقد جعل الله تعالي  لكل أجل كتاباً، هذا الكتاب أي الأجل لا نعلمه لكننا  نعلم أننا مسافرون، وسنصل إلى غاية؛ فهذا السفر لا يمكن أن ينجح فيه الإنسان دون زاد، الزاد الحقيقي، وانتبه!! أخي الكريم انتبه معي!! الزاد الحقيقي الذي يبلغك النجاة في سفرك، هو التقوى، هذا ليس كلامي، ولا هو اجتهاد عالم، هذا كلام رب العالمين في كتابه العظيم، يقول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} سورة البقرة، الآية: 197 خير ما تحمله معك في سفرك هذا، لتبلغ الغاية وتصل إلى المقصود، تقوى الله.

    السؤال الكبير ما هي تقوى الله ؟

         تقوى الله ليست أمراً يكون فقط في المظهر، أو  في الصورة، أو  في اللسان، تقوى الله ابتداءً تكون في القلب، أي: أن يكون القلب صالحاً، ولذلك النبي صل الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة،  إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله) ثم يضع تعييناً وتبييناً لهذا الذي به الصلاح، والفساد فيقول: (ألا وهي القلب)  فقلبك هذا الذي ينبض، وبه يصلح جسدك، فلو تعطل القلب تعطل البدن، حياتك الحياة المادية، لو يتوقف قلب الإنسان لا يعيش، كذلك إذا توقفت حياته بالتقوى، مات الإنسان، لهذا يقول النبي، صلّى الله عليه وسلم، (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت)  ومعناه: لابد لنا أن نستشعر أننا بحاجة ماسة إلى حياة قلوبنا.

     حياة قلوبنا هي التي بها تتحقق لنا التقوى، وتصلح لنا بها الأعمال.

     لهذا يا إخواني، ويا أبنائي نحن بحاجة إلى اغتنام هذه الفرصة المباركة، هذا الشهر المبارك هو محطة تزود، وأقرب مثال لهذا الأمر كأن تكون مسافراً، وتمر على محطة لتزويد الوقود فهل تستقرّ في تلك المحطة وتضع فراشك وترحالك وتأخذ متسعاً من الوقت؟ بالطبع لا ، ولكن بعض الناس يفعلون ذلك، أما  غالب المسافرين لا يفعلون هذا، غالب المسافرين يجتهدون في أن يتزودواْ بكل ما يحتاجون ليستكملوا المسير، من وقود وماء وطعام وما إلى ذلك من الأشياء التي يتهيؤون بها لمواصلة السير، نحن في هذا الشهر المبارك، بحاجة إلى أن نتزود.

     التزود به ننجح، التزود به نفلح، التزود هو عنوان نجاحك في الدنيا، لذلك يا أخي في كل يوم، في كل ليلة، وفي كل لحظة، احرص على أن تتزود، فإن الزاد به تحصل النجاة،

    الزاد ما هو؟ ليس مأكلاً، ولا مشرباً، هذا طبيعيٌّ للأبدان، لا تقوم أبداننا إلا به، الزاد هو العمل الصالح، الذي هو تقوى الله تعالى، تقوى الله هي أن تكون صالح القلب، ممتثلاً أمر الله عزَّ وجلَّ، مجتنباً عما نهى الله تعالى عنه قدر طاقتك ،رمضان فرصة؛ لذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة، الآية:183، هذا هو السر، هذه هي الغاية، هذه هي الحكمة، من هذا السياق، أن نحقق التقوى لله عزَّ وجلَّ، في قلوبنا وفي أعمالنا، وجوارحنا وفي سائر أحوالنا، لذلك هي فرصة من خلالها، نستطيع أن نتقي الله تعالى، أنا أقول يا إخوان ولا أريد أن أطيل في الكلام، لكن استحضار هذا المعنى العام، يشرح لنا ما هو الصوم، هل الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وما إلى ذلك من مفطرات فقط؟ لا، هذا الإمساك له غاية، وله مقصد، إذا (ما) انتبهنا لهذه الغاية، وهذا المقصد سيكون صيامنا صورياً، أي سيمتنع الإنسان من الأكل من أول الفجر، إلى آخر النهار، وبعد ذلك يأكل ويشرب، لكن ليس له أثر على سلوكه، ولا على قلبه، ولا على أخلاقه، (الصيام جُنة) كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، جُنَّة يعني مثل الدرع يتوقى به الإنسان الشرور، ويتوقى به الإنسان الآفات، أول الآفات على قلبه، ثم على سلوكه، ثم على قوله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، لهذا من المهم أن ندرك معنى الصوم، وأن الصوم به تصلح أحوالنا، وتستقيم أعمالنا، إذا حققنا الغاية منه، وهو أن يكون صيامنا محققاً للتقوى، (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) هذه الغاية نتنبه لها ونستحضرها، في كل عبادتنا، لأن كل العبادات التي شرعها الله تعالى، إنما هي لتحقيق التقوى.

     

    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين، يا رب العالمين، هذه مقدمة مختصرة أو كلمات موجزة، حول مقصود الصيام، وغايته المقصود من الصوم، تحقيق التقوى في القلب، تحقيق التقوى في القول، تحقيق التقوى في العمل، اللهم اجعلنا من المتقين، ويسر لنا يا رب العالمين، خصال أوليائِك الصالحين، واحشرنا في زمرة الصدّيقين، يا رب العالمين، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.  

    التفاصيل
    0
    290
  • انظر إلى قلبك
  • محاضرة: اُنظر إلى قلبك

    الحمد لله رب العالمين، لا أحصي ثناءً عليه، له الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة، وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلها وجوهًا مسفرة ضاحكةً مستبشرة، يوم العرض عليه، يوم العطاء والجزاء، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

    أيها الأحباب أيها الإخوة أيها الأخوات الكريمات:

    الحج عبادة، جمع الله تعالى فيها أنواعاً من القربات، هي دورة تدريبية يلجها المؤمن يخرج منها بفوائد عديدة، والناس في هذا مختلفون، الله تعالى يقول: {وَتَزَوَّدُواٌْفَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} سورة البقرة، الآية:197 ، والناس في هذا الزاد متفاوتون، فمنهم من يغرف ويأخذ، ومنهم من يستقلّ في أخذه وفي كل خير، لكن السابقون السابقون، السابقون إلى التزود من خير زادٍ في هذه الدنيا، هم السابقون، يوم لا مال ولا بنون، يوم العرض والنشور، يوم الوقوف بلا درهم ولا دينار، ولا جاه ولا سلطان، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْأَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} سورة الأنعام، الآية:94، هذا شأننا الآن انظروا كيف نحن جالسون، في هذه الأسرة المتجاورة, منا الكبير ومنا الغني ومنا الفقير ومنا متوسط الحال، حال واحدة، وانظروهم في الأرصفة كيف يجلسون، وانظرهم في الأبراج كيف يجلسون كلهم سواء متقاربون مهما كان  هناك تفاوت في الترف والأخذ والمتع، هم متقاربون، كلهم تركوا أموالهم وأولادهم وأوطانهم، وتركوا كل نعيم خلف ظهورهم، وجاءوا إلى هذا المكان، يوم العرض ما في سرر ما في ثياب ما في ثياب ما في سلطان، {وتركتم ما خولناكم} كل ما ملكناكم {وراء ظهوركم}، ليس معنا شيء إلا شيءٌ واحد، أتدرون ما هو؟ إنه العمل الصالح، إنه حصائد أعمالنا.

     روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس أنَّ النَّبي صلّى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، الذي يبقى هو العمل) يرجع الأهل والمال ويبقى العمل.

     العمل ما هو؟ العمل هو سعيي وسعيك، هو ما أقوم به وما أنت تقوم به، ما يرصده الحاسبون وما يكتبه الحافظون، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} سورة الطارق، الآية:4 يحفظ عملها ويحفظ ما يكون منها، الدقيق والجليل، لا يغيب ظاهر ولا باطن، هذا هو الذي ستلقاه يوم القيامة، وها هو الذي به تتفاوت الدرجات، ويعلو به الناس في المنازل يوم القيامة، إنما هي الأعمال، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة الزخرف، الآية:72 ، فلا تستقلّ شيئًا فإن الله يعطي عطاءً جزيلًا، على العمل القليل، فجد وأرِ الله من قلبك خيرًا، ومن عملك صالحًا وأبشر، فإن الله جلَّ وعلا، لا يضيع عمل عاملٍ منكم من ذكٍر أو أنثى، الشأن كل الشأن أن نستحضر من هذه الرحلة، ذلك الموقف العظيم الذي يجتمع فيه الخلق.

        أرأيتم الآن؟ لو أنه حصل أي نوع من أنواع المفزعات لهذا الجمع، كيف حال الناس ستكون؟ في أمر مريج، الكل يقول: نفسي نفسي، ذاك اليوم أعظم وقد يكون فيه أشدّ، تذكر هذه الجموع، واذكر أنك ستقف في مثلها يومًا ما، بين يدي الله جلَّ في علاه، لا ينفعك جاه، ولا سلطان، ولا مال، ولا نسب، ولا شيء من هذه الدنيا كلها، إلا ما يكون من العمل الصالح.

    فجود مركبك، فالسير إلى الله عزَّ وجلَّ، إنما هو سير القلوب الصالحة الصادقة، وليس بسير الصور والأشكال.

     قطع المسافة بالقلوب إليك، لا بالسير فوق مقاعد الرُّكبانِ.

     انتبه لقلبك!!!

    فإنه مطيتك، انتبه لقلبك!!!

    فإنه موضع نظر الله عزَّ وجلَّ.

    كم من بهيّ الصورة، جميل الشكل، حسن المنطق، لا يزن عند الله جناح بعوضة.

    وكم من إنسانٍ يتلعثم في قوله، ولا يجد من يقبله، إذا شفع لم يشفع، وإذا قال لن يسمع، لكنه عند الله بمنزلة عظيمة.

    الفارق ليس في الصور، الله عزَّ وجلَّ يقول في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتهمْ تُعْجِبُك أَجْسَامُهُمْوَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَع لِقَوْلِهِمْ} سورة المنافقون، الآية:4، جمال في الشكل والصورة، وإن يقولوا في المنطق تسمع لقولهم، لجمال ألفاظهم وكلماتهم، لكن كل هذا يطير يتبدل، ولا قيمة له، إذا كان القلب عن الله غافلاً. القلب عن الله صادّاً، أنتم جئتم إلى هذه البقعة لله لا لا لغيره، لذلك يقول الله جلَّ وعلاَّ، في أول آية فرض فيها الحج في مقدمة الآية، قبل أن يذكر العمل ذكر المقصود، قال جلَّ في علاه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِمَنِاسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} سورة آل عمران، الآية:97، لله ليس لغيره، فأخلصوا قصدكم لله، وأعلموا والله أن السبق بالقلوب إليه، وليس بشيء آخر، لكن القلب وعاء يحتاج إلى تطهير وتنظيف وتطييبٍ وعناية، الّذي يهمل وعاءه يتسخ، والذي يهمل لباسه وإن كان أجدَّ ما يكون، وأنظف ما يكون، وأجمل ما يكون، إذا لم يتعهده بالتنظيف يتسخ، كذلك القلوب إذا لم نتعاهدها بالتطييب والتطهير والرعاية والنَّظر فإنها تمرض، وإذا مرضت ولم تُتدارك تهلك وتموت.

    فأدركوا قلوبكم!!! وانتبهوا لها.

    وأعظمُ ما يحيي القلوب ذكر الله جلَّ في علاه، ولهذا كانت هذه الرحلة مقترنة بالذكر، فالذكر فيها شكل غير عادي، في أول ذكرها وفي ثنايا ذكرها، أول ما تدخل تقول: لبيك اللهم لبيك، وآخر ما تفعل، حتى تتحلَّل تقول: الله أكبر، تفرغ من ذكر وتبدأ بذكر، فتنقطع التلبية عند رمي الجمار، مع أول تكبير تشرع في الذكر، والله تعالى في مواضع عديدة من آيات الحج يذكر الذكر، ويقول جلَّ وعلا:

    {فَاذْكُرُوا اللَّهَعِنْدَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} سورة البقرة، الآية:189.

    {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} سورة البقرة، الآية:200

    ثم في النهاية ماذا يقول؟ يقول جلَّ في علاه:

    {وَاذكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعدُودَاتٍ} سورة البقرة، الآية:203.

    هي هذه الأيام التي نحن فيها أيها الإخوة والأخوات، هذه الأيام هي الأيام المعدودات، إنها أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر.

    فاذكروا الله فيها بقلوبكم، هذا أصل الذكر، هذا منبع الذكر، أن يكون القلب ذاكرًاً، كيف يكون القلب ذاكراً لله؟ أن يتأمل عظيم قدر هذا الرب جلَّ في علاه، فإذا سمع آياته وقرأ أسماءه وصفاته، تدبر عظمة هذا الإله، لا إله غيره، فإذا قرأ مثلًا:

    {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} سورة البقرة، الآية:255

    قف عند هذه الآيات، عند هذه المقاطع من هذه الآية، قف عند هذه المعاني لترَ عظيم الجلال وكبير البهاء وعالي الأسماء والصفات، لتقف على شيءٍ يسير من عظمة الرب الكبير جل في علاه، عند ذلك ستكون ذاكرًا، وسيكون قلبك لله محبًا، وله معظمًا وبهذا يتحقق التوحيد، تتحقق كلمة لا إله إلا الله، لأنها الكلمة القائمة على كمال الحب لله، وكمال التعظيم له جلَّ في علاه.

    تأملوا هذه المعاني، واذكروا الله بقلوبكم، تأمَّلوا بديع صنعه، واللهُ لفت أنظاركم إلى كل شيء حتى إلى أنفسكم ،قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} سورة الذاريات، الآية:21

    حتى الأعمى، يستطيع أن يتدبر وينظر في كفه، كيف أبدع اللهُ هذا الصنع بهذه الأصابع، كيف يجري الدم؟ ليس هناك أحدٌ لا يستطيع  أن ينظر ويتأمَّل، إلا من أغلق الله عليه الطرقَ وأغفل قلبه، قال تعالى:

    {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُالشَّيْطَانُفَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ الله} سورة المجادلة، الآية:19

    إنَّ المؤمن يرى في كل شيء عبرة، وفي كل شيء آية، تذكره بالله عزَّ وجلَّ، وتعكس على قلبه تعظيمًا لله، قلوبنا هي حالنا في الآخرة، فإذا كان قلبًا سليمًا فأبشر، فإن القيامة يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

    سلامة القلب محورها وأساسها توحيد الله وتعظيمه، حبه وإجلاله، هذا لا يأتي إلا بالعلم به، لذلك كان العلم بالله رأس العلم ويتبعه بعد ذلك العلم بالطريق الموصل إليه.

    فأقبلوا على الله إخواني!!!

    وأكثروا من ذكره بقلوبكم، تأملًا بما ذكرت، بأسمائه وصفاته، وأفعاله وآلائه، وآياته في السماوات والأرض، أبصر بقلبك يا أخي .....أبصر بقلبك وانظر إلى هذه الآيات، التي تحيط بك من كل جانب، وتذكر المدبر رب العالمين، وسيكون لذلك أثر كبير في قلبك.

    أما أن يكون الإنسان ذاكرًاً بلسانه: الله أكبر .. الله أكبر .. وما إلى ذلك من الأذكار وهو غافل، هذا على خير ويؤجر، لكن شتان بين من جمع بين ذكر اللسان و حياة القلب، وبين من أقتصر ذكره بربه على لسانه، فإنه وإن كان المنطق حسنًا، لكن القلب غافلٌ بعيدٌ.

    إخواني؛

    الحج فرصة أن نراجع أنفسنا، وأهم ما نراجع "قلوبنا،" لنرجع إلى أهلنا ودورنا بقلوب غير التي جئنا بها، والأمر يسير وليس بعسير، لمن صدق مع الله، وضرع بين يديه خالصًا.

    يا الله.. يا رب.. يا حيُّ يا قيوم.. أصلح قلبي، اُدع الله وألحَّ عليه أن يصلح قلبك، وأبشر فإنَّ الله لا يخيب من قصده، فما خاب من قصد الله وسأله، أبدًا والله ما يخيب.

    والذي يسأل الهداية سيوفق لها، لكن اسألها بصدق، وأَمّلْ عطاء الله فإن الله لا يخيب من قصده.

    هذه معاني يا إخواني.. يسيرة والباب واسع في تدبر معاني وفوائد هذا النسك العظيم، وأثر ذلك على السلوك، مبدأ الصلاح هو أن تصلح هذه المضغة، والعجيب أننا نهتم كثيرًا بأشكالنا ومظاهرنا. يمكن أن يكون عند الإنسان  أدنى خلل في الظاهر والشكل فتراه يسأل عنه، لكن القلب الذي هو مناط النجاح والفلاح، قِلةٌ من يعتنون به، نوادر من يهتمون به.

    هل في قلبك غل؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك حسد؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك عجب؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك كبر؟ طهر قلبك.

    واذكر أن آفة القلب خطيرة، قال فيها النبي صل الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الجنّةَمَنْكانَفيقَلْبِهِمِثْقَالُذَرَّةٍمِنْ كِبْرٍ) بمعنى وزن الذرة الصغير هذا، إذا كان في قلبك وزن أقل ما يكون من النمل من الكبر، هذا يحول بينك وبين دخول الجنة حتى يطهر قلبك، فطهر قلبك واعتنِ به واسأل الله صلاحه، وألحَّ عليه فهو الكريم جلَّ في علاه، يُعطي على القليل الكثير.

    اللهمَّ إنا نسألك باسمك العظيم، يا ذا الجلال والإكرام أن تصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أرزقنا قلوبًا سليمةً صالحة، اللهم أعنا على طاعتك واصرف عنا معصيتك، اللهم اجعلنا من حزبك وأوليائك، اللهم اجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، اللهم أحسن لنا المنقلب والعاقبة، اللهم أحسن لنا المنقلب والعاقبة، اللهم أعنا ولا تعن علينا، اللهم أنصرنا على من بغى علينا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين، لك راغبين راهبين إليك أواهين منيبين ، اللهم تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، واغفر زلتنا، وأقل عسرتنا، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سوريا، اللهم كن لهم معينًا وظهيراً، اللهم كن لهم معينًا وظهيراً، اللهم انصرهم نصرًا عزيزا، اللهم قيض لهم من لدنك ناصرًا ووليًا يا حي يا قيوم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، اللهم واحقن دماءهم، اللهم واستر عوراتهم، وآمن روعاتهم، اللهم اعطِ مثل ذلك لأهل السنة حيث كانوا، اللهم اكتب مثل ذلك لأهل الإسلام حيث كانوا، اللهم ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    جزى الله عنا شيخنا خير الجزاء، وجعل ما قدمه في موازين حسناته.. شيخنا الفاضل، هنا سائل يقول:

    لقد تعلمت في فريضة الحج، الصبر والصلاة في وقتها، وقراءة القرآن مع الناس، ولكن كيف أستمر على ذلك بعد الحج، وآخر يقول: كيف أبتعد عن أصدقاء السوء بعد الحج؟

    الحج بداية جديدة كصفحة جديدة بيضاء ،إذا امتلأت الصفحة بكتابات أو أي شيء، فأنت تبدأ صفحة جديدة، الحج أكبر من ذلك، الحج هدم ،أعظم هدم  في الدنيا هدم الحج لأنه هدم السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم (منحج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وفي الصحيح من حديث عمرو بن العاص، قال النبي صل الله عليه وسلم، (ألم تعلم يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها،وأن الحج يهدم ما كان قبله)

    يهدم ماذا؟ يهدم بنيان السوء والشر، فاحرص على أن تبدأ صفحة جديدة، وأن يكون البناء صالحًا راشداً، أكثر من الاستغفار، وهذه الصالحات التي اعتدت عليها، وألفتها في هذه الأيام المباركة، الزمها فإن فيها الصلاح.

    الصحبة الطيبة، الصلاة، ذكر الله عزَّ وجلَّ، هي مفاتيح نجاة، سفن قوارب يخرج بها الإنسان، من أمواج السوء والشر والفساد، فاستمسك بها، واعلم أنك غريق، إن لم يتداركك الله برحمته، ويشملك بلطفه، فإنك ستغرق في هذا البحر، المتلاطم من الفتن من الشهوات والشبهات، طوق النجاة هو صلاتك، طوق النجاة هو ذكرك لربك، طوق النجاة هو لزومك للصحبة الطيبة، التي تعينك على الخير، وتبعدك عن الشر.

    وأبشر فإن من صدق الرغبة، فيما عند الله، لا يخيبه الله، لكن الإشكالية أننا نحن قد ننشط في فترة، ثم نكسل ونظن أن الكسل هذا أمر طبيعي، وهو جزء منه طبيعي، لكن عندما يكون الكسل حاملًا على الوقوع في السيئات والتورط في ترك الواجبات، هنا الخطر، فليس هذا طبيعيًا، إذا كان كسلك يحملك على ترك الصلوات، على التورط في ألوان السيئات، فهذا جرس إنذار، إن لم تتداركه بالتوبة والاستغفار، فإنك على خطر، ويوشك أن يحاط بك فتهلك، فلذلك احرص على الصحبة الطيبة، حافظ على الصلوات، الصلاة خط أحمر، من أضاعها أضاع الصلة بالله، الصلاة نور.

    أرأيتم يا إخواني، لو أغلقت الأنوار من يستطيع أن  يتحرك من مكانه، فالذي يترك الصلاة كما لو أطفئت أنوار هذه القاعة، لا يستطيع الحركة، ولا يستطيع الوصول إلى ما يريد، هذا ليس كلامي، بل هو  كلام من لا ينطق عن الهوى، قال صل الله عليه وسلم: ((الصلاة نور)) وهذا النور مبدؤه في القلب، فإذا أشرق النور في القلب، انعكس الضياء على الجوارح، ولذلك كان من دعاء النبي في خروجه لصلاته، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وبصري نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن فوقي نوراً، وفي بشري نوراً وفي لساني نوراً، وفي عصبي نوراً ثم يقول وأعظم لي نوراً، أي أعطني نورًا عظيمًا، ما أفقرنا إلى هذا النور، لولا النور ما أدركنا خيرًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا النور ليس مصباحاً ولا مشكاة، هذا النور هو نور النبوة، نور القرآن، وأول ما يشرق في القلوب فينعكس على الجوارح ولهذا ترى الذين يداومون على الطاعة والإحسان تضيء جوههم، ليس ضياء الوجوه من جمال البشرة وما إلى ذلك.. مما تعالج به البشرة، بل هو أمر آخر غير التحسينات، يذهب الواحد ليستخدم أنواعاً من معالجات البشرة حتى تطيب، إنه نورٌ إلهي يكون في أكثر الناس دمامة  في خلقته، ترى في وجهه النور.

     يقول شيخ الإسلام -ابن تيمية- [وكلما طال عهد الإنسان بالطاعة أشرق وجهه ولو كان أقبح الخلق منظرًا وشكلاً، وإذا كان أبهى الناس صورةً في شبابه، فأسرف على نفسه ظهر عليه من القبح والدمامة، ما لا يرى نظيره في أمثاله، بسبب السيئات والظلمة]، هذا النور الذي في القلب، ينعكس على الجوارح، فاحرص على أن  تنير قلبك بطاعة ربك، وأهم ذلك الصلاة، ولزوم أمر الله، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لا يعني هذا أن لا نخطئ، كل ابن آدم خطاء، لا يعني هذا أن لا نخفق في طاعة، لكن يعني هذا أن نجاهد ونبذل الطاقة في البعد عن السيئ والخطأ، وإذا وقعنا في خطأ أو سيئ قلنا كما قال ذاك الرجل: ربِّ أني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، بصدق وتضرع وانكسار بين يدي الله، أن تخاطب الله تقول: يا ربي أذنبت ذنبًا فاغفره لي، صادقًا في مناجاتك لله، وأبشر فإن الله عز وجل سمع عبدًا يقول: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله رب العالمين كما في صحيح مسلم في حديث أبى هريرة قال: اغفروا لعبدي، فوقع الرجل في سيئة أخرى فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، قال في الثالثة: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، وجاءت البشارة ولعبدي ما فعل، إذا كانت هذه سيرته، إذا أخطأ استغفر وإذا أخفق تاب، فإنه لا خطر عليه، لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقومٍ يذنبون ويستغفرون، فليست الإشكالية في الخطيئة فقط، الإشكالية في الإصرار عليها، والاستمرار والتسويف في الرجوع إلى الله عزَّ وجلَّ.

    بادر بالتوبة واستغفر، وما دمت على هذه الحال، فأبشر فأنك على خير.   

    التفاصيل
    0
    387
  • المودة في الحياة الزوجية
  • بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، نحمده حقَّ حمده، لا أحصى ثناءً عليه، أحقُّ من حمد، وأجلُّ من ذكر، له الحمد كله، أوله وآخره، وأشهد أن لا اله  إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ  على محمد، وعلى  آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

        أما بعد... فحياكم الله أيها الأخوة والأخوات، في هذا اللقاء، الذي تنظمه جمعية الزواج والتنمية الأسرية بمحافظة "رياض الخَبراء"، وعنوان هذا اللقاء متصل بموضوع هذه الجمعية وعملها، إنه المودة في الحياة الزوجية، الله جلَّ في علاه، جعل من آياته الدالة، على عظيم صنعه وبديع حكمته، وتمام إتقانه لخلقه آيات كثيرة مسموعة ومرئية ومشاهدة، ومن رحمته أن نوَّع هذه الآيات، فليست هي آية واحدة، إنما هي آيات في السماء والأرض، وفي الأنفس، وفيما يشاهده الإنسان من حوله، بل حتى في حياته الخاصة، والله تعالى بلغ الغاية، في إقامة الحُجة على خلقه، في الدلالة عليه، وبيان عظيم ماله من الصفات، فنوَّع الآيات، ثم قال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}، والنفس هنا ليست فقط النفس البشرية المنفردة، بل إنها تشمل كل أحوال الناس في معاشهم وتصرفاتهم، وما أقام الله تعالى من دلائل إتقانٍه، وعظيم آياته الدالة عليه، ومن ذلك هذه الصلات التي تكون بين الناس.

    هناك صلات معقولة ومعروفة، صلة الوالد بولده، فطر الله تعالى عليها القلوب، ودلت عليها العقول، فالصلة بين الوالد والولد من أوثق الصلات، إذ إن الولد فرع عن والده، وهو بضعةٌ منه وجزء منه، فما يكون بينهما من العلاقة مبرّر، ومفهوم ومُدرك، ولذلك تجد هذه العلاقة، حتى في غير العاقل من الخلق، في الحيوان،  تجد من حُنّو الوالد على ولده، وقيامه عليه ورعايته له، وسعيه لمصالحه، ما يشهد على عظيم صنع الخالق سبحانه وبحمده، وأن المدبّر لذلك، هو الله جلَّ في علاه، لأن هذا الخلق جميعه،  يجتمع على هذه الفطرة، التي بها يحفظ الجنس، بها يستمر الخلق، فرعاية الوالد لولده، سبب من أسباب بقاء الجنس، فلو أن كل والد بعد ولادة ولده، انقطعت صلته عنه، وبُتر وصله به، لكان ذلك مؤذناً بهلاك العالم، ولكن من رحمة الله، أن جعل هذا التواصل الفطري، الذي لا ينفك منه الإنسان، لا يدعو إليه دين في الأصل، ولا يدعو إليه خلق إنما يدعو إليه سنة أجرى الله عليها الكون وفطره، فطر الله تعالى الخلق عليها، {لا تبديل لخلق الله}.

    إن الصلات متنوعة، لكن من أعجبها صلة الرجل بالمرأة، وتقارب هذين الجنسين، دليل على عظيم صنع الله عزَّ وجلَّ، ولذلك يقول الله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:.

     وقفة عند هذه الآية: الله تعالى جعل من الآيات الدالة عليه، هذه الصلة بين الزوجين، ولقائل أن يقول: أين مظاهر الآية في هذه الصلة،  كيف كانت الصلة بين الزوجين على هذا النحو، آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، استمع إلى ما ذكره بعض أهل العلم، عندما تكلم عن هذه الآية، في بيان وجه كون  هذه الصلة من آيات الله عزَّ وجلَّ، الدَّالّة على عظيم صنعه وبديع إتقانه لخلقه، جلَّ في علاه. 

    إن الله عزَّ وجلَّ فطر القلوب على استنكار الغريب، ولذلك إذا استغرب الإنسان شيئاً ممن حوله لفت نظره، لكن في هذه الصلة تتلاشى كل تلك الغرائب، التي ألفها الناس فيما يتعلق بالصلات بينهم،  فتجد المرأة في بيت أبويها تنشأ بين إخوانها وأهلها، لا ترضى بهم بدلاً، ثم يأتي رجل غريب لا تعرفه، ولا تربطها به صلة في غالب الأحوال، من قريب أو بعيد، هو في كل الأحوال يحمل نوعاً من الغرابة عنها، ليس ممن تألفهم وتعرفهم من صغرها، هذا غالب أحوال الأزواج، ثم إن هذه المرأة تقبل الارتباط بهذا الرجل، وتترك أعز الناس صلهً بها، وأوثق الناس علاقهً بها، تترك أمها وأباها، وإخوانها وأخواتها وأهلها، وترضى أن تنتقل مع هذا الرجل الغريب، في اتصال غير معتاد، لا يكتفي فقط بالوصل المعتاد، الذي ألفته؛ في صلتها مع أبيها وأخيها وأمها، ومن حولها، إنها أوثق صلة {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} سورة البقرة، الآية:187فقربها من الرجل الغريب الذي جاءها، قرب كقرب اللباس من البدن، وليس ثمة فاصل بين البدن واللباس، هذا الاتصال هو من آيات الله عزَّ وجلَّ. كيف قبلت المرأة بهذا، ثم كيف قبل الرجل بهذا الوصل، ولماذا كانت هذه العلاقة على هذا النحو من الخصوصية، كل ذلك من آيات الله عزَّ وجلَّ،  إنها الفطرة التي ركزها الله تعالى في نفوس الناس، ولذلك تجد أن الزواج لا يختص بدين من الأديان، ولا بفئة من البشر، بل كلُّ البشر، على اختلاف أجناسهم، وتفنُّن أصولهم واختلاف أديانهم يجتمعون على هذا النوع من الارتباط، وله من القدسية والمكانة والاحترام، ما ليس لغيره من العلاقات، كلُّ ذلك من آيات الله، {فطرة الله التي فطر الناس عليها}، إن صلة الرجل بالمرأة آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، وأحد البراهين الدالة على عظيم إتقان الرب، جلَّ في علاه لخلقه، وبديع صنعه في  كونه سبحانه وبحمده.

       ومن تأمل وتفكر في هذه الصلة، وهذه العلاقة وقف على ألوان كثيرة، وصنوف عديدة من الدلائل والبراهين؛ التي تصدق قول الله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} سورة الروم، الآية:21 والزوج هو القرين، هو الشفيع وهو الملاصق للشيء، لكن ذلك لا يكفي في استمرار الصلة، بل جعل الله تعالى، من أسباب استمرار الصلة وديمومتها، ما يبقي هذه العلاقة، ويحافظ عليها، ولذلك قال جلَّ وعلا: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:21 هذان هما عنصرا أي علاقه زوجية صحيحة سليمة، لا يمكن أن يُبنى بيت زوجي، وعلاقة بين رجل وامرأة، في ظل الزوجية، على وجه تتحقق به السعادة للأطراف، وتستقيم به الحياة لهذا المكون وهذه النواة، التي يتكون منها المجتمع، إلا بهذين الركنين، فمتى نقصا، نقص الخير في الأسرة، نقص الاستقرار، نقصت الطمأنينة وإذا زالا تهدم البنيان، حتى لو كان في الظاهر قائماً، فإنه سيتهدم في الحقيقة، وفى المعنى وفى الجوهر، ولو حوفظ على الصلات ظاهرياً، مآلها إلى أن تزول كشجرة قطع عنها الماء، تقوم فترة من الزمن وتقاوم عوامل التعرية، والمتغيرات  المناخية، من ريح وغيرها. لكن في النهاية، تجف أغصانها وييبس ساقها، وتجعفها أدنى ريح، يمكن أن تصادفها، هكذا هي الصلة بين الزوجين، إذا جفّ هذان الأمران المودة والرحمة.

     فما هي المودة وما هي الرحمة؟  التي عليهما ترام الحياة الزوجية.   

    المودة هي خالص الحب، المودة هي مشاعر فياضة، بالانجذاب والميل إلى الطرف الآخر. ولذلك  قال بعض أهل العلم: إن المودة خلاصة الحب، وغايته، ولهذا لا يُعاب حب الرجل لامرأته، كثير منا يستحى أن يقول: أنا أحب زوجتي، أحبُّ امرأتي، و كذلك المرأة قد تستحي أن تقول: أنا أحبُّ زوجي، وفي الرجال الحياء من هذا الأمر أكثر، لكن الواقع أنَّ الحياة المستقيمة، لا تتوانى ولا تتردَّد في الإخبار عن هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أكملُ الناس خلقاً، وأعظمُ الناس مسلكاً، في تحقيق المروءة، والسلامة من كل آفة وعيب ونقص، كان يقول صلَّى الله عليه وسلم، لما سُئل عن أحب الناس إليه؟ قال: عائشة، ثم قال في خديجة وهي أول زوجاته، صلى الله عليه وسلم: (إني رُزقت حبها)، وإن النبي صلى الله عليه وسلم، بيَّن أن حب الأزواج لزوجاتهم فطرة، ولذلك قال: (حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء)  ليس هذا دعوة إلى فتح المجال لعلاقات محرمة، أو تسويغ صلات منحرفة، إنما هذا بيان لفطرة فطر الله تعالى عليها  قلوب الرجال تجاه النساء، لابد من مراعاتها، ومعرفة المساقات و المسارات الشرعية، التي من خلالها نعبر عن هذا الحب، ويترجم هذا الحب حينما تغلق تلك الطرق وتوصد تلك الأبواب، ثق تماماً أن هذه العاطفة ستكون كالماء، ستتسرب من هنا أو من هناك، لتجد لها مسلكاً، إن لم توجد مسارات ومجارٍ لتنفيس النفوس عن هذا الشعور الفطري، فإنها ستنحرف بلا شك، إلا أن يعصم من ذلك عاصم التقوى، وقلّ أن يكون في كثير من الناس.  

    إن النبي صلى الله عليه وسلم، بيّن لنا كيف تتحقق المودة، ترجمةً عملية  في سلوكه وخلقه، صلى الله عليه وسلم، لم يكن ذلك بقول دون عمل، بل كان ذلك بالقول المشفوع بالعمل، أو المقترن بالسلوك المستقيم، الذي نقله أزواجه رضي الله عنهن، في بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، من تمام المراعاة لحقوق الزوجية، وتحقيق المودة بين الأزواج، إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعبر عن مشاعره بصدق، فيخبر بمحبة أزواجه،صلّى  الله عليه وعلى آله وسلم، وهنا نعرف مفتاحاً من مفاتيح تحقيق المودة: أن لا تكون شحيحاً في التعبير عن مشاعرك، لا بالنسبة للرجل، ولا بالنسبة للمرأة، عندما يفيض في قلبك مشاعر إيجابية تجاه أحد من الناس، فبادر إلى إخباره، وأحقُّ الناس بذلك من تصبح، وتمسي بين أيديهم، من يكونون ألصق الناس بك، فإن صحبة هؤلاء أولى بالبر والاستقامة و الإحسان، من البعداء، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) وفى رواية أبي داوود: (قال: ثم أختك وأخاك ثم أدناك وأدناك) لما سأله الرجل عن من أبر يا رسول الله، قال: (أمك وأباك ثم أختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك).

    إن التعبير عن المشاعر، ضرورة لاسيما في زمن أصبح اصطياد الناس، من خلال الكلمات المعسولة، المحبوبة للنفوس مصيدة؛ لكثير من الرجال والنساء، أنا لا أتكلم عن جانب الرجال فقط، بل حتى النساء أحياناً، في عرف اجتماعي في وضع معين، تشح بكلمات تعبر بها عن مشاعرها لزوجها، وكذلك الرجل فيكون هناك جفاف في الصلة والعلاقة، إذا جفت الصلة والعلاقة  فمهما كان الإنسان على محبةٍ في قلبه، سيجد أن هذا الجفاف مؤثرٌ في علاقته بزوجه، ولذلك الكلمة الطيبة، أو القول الحسن، هو مفتاح للتعبير عن المشاعر، والله تعالى يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}سورة البقرة، الآية:83 وهذا يتفاوت بتفاوت الناس؛ فالقريب له من  الحسن, ما ليس للبعيد, وكذلك  له من الحق للتعبير، عن المشاعر ما يستحقه، مما يديم الصلة بين الناس،  ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، لما أخبره رجل، من أصحابه فقال إني أحب فلاناً، قال: هلا أخبرته؟ قال: لا فذهب إليه فأخبره، فقال: إني أحبك في الله، فقال الرجل له: أحبك الله الذي أحببتني فيه. فالنبي صلّى  الله عليه وسلم، أمرنا ووجهنا إلى أن نبدي المشاعر الحسنة، تجاه إخواننا ، فكيف بمن هم البعداء، الذين لا تربطنا بهم صله قرابة، ولا صله غير حب شخصٍ في الله، لطاعته وإحسانه، وصلاحه، وما تراه فيه من خير، فتخبره  وإخبارك له سنه تديم الود بين المؤمنين. وتحقق معنى إنما المؤمنين اخوة، فإن ما يحقق المودة بين الزوجين، عدم البخل بالمشاعر، الإخبار بحقيقة ما تجده في نفسك، إذا كنت تحب، وإن لم تكن تحب، لا مانع أن تقول مشاعر طيبة، لا تخالف الواقع، مما يترتب عليها تقريب، وشحن هذه العلاقة، بما يكون سبباً لاستصلاحها، ودوامها واستقامتها، إنَّ من فوائد الإخبار بالمشاعر الطيبة، إضافة إلى تحقيق المودة، الإشباع العاطفي، وأنا أقول يا إخوة، و يا أخوات ،إشكالية  كبرى يعاني منها كثير من الناس، الفراغ العاطفي، تجد الرجل مع زوجته، والمرأة مع زوجها، يأكلان ويشربان، ليس عليهم قاصر، لا في مسكن لا في مشرب، ولا في ملبس،  لكن هناك أمر غائب بينهما، وهو الإشباع العاطفي، بمعنى أن المرأة تشعر بأن زوجها لا يعطيها كل ما تحتاج اليه من المشاعر، في المقابل الرجل يجد أن امرأته تهتم بملبسه، تهتم  بمشربه تهتم بمأكله، لكن لا تعطيه ما يحتاجه نفسياً، الحاجة للإشباع العاطفة أمر نفسي، لا يتعلق بالملبس والمأكل والمشرب، هو يتعلق بأن يشعر الرجل بالسكن، الذي قال فيه الله جلَّ وعلا {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} سورة الروم، الآية:21، فلا بد من السكن من الطرفين، والسكن طمأنينة، السكن انشراح، السكن كفاية، ولا يتحقق هذا  إلا ببذل كل سبب، من الأسباب  من الطرفين، في  تحقيق الإشباع العاطفي، وهذا الكلام بعض الناس يقول ما عهدناه في آبائنا،  ما سمعناه في أهلنا، غير صحيح إن نحاكم النصوص الشرعية، بما نعرفه وبما عشناه، وبما أدركنا عليه آباءنا، قد يكون هناك خطأ ناتج عن طبيعة معينة، قد يكون هناك ما جدَّ في حياة الناس، مما يستوجب أن يعيد النّاس، النظر في طريقة تعاملهم، وفي طريقة تعاطيهم  مع أهليهم، وأزواجهم وزوجاتهم لتحسين العلاقة، لاسيما أن اليوم مليء بالمصائب، التي تُختطف فيها مشاعر الناس من الرجال ومن النساء، فشبكات التواصل على سيبل المثال، وهي نموذج من النماذج، التي لا يخلو منها الإنسان في الغالب، هي من البيئة الخصبة ، التي يجد فيها بعض الناس، إشباعاً عاطفياً، من خلال علاقات محرمة، تكون ناتجة عن فراغ عند الرجل، وعدم إشباع عند المرأة في الجانب العاطفي، يسبب هذا الإشكال، وأنا أقول بالتجربة،  وكلام المختصين من الخبراء، أن 90 %من المشاكل الزوجية، ترجع إلى هذه القضية، قضية عدم الإشباع العاطفي، ولكن لما كان الأمر يصعب التعبير عنه؛ عند كثير من الرجال والنساء، وقد لا يستطيعون تشخيص المشكلة، وقد لا يستطيعون التحديد الصحيح لما يعانونه ، تذهب المشاكل في فروع وظواهر  وأعراض، وتغفل عن الجوهر والأساس، فتجد المرأة تشكو من زوجها، أنه كثير الخروج، تجد الرجل يشكو من زوجته، أنها لا تهتم به، الذي يشغلها  الذهاب والمجيء، وكثير من المشاكل التي هي في الحقيقة، أعراض وليست مشاكل أساسية.            

       واذا فتشت وجدت أن ثَمة إشكال في العلاقة الخاصة، بين الزوجين، لكن لمّا  كان الناس يستحيون، أن يترجموا وأن يفصحوا عن تلك الإشكالات، تذهب تلك التفسيرات والتبريرات، إلى  المشاكل بالأولاد بالأهل، بالوالدين، لتقصير الزوج في نفقة، وما إلى ذلك مما تعتبر مشاكل حقيقية، أو قد تكون معاناة حقيقية، لكن يمكن أن يتلافاها الزوجان، إذا أقاما بينهما المودة والرحمة، إذا قامت المودة والرحمة، استطاع الزوجان أن يختصرا كثيراً من الإشكالات، وأن يتجاوزا كثيراً من المعاناة، التي تعانيها أكثر الأسر، التي قد يظهر أنه ليس عندهم مشكلة،  وهي تعج  بأنواع من المشاكل،  وتعصف بها أنواع من الاضطرابات، التي تنعكس على الأطفال، وعلى الأسرة، وبالتالي على المجتمع ككل.

     إن من أسباب تحقيق المودة بين الزوجين، تقوى الله جلَّ وعلا، وهذا قد يقول قائل: ما صلته بتحقيق المودة بين الزوجين؟ التقوى، من أعظم ما يحقق المودة بين الزوجين.                   

    لأن تقوى الله تعالى مفتاحُ صلاح الدنيا، واستقامة الآخرة،  ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، بل الله عزَّ وجلَّ ذكر التقوى، في أول آية في سورة النساء، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء، الآية:1، ثم قال: واتقوا؛ أعاد الأمر بالتقوى، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}سورة النساء، الآية:1، ثم قال واتقوا الله لضروريته وأهميته في الآية الأولى مرتين {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } سورة النساء، الآية:1.

       إنَّ العلاقة بين الزوجين، لا يمكن أن تستقيم لوجود مراقب خارجي، شُرطي يتابع أو أب يراقب، أو أم تتابع وتنظر وتشاهد، إن العلاقة بين الزوجين تستقيم؛ بأن يستشعر كل طرف من هذه العلاقة؛ برقابة الله عليه، ولذلك ختم الله تعالى، هذه الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء، الآية:1،ورقابة الله جلَّ وعلا، تُوجب التقوى، ولذلك انظروا إلى الآيات التي ذكر الله تعالى فيها الطلاق، ما في آية ذكر الله فيها الطلاق، إلا ذكر فيها من أسمائه وصفاته، ما يوجب خوفه وخشيته ومراقبته، في شأن الصلة بين الزوجين، ولذلك يا إخوتي تقوى الله تعالى سبب لاستقامة العلاقة بين الزوجين، إذا اتقى الزوجان الله عزَّ وجلَّ، فُتحت لهم أبواب الصلاح، ولهذا النبي صلّى  الله عليه وسلم، في خطبة في صحيح الإمام مسلم، عن جابر، في خطبة الوداع، قال: (اتقوا الله في النساء فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله) يذكر أنَّ كل هذه الصلة ابتداؤها وانتهاؤها ودوامها هو في مراقبة الله عزَّ وجلَّ، فيجب أن يراقب الله جلَّ وعلا في الصلة بين الزوجين؛ لتستقيم الحال، النبي صلّى  الله عليه وسلم أكد هذا المعنى، أكده القرآن، ولذلك تقوى الله سببٌ للسعادة {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}  سورة الأعراف، الآية:96،كما أن هذا في صلاح الأمة ومجموعها، كذلك هو في صلاح الأفراد، فلو أن الناس اتقوا الله حق تقواه، لاستقامت الصلة بينهم، لا تجد معاناة، لا تجد إسرافاً، لا تجد أذى، لا تجد بغياً، لا تجد عدواناً، تجد إما إمساكاً بمعروف، أو تسريحاً بإحسان، هكذا تدور الصلة يبن الزوجين إذا اتَّقيا الله عز وجل.

    من أسباب المودة بين الزَّوجين، ذكر وصية النبي صلّى  الله عليه وسلم للنساء، وهذا الخطاب موجَّه للرجال، ابتداءً لأنهم الذين يملكون زمام المبادرة في الإصلاح، وهم الذين بيدهم حلُّ العقدِ، أو إبقاؤه، وهم الذين جعل الله لهم القوامة، على هذه الرابطة لإصلاحها، ولذلك جاءت توجيهات في أكثر الآيات إلى الرجال، فقال النبي صلّى  الله عليه وسلم: ((اتقوا الله في النساء))، وقال صلى الله عليه وسلم، في خطبته أيضا في يوم عرفة: ((واستوصوا بالنساء خيراً، فأنهنَّ عوانٍ عندكم، كلُّ ذلك لكون الرجل عليه مسؤولية زائدة عن المرأة في إصلاح الأسرة وإقامتها، والمحافظة عليها، وتحقيق الود والصلاح الحالي بين الزوجين، النبي صلّى  الله عليه وسلم، جعل خيرية الرجل، مقرونة بخيريّته لأهله، وهذا من وصيته، صلى الله عليه وسلم بالنساء، من وصيته بما يحقق المودة، أن جعل المعيار الذي يقاس به فلان، ونِعمَ فلان، فلان جيد، فلان طيب، هو بالنَّظر إلى علاقته بأهله، أنا أسالك الآن نحن في ميزان الثناء على الناس، هل يحضر في أذهاننا صلة الرجل بأهله، كمعيار من معايير تقييم الناس، ما يحضر في أكثر أذهان الناس، علاقة الرجل بأهله غائبة تماماً، عن أن تكون حاضرة، ولو بنسبة يسيره في معيار الخيرية فالمعمول به عند كثير من الناس أن معيار الخيرية بالأشياء الظاهرة مثل الصلاة، وهذه كلها معايير، لكن ليست هي المعايير الكافية، التي ينبغي أن ينظر إليها، في التقويم الإجمالي، النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً) ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً) إذا كان الرجل خلوقاً مع المرأة، حسن الصلة بها يراعيها، قد يكون محل للهزء أو التهكم أو النيل من بعض الناس بقولهم امرأته مسيطرة عليه، أو ما إلى ذلك، مما ينفّر كثيراُ من الناس، عن أن تكون العلاقة على نحو من الخيرية،  الخيرية لا تعني أن يترك الحبل على غاربه، الخيرية  لا تعني أن تهمل المرأة، الخيرية لا تعني ألا تقي أولادك وزوجك وأهلك النار، لا أبداً هذا مفهوم غلط، الخيرية معناها أن تكون لهم على أحسن ما تستطيع، من خلق ومن معاملة ومن رعاية، وصيانة وقيام بما أوجب الله تعالى عليك تجاههم، هذه هي الخيرية، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: (وخياركم خياركم  لنسائهم) إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى هذا المعيار حثّاً للرجال على بذل كل سبب  من أسباب العشرة والمودة، النبي صلّى  الله عليه وسلم، كان يتلطف مع أزواجه بكلامه وبفعاله، وبمعاملته، وبسائر ما يكون منه،  صلى الله عليه وسلم، على وجه تعجب أن يكون من رجل في درجة النبي صلى الله عليه وسلم في المهام والانشغال والوصاية، فعائشة رضي الله عنها لما سُئلت، عن النبي صلّى  الله عليه وسلم، كيف كان في بيتك؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، يعنى في أعمال البيت، من غسل، وتهيئة ما يحتاج إلى  تهيئة، ورقع ما يحتاج إلى رقع، وتنظيف ما يحتاج إلى تنظيف،  هكذا  كان سيد ولد آدم، سيدنا النبي صلّى  الله عليه وسلم، أنا أقول: من منا يحرص على أن يكون في مهنة أهله، هناك ولاشك هناك رجال أخيار، تجدهم في مهنة أهلهم، يباشرون العمل ويكونون قدوة حسنة لأهلهم، وأولادهم لكن الغالب العام، أن كثيراً من الرجال، يرى اشتغال الرجل بمثل هذه الأعمال الطبيعية  العادية، التي يقترب بها من أهله ويعايشهم ويعاشرهم،  يرى أنها منقصة، أو نوعٌ من النزول عما ينبغي، وعما يؤمل أن تكون عليه الصلة بين الرجل والمرأة.

    إن من أسباب حسن الصلة بين الزوجين، التواصي على الطاعة والعبادة، الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} سورة المائدة، الآية:2 ،ويقول جلَّ وعلا: {والمؤمنون والمؤمناتبعضُهم أولياء بعض}، فهذه في الصلة العامة بين جنس المؤمنين، وجنس المؤمنات، وفيما بين المؤمنين بعضهم مع بعض، وفيما بين المؤمنات بعضهن مع بعض، وفيما بين المؤمنين والمؤمنات، يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يعنى بعضهم يحب بعضاً، وبعضهم ينصر بعضاً، {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} التوبة: 71 ولذلك لما ذكر قال: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:21 قال: ورحمة، الرحمة ثمرة المودة، وهنا لما  ذكر الله تعالى الولاية بين الرجل والمرأة، بين المؤمنين والمؤمنات، في صورةٍ من صور الولاية بين أهل الإيمان، قال: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} فالمودة تُثمر الرحمة بين الزوجين، وتظهر صلاحَ الصلة بين الأزواج إذا اتقوا الله تعالى، وحققوا أمر الله عزَّ وجلَّ، إن النبي صلّى  الله عليه وسلم، ساوى بين الرجل والمرأة في التواصي بالبر، والتواصي على الخير،  وإليك هذا الحديث، الذي رواه أصحاب السنن، من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه  يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها)) النَّضح هو الرش اليسير، النضح الرش اليسير، الذي يحصل به التنبيه،  ورحم الله، هذا بالنسبة للرجل، (ورحم الله امرأة، قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) هذا تعاون على البر والتقوى، وهذه الرحمة هي من ثمار المودة، وهي ما يوطد الصلة بين الزوجين، الآن بعض الأزواج توقظه امرأته للفرض الواجب، في صلاه الفجر، أو في غيرها من الصلوات، يقول ما عليك مني، فارقي، ترى إن فعلتِ أو أمرتِ، أو أيقظتني، أو أزعجتني، طالق، أو ما أشبه ذلك. كيف تستقيم المودة بين الزوجين على هذا النحو؟ إنَّ كلَّ نقص في صلة العبد بربه ، لابد أن ينعكس على صلته بأهله وبمن حوله، ولهذا كان السلف يرون ثمار معاصيهم، في علاقاتهم بزوجاتهم، وفي علاقاتهم العامة، فيما يجري عليهم من حياة، حتى إن أحدهم يقول؛ إني لأرى أثر معصيتي، في عثرة دابتي وسوء خلق زوجتي، إذاً التقوى وتحقيق العبودية، والتعاون على البر والتقوى، الاجتماع على الخير، هو مما يُصلح الصلة بين الناس، ومتى ما حصل معصية، واجتمع الناس على معصية، فإنَّ الله تعالى يوقع بينهم من البغضاء، والسوء والنَّكد والشر، ما يُفرق جمعهم، ولكن هذا قد يتأخر في الدنيا، لكنه يظهر جلياً في الآخرة، يقول الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}سورة الزخرف، الآية 67،  الأخلاء هم الذين كانت بينهم وشائج الحب، والخلة والمودة بعضهم لبعض عدو، هذا في يوم القيامة، إلا المتقين، إذاً التقوى سبب دوام المودة، التقوى سبب استمرار صلاح الحال بين الناس، فكلما ازدادت العلاقة  تحقيقاً للتقوى، كانت سبباً لدوام الصلة بين الأزواج وصلاحها.

    إن مما ينبغي أن يعرفه الرجال، أن من أسباب المودة -وأيضاً النساء- أن يدرك كل واحد من الطرفين طبيعة الآخر، لكن الرجل ينبغي له أن يعتني بهذا الجانب، لأن النبي صلّى  الله عليه وسلم أبرزه في صلة الرجل بامرأته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((استوصوا بالنساء))، ثم قال: ((فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه))الضلع هو الضلع كالأضلاع التي في الصدر، خُلقت من ضلع آدم عليه السلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه))، ثم ذكر كيف تعامل الناس مع الضلع، إذا أردت أن تقيمه، فلابد لك أن تكسره  ما يمكن، أن يستقيم ضلع إلا بالكسر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) شوف ابتدأ بالوصية بالنساء، وختم بالوصية بالنساء، ونبه إلى طبيعة المرأة، أن ما يجده الرجل، من تغير في حال المرأة، من نقص في حال المرأة، هو بطبيعتها، فالآن حينما يتكلم الناس عن المرأة، بقولهم: المرأة خلقت من ضلع أعوج، فعلى أي أساس يذكرون هذا الكلام، التنقص بالمرأة، الهُزء بها من منطلق استنقاصها، فتجد الرجل يقول: ناقصات عقل ودين، هذا كلام حق جاء في سياق باطل، النبي لم يذكر هذا لتنقص المرأة مطلقاً، حاشاه أن يتنقص أحداً من الخلق، إنما ذكر ذلك في سياق الاعتذار للمرأة، عمَّا يكون من قصور، أو نقص، فشتان بين من يقول هذا الكلام، ويستحضره لأجل أن يتنقص المرأة، هذا جاء بخلاف مقصود النبي صلّى  الله عليه وسلم، هذا من وضع الكلم، وتحريف الكلم في غير موضعه، أما ذاك الذي يقول هذا الكلام ليذكر بضرورة، رعاية المرأة والصبر عليها، ومراعاة ما جبلت عليه، فذلك موافق للمقصود النبوي فتأمل قوله (استوصوا بالنساء، فان المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، ثم قال واستوصوا  بالنساء) كل هذا التأكيد للمعنى الذي أراده صلّى  الله عليه وسلم، من هذا التوصيف للمرأة، ولذلك من الضرورات، التي يجب أن يعيها الرجال، إن حق القوامة الذي جعله الله لهم، هو في حسن إدارة هذه الرابطة، في حسن إدارة هذه الصلة، لتُحفظ من الخلل، أو ما يكون سبباً  لانفصامها، وعدم قيامها، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم، حرّج الرجال في حق المرأة، فقال (اللهم إني أحرج حق الضعيفين، اليتيم والمرأة) والتحريج هو إلحاق الإثم والتذكير بخطورة ما يقع فيه الإنسان، من ضيق إذا أضاع هذا الحق،  فإن الله عزَّ وجلَّ ذكر بالميثاق، وهذا من دواعي إقامة الود بين الزوجين، أن يتذكر كل واحد منهما، أن هذا الميثاق الذي بينهما، ميثاقٌ غليظ، وقال تعالى:{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}سورة النساء، الآية:21، وهو ما أمر الله تعالى به من العشرة بالمعروف، ولذا يجب على الرجل والمرأة، أن يُراعيا هذا الميثاق، وأن يحفظاه بإقامة الحقوق التي بها تصلح الأحوال بين الزوجين، وقد قال النبي صلّى  الله عليه وسلم، (واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله).

    إن مما يقيم الود بين الناس عموماً، وبين الأزواج على وجه الخصوص، أن تبنى العلاقة بين الزوجين، على التسامح، على التغافل، على التصافح، على العفو، على التنازل عن الحقوق، التي يمكن أن تكون سبباً لتجاوز العثرة، وتجاوز المشكلة، وذاك به تستقيم الصلات، وقد ذكر النبي صلّى  الله عليه وسلم،  بعدم حث النظر على السلبيات واستحضار معنى، وهذا أيضا يمكن أن يجعله سبباً، من أسباب حصول المودة بين الزوجين، أن يتذكر كل واحد منهما، الإيجابيات في الشخص الآخر، ولذلك قال صلّى  الله عليه وسلم، فيما رواه موسى، في حديث أبي هريرة، (لا يفرك مؤمن مؤمنة) أي لا يكره الرجل المرأة، ولا المؤمن المؤمنة، لا يكره الرجل المؤمنة، ولا تكره المؤمنة زوجها المؤمن إن كره منها خلقا رضي منها آخر، وهذا التوازن في الصلات،  لا يوجد إنسان كامل كل ابن آدم خطاء، ولابد من نقص في السلوك والمعاملة، لاسيما الشيء الدائم، وعلى قول العوام: الدائم شديد صعب، دوام الصلة بين الزوجين يقتضي نوعاً من وجود الهفوات، وعدم التحفظ أحياناً، مرور بظروف قد يخرج بها الإنسان عن حال الاستقامة، هنا يقال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)  أي: لا يكره مؤمن مؤمنة، أي إن كره منها خلقاً، رضي آخر، بناء العلاقات على بذل الحقوق، مما يعين على استقامة الحال بين الزوجين، إذا بنيت علاقتي مع زوجتي، وبنت زوجتي علاقتها معي، على المطالبة بالحقوق حصل التَّشاحُّ، والإنسان بطبيعته يغلب عليه الشح، لكن إذا بُنيت العلاقة على الإحسان، وما الذي يجب عليّ؟ أن أنظر إلى ما الذي يجب عليّ، قبل أن أنظر ما الذي يجب لي، عند ذلك تصلح العلاقة، ولهذا لما ذكر الله تعالى حق المرأة، لم يبدأ بذكر الحق الذي للرجل، إنما بدأ بذكر الحق الذي عليه، فقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} سورة البقرة، الآية:288، وهذا تذكير للرجل، لأن الرجل له أثر بالغ في إقامة المقصود من الزواج، وإصلاح الحال بين الزوجين، قال: {ولهنَّ} بدأ بالحق الذي يجب للطرف الآخر، قبل الحق الذي يجب لك، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}   سورة البقرة، الآية:288، وقد كان سلفنا الصالح على وعيٍ بهذا الأمر، حتى فيما يتعلق بقضايا العناية بالمظهر والشكل، يقول ابن عباس، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن: ((إني لأتزين لامرأتي، كما تتزين لي، وما أحب أن أستوفي كل حقي الذي عليها لي، فتستوفي كل حقها الذي لها عليَّ))،  هكذا تُبنى العلاقات، على التغاضي والتسامح، وعلى أن أبادر بما يجب عليّ، يعني أنا أسأل: لو نظرنا إلى وضع التجمل في الرجال، بالنسبة للنساء، قلَّ من يعتنى بهذا الجانب لزوجته، إنما يتجمل ليتواصل، إذا جاء يطلع، إذا جاء يلتقي بأصحابه ، إذا جاء.. كل هذا طبيعي، لكن هي تستحق أن تعتني بنفسك، كما هي تعتني لك، لاسيما في زمنٍ الصورة أصبحت متاحة، وتظهر خلاف الواقع، لا بالنسبة للرجل، ولا بالنسبة للمرأة، بمعنى أنه المرأة تشاهد من صور في التلفاز، وفى وسائل الاتصال، ما يمكن أن يكون فتنة لها، فترى بهاءً وجمالاً وحسناً، في حين ترى نوعاً من التفريط، نوعاً من القبح بل عدم الاهتمام، بل الدمامة أحيانا، بل الطمالة أحياناً في الرجل، بسبب أنه يقول إنها زوجتي لماذا أتجمل لها، ويبلغنا من القصص وشكوى بعض النساء، في أمور يستحي الإنسان أن يتكلم بها، ولذلك من الضروري أن يعي الرجل، أن للمرأة من الحقوق، كما للرجل عليها، وأن يعتني بالحق الذي عليه، كما يعتني بالحق الذي له، بل يقدم الحق الذي لها أكثر من الحق الذي له، هذه جملة من القضايا أو الوقفات، الوقت ضاق، وكان بودي أن أستعرض بعض القصص، في سير الصالحين، ابتداءً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسير أصحابه في معاملاتهم لأزواجهم، لعلَّ ذلك يكون في لقاء آخر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد!

    التفاصيل
    0
    1312
  • محاضرة تعوذوا بالله من الفتن
  • الحمد لله رب العالمين أحمده حق حمده لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسانه إلى يوم الدين. أما بعد:-  فأعوذ بالله من الفتن، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يقبضنا إليه غير مفتونين. (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في طائفة من أصحابه في مسير معتاد، فجالت به راحلته أثناء السير حتى كاد أن يسقط من راحلته، ثم دار بعض القبور فقال: قبور من؟ أفي الإسلام أم في الشرك ماتوا؟ فأخبر عنهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تعوذوا بالله من الفتن، فقالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال). Å  هذا الأمر النبوي المتكرر لأصحابه وهم في دار هجرته في المدينة حيث أمنوا على أنفسهم ودينهم يُشعر بخطورة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن يتعوذوا بالله منه، فإن استعاذة المؤمن من شيئ لا تكون إلا من مرهوب، لا تكون الاستعاذة إلا من مَخُوف، لا تكون الاستعاذة إلا من شيئ يخاف؛ لأنها طلب الحماية، لمَّا تقول: أعوذ بالله أي اعتصم بالله، احتمي بالله، التجئ إلى الله، اطلب العون والوقاية من الله، وهذا لا يكون في الغالب إلا فيما لا حيلة للإنسان في دفعه، فإن الإنسان يسعى إلى توقي الأضرار والسلامة من الشرور والآفات، قد يوفق إلى ذلك، لكنه عندما يعتصم بالله عز وجل؛ ينال من الوقاية من الأضرار والشرور مالا يدرك بجهده وقوته وعمله، فإن ما يدفعه الله تعالى عن العبد بإيمانه وتقواه أعظم مما يدفعه بحوله وقوته، لا حول ولا قوة إلا بالله. الفتنأيها الإخوة شيئ يصرف الإنسان عن الحق إلى الضلال، شيئ يُنقص دين الإنسان، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من الفتن، فقال: تعوذوا بالله من الفتن، وقد يقول قائل: إن الناس كلهم مفتونون، نعم قال تعالى: {الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{. فما من أحد إلا وهو جار عليه فتنة، فليس منا إلا وهومختبر، إلا وهو ممتحن، إلا وهو مبتلى، فمادة الحياة وموضوعها هو البلاء  }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور{. }وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً{.  فما من أحد إلا وهو في ابتلاء واختبار وامتحان وفتنة، لكنَّ هذا الذي قضى الله تعالى سَنَن الكون عليه، وأجرى عليه حال الناس؛ ليس هو المطلوب في قوله تعوذوا بالله من الفتن؛ يعني لما نقول: نعوذ بالله من الفتن فنحن لا نسأل الله عز وجل أن لايختبرنا فما منا إلا وهو مختبر، لكننا نسأل الله عز وجل أن يقينا الصوارف التي تصرفنا عن الحق ؛ نسأل الله عز وجل لمَّا نقول: نعوذ بالله من الفتن أن لا نسقط فيما نختبر به سواء كان اختبارا خاصاً أوعاماً ، ومن هنا نصل لمعنى الفتنة.  فما معنى الفتن وما معنى الفتنة التي ترد في كلام الله، وفي كلام رسوله، وفي كلام أهل العلم؟ الفتنة: هي الاختبار، وقد جرت على كل إنسان، فما من إنسان إلا وهو مختبر، وكلنا سنُفتن ونخُتبر في معاشنا وفي مماتنا، ولذلك نحن نتعوذ بالله من فتنة المحيا ومن فتنة الممات، ليس التعوذ هنا بأن لا نختبر؛ إنما التعوذ أن لا نسقط في الاختبار، هذا أمر لابد أن يتضح، لأن بعض الناس يقول كيف نستعيذ بالله من الفتن ونحن مختبرون.. على كل حال، فما منا إلا مختبر، كل لحظة في حياة الإنسان هي اختبار له، كل موقف هو اختبارله، إما أن يوفَّق إلى هدى وينجح، وإما أن يخذل فلا يوفق إلى ما يجب عليه في ذلك الموقف فيُفتن.  إذا الفتنةتطلق على الاختبار وهذا لا سلامة لأحد منه، فموضوع الحياة هو الابتلاء والاختبار، لكن الفتنة تطلق أيضا ويراد بها نتيجة الاختبار، وهو إما السقوط في تلك الاختبارات، أو عدم التجاوز لما امتُحن فيه الإنسان، وهذا هو الذي يستعيذمنه المؤمن عندما يقول: نعوذ بالله من الفتن، وهذا هو الذي يستعيذ منه المؤمن حين يقول في صلاته أعوذ بالله من فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، فتنة المسيح الدجال إذا خرج لن تستثني أحدا، فكل أحد يبتلى به إلا من يعصمه الله عز وجل، وابتلاء الناس به نتيجته إما سلامة ووقاية ونجاة، وإما خذلان و انصياع واتباع لفتنته وشره.   لذلك  لنفهم عندما نقول: نعوذ بالله من الفتن ما الذي نستعيذ بالله منه؟  إننا نستعيذ بالله عز وجل -أيها الأحباب أيها الإخوة- نستعيذ بالله من السقوط في الفتنة، من الفشل، من أن يكلنا الله تعالى إلى أنفسنا، من أن لا نوفق إلى ما يحب الله تعالى ويرضى في تلك الاختبارات. إن النبي صلى الله عليه وسلم نصح الأمة نصحاً بيناً ظاهرًا في كل ما يخشاه عليها، ومما كان يؤكد عليه صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من الفتن كما تقدم في حديث زيد بن أرقم في القصة التي ذكرت في مسير النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم الاستعاذة بالله من الفتن كما يعلمهم السورة من القرآن.  ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في زمن كان بين أصحابه، وكان عصمة  لأصحابه رضي الله عنهم، فإن الله تعالى قال: {وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚوَمَا كَانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. وقد مضى صلى الله عليه وسلم، وبقيت الأمة بعده، فالعصمة بعده في التزام هديه والسير على طريقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن الفتنةفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن واسعة وعريضة رغم كل الشدائد التي مرت بالصحابة في أول المبعث، لكن ما يأتي من الفتن بعد ذلك شيئ عظيم مهول، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يحدث الأمة ويخبرها بحالها، قال صلى الله عليه وسلم: }إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة  فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه{.  أي جعل سلامتها ووقاية الشرور فيها في أولها.  هذه هذه:أي هذه التي سيدركه الهلاك بها. إن أمر الفتنة أمر عظيم، استشفه العلماء واستفادوه من كتاب الله تعالى ومن سُنًّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يخلو كتاب من كتب السُنًّة إلا وفيه باب أو كتاب مستقل عن الفتن وعن ما يتعلق بها وطريق الوقاية منها والسلامة.  إن الفتنةأيها الإخوة لا تُصيب الناس خط عشواء، بل لها أسباب ولها مقدمات، متى ما جاءت هذه الأسباب أدرك الإنسان من الفتنة ما يدركه، ذاك أن الفتن يختبر فيها الناس ليرى إيمانهم، ليرى ما معهم من الصدق، ليرى ما ما معهم من الإقبال على الله والصبر على دينه، ولذلك السعيد من جُنِّب الفتن، أي وُقي شرها، كما قال صلى الله عليه وسلم:  "إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ,وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ" ولذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم- يستشعرون الفتنة ويبادرون إلى المعالجة.  وإليك هذا النموذج في قصة أبي طلحة -رضي الله عنه- ( فإن أبا طلحة كان له بستان قبال مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من أطيب بساتين المدينة ماءً، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل فيشرب منه، صلى أبو طلحة يوما في بستانه، فطار دِبْسِيّ ( طائر صغير) فأعجبه وهو في صلاته فطفق أبو طلحة يتبع الطائر وهو يصلي يتنقل الطائر بين نخيل بستانه وأشجاره، حتى رجع إلى صلاته فلم يدرِ كم صلى، أصلى ركعة أم ركعتين أم ثلاث، فقال مباشرة لقد أصابتني في مالي هذه الفتنة، هذا الطائر الذي أعجبه يتنقل بين مزرعته، أشجار ونخيل بستانه، عده فتنة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال: يارسول الله أصابتني في حائطي من الفتنة ما أصابني، ثم قال يارسول الله: هو صدقة لله فضعه حيث شئت).، تصدق بالبستان لأنه أشغله عن صلاته بتتبع طائر تنقل بين أغصانه وأشجاره. هذا الحس المرهف، هذا الاستشعار الدقيق، هذه المبادرة لمعالجة الفتنة من أوائل ظهور علائمها هي من توفيق الله عز وجل للعبد، فهذا الصحابي الكريم -رضي الله عنه- أشغله هذا النظر، وهذا الإعجاب بسعة مزرعته وتنقل الطير فيها حتى وقع في نفسه ما وقع، فانصرف عن صلاته فرأى أنه لا خروج له من هذه الفتنة إلا أن يتخلص مما فتنه وصرفه عن لقاء ربه- الله أكبر- .. ما أطيب تلك القلوب، إنها قلوب حية، قلوب ترجو ما عند الله عز وجل، قلوب نفذت ببصائرها إلى الدار الآخرة، فكان غاية مناها بلوغ ما عند الله عز وجل، فمهما خسروا قبل ذلك، ومهما تخلوا قبل ذلك، فهم فيه رابحون (-ربح البيع يا صهيب- بخٍ بخٍ )كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ذاك نظر لا يكون إلا لمن صدق إيمانه باليوم الآخر، فإنه من صدق إيمانه باليوم الآخر هانت عليه الدنيا كلها لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى. الفتن أيها الإخوةأول ما تعلق- تعلق بالقلوب، فإذا كانت القلوب سليمة صحيحة راشدة نقية طاهرة  طيبة سلمت من الفتن، وكانت كحال أبي طلحة في فتنته ومعالجة انصرافه، وإذا كانت القلوب غافلة مريضة أو حتى ميتة تمكنت منها الفتنة فزادتها هلاكا وفسادا، ولهذا محور النجاح، مفتاح النجاح في الفتن هو ما في صدرك، ما بين جنبيك من قلب، أصالح هو فأبشر بالنجاة، أم فاسد هو فتدارك نفسك قبل الهلاك، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث حذيفة: " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت له نكتة بيضاء ، حتى يصير على قلبين : أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " ماذكر النبي صلى الله عليه وسلم عضوا آخر، ما ذكر سمع ولا بصر ولا بدن، إنما ذكر أول ماذكر المحور، المركز الذي تعرض عليه الفتن، فمتى كان مقدم الجيش قويا انصدت الفتنة وانخذلت، ومتى كان ضعيفا إذا أسر القلب أسر البدن، ولذلك يجب على المؤمن في مقابلة كل فتنة عامة أو خاصة، أن ينظر إلى قلبه، فإن كنت ذا قلب سليم فأبشر فالنجاة تلوح في الأفق، وإن كنت ذال قلب مريض أو قلب ميت فتدارك نفسك قبل أن تزداد هلاكا و موتا، فإن القلوب هي مراكب النجاة زمن الفتنة، هي المركب الذي يركبه الإنسان، أشبه ما يكون بالسفينة التي يخرق بها الإنسان عُبَاب أمواج الفتن المتلاطمة، فإذا كانت قوية متينة محكمة صالحة نجى، وإلا هلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، ثم ذكر انقسام القلوب في هذه الاختبارات، الفتن هنا هي الاختبارات والنتيجة واحدة من اثنين، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب ردها واستفاق من خطرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب مع توالي هذا الاختبار إلى قلبين على أسود مربادا كالكوز مجخيا أي كالكوب مقلوبا لو صببت فيه من اليوم إلى غد ماء لم يدخله شيئ، بمعنى أنه يختم عليه ويطبع، ولا ينتفع بشئ من الذكر ولا من الهدى ولا من الوحي، فالماء يشبه الوحي في حياة القلوب، بل هو كالماء في حياة الأبدان، أتحيا الأبدان بلا ماء؟ لا . كذلك القلوب لا تحيا بلا هدى، وإن كان الكوب مقلوب فإنه لن يدخله ماء، كذا القلب إذا كان منكوسا فإنه لن يقبل هدى، ولن ينتفع من وعظ، ولن يجري فيه خير، هذا هو القلب الأول الذي أشرب الفتن، لا يلزم هذا أن يكون من أول اختبار، إنما هذا من اختبارات متوالية متعاقبة يتلو بعضها بعضا، نهاية تلك الاختبارات هو أن يكون القلب على هذه الحال، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، أما القسم الثاني على أبيض مثل الصفا، أبيض مثل الصفا هذا لون وقوة، مثل الصفا مثل الحصاة في قوتها وردها للواردات وصدها للفتن القادمة عليها، لا تضره فتنة، هكذا تكون القلوب بعد عرض الفتن عليها، فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي في تواليها تشكل حال القلب من الاستقامة والانحراف. Å  إن الفتن ألوان وأشكال، وما يفتن زيدا قد لا يفتن عبيدا، وما يفشل فيه فلان قد لا يفشل فيه آخر، ولذلك ليست الفتنة واحدة في حال الناس كلهم بل مختلفة، فمن الناس من فتنته المال، ومنهم من فتنته النساء، ومنهم من فتنته الجاه، ومنهم من فتنته المناصب، ومنهم من فتنته الولد، ومنهم من فتنته العقار، ومنهم من فتنته الأسهم، أشكال وألوان في صور الفتن ونماذجها، فمن سلم من فتنة  قد لا يسلم من الأخرى، لذلك ينبغي أن يعرف أن الفتن لا تنحصر في لون واحد، في الجملة هي نوعان: o     فتن شبهات o     فتن شهوات لو أردنا الحصر الإجمالي للفتن وصنوفها وأنواعها وجدناها تندرج تحت مظلتين، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، والفرق بينهما: ·    أن فتن الشبهات تتعلق بالعلم والمعرفة. ·    وأما فتن الشهوات تتعلق بالإرادة والقصد والرغبة.  كلاهما خطر على القلب، كلاهما مفسد للقلب إذا استسلم له الإنسان وبُلِي به، لكن فتن الشبهات أعظم خطرا وأشد إفسادا للقلب من فتن الشهوات، وكلاهما من أسباب هلاك القلب وفساده، يجب وقاية القلوب من هذا وذاك، اليوم حياة الناس مليئة بالنوعين من الفتن، فتن الشبهات بالأفكار المنحرفة، والآراء الصادة عن دين الله عز وجل من التشكيك والتشبيه والمعارضة لشرع الله تعالى والطعن في أحام الشريعة، والنيل من أولياء الله عز وجل، والاستهزاء بالصالحين، وما أِشبه ذلك من قائمة طويلة تتعلق بالشبهات، أما القسم الثاني من الفتن التي مُلئت بها حياة الناس اليوم، فتن الشهوات بشتى صورها، إن كان في مال، إن كان في نساء، إن كان في انحرافات عملية وسلوكية، كل ذلك مندرج تحت فتن الشهوات وهما مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم" تعوذوا بالله من الفتن" قولوا يا إخواني نعوذ بالله من الفتن فإنه لا نجاة الله لكم إن لم يعصمكم الله ويحميكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إن الوقوع في الفتنة ليس خطا عشوائيا، الوقوع في الفتنة له أسباب، لا يفتن الإنسان ويقع في فساد القلب وفساد العمل دون سبب، بل لابد من أسباب، خلق الله تعالى الخلق على الفطرة وهي محبة العبادة والإقابل عليها، قال صلى الله عليه وسلم : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فكل إنسان مجبول على محبة الله في أصل الخلقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من  حديث عياض بن حمار" خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين" حنفاء: أي على الجادة مائلين عن الشرك، عن الفساد عن الانحرف،  فاجتالتهم الشياطين: أي صرفتهم، أخذتهم يمينا وشمالا، أخرجتهم عن الصراط المستقيم، أي صرفتهم عن طريق الهدى إلى أنواع الانحرافات وسبل الغواية والضلال، خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين: أفادنا هذا أن الأصل في الناس الاستقامة، أن الأصل في الخلق الهداية، ثم الناس بعد ذلك ينشأون على أنواع من الصوارف تصرفهم عن طريق الاستقامة. Å  أعظم أسباب الانصراف عن الهدى:  قبول القلب للفساد:فإن القلب إذا كان مستعدا للفساد متهيئا لقبوله انصرف عن الحق والهدى، ولذك في حديث حذيفة الذي ذكرته قبل قليل في عرض الفتن على القلوب قال صلى الله عليه وسلم: "فأي قلب أشربها" أشربها تصور هذا المنديل إذا أحضرنا له هذا الماء ووضع فيه تبلل وشرب الماء، هكذا يكون القلب مع الفتنة، يشربها يتشرب، يسحب كل الماء على قدر حجم القلب على قدر حجم الاسفنجة أو المادة التي تتشرب الماء يجتمع فيه الماء، كذلك القلوب في الفتن إذا كانت متهيأة ليست متحصنة بالله عز وجل أشربت الفتن كما شرب هذا المنديل الماء، وتخلل جميع أجزاء القلب، أي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، هذه النكتة هي غلاف على القلب يتبعه آخر، يتبعه آخر، حتى يصبح القلب مغلفا بطبقة السواد التي تحيط به نتيجة المعاصي والسيئات، إذا الفتن لا تصيب القلوب بالفساد إلا إذا كانت القلوب متهيئة، إلا إذا كان في القلوب إقبال واستعداد لتشرب تلك الفتن، أما القلوب الحية فإنها ترد الفتنة، ولذلك أيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها ردها بصلابته وقوته نكتت فيه نكتة بيضاء، إذا الفتن لابد في عرضها على القلوب أن تترك أثرا، إما أثرا سيئا رديئا بأن يشربها القلب وتترك فيه نكتة سوداء، أو الأثر الآخر أثرا طيبا بما يكون في القلب من أثر طاعة الله عز وجل، لذة الإيمان التي تنعكس على القلب بياضا ونصاعة، هذا هو السبب الأول من أسباب الوقوع في الفتنة، استعداد القلوب.   الاستشراف لها: التعرض للفتنة، هنا سواء كانت فتنة خاصة أو فتنة عامة، فالذي مثلا يدخل إلى المواقع الإباحية يقول أرى هذا عرض نفسه للفتن، الذي يذهب لأماكن الشر والفساد العملي هذا عرض نفسه للفتنة، الذي يقرأ الكتب المنحرفة التي فيها الأفكار المعارضة للشريعة والمكذبة للدين هذا عرض نفسه للفتنة، هذه كلها أنواع من الاستشراف، واليوم يقال خلي الناس يطَّلعون دعهم يرون، دعهم يدرون، حسنا لا بأس أن يقرؤوا وأن يطلعوا لكن إذا كانوا ذوي قدرة وبصر، أما أن تدخل من لا يحسن السباحة في موج متلاطم وتقول له اسبح ودعه يتعلم السباحة، أنت تحكم عليه بالغرق، ليس صحيحا أن يفتح الباب للناس وأن يقال هيا ادخلوا خذوا ماشئتم أنتم الآن بلغتم عقلا ورشد تستطيعون أن تأخذوا النافع من الضار، هذه فرضية ليست صحيحة، هي تماما لو ذهبنا جميعا الآن منا من يعرف السباحة ومنا من لا يعرف السباحة، وذهبنا للبحر وركبنا السفينة فلما توسطنا قلنا الجميع يلقي بنفسه في البحر، من يعرف ومن لا يعرف السباحة، من لا يعرف السباحة يتعلم، ومن يعرف السباحة فالحمد لله سيقي نفسه، هل هذا من الحكمة في شيئ؟ هل هذا رشد؟ أليس هذا إلقاء بالنفس إلى التهلكة؟ كل أحد يقول نعم هذا إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لكن في موضوع الديانة أن نفتح للناس كل أبواب الفساد، وكل أبواب الشر، سواء كان الشر العملي السلوك الأخلاقي، أو الشر الفكري العقدي نقول لا هم يميزون ويعرفون دعهم يرون حتى يعرفون الخير من الشر، غير صحيح فتح أبواب الشر للناس بدعوى قدرتهم على التمييز، نحن في هذه الحال كمن أشعل النار في قش وتركه وقال سينطفئ من نفسه، أو سيتوقى الناس شره بكل سبيل من سبل التوقي، من الغلط أن تعرض نفسك للهلاك، عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسند أخبر عنه أنه كان في يده قطعة من التوراة، والتوراة من أشرف كتب الله عز وجل بعد القرآن، لم يأت ذكر كتاب في القرآم مثل ما جاء التوراة، ولذلك هو أعظم كتاب أنزله الله على رسول بعد القرآن، إلا أنه كتاب جرى فيه من التحريف والتعديل والتبديل والتغيير ماجرى مما أصبح لا يعرف فيه الحق من الباطل، رآه النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده قطعة من بالتوراة فقال صلى الله عليه وسلم : أمتهوكون فيها يابن الخطاب؟" أثقل الناس إيمانا بعد النبي في الأمة وبعد أبي بكر، عمر رضي الله عنه، ومع ذلك أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم مطالعته لهذه الكتب لما فيها من الانصراف عن الهدى الخالص، ولما فيها من التعريض للنفس بضلالات وانحرافات الإنسان فيها غني، ينبغي للمؤمن أن يبعد نفسه عن الفتن، سواء كانت فتن شهوات أو فتن الشبهات، ولذلك كان من علامات الآخرة ودلائل قرب الساعة أن يفر المؤمن بدينه من الفتن،  لما تكثر يطلب مفرا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أعظم فتنة في الدجال قال: " فمن سمع به فلينأ عنه" أي يبعد عنه فلا يقول آت وأريك أحاجه وأقيم عليه وأبطل قوله، فإن الرجل يأتيه وهو مؤمن ولايزال يبعث فيه من الشبهات حتى يتبعه، وهذا فيه الخوف على الإيمان، لذلك لا تعجب حين يأتي خبر عن سعيد بن المسيب حين يأتيه رجل يقول أقرأ عليك آية من أهل البدع فيقول ولا آية، حتى القرآن لا يسمعه منهم فلا يسمع القرآن من المبتدع خشية أن يكون في ذلك ضرر أو ضلال، ويأتي آخر لمالك بن أنس -رضي الله عنه- يقول: أريد أن أناظرك، قال: اذهب فابحث عن دينك فإني قد هديت، ويمتنع عن مناظرته، كل هذا لأجل النأي بالنفس عن الفتن. الآن نحن حصيلتنا ضحلة في غالب أمور الشريعة هذا هو المستوى العام، وتجد الواحد منا يقلب في القنوات مناظرة رافضي مع سني، ونصراني مع مسلم، ويقلب في الدنيا يقول أرى وأعرف، لا بأس إن كنت على حصيلة جيدة ومعرفة بالصواب من الخطأ وقواعد أن تعرف، لكن عندما تقدم وتدخل هذا البحر دون أن يكون عندك معرفة، ولا بصيرة ولا قواعد متينة تبني عليها أنت تعرض نفسك للهلاك. Å  أضرب مثالا كلنا يتفق عليه:الآن هل يدخل أحدنا الحجر الصحي الذي يحجر فيه على المرضى مرضا معديا ويقول ما يضر أن أدخل وأرى المرضى وأخالطهم مع أنهم محجورين صحيا ؟ لا.  فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " فر من المجذوم فرارك من الأسد" وهو مرض عضوي، إذا ابتلي به الانسان فصبر كان له من الأجر عند الله ما يكتبه للصابرين، الأمراض الإيمانية القلبية أعظم خطراً ولذلك كان الوقاية منها أكبر وأوجب وألزم لمن يحافظ على دينه وإيمانه، ولهذا جاء التحذير في كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرض للفتن قَالَ: "سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ"  مراتب التورط في الفتنة ( قعود - قيام – مشي – سعي) كلما كنت أبعد عن الفتنة كنت أسلم في دينك وكنت أقرب إلى الخير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر مراتب الناس : من تشرف له تستشرفه، أي من تعرض لها تستذله وتأخذ بقلبه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " فمن وجد منها ملجأً أو معاذا فليعذ به" ، وبهذا يصون الإنسان نفسه من الفتنة. الغفلة عن أسباب الهداية: فإنه من غفل عن أسباب الهداية كان ذلك موقعا له في الفتن، فالذي يقصر في أساب الهداية من الأذكار، قراءة القرآن، الصلاة، سائر الواجبات الشرعية، كل ذلك يجعل الإنسان ضعيف القلب، وإذا ضعف القلب تعرض للفتن وتوالت عليه أنواع الصوارف التي تصرفه عن الحق، لذلك كان من الضروري للمؤمن أن يأخذ بأساب الهداية وأن يستكثر من أصحاب الصلاح، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث معقل بن يسار: " العبادة في الهرج كهجرة إلي" يعني العبادة في زمن الفتنة كهجرة إليّ، يعني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اشتغل الإنسان بالعبادة زمن الفتن وكثر الفساد في الناس هو في الأجر كما لو هاجر إليه صلى الله عليه وسلم زمن الهجرة المشروعة هذا في الأجر، وهو في الصيانة والأمان على دينه كما لو هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبادة زمن الفتن والشرور ويقصد العبادة بمفهومها العام عبادة القلب.  وعبادة البدن: الاشتغال بالواجبات والاشتغال بالمستحبات والإقبال على الله تعالى وكثرة الدعاء وكثرة الذكر كلها مثبتات القلوب، إذا اشتغل بها الإنسان توقى شر الفتن وحُفِظ منها وصان الله  تعالى قلبه من الضلال، وإن ما ذكرته قبل قليل هو مجمل ما ترجع إليه أسباب الفتنة، فأسباب الفتنة إما أن تكون استعداد القلب، إما أن تكون الاستشراف،إما أن تكون للتقصير في أسباب الهداية، فإن التقصير في أسباب الهداية توقع في الانحراف والضلال. Å  أسباب الوقاية من الفتن: اللجوء إلى الله:وصدق الإقبال عليه والتضرع بين يديه، ولذلك كان الدعاء بالسلامة من الفتنة كثير في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يعلم أصحابه الدعاء الذي يسألون الله تعالى فيه الوقاية من الفتن كما يعلمهم السورة من القرآن، هذا يظهر لنا أهمية هذا الدعاء وضرورة الناس إليه وأن الناس في حاجة ماسة إلى  أن يسألوا لله تعالى أن يصونهم وأن يحفظهم وأن يقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. الإنابة إلى الله عز وجل:فالإنابة إلى الله عز وجل بكثرة التوبة وكثرة الاستغفار تكسب القلب قوة وتكسبه صلاحا واستقامة وبذلك يتوقى الفتن. المبادرة للأعمال الصالحة:  لذلك جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم"  أي الأعمال الصالحة، كقطع الليل البهيم الذي لا يرى فيه شيئ لأنه مظلم وبهيم شديد الظلمة فلا يرى الإنسان فيه شيئا، الذي يعينه على الرؤية في هذاالظرف هو صلاح عمله، فانظر إلى عملك وصلتك بالله عز وجل، بادر إلى الصلاح والاستقامة، حافظ على الصلوت فالصلاة نور، والله تعالى قد جعل هذا النور في اليوم خمس مرات زاد، تستزيد كماتور الكهرباء تقويه، الآن الجوالات إذا انتهى الشحن تزيد الشحن بوضعها في موضع الشحن، كذلك القلوب تحتاج إلى شحن حتى يكون نورها مضيئا يميز به الإنسان بين الحق والباطل، وتشحن القلوب بالطاعة والإحسان، هذه الصلوات محطات يقف فيها الإنسان ليتزود فكلما زادت صلاتك، وصلحت صلاتك إزداد نورك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الصلاة نور" فاستقل واستكثر، والنور يميز به الإنسان بين الحق والباطل، ويكشف الله تعالى به مواطن الضلال ويهديه به سبل السلام. استعمال التقوى:فإن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالتقوى فقال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً  }. ووعد المتقين بالمخرج من كل ضيق قال تعالى: " وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ "  وتقوى الله تجلب للإنسان الخير وتصرف عنه الشر. الاستجابة لله ولرسوله:من أسباب الوقاية من الفتن قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. لزوم السُّنة: من أسباب الوقاية من الفتن فكلما ازداد الإنسان لزوما للسنة وإقبالا عليها كان ذلك من دواعي سلامته من الفتن الظاهرة والباطنة. دعاء الله صادقا:بكل دعاء يهدى به إلى الرشد ويتوقى به من الشر يكون ذلك من أسباب وقايته من الفتن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "تعوذوا بالله من الفتن. الخوف من الفتنة وعدم الأمن من مكر الله:هو من أساب الوقاية من الفتن والهداية، ولذلك كان من دعاء الصالحين والنبيين الصادقين أن يتوفاهم الله تعالى على الإيمان، فهذا يوسف عليه السلام يقول: "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ "، وإبراهيم عليه السلام يدعو الله أن يقيه شرالأصنام وعبادته ويوقوا " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ " لا تأمن على نفسك من الفتنة، فالخوف من الفتن سبيل عظيم للوقاية منها قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ ۚفَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}. Å  الأسباب التي يتوقى بها الإنسان الفتن بقي علينا شيئ يسير مما يتعلق بالأسباب التي يتوقى بها الإنسان الفتن، ذكرنا جملة من الأسباب ومن أبرزها: أن يدعو الإنسان الله عز وجل صادقا في أن يقيه من الفتن، أنت إذا قلت في آخر الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من  عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال". قلها بقلب حاضر وأبشر بعطاء الله عز وجل فإن الله لا يخيب من اعتصم به والتجأ، كثير من الناس يقولون الأذكار والأدعية دون تأمل ولا فكر ولا اعتبار ولا حضور قلب فتكون ككلام يقوله دون أثر ولا يكون له نفع، قد يؤجر عليه أجر الذاكر بلسانه، لكن لا يتذوق طعمه ولا يعرف منزلته ولا يجني ثماره إذا لم يكن ذا قلب حاضر، لذلك تنبه وكن على فطنة أن كل ذكر تقوله أو كل دعاء تقوله دون حضور قلب أن أثره ضعيف، تماما مثل السهم الذي في يد ضعيف الرمي لا يصل إلا إلى مدى قريب، لكن إذا كان ذا رمي قوي وهو نفس السهم هذا وذاك كلاهما رميا بسهمٍ واحد، لكن منهم من وصل آخر المرمى، ومنهم من لم يتجازو السهم موضع قدميه، الفرق بين هذا وذاك في قوة الرامي، فإذا قلت أعوذ بالله من الفتن يتحرك قلبك قبل أن يتحرك لسانك، ليحضر قلبك في معنى هذا الدعاء قبل أن تنطق به وأنت غافل، فإن ذلك من دواعي حصول الإجابة والتوفيق إلى الهداية. أن يكثر المؤمن ذكر هادم اللذات:من أسباب توقي الفتن ذكر الموت، والنفاذ بالبصر إلى الآخرة، من أعظم أساب الوقاية من الفتن، لأنه يذكر أنه سيقف بين يدي الله تعالى وسيسأله عن الدقيق والجليل، وسيحاسبه على ماكان منه من عمل، فيكون ذلك حاملا له على الإستقامة، حاملا له على الهداية، معينا له على مراجعة المسار وتصويب الخطأ وتقويم المعوج والاستزادة في الخير. الإقبال على القرآن العظيم:من الأسباب العظيمة التي بها تحصل النجاة من الفتن، فبقدر ما يكون معك من الإقبال على كتاب الله عز وجل، بقدر ما تحيى روحك ويسلم قلبك، ويستنير فؤادك، وتبصر مواقع الهدى وتخرج من الظلمات إلى النور، يقول الله عز وجل في وصف رسوله: " يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " أخرجهم بهذا الكتاب المبين، هذا النور العظيم الذي جعله الله تعالى رسالة لكل واحد من البشر، فكل واحد منا بين يديه رسالة من الله جل في علاه، بقدر ما يقبل على القرآن تلاوة، وحفظا، وفهما، وتدبرا، وعملا، ودعوة، ينال من الهداية، ويتوقى سبل الردى والضلالة، ولذلك نعجب أن كثيرا من الناس يقرؤون القرآن لكنهم لا يجدون له أثرا في سلوكهم، بسبب أن إقبالهم محصور على حروفه دون معانيه، على قرائته ددون العمل به، فيكون القرآن ضعيف الأُثر، القرآن من عظيم تأثيره يقول في رب العالمين: " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗبَل لِّلَّـهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ" هذه الآية تبين عظيم تأثير القرآن، معنى الآية أنه لو أن هناك شيئا يقرأو يتلى، فتتحرك به الجبال أي تسير، أو تقطع به الأرض على عظيم صلابتها، أو يخاطب به الموتى فيقومون ويتكلمون، لو كان هناك شيئاً يفعل هذا التأثير لكان هذا القرآن، فالقرآن له من التأثير العظيم ما بينه رب العالمين في هذه الآية، وقال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ  }. فكيف بقلوبنا أين أثر القرآن فيها؟  غائب في كثير من الأحيان، السبب أن القرآن مغفول عنه، ثم إذا قرِئ، تقرأ ألفاظه دون فهم معانيه، وإذا قُرِئ كان في اللسان دون أن يكون في القلب والجوراح، وبالتالي ضعف أثره، القرآن أعظم أسباب الهداية، ولذلك يقول الله لرسوله: " {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا}. فالقرآن تثبيت للقلوب، وجعل فيه من القصص والأخبار ما يجعل القلوب في غاية الحضور، قال تعالى: } وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} . يثبت الفؤاد، ويحفظه من المزلزلات والمزيغات والمضلات كل ذلك من فضل الله عز وجل، والمؤمنون الصادقون تتحرك قلوبهم عندما يستمعون إلى القرآن، قال تعالى: " {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}. وأعظم ذكر الله تلاوة آياته، هكذا يكون المؤمن مع القرآن في زيادة وخير، أما من يقرأه فلا يجد له أثرا في سلوكه ولا في عمله، فذاك المنقوص الذي يُصد عن القرآن إما غافلا أو خاسرا. التحلي بالصبر:من أسباب الوقاية من الفتن، ولذلك كان أعظم ما يعطاه العبد الصبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم " وما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر." فعطاء الصبر أعظم عطاء يعطيه الله تعالى العبد ويوفقه، لأن بالصبر يتوقى الشبهات، وبالصبر يتوقى الشهوات، وبالصبر يقوم بالطاعات، وبالصبر يتوقى السيئات، وبذلك يبلغ أعلى الدرجات،  فيكون من الذين قال فيهم جل في علاه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. هذه جملة من المسائل التي تتعلق بالتعوذ بالله من الفتن. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا وإياكم من الفتن، وأن يرزقنا وإياكم قلوبا سليمة، وأن يحفظنا وإياكم فيما بقي من أعمالنا، وأن يغفر لنا ما كان من الخطأ والزلل، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.   التفاصيل
    0
    550
فوائد
  • العلم ليس هو بكثرة الرواية
  • 31- قال الذهبي : " العلم ليس هو بكثرة الرواية , ولكنّه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الإتباع , والفرار من الهوى والإبتداع" السير ( 13/ 323) التفاصيل
    0
    783
  • أفضل الأعمال خلاف هوى النفس
  • 30- قال أبو سليمان الداراني: "أفضل الأعمال خلاف هوى النفس . السير (10/ 183) التفاصيل
    0
    795
  • ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين
  • 29- قال بشر الحافي: " ما أكثر الصالحين , وما أقل الصادقين ". السير (9/341) التفاصيل
    0
    773
  • إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به
  • 28- قال الإمام أحمد: " إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به ". السير(11/335) التفاصيل
    0
    651
  • أكره أن يدنّس دينك
  • 27- قال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب: مالك لا تستعملني؟قال : أكره أن يُدنّس دينك. السير(1/398) التفاصيل
    0
    571
  • لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب
  • 26- قال يحيى بن معاذ: " لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب ". السير(13/ 15) التفاصيل
    0
    730
برامج
  • الحلقة(13)أحكام الحامل والمرضع في رمضان
  • سؤال: ما الأحكام المترتبة على صيام الحامل والمرضع في رمضان؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    الصوم فريضة فرضها الله تعالى على عباده، وبين أحكامها في كتابه، كما بينها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته, وإن في رحمة الله تعالى أنه فرض الصيام، إلا أنه جل في علاه جعل لأهل الأعذار عذرًا في ترك الصيام فقال جل في علاه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184) وقال: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ} سورة: البقرة، الآية (185).

    أي فيترخص بالفطر، ويصوم مكان هذه الأيام التي فطرها بسبب المرض أو السفر في أيام آخر, من جملة من جاء ترخيص في حقهما في الفطر الحامل والمرضع, الحامل والمرضع يمران بحالةٍ تتعلق بهما، وبمن تحمله الحامل، وبمن ترضعه المرضع، أي الطفل المحمول الجنين، أو الطفل الذي يرضع، فالشريعة راعت هذه الحال الاستثنائية.

    فرخصت في الفطر للحامل والمرضع، كما جاء ذلك في حديث رواه أحمد، وأصحاب السنن من حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» مسند أحمد ط الرسالة: باب حديث أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب، حديث رقم (19047) وهذا يدل على الترخيص في ترك الصوم للحامل والمرضع.

    ثم بعد ذلك اختلف العلماء رحمهم الله في قضية ما الذي يترتب على ترك الحامل والمرضع؟

    هل عليهما القضاء؟.

    هل عليهما القضاء مع فدية؟.

    هل عليهما الفدية فقط؟.

    هنا ينبغي أن يعرف أنه إذا كان الفطر في حال الحامل، أو في حال الإرضاع، من أجل الحامل نفسها، أو المرضع.

    فهي من ذوات الأعذار الملحقة في قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184) فهذا نوع مرض؛ لأنها تخشى على نفسها الهلاك، أو تخشى على نفسها الأذى، بترك الفطر، فلذلك في هذه الحال إذا خافت على نفسها، ليس عليها إلا القضاء على الراجح من قولي العلماء.

    أما إذا خافت على نفسها وولدها، فهي أيضًا  كالحال السابق تغليبًا لجانب النفس، بمعنى الحامل خافت على نفسها، وخافت أيضًا أن يؤثر الصوم على ولدها، الآن هي خافت على نفسها، وقد قلنا أيضا أنها إذا خافت على نفسها، لا يجب  عليها إلا القضاء، في قول عامة العلماء، كذلك إذا كانت تخاف على نفسها وولدها، لا يجب عليها إلا القضاء أيضا، هاتان حالان.

    الحال الثالثة: أن تخاف على الولد، هي تعرف أنها تستطيع الصيام، الحامل تعرف قدرتها البدنية، أو المشورة الطبية أنها قادرة على الصيام، وكذلك المرضع، لكنها تخاف على الولد أن يصيبه ما يصيبه، بسبب الصيام من أثر، سواءً كان جنينًا، أو كان رضيعًا.

    فهنا العلماء لهم أقوال:

    منهم قال: إنه لا يجب عليها إلا الإطعام فقط، وبهذا قال ابن عباس، وقاله أيضا ابن عمر، وجاء عن أنس ابن مالك رضي الله عنه.

    القول الثاني: أنه يجب القضاء فقط، كالحال السابق لا فرق؛ لأنه مما يعذر فيه الإنسان لقول الله تعالى:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184)

    فهذا عذرٌ ملحق بالأعذار التي ذكرها الله تعالى فعليها القضاء، عليها الصوم وعليها القضاء والإطعام, القضاء والإطعام وفي هذا قال الحنابلة والشافعة، والقول الرابع أن عليها الإطعام فقط وبهذا وقال أيضا ابن عمر وجاء القول أنه إذا جاء كالحال لأنه مما يعذر فيه الإنسان لقول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184) فهذا عذر ملحق بالأعذار التي ذكرها الله عدا فعليه القضاء.

    القول الثالث: أن عليها الصوم، أي عليها القضاء، والإطعام إذا أفطرت, وبهذا قال الشافعية والحنابلة.

    والقول الرابع: أن عليها الإطعام فقط.

    هذه أقوال أربعة أن عليها القضاء، أن عليها الإطعام، أن عليها القضاء والإطعام، أنه لا شيء عليها، لا قضاء، ولا إطعام هذه أقوالٌ أربعة.

    وأرجح هذه الأقوال: أنه لا فرق في الحامل والمرضع من حيث وجوب القضاء ولزومه، بين أن تكون خافت نفسها، أو خافت على نفسها وولدها، أو خافت على ولدها، في كل الأحوال يجب القضاء، لقول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184)

    أما إيجاب الإطعام فليس عليه دليل، وإنما هي فتاوى الصحابة، فيمكن أن يقال هذا على وجه الاستحباب، استنادًا على قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} سورة: البقرة، الآية (184) لكن الاستدلال بهذا على إيجاب الإطعام محل تأمل، لاسيما وقد جاء في حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» مسند أحمد ط الرسالة: باب حديث أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب، حديث رقم (19047) ولم يذكر إطعامًا، فدل ذلك أنه لا يلزمها إلا القضاء.

    إذا الأخت الحامل، والأخت المرضع يجوز لها الفطر، سواءً كانت خائفة على نفسها، أو خائفة على نفسها وولدها، أو خائفة على ولدها جنينًا كان أو رضيعًا، وما الذي يجب عليها بعد زوال الخوف إذا أفطرت؟، يجب عليها القضاء لما ذكر الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} سورة: البقرة، الآية (184)

    والله تعالى أعلم.

    التفاصيل
    0
    152
  • الحلقة(12)مسافة السفر.
  • السؤال: ما هي مسافة السفر؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    فأهلًا وسهلًا، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات، أهلًا بأخي السائل مسألتك مسألة تهم كثيرين، ذاك أن السفر اليوم أصبح سمة عامة للناس جميعًا، بل لغالب الناس حتى نكون أكثر دقة، فالناس يسافرون ويحتاجون إلي معرفه أثر هذا السفر في عباداتهم، في الأحكام الشرعية المتعلقة بطاعتهم، ومن ذلك أثر السفر في حكم الصلاة من حيث مسافتها، ما هي المسافة التي يجوز للمسلم أن يقصر الصلاة فيها؟، هذا هو السؤال الذي طرحه أخونا.

    والجواب عليه أن السفر رخصه، قال الله تعالى في محكم كتابه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} سورة: آل عمران، الآية (101) وهذه الآية محكمة تثبت الرخصة في السفر، والرخصة هي قصر الصلاة وذاك أن الله تعالى أذن فيها للمسافرين، إذا ضربوا في الأرض أن يقصروا من الصلاة.

    لكن ينبغي أن يُعلم أن القصر لا يكون إلا عند الشروع في السفر، فما هي المسافة التي تبيح القصر؟، العلماء لهم في هذا أقوال، منهم من قال إن السفر الذي يبيح القصر هو ما كان مسيرة يومٍ وليلة، ومنهم من قال ما كان مسيرة ثلاثة أيام، ومنهم من قال ما كان مسيرة أربعة بُرُد، ومنهم من قال ما كان سفرًا في العُرف، ومنهم من قال ما كان ثلاثة فراسخ، وقِيل غير ذلك من الأقوال.

    وتتبع هذه الأقوال وذكرها قد يشوش، لكن الفائدة من هذا العرض هو بيان أن المسافة التي تبيح القصر اختلف العلماء في تحديدها، والمقصود بالمسافة التي تبيح القصر، أي ما هو القدر الذي إذا سافرة الإنسان جاز له القصر، هل هو مسافة يوم وليلة، مسافة ثلاثة أيام، مسافة أربعة بُرد.

    كل هذه التقديرات مبنية على نصوص، لاسيما فيما يتعلق بيوم وليلة، فيما يتعلق بسفر ثلاثة أيام، جاء في ذلك أحاديث استند إليها العلماء في تحديد مسافة القصر، لكن فيما يتعلق بأربعة بُرد، جاء فيها حديث ضعيف، وهو منقول عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في تحديد المسافة بهذا القدر.

    كثير من الناس لا يعرف ما هي البرد، ولا يعرف ما المقصود بمسيرة يوم وليلة، اليوم تصل إلي أقصي الدنيا بمسيرة يوم وليلة، أو بما هو أكثر من ذلك قليلًا، أو أقل قليلًا، لكن المقصود بذلك السير في الزمن السابق، لما كانوا يستعملون الإبل في تنقلاتهم وفي سفرهم، فهو المقياس الذي يقاس به اليوم والليلة، وتقاس به المسافات في ذلك الزمان.

    اليوم السفر يقاس بالكيلومترات وبالأميال، فما يتعلق بالكيلومترات أقل تقدير ورد على حسب أربعه بُرد، هو واحدًا وثمانين كيلو متر، وأقصى ما ورد هو مائة وعشرون كيلومتر، هذه المسافة التي عدها من يرد تحديد مسافة هذا القصر، وهناك من يرى أقل من ذلك، الذي يرى أنه ثلاثة فراسخ، الذي يرى أنه ثلاثة أميال، كل هؤلاء تقل المسافة التي يجوز بها القصر.

    المسافة التي تجيز القصر هو كل ما كان في العرف سفرًا، وبالتالي ما عده الناس سفراً طالت مسافته، أو قصرت مسافته، فهو سفر، ذاك أن الناس يختلفون في تقدير السفر، وقد يختلف باختلاف وسيلة النقل، يختلف باختلاف سهولة الطريق، يختلف باختلاف الأمن وغير ذلك، هناك معايير مختلفة، لكن في النهاية الناس يتفقون على معاني معينة، يعدون هذه المسافة سفرًا، ولا يعدون هذه المسافة سفرًا.

    وفي جملة السفر عندما يشتبه يمكن أن نرجع فيه إلى المعنى اللغوي، وهو ما باين مكان الإقامة، فالسفر هو سَفَرَ، أبان وظهر، وبالتالي كل ما ظهر، وبان، وخرج، وانفصل عن مكان الإقامة، فهو سفر في حل الاشتباه، ولذلك ورد أن النبي صل الله عليه وسلم كان يقصر في ثلاثة أميال، أو في ثلاثة فراسخ كما في حديث أنس، فليس هناك تقدير دقيق للمسافة، إنما التقدير يعود إلى عرف الناس، وما عده سفرًا، في حال الافتراض يرجع في معرفة السفر إلى اللغة

     والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    181
  • الحلقة(11) حكم التورق
  • السؤال: ما هو حكم التورق؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    ما سئل عنه من التورق المصرفي، هو من الأسئلة التي يكثر تردادها لأنه طريق ووسيلة يستعملها كثير ممن يحتاجون إلى النقود، إلى سيوله لمشاريعهم، أو لقضاء حوائجهم، يسلكون مسلك التورق لإدراك ما يأملون من نقود، إذا التورق هو وسيلة من وسائل التمويل.

    ولذلك تسمية بعض الناس لهذه الصورة، وهى أنك تذهب إلى مصرف، أو إلى تاجر يملك سلعة معينة، وتقوم بشراء السلعة منه، ثم تقوم ببيعها، فتشتريها منه بالتقسيط أو بالأجل، ثم تقوم ببيعها لطرف ثالث بثمن حال، هذه الصورة التي شاعت، وانتشرت في كثير من معاملات الناس اليوم، يسميها بعض الناس قرض، أو اقتراض.

    وهى في الحقيقة لا صله لها بالقرض، ولا صله لها بالاقتراض، إنما هي عقدٌ مستقل يتم فيه البيع بأجل، ثم البيع بثمنٍ حاضر، هذا الفرق بين الصورتين، وإن كان مقصود المتعامل الذي تم شراءه ثم قام بالبيع هو النقود، لكن العملية لا صله لها بالقرض، ولذلك تسميتها اقتراض، تسميتها قرض هذا بناءً على سوء فهم، أو بناءً على أن كثيرًا من الناس لا يفرق بين هذه الصورة، وبين ما يتم إنزال مبلغ مالي، مقابل دفع زيارة في نهاية المدة، عند إرجاع هذا المبلغ إلى صاحب القرض.

    على كل حال هذا هو نمط من أنماط التورق، ونمط من أنماط التمويل، ما حكمه؟.

    العلماء لهم في التورق قولان:

    منهم من يرى أن التورق هو نوعٌ من الربا،  ذلك أن الحقيقة إن هذه العملية، أخذ السلعة بثمن مؤجل، والقيام ببيعها بثمن حاضر أنزل من ثمنها الذي اشتراها به، هو في الحقيقة حيلة على الربا، ولذلك جاء عن عمر بن عبد العزيز أنه وصف هذه المعاملة بأنها "أُخيت الربا"، يعنى أخت الربا على وجه التصغير، يعنى ربا مصغر، ذاك أن المقصود من هذا العقد هو توفير السيولة، والعقود ينظر فيها إلى مقاصدها وغايتها، على هذا القول بالتالي هذا نمط من أنمطت الخداع، الذي يجعل هذه المعاملة محرمة، هذا ما ذهب إليه جماعه من أهل العلم.

    وقال آخرون: بل التورق معاملة لا شبه فيها، وهى مندرجة في الأصل الذي تجري عليه البيعات والمعاملات في قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} سورة: البقرة، الآية (275) وفى قوله  تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} سورة: النساء، الآية (29) وبالتالي هنا التراضي قد حصل، وليس هناك محظور شرعي في هذه المعاملة، كونها توفر السيولة، أو أن مقصود المشترى هو الحصول على النقود، هذا لا يوثر في التحريم؛ لان هذا مخرج، وليس حيله على المحرم، وفرق بين المخارج وبين الحيل، وبهذا القول قال جمهور العلماء، وعليه فإنه يجوز هذا النمط من الأنماط في عملية التمويل.

    لكن الذي تمارسه البنوك والمصارف هو نوع من التمويل المنظم في غالب صورة، وهو أن يقوم المصرف ببيع سلعه معينة، ثم يقوم العميل بتوكيل البنك، أو توكيل الجهة التي تملك هذه السلعة بالبيع، وهنا تصبح العملية ورقية، تشبه الربا؛ لأنه في الحقيقة العميل ليس له هم، ولا فكر، ولا معرفة، إلا بالقدر الذي نزل في حسابه من الدراهم التي هي مقصودة، وبالتالي هذا التورق هو في الحقيقة نوعٌ من الربا، والحيلة عليه، ولذلك ذهب عامه علماء العصر، إلى تحريم التورق المنظم، لما يتضمنه من حيله وخداع على الربا.

    أما إذا كان العميل يقبض السلعة قبضًا حقيقيًا، أو قبضًا حكميًا، ثم يقوم ببيعها على طرف ثالث، دون صله للبائع الأول بعملية البيع الثاني، فهذا جمهور العلماء على جوازه، ولا حرج فيه إن شاء الله تعالى.

    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تقيد جواز هذه الصورة بالحاجة، وأن لا يجد من يقرضه من غير ربا، ولكن هذا القيد فيما يظهر لي والله أعلم، أنه لا حاجه إليه، ذاك أن الأصل في هذه المعاملة أنها مباحة، ويجرى على هذا الأصل إلا أن يقوم الدليل على هذا المنع.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صورًة قريبًة من هذا في تحقيق غاية العميل في تحصيل سلعه لا يجوز فيها الربا بمخرج، في التمر لما جيء إليه بتمرٍ جيد، فقال: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ. صحيح البخاري: باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم (2201)  فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوه أوه، عين الربا عين الربا» صحيح البخاري: باب إذا باع الوكيل شيئا فاسدا، فبيعه مردود، حديث رقم (2312)

    «بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ » صحيح البخاري: باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم (2201) أي بيع جمع التمر الرديء بالدراهم، «ثم ابتع بالدراهم جنيبا» صحيح البخاري: باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم (2201)  فهذا مخرج من المخارج التي وجهه إليها النبي صلى الله عليه وسلم، تؤدى في النهاية إلى أنه اشترى التمر الجيد، بعد أن باع التمر الرديء بالنقد، لكن هذا مخرج، وليس حيلًة، إذا هذا هو التورق الذي يحل، والذي يحرم.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    172
  • الحلقة(10)حكم مس المصحف إذا كان الإنسان على الحدث الأكبر أو الأصغر
  • السؤال: ما حكم مس المصحف إذا كان الإنسان على الحدث الأصغر أو الأكبر؟ يعني هل يجوز إنه يقرأ، يجوز أن  يمس المصحف، فأنا أريد أن أعرف يعني بس.

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    فحياكم الله أيها الإخوة والأخوات هذا سؤال مهم، ويحتاجه كل مسلم؛ لأن قراءة القرآن عملٌ من أعمال أهل الإسلام، القرآن رسالة الله لنا فالارتباط به وقراءته هو من أجل القربات وأعظم ما يدل على الخير، ويهدي إلى البر {إِنَّ هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} سورة: الإسراء، الآية (9) فوصيتي لكل مؤمن ومؤمنة أن يكثر من قراءة القرآن، بقدر إكثارك من قراءة القرآن وتدبره، تنال منه الخير، والبر، والانشراح، والسعادة، والفوز في الدنيا، والآخرة، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الفائزين.

    قراءة القرآن عبادة، وبما أنها عبادة فنحن نرجع فيها إلى ما جاء فيه قول الله، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ما يتصل بمس المصحف للمؤمن، المؤمن مطلوب منه أن يذكر الله تعالى في الجملة على طهارة، وأيضا مس المصحف، تطهره لمس المصحف هو من الأعمال المطلوبة في الجملة، لكونه تعظيما لهذا الكتاب قال الله تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} سورة: الحج، الآية (32)

    لكن الخلاف، هل إذا كان الإنسان على غير طهارة، يجوز له أن يمس المصحف، أو لا يجوز؟

    جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وهو قول جماعة من الصحابة لا يعلم لهم مخالف، وكذلك قال به التابعين، أنه لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف حتى يتطهر، ما مستند هذا القول؟، مستند هذا القول كتاب الله تعالى، وما جاء في السنة عن النبي  صلى الله عليه وسلم.

    أما كتاب الله فقد قال الله تعالى عن القرآن العظيم: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} سورة: الواقعة، الآية  (77 -79) قال جماعة من أهل العلم إن قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} سورة: الواقعة، الآية (79) عائد على الكتاب، والكتاب هو القرآن الكريم، وبالتالي معني الآية لا يمس القرآن إلا المطهرون.

    هذا ما استدل به القائلون بوجوب الطهارة لمس المصحف، استدلوا أيضا بما جاء في كتاب النبي  صلى الله عليه وسلم عن عمرو بن حزم، حيث أن عمرو بن حزم كتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا، وقد تلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول، وهو من الكتب الشهيرة المقبول ما في مضمونها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:«أَنْ لاَ يَمَسَّ الْقُرَآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ» موطأ مالك ت الأعظمي: باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، حديث رقم (260/219) فقد جاء ذلك في كتابه صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، قالوا والطاهر هو المتطهر، وبالتالي فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يمس القرآن وهو غير متطهر، استنادًا إلى حديث عمرو بن حزم، حديث ما تضمنه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم.

    هذان النصان دلا على هذا المعني، القرآن والسنة دلا على أنه لا يمس القرآن محدث، استثني هؤلاء الصغار، ومن في حكمهم ممن يشق معرفة حالهم، مع حاجتهم إلى مس المصحف، فقالوا إنه يرخص فيهم ما لا يرخص لغيرهم، كما أن بعضهم أجاز مس أطراف المصحف، أي الحواشي التي ليس فيها كتابة، هذا كله تفصيل ورد في كلام من قال بمنع مس المصحف إلا بطهارة .

    طبعا هؤلاء يقولون يجوز أن يمسه من خلال حائل، يجوز أن يمسه من خلال الأجهزة التي ليست مصحفًا، كالكمبيوترات الكفية، الجولات، الآيبادات، الأجهزة التي في أيدي الناس، التي ليست مصاحف، هذه إذا مسها الإنسان فإنه لا يحتاج إلى طهارة، في قول أكثر أهل العلم.

    أما القول الثاني: الذي يقول بأنه يجوز مس المصحف من غير طهارة، فقد استند إلى أنه لا دليل على المنع، وأن المقصود بالآية في قوله:{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} سورة: الواقعة، الآية (78) أنه اللوح المحفوظ، وبالتالي اللوح المحفوظ لا تتعلق به أحكام البشر، لان قوله:{لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} سورة: الواقعة، الآية (79) المراد بهم الملائكة، فأجابوا عن الحديث بأنه المراد به المسلم، لا يمس القرآن إلا مسلم، هذا ما أجاب به القائلون بجوازه، بجواز مس المصحف للمحدث.

    والراجح: من هذين القولين هو ما ذهب إليه الجمهور والله تعالى أعلم، وبالتالي إذا أراد المؤمن أن يمس المصحف فليتطهر، لقوة دلاله نصوص من قال بعدم جواز المس إلا بطهارة، وبهذا يتبين لنا الخلاف، لكن الجمع متفق على أنه تجوز القراءة من غير مسٍ لمن كان محدثًا حدثًا أصغر، والخلاف في المس.

    اسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم البصيرة في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    145
  • الحلقة(9)قراءة المأموم للفاتحة خلف الإمام
  • السؤال: ما حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    فهذه المسألة التي طرحها أخونا الكريم، هي من المسائل المهمة التي يكثر السؤال عنها، وهي لا ترتبط بموسم؛ لأنها في كل صلوات السنة، يسأل الناس عن حكم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية خلف الإمام، هل يجب عليه أن يقرأ الفاتحة؟

    أم يجب عليه الإنصات؟

    وهذه المسألة للعلماء فيها قولان في الجملة، وإن كان هناك قول ثالث، لكنه يرجع إلى أحد هذين القولين.

    القول الأول: أن قراءة الفاتحة ركن لا تصح الصلاة إلا بها.

    وهذا ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله، وقد استند في هذا إلى ما جاء في "الصحيحين" في حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» صحيح البخاري: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، حديث رقم (756)

    وهذا النص عام، يشمل الصلاة المفروضة، والصلاة المتنفل بها، يشمل الصلاة منفردًا، ويشمل الصلاة في جماعة، يشمل الإمام والمأموم، وبالتالي لا يصح أن تخلو صلاة المسلم عن قراءة الفاتحة، ولو كان ذلك مؤديًا إلى أن يخرج عن الإنصات للإمام، اشتغالًا بقراءة الفاتحة.

    أيضًا استدلوا بحديث آخر رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» مسند أحمد مخرجًا: مسند أبي هريرة رضي الله عنه، حديث رقم (7291) كررها ثلاثًا صلى الله عليه وسلم، ومعنى خداج، أي أنها ناقصة، فاسدة، وبالتالي قالوا: لابد للمأموم أن يقرأ مع إمامه، ولو كان ذلك في الجهرية.

    القول الثاني: وهو قول جماهير علماء الأمة، ومذهب الحنفية، وكذلك المالكية، والحنابلة، وهو قول عند الشافعية، أن الإمام قراءته تكفى في الجهرية عن قراءة المأموم.

    وبالتالي لا يحتاج المأموم أن يقرأ القرآن في وقت قراءة الإمام في الجهرية، استنادًا إلى قول الله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} سورة: الأعراف، الآية (204) وجاء هذا فيما رواه مسلم، من حديث أبي موسي، في بعض روايات الحديث قال: «وإذا قرأ فأنصتوا» صحيح مسلم: باب التشهد في الصلاة، حديث رقم (63-(404)).

    وقد جاء في مسند الإمام أحمد، وفي السنن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ أنصتوا» مسند أحمد حديث رقم (9438) وهذا يدل على وجوب الإنصات.

    كذلك وقعت حادثة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة جهر بها بالقراءة، ثم لما فرغ قال:«هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟»، فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أنازع القرآن؟» سنن أبي داود: باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام، حديث رقم (826) والحديث في مسند في الإمام أحمد، وفي السنن، وإسناده جيد.

    وهو دالٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم، ولم يكن قد وجههم بوجوب القراءة مع إمامٍ، بل أنكر ذلك، وجعل قراءة المأموم في حال قراءة إمامه منازعة له، ولهذا انتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة.

    هكذا قال أبو هريرة رضي الله عنه.

    وقيل: أن هذا من قول الزهري، ولا يضر سواءً أكان من قول أبي هريرة، أو من قول الزهري؛ لأن الزهري من أعلم الناس بالسنة، وهذا أمر ظاهر لا يخفى، وبالتالي فإن هذا القول يعد في الحقيقة أقرب إلى الصواب؛ لأنه خاصٌ في القضية ذاتها.

    قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» صحيح البخاري: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، حديث رقم (756 عام، وقوله: «وإذا قرأ فأنصتوا» صحيح مسلم: باب التشهد في الصلاة، حديث رقم (63-(404)) هذا خاص في حال سماع المأموم قراءة الإمام، وبالتالي نقول هذه النصوص الخاصة تقضي على ذلك العموم، وبالتالي فإن المأموم لا يجب عليه أن يقرأ حال قراءة إمامه.

    هذا هو النتيجة التي تجتمع بها الأحاديث، فيكون ما في حديث عبادة وحديث أبي هريرة محمولًا على ما إذا كان في غير قراءة الإمام، أما إذا قرأ الإمام فإن قراءة الإمام لك قراءة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإذا قرأ فأنصتوا» صحيح مسلم: باب التشهد في الصلاة، حديث رقم (63-(404))

    أرجو أن يكون هذا قد وضع بعض التوضيح حول هذه المسألة، أسأل الله لي ولكم البصيرة، والفقه في الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    249
  • الحلقة(8) زكاة الحلي.
  • السؤال: ما حكم زكاة الحلي؟

    الجواب: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمًة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    فزكاة الحلي من المسائل التي يكثر السؤال عنها، والمقصود بالحلي ما أُعِد للبس، فالحلي وهو ما تتزين به المرأة، وهو نوعان :

    نوعٌ ما أعد للبس، وهيأته المرأة للبسه ولو تباعدت مدة اللبس، بمعنى أنه لا تلبسه إلا في مناسبات متباعدة، فهذا قسم.

    القسم الثاني من حلي النساء، ومما تتزين به المرأة: هو ما اقتنته المرأة، إما أهدي إليها، أو ما اقتنته ثم غيرت نيتها بأن جعلته مدخرًا، هذا النوع الثاني من الحلي، وهو ما أهدي إليها، أو ما طالت مدة استعماله، ثم رأت أن لا تتحلى به، إنما تحفظه، ومتى شاءت باعته، استفادت من ثمنه، إنما هو مالٌ مدخر.

    ونبدأ بالنوع الثاني لأنه أسهل في حسم الخلاف، وهو حلي المرأة التي أعدته للادخار، ولم تعده للبس احتفظت به للادخار، احتفظت به للأيام، فهي لا تلبسه، ولا تتحلى به، هذا تجب زكاته بالاتفاق؛ لأنه من جملة الذهب والفضة التي أوجب الله الزكاة فيها، في مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ} سورة: التوبة، الآية (34-35) وسائر الأدلة التي في السنة، التي تدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا بلغ نصابًا.

    إذًا: الذهب ولو كان حليًا لا تلبسه المرأة، ولا تتزين به، ولا تستعمله، إنما ادخرته وحفظته، هذا تجب زكاته إذا بلغ نصابًا، ونصاب الذهب خمسةٌ وثمانون غراما، بالقياس المعاصر.

    وأما الفضة فخمسمائة وخمس وتسعين غراما للقدر الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، وغالب ما يتزين به الناس اليوم، ويتحلون به هو الحلي من الذهب.

    أما القسم الأول: وهو ما أعد للبس، ولو تباعدت مدة لبسه، فهذا زكاته للعلماء فيها قولان:

    ذهب جمهور العلماء إلى أنها زكاة فيها، وعندما نقول جمهور العلماء فنقصد أصحاب المذاهب المشهورة في الغالب، وهم مذهب مالك، ومذهب أحمد، ومذهب الشافعي، رحمهم الله جميعًا، كلهم يرون أنه لا تجب زكاة في الحلي المعد للزينة.

    وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وهذا هو القول الثاني، إلى وجوب الزكاة فيما أعدته المرأة من الذهب للحلي، فأوجب فيه الزكاة.

    وهذان قولان، وعندما نسمع قولين، فنحن نحتاج إلى أن نعرف ما دليل هؤلاء، وما دليل هؤلاء، لنتوصل من خلال معرفة الأدلة، والمناقشة الواردة عليها، ما هو الراجح.

    والمسألة من حيث التشعيب فيها تفصيل، ذكره العلماء، وأدلة ذلك، والمناقشات الواردة عليها، لكننا سنقتصر فقط على الإشارة إلى أن الذين قالوا بوجوب الزكاة في الحلي المعد للزينة، والفضة المعدة للزينة، استدلوا بعموم الآيات الواردة في وجوب الزكاة، كقوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} سورة: التوبة، الآية (34) وأمثاله من النصوص عديدة.

    أما الأدلة الخاصة فأبرز ما استدل به هؤلاء، ما رواه أصحاب السنن، وأحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟»، قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ. سنن أبي داود: باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، حديث رقم (1563)

    فتصدقت بهذا الذهب الغليظ الذي كان في يدي المرأة، وهذا الحديث من أهل العلم من تكلم في إسناده، والصواب أن الحديث إسناده صحيح، وذلك لأن الأئمة من أهل العلم، المتخصصين بالأحاديث، يرون صحة الحديث، لكن هناك مناقشة قد وردت على دلالة الحديث، أولا أن المسكتين قد لا يصلان إلى هذا القدر خمسة وثمانين غرام، وهذا احتمال، مع أن الاحتمالات العقلية لا ترد على النصوص الشرعية، ولكن الذي أورده هو أن الدليل، وهنا أمر غالب يستحضر،  وهو أنه يبعد أن تتزين المرأة لاسيما أنها جارية صغيرة بهذا المقدار في يديها، هذا أمر.

     الأمر الثاني: أنها أخرجتها كلها، ولو كان الواجب بعض ذلك، لما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة دون بيان، بل لقال لها إنما يجب عليكِ ربع العشر، كما هو الشأن في سائر الذهب، على القول بوجوب الزكاة في الذهب الذي تستعمله المرأة للتزين، فأوردوا على هذا الحديث مناقشات.

    أما القول الثاني: فأدلتهم أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ صريحٌ في وجوب زكاة الذهب المعد للزينة، وأن المقصود من الزكاة هو المال النامي، أما ما يملكه الإنسان للاستعمال الشخصي، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه» سنن أبي داود: باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي، حديث رقم (1563). أي ليس عليه زكاة في عبده، ولا في فرسه أي الأشياء التي يمتلكها الإنسان، ويقتنيها اقتناءً شخصيًا، استدلوا بهذا، واستدلوا أيضًا بما جاء عن عائشة، وعن أسماء، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، أنه لا زكاة فيما تعده المرأة من للحلي.

    هذان قولان واختار القول بالوجوب جماعة من أهل العلم، واختار القول بعدم الوجوب جماعة من أهل العلم، لكن نحن إلى أي القولين ننحاز؟

    أو نأخذ بأي القولين؟

    هنا نقول الاحتياط أن تخرج المرأة زكاة الحلي، وهو نافعٌ لها، سواءً كان زكاًة، أو كان صدقًة.

    بالنظر إلى القولين بالأدلة، قد لا يطيق  ذلك أكثر الناس، لكن بالنظر إلى القائلين قد يميل الإنسان إلى قول الجمهور بحكم أن الجمهور أقرب إلى الصواب غالبًا، وقد يقول قائل بل هنا نص واضح  وبين، في أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل: «أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟»، قَالَتْ: لَا، قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم» صحيح البخاري: باب ليس على المسلم في عبده صدقه، حديث رقم (1464) فهنا الزكاة دليلها ظاهر بإسناد جيد صحيح، فأسير إلى هذا القول.

    إذا ترجح لك أحد القولين، فسر إليه، إذا لم يترجح لك قول، فالأصل أنه لا تجب في الذهب زكاة، حتى يقوم الدليل على وجوب الزكاة فيه.  

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    142
أحداث ومواعيد
إدعمنا بإشتراكك !
معجبين
متابعين
مشتركين
تغريدات
تابعنا على الفيس بوك
عقيدة
  • هل يترك المصحف في يد الكافر؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في بعض الأحيان ندخل على مرضى مسيحيين في المستشفى من جنسيات عربية، ونراهم يحملون القرآن ويقرؤون فيه، فهل علينا شيء تجاه هؤلاء الناس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالواجب صيانة المصحف عن أيدي الكفار إلا لمصلحة ظاهرة، فإن صار المصحف في يد من لا يحل أن يكون في يده دون فعل من المسلم، كأن يشتريه الكافر، أو يتناوله ممن يبذله له فلا إثم على غير المتسبب.

    ثم ننبه إلى أن التعبير الشرعي أن يقال: نصارى، كما سماهم الله في القرآن.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    9 /11/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1225
  • السياحة في بلاد الكفر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد.

    فإذا لم تكن ضرورة فلا تذهب إلى بلاد الكفر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) رواه أبو داود ( 2645) والترمذي ( 1604) من طريق إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبدالله وهو مرسل على الصحيح، ويشهد له ما رواه أبو داود ( 2787) من طريق سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله)).

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    22 /5 / 1427هـ

    التفاصيل
    0
    1431
  • حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصفات والحظوظ
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصِّفات والحظوظ؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد

    فالأبراج جمع برج، والمقصود بها هنا منازل الشمس والقمر، فالشمس تنزلها في اثني عشر شهراً، وأما القمر فينزلها في الشهر، وقد وصف الله بها السماء التي أقسم بها في سورة البروج فقال: (والسماء ذات البروج)، وهي اثنا عشر برجاً، اصطلح عليها الناس في الشرق والغرب، منذ قديم الزمان، وهي مجموعة في قول الناظم:

    حمل الثور جوزه السرطان      ورعي الليث سنبل الميزان

    وعين العقرب بقوس الجدي     وملأ الدلو بركة الحيتان

    والنظر في الأبراج للتعرف على صفات الناس وحظوظهم، لا خلاف بين أهل العلم في أنه محرم لا يجوز؛ لما رواه أحمد وأصحاب السُّنن من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علماً من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» رواه أحمد (2841)، وأبو داود في الطب/ باب في النجوم (3905)، وابن ماجة في الأدب/ باب تعلم النجوم (3726)، وصححه الألباني في الصحيحة (793).، وهذا يشمل كلَّ ما يؤخذ من سير النجوم ومنازلها، وهي البروج من المعارف والعلوم التي تتعلق بالحوادث الأرضية أو صفات الناس. ويدل على عدم جواز ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين بطلان اعتقاد أن لهذه الأفلاك تأثيرا في حوادث الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم لما صلى بأصحابه في الحديبية على إثر سماء أي: مطر:«يقول الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا» أي: بتأثير النوء، سواء كان التأثير هنا على وجه التسبب، أو على وجه الإيجاد، «فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب» رواه البخاري في الاستسقاء/ باب قول الله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) (1038)، ومسلم في الإيمان/ باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء(71) عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ومما يندرج في ذلك اعتقاد أن للأبراج تأثيراً في صفات من يولد في برج معين. ويدل لذلك أيضا أن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ سورة النمل الآية 65.، وكما قال جل في علاه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ سورة الجن الآيات 26، 27، 28. فمن ادَّعى أنه يعلم غيباً مستقبليًّا ولو بعد لحظة، فهو كاذب مكذِّب لما أخبر الله تعالى به في كتابه. وممَّا يدل على بطلان الاستناد إلى الأبراج في معرفة صفات الناس: أنه ليس هناك ما يثبت صحة دعوى أنَّ للأبراج أثراً في صفات الناس، بأنَّ من كان مولوداً في بُرج الحَمَل فصفاته كذا وكذا، ومن كان من برج الأسد فصفاته كذا وكذا، فهي دعوى ليس عليها بينة ولا برهان. لذلك يجب على المؤمن أن يُعرِض عن هذا، ولا يلتفت إليه وليحذره، فالقضية ليست قضية عبث أو لهو أو تسلية توقعه في مكروه! بل توقعه في خلل إيماني، فالقضية خطيرة، وهي فاصل بين إيمان وكفر، قد يكون كفراً أكبر إذا اعتقد أن هذه البروج هي التي توجِد تلك الصفات؛ لأنه جعل غير الله فاعلاً في الكون فِعْلاً مستقلاً عن إرادة الله عز وجل، وهذا شرك أكبر في الربوبية. وقد  يكون كفراً أصغر وذلك إذا اعتقد أنها سبب لتلك الصفات فلا يخرج عن الملة، لكنه أعظم من الزَّنا، وأعظم من الرَّبا، وأعظم من عقوق الوالدين؛ لأنه مما يتعلق بحق الله تعالى، وهو عتبة وخطوة في طريق الشرك الأكبر.

    ومما يدلُّ على كذب الاعتماد على هذه الأبراج في التعرف على صفات الأشخاص، أنه يولد في البرج الواحد الخلقُ الكثير من الناس، على اختلاف صفاتهم الخَلقية والخُلقية والنفسية، ففي الحمل مثلا يولد الكريم والبخيل، والصعب والسهل، والغضوب والحليم، فالاعتماد عليها ضرب من الكهانة والعرافة، وهي كذب ودجل، فلا يجوز مطالعة جداول الأبراج؛ لمعرفة صفات الناس، فإنه داخل فيما جاء فيه الوعيد فيما رواه مسلم من حديث عبيد الله بن نافع عن صفية عن زوج من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرَّافاً فسأله، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» رواه مسلم في السلام/ باب تحرم الكهانة وإتيان الكهان (2230). هذه عقوبة من يسأل فقط، أما من يصدِّق فقد قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد بإسناد جيد: «من أتى كاهناً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه أحمد (9532) عن أبي هريرة رضي الله عنه. . وجدير بالتنبيه أنَّ الإتيان يشمل كل صور الإقبال على هؤلاء الدجالين، بكل وسائل الاتصال القديمة والحديثة، فليس الوعيد مقصوراً على حضور البدن، بل هذا صورة من صور الإتيان، ويدخل في ذلك، قراءة الأبراج في الصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت، والمراسلة عبر البريد الإلكتروني، والذين يتَّصلون على برامج الدجَّالين المنجِّمين، هم في الحقيقة قد أتوا الكاهن، ولذلك فإنَّ الأمر خطير.

    ولذلك فأنا أحذر إخواني من النظر في هذه الأبراج، فهي كذب وتزوير، وليس لها مستند علمي ولا واقعي إنما هي ضرب من التخمين والكذب والتدجيل. والله أعلم

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    10 / 3 / 1435هـ

    التفاصيل
    0
    12
  • الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله جل وعلا كتب أرزاق الخلق قبل خلقهم بخمسين ألف سنة، وعندما تحمل المرأة جنينا يكون قد كتب على هذا الجنين رزقه أجله وعمله وهل هو شقي أم سعيد؟ فهل معنى هذا ـ والعياذ بالله ـ لو ذهبت لأشرب الخمر، هل هذا قد يكون قد كتبه الله عليّ، ويكون هذا هو قدر الله علي؟


    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذه مسألة مهمة، وموضوع القدر حقيقة موضوع كبير لا يمكن أن نجمله في جواب عابر، ولكن أولا أوصي أخي بأن لا يكلِّف ذهنه كثيرا في مسألة القدر؛ لأن القدر سر الله في خلقه، لم يظهره لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، وهو من الشئون التي يعجز العقل عن إدراك كيفيتها، كسائر ما أخبر الله تعالى عن صفاته؛ ولكننا نوقن أن قدر الله تعالى مندرج في قول الله تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾  الشورى:11 ، ونؤمن إيمانا جازما يقينا أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فصلت:46 ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما»، فينبغي للمؤمن أن يمتلئ قلبه بأن ربه حَكَمٌ عدل، لا ظلم في شيء من أقداره، ولا ظلم في شيء من أحكامه الشرعية.

    ثم بعد ذلك إذا وقع في نفسه شيء من الضيق أو الإشكال في القدر فليسأل، فعن عبد الله ابن فيروز الديلمي قال: لقيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعله يذهب من قلبي، قال: ((لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، ولو أنفقت جبل أحد ذهبا في سبيل الله عز و جل ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لدخلت النار))، فأتيت حذيفة فقال لي مثل ذلك، وأتيت بن مسعود فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان. 

    والقدر يتضمن الإيمان بأن الله علم كل شيء قبل وجوده، وكتب ذلك قبل خلقه، ثم إنه شاء وخلق، هذه المراتب الأربعة لابد من الإيمان بها حتى يحقق المسلم الإيمان بالقدر.

    بعد هذا نرجع إلى السؤال، وهو هل يسوغ الاحتجاج بالقدر على المعاصي؟

     هذا لاشك أنه لا يقبل لا شرعا ولا عقلا، ودليل هذا أنه لو أنّ أحدا من الناس أتى إليك وأخذ شيئا من مالك، أو اعتدى على بدنك بضرب، ثم لما فرغ قال: اسمح لي أنا كتب الله عليّ ذلك، هل تقبل منه هذه الحجة، أم ترى أن هذه الحجة مسوغة لمضاعفة العقوبة عليه؛ لأنه احتج بما لا حجة فيه؟!

    وكذلك فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإن حق الله تعالى يجب أن يحفظ، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب والسيئات، وهذا أمر مجمع عليه، متفق عليه بين علماء الإسلام.

    وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في المصائب، إذا حصلت مصيبة عندها قل: قدر الله وما شاء فعل.

    وأوصي أخي وأحذّره من الخوض في هذا الموضوع، فإنه لن يقف على حد ينتهي، ويجب اعتقاد أن ما نشاءه لا يخرج عن مشيئة الله تعالى، فمشيئة الله عالية غالبة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ الإنسان: 30، نسأل الله عز وجل أن يزقنا وإياكم سلامة الاعتقاد والعمل.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    5 / 3 / 1430هـ

    التفاصيل
    0
    908
  • رأي أ.د خالد المصلح في التصوف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما رأيك في التصوف؟

    الحمد لله وأصلي واسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

    أما بعد .

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    التصوف درجات وطرق، منها ما يتعلق بالعناية بالسلوك والأخلاق والاجتهاد في العبادة من غير خروج عن الهدي النبوي، فهذا ليس خارجا عن السنة، وهو ما كان عليه المتقدمون من العباد، كالجنيد والفضيل بن عياض ونحوهم من أهل العلم، الذين عرفوا بالعبادة، وما عدا هذا الطريق من مسالك التصوف فهو لا يخلو من محدثات وبدع، تتفاوت درجتها بعدا وقربا عن الكتاب والسنة، والذي أنصح به إخواني المسلمين أن يحرصوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،كما كان يردد ذلك في خطبه صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يقول: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    20 /9 /1427هـ

    التفاصيل
    0
    1187
  • اسم الله الصمد لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لماذا ورد اسم الله "الصمد" مرة واحدة في القران؟ وكيف للمسلم أن يتحلى بمثل هذه الصفة؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد..

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    ج1/ ليس هناك حكمة ظاهرة، و لكن هناك من أسماء الله تعالى ما لم يذكر إلا مرة واحدة كالصمد والأحد.  

    ج2/ الواجب في أسماء الله تعالى إثباتها، و الإقرار بما تضمنته من المعاني، و التعبد لله تعالى بها، وذلك بدعائه وذكره بها، كما قال الله تعالى: )وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا((الأعراف: 180)، وأما اتصاف المخلوق بها فليس صالحا في جميع الأسماء؛ فإن من الأسماء ما لا يجوز أن يتشبه به الإنسان، كالمتكبر والإله ونحو ذلك، ففي صحيح مسلم (2620) وسنن أبي داود (4090) ـ و اللفظ لأبي داود ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار)).

    و ما جاء في بعض الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تخلقوا بأخلاق الله)) فلا يصح ولا يثبت عنه صلى الله عليه وسلم.

    و أسماء الله تعالى وصفاته منها ما يحمد العبد على الاتصاف بها، كالعلم والرحمة والحكمة، ومنها ما يذم عليه، كالإلهية ونحوها، كما أن العبد يكمل بصفات ينزه الله عنها، فكمال العبد المخلوق في العبودية والافتقار، والحاجة والذل لله رب العالمين، والله تعالى منزه عن هذا كله، فهو الحميد الكبير المتعال، ولذلك يجب الحذر من بعض الإطلاقات التي توقع الإنسان في ضلال اعتقادي أو عملي.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    6/ 1/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1148
تفسير
  • من آداب قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحد الإخوة يقول: إنه يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة في أقل من ثلاث دقائق! متحججا بضيق الوقت، وأنه لا يشترط الترتيل في قراءة القرآن، وأنه يستطيع التركيز في القراءة! فهل تجزئ قراءته للقرآن بهذه الطريقة أو لا؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي أسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد

    فيجب  على قارئ القرآن أن يترسَّل في قراءته؛ امتثالا لقوله تعالى: )وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً((المزمل: من الآية 4)، واتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقرأ القرآن مترسلا، ففي صحيح مسلم (772) عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ))، وقالت حفصة رضي الله عنها: ((وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)) رواه مسلم (733)، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد الآية في صلاة الليل حتى يصبح، ففي مسند الإمام أحمد (20984) والنسائي (1010) وابن ماجة (1350) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: ((قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها، والآية )إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ((المائدة:118))).

    ولأن المقصود من القراءة التدبر والاتعاظ، لا مجرد إجراء الألفاظ دون الوقوف على معانيها، قال الله تعالى:)كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ((ص:29)، ولا يمكن أن يتحقق التدبر والتفهم للقرآن إلا بالتأني في قراءته، وفي صحيح مسلم (822) عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ فقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة! فقال عبد الله: ((هَذًّا كهذِّ الشِّعْرِ! إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع)).

    وقد اختلف العلماء هل الأفضل الترتيل مع قلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع الكثرة؛ لما تقدم من أن المقصود فهم القرآن والعمل به، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    29 /1 / 1429هـ

    التفاصيل
    0
    2456
  • دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، أو الأشرطة المحتوية مادة صوتية فيها ذكر الله؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالذي يظهر أنه يجوز دخول الخلاء ومكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، كما لا يكره الدخول بالأشرطة المحتوية على مادة صوتية فيها ذكر الله تعالى.

    أما جواز الدخول بأشرطة القرآن الخلاء ومكان قضاء الحاجة، فلأنها ليست مصحفا فلا تأخذ أحكام المصحف في ذلك، ويؤيد هذا أن ما في هذه الأشرطة من القرآن ليس مما يبين ويظهر فيه كتابة القرآن، فهو كالمحفوظ في الصدور من حيث الظهور.

    أما انتفاء كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من الصوتيات، فكذلك من حيث إنه لا يأخذ حكم المكتوب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن مِن أهل العلم القائلين بكراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله مَن قال: إذا دخل الرجل الخلاء وعليه خاتم فيه ذكر الله تعالى، جعل فص الخاتم مما يلي باطن كفه ثم عقد عليه بأصابعه، فظهر من هذا تعليق الكراهة بظهور المكتوب، فخرج به ما لم يظهر، ومثل ذلك يقال في لمس هذه الأشرطة على غير طهارة.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    27/4/1428هـ

    التفاصيل
    0
    769
  • دخول الخلاء بالمصحف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز الدخول بالمصحف إلى الخلاء، مع ذكر الدليل؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فذهب جمهور الفقهاء، من الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى تحريم دخول الخلاء بالمصحف إلا لضرورة، وقالت المالكية بالكراهة، وقال جماعة من العلماء بالإباحة، لكنه يأثم بحمله حال حدثه من غير ضرورة تقتضيه.

    والذي يظهــر لـي أنه إن لم يكـن حاجـة إلـى إدخاله، كالخوف من سرقته أو ضياعه أو امتهانه، فإنه ينبغي ألا يدخله، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    28/ 3 /1425هـ

    التفاصيل
    0
    458
  • حكم كتابة القرآن بالذهب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، لدي آية مكتوبة بالذهب المطلي فما حكمها؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أما بعد.

    فكتابة القرآن بالذهب لأهل العلم فيها أربعة أقوال:

    الأول: الجواز، وإليه ذهب الحنفية وجماعة من الشافعية.

    الثاني: التحريم، و إليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة.

    الثالث: الكراهة، وإليه ذهب جماعة من الفقهاء، وهو مشهور مذهب الحنابلة.

    الرابع: التفريق بين مصحف الرجل والمرأة، فذهب طائفة من العلماء إلى جوازه في مصاحف النساء والصبيان، وحرموه في مصاحف الرجال.

    والذي يظهر أن كتابة الآية يجري فيها ما يجري في كتابة المصحف من خلاف، والأقرب أن ذلك مكروه؛ لما فيه من الإسراف، والخروج بالقرآن عن المقصود به من تعظيمه بتلاوته والعمل به، إلى تعظيم صورته.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    1/ 3/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    636
  • السلام على مشتغل بقراءة قرآن ونحوه
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل أسلم على من هو مشتغل بقراءة القرآن، مع أني قد أشوش عليه قراءته؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأصل في التحية وجوب الرد؛ لقوله تعالى: )وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا((النساء: من الآية 86)، وقد جاء في السنة ترك الرد في بعض الأحوال؛ لوجود عارض يمنع من الرد، ومن ذلك ما جاء في البخاري (1216) ومسلم (538) عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد عليّ، فلما رجعنا ـ أي: من الحبشة ـ سلَّمت عليه فلم يرد عليّ وقال: (( إنّ في الصلاة لشغلا))، فأخذ جماهير العلماء من هذا أن الإنسان إذا كان مشتغلا بأمر كالصلاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك، فإنه يسقط عنه وجوب الرد.

    وفي هذه التسوية بين الصلاة وغيرها نظر؛ إذ أن الصلاة نهى الله تعالى فيها عن الكلام، كما دل عليه قوله تعالى: )وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ((البقرة: من الآية 238)، وفي البخاري (1200) ومسلم (539) عن أبي عمرو الشيباني قال: قال لي زيد بن أرقم رضي الله عنه: ((إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت )حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ((البقرة:238) فَأُمِرْنَا بالسكوت))، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على من سلم عليه في الصلاة بالإشارة، كما في صحيح مسلم (540) عن جابر رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير ـ وفي رواية: يصلي ـ فسلمت عليه فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني فقال: ((إنك سلّمت آنفا وأنا أصلي))، وهو موجه حينئذ قبل المشرق. فلم يسقط حق المسلِّم بالكلية، كما أنه لم ينه عن السلام على المصلي، ولكن اعتذر عن الرد لفظا، فعلى هذا يكون ابتداء السلام مشروعا مطلقا، وأما رده فإنه يجوز لمن كان مشتغلا بما يشوش عليه رد السلام لفظا، أو لا يستطيع رده لفظا، أن يرده بالإشارة، وأما إذا كان لا يشوش عليه فالرد لفظا هو الأصل الذي يجب المحافظة عليه؛ لقوله تعالى: )وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا((النساء: من الآية 86)، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب رد التحية بمثلها أو أحسن منها.

    وأما بخصوص السلام على قارئ القرآن فقد جاء في مسند أحمد (16910) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: كنا جلوسا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ علينا فرددنا عليه السلام، ثم قال: (( تعلموا كتاب الله واقتنوه وتَغَنَّوا به، فو الذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل))، ففيه دلالة على السلام على قارئ القرآن، وكذا فيه دلالة على أن قارئ القرآن يرد السلام، إذا كان مقصودا بالسلام، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    29 /11 / 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1114
  • التنكيس في قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز قراءة القرآن في الصلاة على غير الترتيب الوارد في المصحف، وهو ما يعرف بالتنكيس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالتنكيس في قراءة القرآن له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: تنكيس السور، وذلك بأن يقرأ على خلاف ترتيب المصحف، كأن يقرأ سورة الناس قبل سورة الإخلاص، فهذا كرهه جمهور الفقهاء، من الحنفية والمالكية والحنابلة، فيما إذا كانت القراءة في ركعة واحدة، ولمن يتلو في غير الصلاة، وقال الشافعية: إنه خلاف الأولى. وأما إذا كان التنكيس في ركعتين، بأن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأ في الركعة الأولى، فقد قال النووي: إنه لا خلاف في جوازه.

    وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يكره، وهو رواية عن أحمد.

    وعمدة من كره ذلك، أنه مخالف لترتيب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذي استقر إجماعهم عليه.

    وأما من جوزه فقال: إن ترتيب السور اجتهادي، ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نص، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قبل مصحف عثمان. والصواب أنه لا يكره الإخلال بترتيب السور، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم (772) من حديث حذيفة رضي الله عنه في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: ((فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها)).

    الصورة الثانية: تنكيس الآيات، وقد حكي الإجماع على كراهيته، ما لم يُخِلَّ بالمعنى، فإن أخل به فإنه يحرم، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، فيما إذا كانت الآيات متلاحقة، في قراءة واحدة.

    الصورة الثالثة: تنكيس الكلمات، وهذا محرم بالاتفاق؛ لأنه يُخِلُّ بنظم القرآن.

    والله أعلم

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    1/ 8 / 1428 هـ 

    التفاصيل
    0
    1785
حديث
  • حديث ((أتاني ربي في أحسن صورة))
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يمكننا أن نقول: إن الله جل وعلا يستطيع أن يتشكل في أيّ صورة شاء؟ هذه الكلمة صدرت من إمام محاضر ببلدنا على إثر سؤال وجه إليه عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتاني الله عز وجل في المنام على أحسن صورة)).

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذا الكلام ناشئ عن جهل بالله تعالى وما له من الكمالات، قال الله تعالى: )مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ((الحج:74)، فالله تعالى له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته، )وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى((الأعراف: من الآية180)،)وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى((النحل: من الآية60)، أي: الوصف الأعلى، فيجب اعتقاد ذلك، وكل ما يوهم نقصا في صفات الله تعالى يجب تنزيهه عنه،)سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ((الأنعام: من الآية100).

    وما سألت عنه من أن الله تعالى يتشكل لم يأت به نص، فلا يجوز نسبته لله تعالى، وأما الحديث الذي ذكرت فقد رواه الترمذي (3233) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة)) قال: أحسبه قال: ((في المنام)).

    وليس في هذا الحديث دليل على ما ذكر هذا المحاضر من تشكل الله تعالى كما زعم، إذ الحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه في المنام بأحسن صورة، ومعلوم أن حسن الصورة ليس المؤثر فيه المرئي المنظور فقط، فقد يكون المنظور كامل الحسن والبهاء، ولا يُرى حسنه وبهاؤه، إما لضعف في حال الرائي، أو لوجود مانع من صفاء الرؤية.

    وقد ذكر بعض الشراح أن قوله في الحديث: ((في أحسن صورة)) يحتمل أن يكون وصفا للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس وصفا لله تعالى، و بهذا يتبين أن ما ذكره هذا المتكلم ليس بصواب، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    9 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1498
  • الكبر على المتكبر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما صحة هدا القول: (الكبر على أهل الكبر عبادة)؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد

    فهذا القول لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس له أصل في السنة، وأما من حيث معناه فقد ذكر جماعة من أهل العلم أن التكبر على المتكبر من الصور المستثناة من الكبر الذي جاءت النصوص بتحريمه، فقد نقل عن الشافعي قوله: تكبر على المتكبر مرتين، ونقل عن الزهري أنه قال: التجبر على أبناء الدنيا أوثق عرى الإسلام.

    والذي يظهر أن هذا من قبيل الاجتهاد في معالجة كبر المتكبر؛ لئلا يتمادى في كِبْره وغَيِّه، فإنه إذا رأى تواضع المتواضعين غرَّه ذلك وأَغْراه، وليس مقصودهم الكبر الذي هو بطر الحق (أي: رد الحق)، وغمط الناس (أي: احتقارهم)، وعلى كل حال فإن أولى ما يعالج به الكبر النصيحة والتذكير بالله تعالى.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

      15 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1544
  • حديث :أنا بريءٌ من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين
  • مند أن قرأت الحديث النبوي الواضح الدلالة والمقصود والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم:"أنا بريءٌ من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين".. وأنا أعيش في حيرة شديدة لأنّ بريءٌ على حسب معرفتي المتواضعة فهي من " بَرَاءَة " نقُول : بَرِئْت مِنْ الشَّيْء أَبْرَأ بَرَاءَة فَأَنَا مِنْهُ بَرِيء إِذَا أَزَلْته عَنْ نَفْسك وَقَطَعْت سَبَب مَا بَيْنك وَبَيْنه.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    الحديث الذي ذكرت رواه الترمذي (1604) وأبو داود (2645) من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) وقد صحح البخاري انه حديث مرسل من حديث قيس بن أبي حازم والحديث حمله أهل العلم على الإقامة في البلاد المحاربة لأهل الإسلام وقد روى البيهقي من طريق الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهعم فليس منا ) والحسن لم يسمع من سمرة والذي أوصيك به الرجوع إلى بلادك خشية الفتنة.

    التفاصيل
    0
    1506
  • حديث لا يقبل صلاة رجل مسبل
  • ورد في أثر لا أعرف صحته ( إن الله جل ذكره لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره ) فما صحة ذلك ؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث رواه أبو داود (638) وغيره من طريق أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة وقال عنه النووي إسناده صحيح على شرط مسلم وأعله المنذري وقال فيه أو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف.

    التفاصيل
    0
    584
  • حديث نهى أن ينتعل الرجل قائما
  • ما معنى هذا الحديث : عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائما . رواه أبو داود بإسناد حسن.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث يفيد كراهة لبس النعال قائماً ، وبهذا قال جماعة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وقد حمل بعض أهل العلم النهي على ما إذا كان اللبس قائماً يترتب عليه ضرر للابس  قال الخطابي: سبب النهي خوف انقلابه إذا انتعل قائماً فأمر بالقعود ، لأنه أسهل و أعون وأسلم من المفسدة ، وذهب جماعة من أهل العلم كفقهاء المالكية إلى جواز لبس النعال قائماً وأنه لا كراهة في ذلك لضعف الحديث والحديث رواه ابن عمر وأبو هربرة وجابر وأنس وقد ضعف البخاري حديثي أبي هريرة وأنس.

    التفاصيل
    0
    1369
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حلمه
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حلمه

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    اتصاف المرء بالحلم لا يعني ألا يغضب بالكلية فإن النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس خلقاً وقد شهد الله له بذلك فقال : (وإنك لعلى خلق عظيم) ومن خلقه أنه كان لا يغضب لنفسه ففي البخاري (6786) ومسلم ( 2328) (( مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ)) وفي رواية مسلم قالت : (  ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل )فيحمل ما جاء من غضبه انه كان من الغضب الممدوح الذي هو لله تعالى الدال على تعظيم الله سبحانه ولم يكن غضبه صلى الله عليه وسلم يخرجه عن شرع الله تعالى بل كان صلى الله عليه وسلم في غضبه ورضاه ما يقول إلا حقاً يدل لذلك ما في الترمذي (1990) عن أبي هريرة قال :قالوا : (يا رسول الله إنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقا))

    التفاصيل
    0
    574
طهارة
  • هل ينتقض وضوء من به سلس بخروج الوقت؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لو توضأ من به سلس لاستباحة طواف هل يضره خروج الوقت الذي هو فيه؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فعلى  القول بوجوب الوضوء لكل صلاة في حق من حدثه دائم ـ كما هو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ـ فإنه بخروج الوقت أو بدخول وقت الصلاة الثانية ينتقض الوضوء، فلا يصح الطواف على القول باشتراط الطهارة للطواف أو بوجوبها، والذي يظهر لي أنه لا ينتقض الوضوء في حق من كان حدثه دائما إلا بناقض معتاد غير ما بُلِي به، وعليه فإنه يطوف ولو خرج الوقت، أو دخل وقت الصلاة التالية، على أن الراجح صحة الطواف وجوازه من غير وضوء, والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    16/ 12/ 1424هـ

    التفاصيل
    0
    904
  • هل ينتقض الوضوء بخلع الشراب بعد المسح عليه؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا توضأت ومسحت على الشراب ثم فسخته، هل ينتقض الوضوء؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فلأهل العلم في هذه المسألة أقوال، أصوبها أنه لا ينتقض الوضوء في طهارة المسح بخلع الخف، بل الطهارة باقية يصلي بها ما لم يُحدِث، كما لو لم يخلع؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، ولا دليل على انتقاضها، ولو كانت الطهارة تنتقض بخلع الخف لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج إلى طهارة جديدة، ولا إلى إعادة غسل القدمين، وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، منهم الحسن البصري وقتادة، واختاره ابن المنذر، وهو اختيار شيخنا محمد العثيمين رحمه الله، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    21 /9 / 1424هـ

    التفاصيل
    0
    3335
  • مدة المسح على الخفين
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل المسح على الخفين والجوربين محدد بمدة معينة ؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي أسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد

    فالخفان  والجوربان إذا لبسهما الإنسان على طهارة يجوز أن يمسح عليهما يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي رضي الله عنهما قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» رواه مسلم.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    29 /1 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1027
  • ما يمسح من الخف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بالنسبة للمسح على الخفين أو الجوربين، هل يمسح أعلى الخف وأسفله، أو أعلاه فقط؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي أسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد

    فالسنة في مسح الخف مسح أعلاه دون أسفله على الصحيح من قولي أهل العلم، ويشهد له ما رواه أبو داود (162) وغيره من حديث علي رضي الله عنه قال: ((لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه)) أي: أعلاهما.

    وقال جماعة من أهل العلم بأن السنة مسح أعلى الخف وأسفله، واستدلوا بما رواه أبو داود (165) وغيره من حديث المغيرة بن شُعبة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله))، ولكنه حديث معلول كما قال الترمذي، وقد ضعفه الأئمة، البخاري وأبو زرعة وغيرهم، والله أعلم.

     أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    17 /2/ 1426هـ 

    التفاصيل
    0
    1145
  • شعر الميتة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما الدليل على طهارة شعر الميتة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأصل في الأعيان الطهارة، ولا دليل على نجاستها، وأما قوله تعالى: )حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ((المائدة: من الآية3)، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (1/266): "لا يدخل فيها الشعور وما أشبه ذلك؛ لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة الحيوان، وحياة النبات"اهـ، وذكر أن حياة الشعر كحياة النبات، ينمو ويتغذى وليس فيه حس، ولا يتحرك بإرادة، ولا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها، ولا وجه لتنجيسه، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    28 /3 /1425هـ

    التفاصيل
    0
    888
  • حكم تبديل اللفافة لمن به سلس عن الوضوء
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يلزم المصاب بسلس البول تبديل اللفافة عند كل وضوء؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

     أما بعد ..

    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:

    للعلماء في ذلك قولان:

    القول الأول: أنه لا يجب تغيير اللفافة عند كل وضوء, وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وظاهر قول الحنفية والمالكية شرح العمدة (ص492).

    القول الثاني: أنه يجب تغيير اللفافة عند كل وضوء, وهذا مذهب الشافعية.

    والراجح هو القول الأول، فلا يلزم صاحب الحدث الدائم ـ من سلس البول أو غيره ـ تغيير اللفافة مع كل وضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك المستحاضة، ولما في ذلك من المشقة والحرج، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "وهو أقوى؛ لأن في غسل العصائب كل وقت وتجفيفه، أو إبدال طاهر به، مشقة كبيرة، بخلاف الوضوء, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرها بالوضوء لكل صلاة لم يذكر غسل الدم وعصب الفرج"اهـ انظر: فتح القدير (1/185)، الذخيرة (1/29)، حاشية الدسوقي (1/184).، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    16/12/1424هـ

    التفاصيل
    0
    1944
صلاة
  • قراءة سور الأعلى والكافرون والإخلاص في صلاة الوتر إذا كانت بتسليمتين
  • فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يسن قراءة سبح والكافرون والإخلاص في صلاة الوتر إذا كانت بتسليمتين فقد نقل بعض طلبة العلم أنها لا تسن إلا إذا صليت موصولة لانها حال الفصل لا تكون وترا؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في وتره بسبح والكافرون والإخلاص جاء ذلك في حديث أبي بن كعب وعائشة وعبدالرحمن بن أبزى رضي الله عنهم، وبهذا قال جماهير العلماء دون تفريق بين كونه صلى الوتر متصلا بتسليمة أو منفصلا بتسليمتين، عملا بظاهر السنة التي لم تفرق بين فصل الوتر ووصله. وما قيل من أنه لا تسن قراءة سبح والكافرون إذا صلاها بتسليمتين بحجة أنه لا يكون وترا حينئذ فهذا قول مع مخالفته لظاهر الأحاديث فإني لا أعلم به قائلا من الأئمة. كما أن لاحتجاج بانه لا يكون وترا حال الفصل فلا يدخل في الأحاديث فغير صحيح وذلك أن صلاة الركعة توتر له ما كان قد صلى قبلها أموصولا كان ما قبلها أم مفصولا وبهذا جاء نص حديث ابن عمر الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الليل؟ فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت هذا لفظ البخاري ومثله لفظ مسلم توتر له ما قد صلى. فتسمى الثلاث وترا صلاها متصلة أو منفصلة. والخلاصة أن من السنة قراءة سبح والكافرون والإخلاص في الوتر موصولا صلي أم مفصولا. ووصيتي لإخواني طلبة العلم ومن ينقل عنهم التأني والتثبت في نقد ما توالى عليه عمل العلماء منذ قرون، وفق الله الجميع للسداد في القصد والعمل.

    كتبه

    خالد بن عبدالله المصلح

    18/9/1636

    التفاصيل
    0
    218
  • حكم تأخير صلاتي العشاء والظهر عن أول الوقت
  • فضيلة الشيخ أ.د خالد المصلح حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد. فآمل الإفادة في مسألة تأخير صلاتي العشاء والظهر عن أول الوقت ، فهل يجوز ذلك أم لا؟، وبارك الله فيكم وجزاكم خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أمَّا بعد.

    فبخصوص استفساركم عن إمكانيَّة تأخير وقتي صلاتي العشاء والظهر، فأُفيدكم بأنَّه لا خلافَ بين أهل العلم، في صحَّة الصَّلوات المكتوبات، ما دام قد تمَّ أداؤها في الوقت، سواء في أوَّله أو في وسطه أو في آخره، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، إلا أنَّ الأفضلَ في الصلوات المكتوبات أن تؤدَّى في أوَّل الوقت، لما في "الصَّحيحين" من حديث ابن مسعود، عندما سُئل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال:«الصَّلاةُ على وقتها» صحيح البخاري(527)، ومسلم(85)، ويتحقَّق ذلك بأن تصلَّى في أوَّل وقتها، وهذا أصلٌ شامل لكلِّ الصَّلوات؛ إلا أنَّ أهلَ العلم اختلفوا في أفضل وقتٍ لصلاة العشاء، فقال جمهور العلماء من الحنفيَّة والحنابلة وغيرُهم باستحباب تأخيرها إلى ثلث الليل، لما جاء في "الصَّحيحين" وغيرهما، عن جماعةٍ من الصَّحابة، منه ما رواه مسلم من حديث عائشة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعتَمَ ذات ليلةٍ، حتى ذهب عامَّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلَّى، وقال: «إنَّه لوقتُها لولا أن أشُقَّ على أمَّتي» أخرجه مسلم (638). وكذلك ما جاء في "الصَّحيحين" من حديث ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعتَمَ حتَّى رقد النَّاسُ، فخرج رسول اللهصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم أن يُصلُّوها هكذا» صحيح البخاري(571)، ومسلم(642) ، فعلى هذا القول يكون الأفضلُ في وقت صلاة العشاء، أن تُصلَّى بعد مُضيِّ ثلث اللَّيل الأوَّل، ما لم يكن في ذلك مشقَّةٌ على النَّاس.

    وأما بخصوص تأخير صلاة الظُّهر، إلى قُبيل العصر، فجمهور العلماء على أنَّ الأفضلَ في صلاة الظُّهر، صلاتُها في أول الوقت، إلا في شدَّة الحرِّ، فإنَّه يُستحبُّ الإبراد بها (وهو تأخيرها) إلى قُبيل العصر، لما جاء في "الصَّحيحين" من حديث أبي ذرٍّ قال: أذَّن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أبرِدْ أبرِد» أي: انتظر انتظر، ثم قال :«شِدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصَّلاة»، صحيح البخاري(535)، ومسلم(616) وقد جاء مثلُ هذا عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.

    ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن المرجع في تحديد أوقات الصلوات منوطاً  بوزارة الشُّؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدَّعوة والإرشاد، فإنَّها الجهة الَّتي تُعنى بذلك، مراعيةً فيه ما يُحقِّقُ السُّنَّة، ويصلُح به حال النَّاس تقديما وتأخيراً ما دام في الوقت، يدل لذلك ما جاء في "الصَّحيحين" من حديث جابر أنه قال في وقت صلاة النَّبيِّ العشاءَ: «والعشاء أحياناً وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر » صحيح البخاري(560)، ومسلم(646)، وهذا أصلٌ في مراعاة ما يتحقَّق به مصلحة النَّاس، وتندفع به عنهم المشقَّة.

    وفَّق الله الجميعَ إلى ما فيه الخير.

    عضو الإفتاء في منطقة القصيم

    أ.د خالد بن عبدالله المصلح

    التفاصيل
    0
    584
  • حكم الجمع بين الصلوات في العمليات الطبية الطويلة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في حال العمليات التي تستغرق ساعات طويلة، ولا يستطيع الطبيب الجرّاح مغادرة غرفة العمليات، مما يؤدي إلى فوات وقت الصلاة، فما الذي يجب عليه في مثل هذه الحال؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فأوجب الله تعالى على المؤمنين إقامة الصلوات في أوقاتها فقال تعالى: )إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً((النساء: من الآية103)، فواجب على المؤمن أن يحافظ على الصلاة في أوقاتها كما أمر الله تعالى: )حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ((البقرة:238)، ولتحقيق ذلك ينبغي أن يعلم أن أوقات الصلوات لها حالان:

    الحال الأولى: حال السعة، وهي في هذه الحال خمسة أوقات، لكل صلاة وقت يخصها، كما ذكرها الله تعالى في قوله: )أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً((الإسراء:78)، وكما في قوله: )فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ _وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ((الروم:17ـ18).

    وقد جاء بيان أوقات هذه الصلوات ابتداء وانتهاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، ففي صحيح مسلم (614) من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا، قال: ((فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين)).

    الحال الثانية: حال العذر، وهي في هذه الحال ثلاثة أوقات، الفجر وقت، والظهر والعصر وقت، والمغرب والعشاء وقت، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم الجمع حال السفر في أحاديث عديدة، وكذلك ثبت عنه الجمع حال الإقامة؛ لأجل العذر ورفع الحرج، ففي صحيح مسلم (705) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر)) قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: ((كي لا يحرج أمته)) وفي رواية قال: ((أراد أن لا يحرج أمته))، فهذا أصل يعتمد عليه في مشروعية الجمع لأجل الحاجة، وقد قال بهذا الأصل جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، وإن كانوا قد اختلفوا في ضابط الحاجة المبيحة للجمع، وأقرب ما يقال في ضابط ما يبيح الجمع: (كل ما يلحق الإنسان فيه حرج ومشقة، فإنه يجوز له الجمع من أجله، بشرط ألا يتخذ ذلك عادة)، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، منهم ابن سرين وربيعة وابن المنذر وغيرهم، وبه قال شيخنا ابن عثيمين، وعلى هذا فيجوز الجمع للطبيب إذا احتاج لذلك، سواء أكان في غرفة العمليات أو غير ذلك من الحالات التي تستدعي حضوره.

    لكن مما يجدر التنبيه إليه في مسألة الجمع بين الصلاتين، أنه ينبغي الحذر من التساهل في ذلك، فقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال البتة، كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد (12/210)، وصح عن عمر رضي الله عنه أنه من الكبائر.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    التفاصيل
    0
    1714
  • من أحكام الأذان المسجل
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم رفع الأذان بشريط مسجل إذا اكتفي به عن المؤذنين؟ وهل تشرع إجابته؟ وما حكمه في المستشفيات والدوائر الحكومية؛ للإعلام بدخول الوقت، من دون الاستغناء به عن أذان المؤذنين في المساجد؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي أسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد

    فالأصوات  المسجلة حقيقتها أنها حكاية لصوت من تكلم بها في زمن سابق، وهي بهذا ليست كالأصوات التي يتلفظ بها في الحال، لا من حيث القصد والنية، ولا من حيث الواقع والحقيقة، وتفريعا على هذا التأصيل يتبين أن الاكتفاء في رفع الأذان على هذه الأصوات المسجلة غير مجزئ؛ لافتقارها للنية التي هي أصل العمل، كما في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((إنما الأعمال بالنيات))، ولما فيها من عدم اشتغال المكلفين بما طلب منهم من ذكر الله تعالى بأنفسهم؛ فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم)) أخرجه البخاري (819) ومسلم (674) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وعليه فإن جميع الأحكام المبنية على سماع النداء من الإجابة والمجيء وغير ذلك، لا تثبت لهذا الأذان المسجل، ولا يدخل فيما ندب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)) أخرجه البخاري (611) ومسلم (383) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ إذ الإجابة مشروعة في الأذان المشروع، ولكن لو أجابه لأجر على ما فيه من ذكر الله تعالى دون ثواب الإجابة.

     وأما استعمال أصوات المؤذنين المسجلة للتنبيه، دون الاكتفاء بها عن الأذان المشروع، كالتسجيل في بعض المؤسسات والدوائر، فلا حرج فيه؛ لأنه مجرد تنبيه، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    27 /4/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1631
  • قول الإمام عند تسوية الصفوف: صلوا صلاة مودع
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز قول الإمام: صلوا صلاة مودع، عند تسوية الصفوف؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأمر  بأن يصلي الإنسان صلاة مودع، جاء في عدة آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بالنظر إلى أفرادها لا تخلو من ضعف، إلا أن مجموعها يدل على أن لها أصلا، ومن ذلك ما رواه أحمد (22987) وابن ماجه (4171) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني وأوجز! قال: ((إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس))، ونحوه عن ابن عمر رضي الله عنهما عند الطبراني في الأوسط (4427)، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، إلا أنه ليس في هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك عند تسوية الصفوف، ولكن لو قالها الإمام فالذي يظهر أنه لا حرج في ذلك، لا سيما إذا وجد ما يدعو إلى هذا التذكير، من تشويش أو انشغال قد يمنع حضور القلب، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    4/ 1/ 1429هـ

    التفاصيل
    0
    2905
  • قضاء الحائض للصلاة التي تجمع مع غيرها
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا طهُرت المرأة مثلاً الساعة الرابعة عصراً واغتسلت، فهل تصلي الظهر والعصر، أم تصلي العصر فقط؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فلا  خلاف بين أهل العلم في أن الحائض إذا طهرت قبل خروج الوقت فإنه يلزمها صلاة ذلك الوقت الذي طهرت فيه، على خلاف بينهم في قدر الوقت الذي إذا أدركته وجبت عليها الصلاة، فذهب الحنابلة والشافعية إلى أنه إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام وجب عليها القضاء، وذهب المالكية إلى أنه إنما يجب عليها القضاء إذا أدركت قدر ركعة من الوقت.

    واختلفوا في وجوب قضاء ما يجمع إليها من الصلاة، كما لو طهرت في وقت العصر، فهل يلزمها قضاء صلاة الظهر؟ على قولين لأهل العلم:

    القول الأول: يجب عليها أن تصلي الظهر والعصر، وإليه ذهب جماهير أهل العلم، من التابعين ومن بعدهم من فقهاء المذاهب.

    القول الثاني: لا يجب عليها إلا الصلاة التي طهرت في وقتها فقط، وإليه ذهب الحسن، وهو قول الثوري ومذهب أبي حنيفة، وهذا القول أقوى من حيث الحجة؛ فإن وقت الأولى خرج في حال عذرها فلم تجب عليها، ولكن الأحوط أن تصلي الصلاتين إذا طهرت في وقت الأخيرة، وقد جاء ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم عبد الرحمن بن عوف وابن عباس رضي الله عنهم، والله تعالى أعلم.

      أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    19 /9/ 1427هـ

    التفاصيل
    0
    2119
نكاح
  • حكم تزويج البنت الصغرى قبل الكبرى
  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فضيلة الشيخ خالد عبدالله المصلح .. حفظه الله.

    أما بعد.

    تقدم لابنتي الصغرى رجل خاطب لها، ولها أخت أكبر منها، فهل يحق لي أن أرفض الخاطب بحجة أن لها أخت أكبر منها، ولا أريد تزويج الصغرى قبلها مراعاة لها.

    أريد حكم الشرع في ذلك، علماً أن الخاطب عيَّن الصغرى بالاسم، وما يجب علينا جميعاً في هذه الحال، حفظكم الله.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فإن مقصود ولاية النكاح إعانة المرأة من بنت أو أخت أو غيرهما في اختيار الكفء الذي يرضى في دينه وخلقه وأمانته. فمتى تقدم للمرأة من توافرت فيه هذه الصفات فإن الواجب على الولي أن لا يعضلها ولا يمنعها منه، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فيما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض فساد عريض» "سنن الترمذي"(1084)، واخرجه الحاكم (2/179)، ح(2695)، وقال : " صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبى بأن فيه عبد الحميد بن سليمان أخا فليح ، قال أبو داود : كان غير ثقة ، ووثيمة لا يعرف.  ومثله ما جاء عن أبي حاتم المزني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد» أخرجه الترمذي (1085) وقال :" حسن غريب"، وأخرجه الطبراني (22/299 ) ح(762) ، وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير " (2/330) ، والبيهقي (7/82 )ح( 13259) .

    ومن هذا كله يتبين أن رد خاطب البنت الصغرى وعدم تزويجها إذا تقدم لها كفؤٌ لكون البنت الكبرى لم تتزوج مخالف لما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  ، وهو من الظلم والخيانة للأمانة، وخروج عن مقتضى النصيحة التي هي مقصود الولاية.

    فالواجب على ولي المرأة إذا بلغت مبلغ النكاح وتقدم لها كفؤٌ أن يبادر إلى تزويجها، ولا يمنعه من ذلك تأثر الأخت الكبرى، لأنه لا حق لها في هذا التأثر وعدم الرضا، وينبغي له أن يذكرها بأن تقدم أختها في النكاح لن يمنعها ما قسم الله لها من رزق، فقد جعل الله لكل شيء قدراً، ولعل الله أخرها لخير ، فلتَطب نفسا بقضاء الله وقدره، ولتسأل الله من فضله، ويذكرها أيضاً بأن التقدم أو التأخر في الزواج ليس معياراً لكمال صفات المرأة من عدمها، فكم من عالية الصفات تأخر نكاحها، والله الموفق.                                                           

    عضو الإفتاء بالقصيم

    أ.د. خالد بن عبدالله المصلح

    3 / 3 / 1436 هـ

    التفاصيل
    0
    3500
  • ضابط ما يسأل عنه من حال الخاطب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز للمرأة أن تسأل من يتقدم لخطبتها الاطلاع على ما في هاتفه الجوال؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأصل أنه يجوز للرجل والمرأة أن يسأل كل واحد منهما عن حال الآخر؛ للتثبت من سلامة خلقه ودينه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) أخرجه الترمذي (1084)، والرضا بالدين والخلق والأمانة لا يكون إلا بعد العلم بالحال، فكل وسيلة يحصل بها العلم بالحال دون تعدٍ فإنها تجوز، لكن لا يجوز أن يهتك بذلك ستر، كأن يسأل أحدهما الآخر هل وقعت في ذنب كذا وكذا؟! فإن هذا لا يجوز السؤال عنه، ولا يجب على المسئول الإخبار به، حتى لو كان قد وقع منه، وكذلك لا يجوز السؤال عمّا يحصل به هتك الحرمات، كالصورة المسئول عنها، فليس لأحد الزوجين أن يطالب الآخر بمطالعة ما هو من خصوصيات الطرف الآخر أمام الناس، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د/ خالد المصلح

    14 / 10 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1759
  • استغلال الزوج لمال زوجته ثم تطليقه لها
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا تزوجت من أربعة شهور، وتبين أنه متزوج، وقبل ما يتزوج حلف على القرآن على أنه لا يطلقني إذا طلبت منه زوجته الأولى ذلك، وقد ساعدته بمبالغ كبيرة، والآن تفاجأت بأنه طلقني غيابيا، فما حكم ذلك؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فالحقيقة أن المشكلة ليست في اليمين، المشكلة في تسلط بعض الرجال على النساء وأكلهم أموالهن بغير حق، هذه المشكلة يجب أن يقف عندها طلبة العلم وأهل الدعوة وأهل الفضل، بل أنا أدعو المجتمع كافة إلى أن يُنصف المرأة من الظلم الواقع عليها من بعض الرجال في مسألة أكل الأموال، سواء كان ذلك ميراثا، أم كان ذلك مرتبا، أو غير ذلك، نحن نسمع من القصص ما تتقرح له الأكباد في مسألة تسلط بعض الرجال على أموال النساء.

    أنا أذكّر الرجال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» متفق عليه، وبقوله: «لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه» رواه أحمد والدارقطني والبيهقي وحسنه، فكيف بالذي يأخذ الأموال الطائلة من النساء، ثم يجحدهن؟! بل تجده يأخذ منها المال الكثير ثم يتزوج عليها بهذا المال، فهذا في غاية الغبن وغاية الظلم للمرأة.

    أما ما يتعلق باليمين فلا أريد أن أتكلم فيها؛ لأنها شيء يخصه ويتعلق به؛ لكن هل اليمين تمنع من الطلاق؟ الجواب: لا تمنعه من الطلاق، والطلاق واقع.

    وكون الطلاق حصل في غيبتك لا يؤثر، فالطلاق يحصل في الغيبة والحضور، لكني أعزيك فيما نالك من مصاب، وأوجهك إلى الغالب الطالب، الله الذي لا إله إلا هو، فاسأليه أن ينصفك منه.

     

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    5 / 3 / 1433هـ

    التفاصيل
    0
    1655
  • الزواج من متحول جنسيا
  • بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد : رجل تحول جنسيا الى امرأة وهو الان امرأة داخليا وخارجيا واضافوا له رحم وازالوا اعضاءه الذكرية ووضعوا له اعضاء انثوية ، والسؤال الان : هل يجوز الزواج منه او منها بعدما تحول هكذا؟ علما انه طبيا يستطيع الانجاب ومن يراه لا يمكن ان يعرف انه كان رجلا في السابق .

    الحمد لله وحده ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإن التحول الجنسي من ذكر إلى أنثى والعكس له حالان تختلف فيهما الأحكام:
    الحال الأول: إذا كان هذا التحول لإظهار حقيقة أصل الجنس وحقيقته، سواء كان أصل الجنس أنثى أو العكس وظهر عليه صفات الذكورة أو الأنوثة، فإن إزالة هذه الصفات الظاهرية لا حرج فيه ويجري عليه أحكام الجنس الأصلي، فمثلاً إذا كان أصل الجنس أنثى وظهر على الشخص صفات الذكورة فيجوز إزالة هذه الصفات بما يسر الله من أسباب طبية، وحينئذ يرجع الشخص إلى أصل جنسه وهو الأنثوية كما في هذا المثال، وتثبت له جميع أحكام الأنثى، ومن ذلك أنه يجوز أن يعقد عليها النكاح رجل.
    والحال الثانية: إذا كان هذا التحول لإخفاء صفات الجنس الأصلي التي خلق الله تعالى الإنسان عليه، وإظهار صفات الجنس الآخر التي جاءت من جراء التحويل، فهذا من عظائم الإثم وكبائر الذنوب، فهو تغيير لخلق الله تعالى موجب للعقوبة.
    وهذا العبث الذي حصل بإظهار صفات الأنوثة وإخفاء صفات الذكورة أو العكس لا يغير حقيقة الشخص، فيبقى له أحكام أصل جنسه من الذكورة أو الأنوثة، فإذا أجرى ذكر عملية تحول إلى أنثى فإنه يبقى له أحكام الذكورة ولا يجوز لرجل أن يعقد عليه النكاح، والله الهادي إلى سواء السبيل.
    أخوكم
    أ.د خالد المصلح.
    5 / 11 / 1434هـ

    التفاصيل
    0
    10703
  • حكم قراءة مواضيع جنسية
  • هل يجوز لي أن اقرأ أو أشاهد الصور الجنسية قبل المعاشرة الزوجية؛ طلبا للإثارة أكتر، حيث إنني لا أجد متعتي في المعاشرة إلا بذلك؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    لا تجوز مشاهدة هذه القاذورات الجنسية بحجة التهييج والاستثارة من أجل الجماع؛ لما في ذلك من شهادة الوزر، ولما فيه من الاطلاع على العورات، والنظر للزنا الذي يبغضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمشاهدة هذه المقاطع لا يجوز بحال.

    وأما قراءة القصص الجنسية فإنها أقل شرا، ولكنها من خطوات الشيطان، فهي لا تخلو إما أن تحكي قصصا عن الزواني والزناة وهذه محرمة، وإما أن تحكي قصصا عن أزواج وزوجات معينين أخبروا بها، فهي داخلة في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها" (رواه مسلم (1437) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).

    كما أن في جميع هذه الوسائل ما يخدش بالحياء، ويغري بالسوء، ويؤثر سلبا، فتأتي النتيجة على عكس ما قصد بها، ويزهد المرأة في زوجها، والزوج في امرأته.

    التفاصيل
    0
    3606
  • حكم تحديد النسل
  • ما حكم تحديد النسل, بأن يتفق الزوجان على إنجاب خمسة أطفال فقط، أو التوقف عن الإنجاب إذا بلغت المرأة سن الثمانية والثلاثين مثلا؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    تكثير النسل من أعظم مقاصد النكاح،وهو مما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ففي أبي داود (2050) والنسائي (3227) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال،وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: لا. ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم"، وفي التحديد المسئول عنه مخالفة لهذا المقصود، ثم إن كان التحديد يتضمن استعمال وسائل تؤدي إلى منع الحمل بالكلية فإن ذلك محرم عند أهل العلم؛ لما فيه من الجناية على النفس، وتعطيل هذه المنفعة، وأما إذا كانت الوسائل المستعملة في ذلك لا تؤدي للمنع الكلي فالذي يظهر أنه يجوز، وإلى هذا دهب أكثر أهل العلم؛ لأن غايته أن يكون كالعزل، فقد جاء في البخاري(7409) ومسلم (1438) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" وفي رواية للبخاري (2229): "فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي خارجة"، وفي البخاري (5209) ومسلم (1440) من حديث عطاء أنه سمع جابرا رضي الله عنه قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل" وفي لفظ: "كنا نعزل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل"، إلا أن ذلك مكروه؛ لما روى مسلم (1442) عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة رضي الله عنها قالت: إن ناسا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي"، فإذا ضم هذا الحديث لما قبله من الأحاديث الدالة على الجواز، دل ذلك على كراهية العزل؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم سماه وأدًا.

    التفاصيل
    0
    3187
منوع
  • الإهداء لمن تخرجه القرعة - من صور الهدايا المحرمة
  • فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

    تعاهدت أنا وصديقات لي أن تتبرع كل واحدة منا بهدية ولا تعرف الأخرى مقدارها، ثم نجمع تلك الهدايا ونوزعها عن طريق القرعة، فلا تعلم كل واحدة شيء عن هديتها ولا من أخذتها ، ولا مقدار ما أخذت فهل يجوز هذا التصرف

    بارك الله فيكم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،،

    فهذه الطريقة في التهادي هي صورة من صور القمار والميسر المحرم الذي قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِالشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة المائدة:90 وبيان ذلك أن كل واحد من المشتركين في التهادي يبذل مالا معلوماً  وهو ما جاء به من هدية ويجهل ما سيأخذه مقابل ذلك، فقد يكون ثمن ما يأخذه مثل ثمن ما بذل من هدية  فيسلم وقد  ثمن ما يأخذه أعلى من ثمن ما بذل من هدية  فيغنم وقد يكون ثمن ما يأخذه أقل من ثمن ما بذل من هدية فيغرم، كما أنه قد يكون يخرج له هدية لا يرغبها بغض النظر عن ثمنها أو شخص لا يرغب في إهدائه لو كان له اختيار وذلك أن تعيين الهدية يتم بطريقة الاختيار العشوائي.

     فالذي يظهر لي أن هذه معاملة محرمة .. والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    1098
  • قول الرجل للمرأة الأجنبية: حبيبتي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم قول الطبيب للممرضة النصرانية: (ياحبيبتي) معللا ذلك بأنه حب العمل، وحب الزمالة، لا حب الجنس والشهوة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد. فلا يجوز للرجل الأجنبي أن يتكلم مع المرأة الأجنبية منه بمثل هذه الكلمات؛ لأنه ليس من القول المعروف الذي يخاطب به الرجال النساء، ومعلوم أن مخاطبة الرجل للمرأة التي لا تحل له يجب أن يكون على وفق قول الله: )فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً((الأحزاب: من الآية32)، وهذا الأمر وجه للنساء وهو أيضاً موجه للرجال في محادثاتهم النساء، فقولك للممرضة: يا حبيبتي! هو من الخضوع بالقول الذي يغري بالشر والفساد، ولو كنت لم تقصد، فنصيحتي لك ترك مثل هذه الكلمات؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإياك والتساهل، فإنك إن ضمنت نفسك، فإنه ليس لديك ضمان في تأثير ذلك على من تسمع هذا الكلام، وما يمكن أن يترك من أثر في نفسها، وفق الله الجميع للخير.  

    أخوكم  أ.د.خالد المصلح     

    التفاصيل
    0
    740
  • تفصيل القول في نظر المرأة للرجل الأجنبي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل على المرأة حرج في نظرها للرجال، سواء مباشرة أو من خلال التلفزيون؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد. فنظر  المرأة إلى الرجال لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: أن يكون نظرا بشهوة أو تخشى منه فتنة، فهذا محرم لا يجوز باتفاق أهل العلم، كما قال غير واحد من أهل العلم، كالجصاص والنووي. الحال الثانية: أن يكون نظرا للحاجة فهذا جائز؛ لأن منع النظر ـ على القول بتحريمه مطلقا ـ إنما هو من باب تحريم الوسائل الذي تبيحه الحاجة. الحال الثالثة: أن يكون نظرا لا حاجة إلية، ولا شهوة فيه، ولا تخشى منه فتنة، فهذا اختلف فيه أهل العلم على قولين في الجملة: القول الأول: أن ذلك جائز، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، واستدلوا لذلك بعدة أحاديث، منها ما رواه البخاري (455) ومسلم (893) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، وأنا جارية))، وما روى مسلم (1480) من طريق أبي سلمه عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده))، وحملوا قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ (النور: من الآية31)، على غض البصر عما لا يجوز النظر إليه من العورات. القول الثاني: أن ذلك حرام، وهذا مذهب الشافعي وهو رواية في مذهب أحمد، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ (النور: من الآية31)، واستدلوا أيضا بما رواه أبو داود (4112) والترمذي (2778) من طريق الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأقرب القولين للصواب القول بالجواز، إلا إن خُشِي من ذلك شر أو فساد، فإنه لا يجوز حينئذ بالاتفاق كما تقدم، ويلحق بهذا ما إذا نظرت المرأة إلى الرجل نظر تأمل في محاسنه وجماله؛ لأن هذا النظر مظنته وجود الشهوة فلا يجوز. أما ما استدل به القائلون بتحريم نظر المرأة للرجل مطلقا، فعمدته حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو حديث تكلم فيه أهل العلم من جهة نبهان مولى أم سلمة، فهو ممن لا يحتج بروايته، وقيل في الجواب ما قاله أبو داود: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده)). و أما الآية فإن فيها وجوب غض البصر عن النظر إلى ما نهي عنه، وليس وجه الرجل منه في حال عدم الشهوة، يشهد لهذا ما رواه البخاري (988) ومسلم (892) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد)) والله تعالى أعلم.   

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    12/ 4/ 1426هـ    

    التفاصيل
    0
    979
  • هل تكون الرقية سرا أو جهرا؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طبيب وعند معالجتي أو فحصي للجزء المصاب من جسم المريض، أستغل الوضع بالرقية الشرعية سرا، دون أن يسمعني المريض، سواء بقراءة آية الكرسي والنفث على المصاب، أو بالدعاء له: "اللهم رب الناس أذهب البأس اشف أنت الشافي..."، فهل ما أفعله صحيح، أو عليّ أن أجهر بذلك؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد. فالرقية الشرعية سواء أكانت قرآنية أم نبوية، هي من أعظم الأسباب التي يحصل بها الشفاء، ولا يلزم في الرقية سماع المرقي لما يقرأ عليه من قرآن أو دعاء، ولذلك لا حرج في أن يرقي الطبيب المريض سرا، إلا أن الجهر بالرقية له أثر ملحوظ في حصول المقصود، وإن كانت الرقية سرا في بعض الأحيان أقرب لحضور القلب وإخلاص الدعاء، وفي كل خير.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    19 /10/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1019
  • فضل دراسة الطب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل هناك فضل خاص بدراسة الطب؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالعلوم الدنيوية واجبة على الأمة، لاسيما في هذا الوقت الذي تعيش الأمة سباقا حضاريا لا يعرف توقفا ولا كللا، فحاجتنا ماسة إلى العلوم بشتى صنوفها في الصناعة، وفي الطب، وفي غيرهما، فالاشتغال بهذه العلوم الطبيعية والتجريبية مما يحصل به سدُّ فرض الكفاية، ومن خلالها تستغني الأمة عن غيرها، فإذا أصلح الدارس النية حصل له الأجر والكسب؛ فإنما الأعمال بالنيات.

     

    أخوكم

     د.خالد المصلح

    التفاصيل
    0
    1894
  • حكم علاج المرأة عند طبيب مع وجود طبيبة والعكس
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم ذهاب البنت إلى المستشفى وأخذ موعد مع طبيب، ولا تطلب طبيبة، فهل تأثم إذا عالجها طبيب مع وجود طبيبة في نفس المجال؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأصل أن الإنسان مأمور بستر عورته عن الناس، ولا يجوز له إبداؤها إلا لحاجة، وبقدر تلك الحاجة أيضا، والقاعدة عند العلماء أن الكشف للجنس الواحد أخف من الجنس المختلف، فإذا وجدت الطبيبة فلا يجوز للمرأة العلاج عند الرجل، ومثل ذلك يقال في الرجل، إذا وجد طبيبا فلا يجوز له أن يكشف عند امرأة.

    أخوكم

     د.خالد المصلح

    التفاصيل
    0
    1590
الاكثر قراءة
  • شرب زمزم بنية صلاح الحال والزواج ونحو ذلك
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الحديث عن فضل ماء زمزم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ماء زمزم لما شُرِبَ له، إن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله))؛ ومن دعاء ابن عباس عند شرب ماء زمزم: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء) رواه الحاكم، فما صحة الحديث؟ وهل يصح شرب ماء زمزم بنية صلاح الحال، أو بنية الزواج وغيرها؟

    التفاصيل ..
    0
    16925
  • جماع الزوجة في الحمام
  • ما حكم جماع الرجل لزوجته في الحمام؟

    التفاصيل ..
    0
    14044
  • وقت قراءة سورة الكهف
  • هل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة في أي وقت أم أن لها وقتا محددا؟

    التفاصيل ..
    0
    11384
الأكثر تحميلا
  • خطبة : بماذا تتقي النار.
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، صفيُّه وخليله، خِيرته من خلقه، لم يترك خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًا إلا حذَّرنا منه، حتى تركنا على محجَّةٍ بيضاء، طريقٍ واضحٍ جليٍّ، لا زلل فيه ولا خفاء، من استمسك به هُدي، ومن حاد عنه ضلَّ وعمي، فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله حق التقوى، وقوموا بما أمركم الله تعالى به في حقه، من توحيده، من تعظيمه، من محبته، من إجلاله، من السَّعي إليه بكلِّ ما تستطيعون، من طلب رضوانه، فإنَّ خيرَ ما يَستعمل به الإنسان نفسه، أن يشتغل بما يُرضي ربَّه جلَّ في علاه، وإنَّ الله تعالى فرض عليكم فرائض، لتُسعدكم في دنياكم، ولتحفظكم من أهوال يوم معادكم، فاحرصوا على القيام بها على الوجه الَّذي يرضى به عنكم، فإنَّ كلَّ طاعة تقربكم إليه، كما أنَّ كل معصية تُباعدكم منه، فكلُّ قُربة، كلُّ طاعة، ظاهرة أو باطنة، فيما بينك وبين الله عز وجل، أو فيما بينك وبين الخلق، في أداء الحقوق والإحسان إليهم، كلُّ ذلك يقربك إلى مولاك، واعلم أنَّ من أعظم ما تَتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، أن تؤدي الحقَّ الذي فرضه عليك، في حقِّه وفي حق عباده، فأحبُّ ما تقرَّب به العبدُ إلى الله، أداء الواجبات والفرائض، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يقول الله تعالى : «إنَّ الله قال: من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطشُ بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته»موقع أ.د خالد  المصلح صحيح البخاري: باب التواضع, حديث رقم: 6137 .

     فالمرتبة الأولى هي: أن تقومَ بما فرض الله تعالى عليك، والمرتبة الثانية هي: أن تقوم بالاستكثار من الصَّالحات والتطوُّعات والمستحبات، فتلك الطريق هي التي يدرك بها الإنسان رضا الله جلَّ وعلا، بها يدرك فوز الآخرة، ونجاة الدنيا.

    أيُّها المؤمنون عباد الله،

    إنَّ مما يُدرِك به الإنسانُ رضا الله مما فرضه عليه، أن يشتغل في وقاية نفسه، من كلِّ ما يقربه إلى النار، ومن كلِّ ما يُباعده عن طريق الهداية، وهذه مسؤولية أناطها الله تعالى بكل واحدٍ منَّا، فكلُّ واحدٍ منَّا مكلف، أن يقيَ نفسه النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُموقع أ.د خالد  المصلح سورة التحريم، الآية 6   إنَّ الله أمرنا، بأن نشتغل وأن نعمل، في وقاية أنفسنا من عذابه، ومن سخطه، ومما أعده للعصاة من النار، ذاك لا يكون إلا بطاعته والإقبال عليه، إنك مسؤول عن نفسك، ستحاسب على الدقيق والجليل، الصغير والكبير، السر والإعلان، فاحذر أن يرى الله تعالى منك ما لا يرضى، فإنَّ الله تعالى أخرج آدم عليه السلام من الجنَّة بمعصية، فلا تستهتر، ولا تستخفَّ بالذنب مهما دقَّ وصغر، فإنَّ الذنوب إذا اجتمعن على صاحبها أهلكنه، جاء في "الصحيح "عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ضرب لهنَّ مثلًا: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، فأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها» موقع أ.د خالد  المصلح مسند أحمد بن حنبل: مسند عبدالله بن مسعود, حديث رقم: 3818, حسن لغيره

    أي: الذنوب التي تُحتقر لا يراها الإنسان شيئًا، يقول هذه ما بضارةً، وهذه لن تؤثر عليَّ، وهذه لن تبعدني عن طريق الاستقامة، وهذه لن تُغضب الله عليَّ، ((إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنَّهن يجتمعنَ على الرجل حتى يُهلكنه)) هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمعن على الرجل فيهلكنه، ثم ضرب مثلًا يوضح كيف يقع الهلاك بصغائر الذنب ومحقَّر الخطايا، فقال صلى الله عليه وسلم: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأجَّجوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها» موقع أ.د خالد  المصلحسبق تخريجه

     هكذا يقع الهلاك بالذَّنب تلو الذنب، والصغير تلو الصّغير، وإنَّ المؤمن مطالب بأن يقي نفسه الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وبَاطِنَهُموقع أ.د خالد  المصلح سورة الأنعام، الآية 120 ، فأمرنا الله تعالى بتوخِّي ظاهر الإثم، وهو ما يقع عليه أعين الناس، أو أسماعهم، أو علمهم، وباطنه وهو ما يكون بينك وبينه جلَّ في علاه، فاحذر واجتهد في اجتناب ذلك، «كلُّ ابن آدم خطاء»موقع أ.د خالد  المصلح سنن الترمذي: باب 48, حديث رقم: 2499, سنن ابن ماجة: باب ذكر التوبة.  لكنَّ الخطائين يختلفون في إفاقتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «وخير الخطائين التوابون» ، إنَّ النبي أقرَّ بالخطأ، ولا تقف عند هذا؛ لأنَّ من الناس من يُبرر لنفسه الخطأ، بأنَّ كل ابن آدم خطَّاء، لكنه يغفل عن توجيهٍ نبويٍّ مهم، وهو أنَّ خير الخطَّائين التوابون، فكن توابًا، والتواب ولم يقل التَّائبين، بل قال التَّوَّابون، لكثرة توبتهم، ومعاودة التوبة بين فترة وأخرى، فهم لا يستغنون عنها، هي العبادة، التي لا ينفكُّ عنها الإنسان، في حينٍ من الأحيان، ولا في حال من الأحوال، هي عبادة العمر، فما أحوجَنا إلى كثرة التوبة والاستغفار، لا تقل: لن تضرَُّني تلك المعاصي، إنَّني أذنبتُ ولم أرَ لها أثرًا، فما من معصية إلا ولا بد أن تترك أثرًا، لكن عندما تنطمس البصيرة، ويعمى القلب، ما لجرحٍ بميت إيلام، تتوالى على الإنسان الخطايا، حتى يسودَّ قلبه، وهو في غفلة، عند ذلك لن يتمكن من اليقظة، سيكون هناك عوائق، تعيقه عن معاودة المسير إلى الله، وإصلاح الطريق في العودة إليه جلّ وعلا، فأكثر من التوبة والاستغفار، محمد بن عبد الله، أطيبُ الناس قلبًا، وأقربهم إلى ربه عبادة وطاعة، وأتقاهم لله، وأقومهم بأمره، أتدري كم كان يستغفر؟ إنه يحسب له في المجلس الواحد، كمجلسنا هذا أكثر من سبعين استغفارًا، «ربِّ اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور» موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه الترمذي(3434)، وابن ماجه(3814)، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، هذا حال من حَطَّ الله خطاياه، وخفَّف عنه الذنوب، ورفع درجته، وأماط عنه كل أذى، يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارًا، وجاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان من آخر ما يقول في صلاته، بين التشهد والتسليم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ»موقع أ.د خالد  المصلح صحيح مسلم: باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود, حديث رقم: 1112.

    إنه يسأل الله باستفاضة، طالبًا مغفرة الذنوب والخطايا، ليشملها كلها، دقيقها وجليلها، تفقَّد نفسك من صباح هذا اليوم إلى الآن، كم هي خطاياك؟ ولا تكن غافلًا عن خطايا، لا يراها الناس، لكن يعلمها ربُّ العالمين، كم في قلبك من الكِبر؟ كم في قلبك من الحقد؟ كم في قلبك من الحسد؟ كما في قلبك من العُجب ورؤية فضلك على الناس؟ كم في قلبك؟ وكم في قلبك؟ بعض الناس يقصر المعصية على صورة، يقول: أنا ما أزني، أنا ما أسرق، أنا ما اعقُّ والديَّ، ويغفل عن أن هذه المعاصي ليست هي كل المعاصي، ولكن هناك معاصٍ أخرى، قد تفضي بك إلى الهلاك، وقد توقعك في شر المآل وسوء الحال، فاتَّق الله في السر والعلن، وذر ظاهر الإثم وباطنه، واجتهد في التخفُّف من المعاصي والسيئات ما استطعت، وأكثر من التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، فإنّ الله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرَّحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله حمدَ الشاكرين، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناءًا عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بطاعته، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بالقيام بما أمركم به، اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، بترك ما نهاكم عنه، لأن ذلك يحقق لكم سعادة عاجلة، وفوزًا أجلا، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَموقع أ.د خالد  المصلح سورة أل عمران، الآية 185 ، ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًاموقع أ.د خالد  المصلح سورة عم، الآية 31، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.

    أيُّها المؤمنون،

    إننا بحاجةٍ، إلى من يُذكِّرنا، إلى من يعظنا، إلى من يوقظنا من غفلتنا، فإنَّ كثيرًا من الناس استحكمت عليهم الغفلة، وذاك بسبب ما وقعوا فيه من إقبال على الدنيا، وانصراف عن الآخرة، لذلك ينبغي للمؤمن أن يعالج نفسه، وأن ينظر في إصلاح مسيره إلى ربه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾  موقع أ.د خالد  المصلحسورة المدثر، الآية 38، لا تغترَّ بكثرة المخطئين، لا تغترَّ بكثرة الغافلين، لا تغترَّ بكثرة المعرضين، فإنَّ الله لن يحاسبك مع المجموع، بل سيحاسبك منفردًا، ويسألك عن أمره ونهيه، ماذا صنعت في كذا؟ ماذا فعلت في كذا؟ لماذا عصيت في كذا؟ فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا في كتابه، أنّ كل واحد منا محبوسٌ على عمله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌموقع أ.د خالد  المصلحسورة المدثر، الآية 38، يعني محبوسة، كل نفس في كسبها وعملها محبوسة، عملك إما أن يفُكَّك، وإما أن يُقيِّدَك، فإن كان صالحًا فكَّك عن عذابه، وأعتقك من عقابه، وإن كان غير ذلك فلا تلومنَّ إلا نفسك.

     اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرَّ أنفسنا، قوموا بما أمركم الله تعالى به، من إصلاح أنفسكم، وأوصوا أهليكم بكلِّ خير، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» موقع أ.د خالد  المصلح صحيح مسلم: باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْىِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ, حديث رقم: 4828.

    لن تنجوَ إذا قصرت بحق أهلك، وفي حق من ولاك الله تعالى عليهم، ولا يلزم أن يكون هذا التوجيه للأب، حتى يقول غيرُ الأب نحن لسنا مخاطبين، هذا الخطاب لكل مؤمن: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ »موقع أ.د خالد  المصلح صحيح مسلم: باب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ, حديث رقم: 186. ، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾  موقع أ.د خالد  المصلحسورة التحريم، الآية 6  وأهليكم بوصيتهم، ونصيحتهم، الأب، الأم، الأخ، الأخت، الصغير، الكبير، كلُّنا مأمورون بأن نأتمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، إنَّ الذنوب تحجب عن الناس الخير، تحجب عنك الخير، تحجب عنك أول ما تحجب طمأنينة الفؤاد، وانشراح الصدر، فأكثر من الاستغفار ليزول ذلك، ثم يترتب على هذه الذنوب، من البلايا والشرور في الأرض والسماء، ما ذكره ربنا جل في علاه، حيث قال: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواموقع أ.د خالد  المصلح سورة الروم، الآية 41، أي ليرى الناس ثمرة شيء، من أعمالهم، وتقصيرهم، لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَموقع أ.د خالد  المصلح سورة آل عمران الآية: 72 ، أي لأجل أن تحصل منهم إفاقة، إذا توالت علينا النُّذر، ولم نرَ من أنفسنا رجعة، عند ذلك تستحكم على قلوب الناس الغفلة، فلا ينفع فيهم وعظ، ولا ينفع فيهم تذكير، حتى تَحِلَّ بهم العقوبات، وتنزل بهم النَّقمات، وعند ذلك، لا يلومنَّ الإنسان إلا نفسه، الله تعالى يؤدب عباده، فيما يُجريه عليهم في الخاص والعام، فيمنع منهم ما يُحبُّون، ويوقع بهم ما يكرهون، ليُفيقوا ويعودوا، فلتكن المصائب، وحرمان النعم، سببًا للإفاقة، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾  موقع أ.د خالد  المصلح سورة النساء، الآية 160 والتحريم هنا  منه ما هو تحريم قدريٌّ، يعني يقضي الله بمنع الناس شيئًا مما يحبون، بسبب ظلمهم، كما فعل في بني إسرائيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا التحريم يحتمل أنه تحريم شرعي، ويحتمل أنه تحريم قدري، بأن يمنع الله تعالى شيئًا من أنعامه، والطبيات على عباده، بسبب ذنوبهم، وإنّ أعظم ما تُستدفع به النقمات، وتزول به البلايا والمصيبات، الخاصة والعامة، العودة إلى رب الأرض والسموات، بالاستغفار والتوبة، فتوبوا إلى الله، وأمِّلوا منه خير زاد.

     والتوبة باختصار: ندم على ما مضى من إساءة، وإقلاع عن الخطأ الحاضر، وعزم على الرشد والصلاح في المستقبل، هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًاموقع أ.د خالد  المصلحسورة التحريم، الآية 8

    اللهمَّ ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اسلك بنا سبيل الرَّشاد، يا ربَّ العالمين، اجعلنا من عبادك، وأوليائك وحزبك، واصرف عنَّا السوء والفحشاء يا الله، اللهم إنَّا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والرَّشاد والغِنى، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، اللهم إنا نسألك من فضلك إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، ورشدًا في الظاهر والباطن، يا ربَّ العالمين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل ..
    0
    1358
  • خطبة : الخوف من الله تعالى
  • الخطبة الأولى:

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    أما بعد.

    أيها المؤمنون بالله ورسوله.

    اتقوا اللهَ واحذروا عقابَه وشديدَ عذابِه وسخطَه، فالله سبحانه وتعالى شديدُ العذابِ شديدُ العقابِ ذو الطَّوْلِ لا إله إلا هو إليه المصيرُ، كما قال اللهُ جل ذكره: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الحجر: 49 -50

    وقد حذَّركم اللهُIنفسَه في كتابِه، فقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}  موقع أ.د خالد  المصلح سورة آل عمران: 28قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرِ هذه الآيةِ: "أي: يخوِّفُكم اللهُ من نفسِه أن تركَبُوا معاصيَه أو توالوا أعداءَه، فإن إليه مرجعَكم ومصيرَكم بعد مماتِكم، فإن خالفتُم أمرَه نالكم من عقابِ اللهِ ما لا قِبَلَ لكم به، فاتقوه واحذروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب"موقع أ.د خالد  المصلح جامع البيان في تفسير القرآن 5/320

    أيها المؤمنون.

    إن خوف الله تعالى من تمام الإيمان به لذلك أمر الله تعالى به عباده، فقال جل ذكره: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}  وقال سبحانه:{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}، موقع أ.د خالد  المصلحسورة البقرة: 150.

    بل قد جعلَ سبحانه وتعالى خوفَه شرطاً لصحةِ الإيمانِ، فقال سبحانه عز وجل:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة آل عمران: 175. .

    وقد أنذرَكم اللهُ أيها المؤمنون الأمنَ من مَكْرِه وعَذابِه، فقال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الرعد: 13. وقال سبحانه:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ –أي: عملوا السيئات - أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة النحل: 45-47. ،وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الأعراف: 97 -99.

    أيها المؤمنون.

    إن الخوفَ من اللهِ تعالى من أجلِّ العباداتِ ومن أعظمِ القُرُباتِ، فهو الذي يحُولُ بينَكم وبينَ محارمِ اللهِ- عز وجل- ومعاصِيه، فللهِ ما أعظمَه، وللهِ ما أحوجَنا إليه، وللهِ ما أحسنَ عاقبتَه في الدنيا والآخرةِ؛ إذ بالخوفِ يا عبادَ الله يَنزِعُ العبدُ عن المحرَّماتِ، وبه يُقبِلُ على الطَّاعاتِ، فهو واللهِ أصلُ كلِّ فضيلةٍ، وباعثُ كلِّ قربةٍ.

    وبالخوفِ من الله أيها المؤمنون يستيقظُ القلبُ من غفلتِه وينتفعُ بالإنذارِ ويتأثرُ بآياتِ القرآنِ، قال الله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} موقع أ.د خالد  المصلحسورة طه: 2-3. وقال سبحانه: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الزمر: 23.

    عبادَ اللهِ! إن الخوفَ من اللهِ تعالى هو من أخصِّ صفاتِ عبادِ اللهِ المتقين وأوليائِه المحسنين، قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الأنفال: 2.   قال الإمامُ الطبريُّ رحمه الله: "المؤمنُ هو الذي إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَ قلبُه وانقادَ لأمرِه وخضعَ لذِكْرِه خوفاً منه وفَرَقاً من عذابِه" موقع أ.د خالد  المصلحجامع البيان في تفسير القرآن 11/ 27. .

    أيها المؤمنون.

    لقدْ كانَ النَّبيُّ  صلى الله عليه وسلم  شديدَ الخوفِ من اللهِ عظيمَ الخشيةِ له، مع ما خصَّه اللهُ -سبحانه وتعالى- به من الخصائصِ والفضائلِ والهِباتِ، ففي الصحيحين قال  صلى الله عليه وسلم : «فواللهِ إني لأَعلَمُكم باللهِ وأشَدُّكم له خشيةً»موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه البخاري (6101)، ومسلم (2356) من حديث عائشة رضي الله عنها.

    وعن عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ  رضي الله عنه  قال: «أتيتُ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم  وهو يُصلِّي، وله أزِيزٌ كأَزيزِ المِرْجَلِ من البكاءِ» موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه أحمد (15877) من حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه..

    أيها المؤمنون.

    هذا نبيُّكم  صلى الله عليه وسلم  غفرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخرَ، بلغَ الغايةَ في العملِ والطاعةِ، ومع ذلك كلِّه كانَ شديدَ الخوفِ من ربِّه، حتى كانَ أكثرَ دعائِه كما في جامع الترمذي: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه الترمذي (2140) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه ، وكان من دعائِه كما في "صحيحِ مسلمٍ": «اللهم مصرَّفَ القلوبِ صرِّفْ قلوبَنا على طاعتِك»موقع أ.د خالد  المصلح"صحيح مسلم" (2654) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ،أما صحابتُه الكرامُ فهم الذين قال فيهم القائلُ:

    إذا ما الليلُ أظلمَ كابَدُوه **** فيُسفِرُ عنهم وَهُم رُكوع

    أطارَ الخوفُ نومَهُمُ فقاموا**** وأهلُ الأمنِ في الدنيا هُجوعموقع أ.د خالد  المصلحديوان عبد الله بن المبارك ص 14. 

    فَسَيْرُهُم رضي الله عنهم حافلٌ بالعِبَرِ والعِظاتِ، فهذا صدِّيق هذه الأمةِ وأفضلُها بعد نبيِّها  صلى الله عليه وسلم  المبشَّرُ بالجنةِ وعظيم المِنَّة كان إذا قامَ إلى الصلاةِ كأنه عودٌ من خشيةِ اللهِ تعالى.

    وهذا عمرُ بن الخطاب  رضي الله عنه  المبشَّرُ بالجنةِ، قرأ سورةَ الطورِ حتى إذا بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الطور: 7. بكى واشتدَّ بكاؤُه حتى مرِضَ وعادَه الناسُ  رضي الله عنه  ، وكان يقولُ لابنهِ وهو في الموتِ: "ويحَكَ ضَعْ خدِّي على الأرضِ عساه أن يرحمَني"موقع أ.د خالد  المصلحالمحتضرين (47). .

    وهذا عثمانُ  رضي الله عنه  كان إذا وقفَ على القبرِ بكى حتى يبلَّ لحيتَه  رضي الله عنه .

    أما جمهورُ الصحابةِ  رضي الله عنهم ، فقد أخرجَ البخاري ومسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه  أنه قال: خطبَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  خطبةً ما سمعتُ مثلَها قطْ، فقال: «لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكتُم قليلاً ولبَكيتُم كثيراً»موقع أ.د خالد  المصلح"صحيح البخاري" (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال أنسٌ: فغطى أصحابٌ رسولِ الله  صلى الله عليه وسلم  وجوهَهم ولهم خنين.

    فرضي اللهُ عنهم وأرضاهم ما أجمل فعلهم وأعذب ذكرهم!

    عبادَ الله! هذه نماذجُ من مخاوفِ القومِ مع ما خصَّهم به اللهُ تعالى من الرِّضا والغُفرانِ وتبشيرِ بعضِهم بالجنانِ. 

    فليتَ شعري!! ماذا نقولُ وقد قَسَت مِنَّا القلوبُ، وأمِنَتْ مِنَّا المخاوفُ، فلا بقُربِ الرحيلِ ننتبه، ولا بآياتِ اللهِ نتعظُّ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العليِّ العظيمِ.

    الخطبة الثانية

    أما بعد.

    اتقوا اللهَ ،واعلموا أن من علاماتِ خوفِ اللهِ تعالى وخشيتِه عدمَ الأمنِ من عذابِ اللهِ وعقابِه وسَخطِه ،قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة المؤمنون: 57. ،فهؤلاء يا عبادَ اللهِ قوم حسُنت أعمالهُم وطابت سرائرُهم وَزَكَت قلوبُهم واستقامت جوارحُهم، إلا أنهم مع ذلك لم يأمَنوا عقابَ اللهِ وعذابَه، فقلوبُهم وجلةٌ خائفةٌ أنهم إلى ربِّهم راجعون.

    وهذا يفسِّرُ لنا ما كانَ عليه النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  من شدَّةِ الحَذَرِِ من عِقابِ اللهِ والخوفِ من سَخَطِه، ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  إذا كان يومَ الرِّيحِ أو الغَيْمِ عُرِف ذلك في وجهِه، وأقبلَ وأدبرَ فإذا مَطَرت سُرَّ به وذهبَ عنه ذلك، قالت عائشةُ: فسألتُه؟ فقال: إني خشيتُ أن يكونَ عذاباً سُلِّطَ على أُمَّتي »موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه مسلم (899). .

    وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ قال لها لما سألتْه: « يا عائشةُ، ما يؤمِّنُني أن يكونَ فيه عذابٌ، وقد عُذِّب قومٌ بالرِّيحِ، وقد رأى قومٌ العذابَ، {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}»موقع أ.د خالد  المصلح"صحيح البخاري "(4829) من حديث عائشة رضي الله عنها..

    ولما كسفت الشمسُ في عهدِه  صلى الله عليه وسلم  خرجَ إلى المسجدِ مُسرِعاً فزِعاً يجرُّ رداءَه من شدةِ الفزعِ، فقام بأصحابه  صلى الله عليه وسلم  قياماً طويلاً شديداً حتى جعلوا يخرُّون من طولِ القيامِ، فاستكملَ رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  في الرَّكعتين أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ، رأى في صلاتِه تلك الجنةَ والنارَ، فلما فَرَغَ من تلك الصلاةِ خطَبَ خطبةً عظيمةً بليغةً كان منها أن قال  صلى الله عليه وسلم : «أيها الناسُ إن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللهِ لا يخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافزَعوا إلى الصلاةِ وادعوا اللهَ وكبِّروا وتصدَّقوا، يا أمةَ محمدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً» موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه البخاري (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. ، وفي رواية قال  صلى الله عليه وسلم  عن الكسوفِ: «إنه من آياتِ اللهِ تبارك وتعالى يعتبِرُ بها عبادَه، فينظرُ من يُحدِثُ منهم توبةً»موقع أ.د خالد  المصلحأخرجه أحمد (19665) والحاكم (1230) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والحديث صححه الحاكم..

    فلا إله إلا الله ما أطيبَ قلوبَهم وأزكى سرائرَهم وأشدَّ خوفَهم وحبَّهم وتعظيمَهم لربِّهم جل وعلا، فإن هذه الآياتِ والعظاتِ لا يَعتبرُ بها إلا من عَمَّرَ الخوفُ قلوبَهم، قال الله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة هود: 103. ،وقال سبحانه:{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} موقع أ.د خالد  المصلحسورة الذاريات: 37. .

    أيها المؤمنون.

    إنه لما ضعُفَ إيمانُنا باللهِ وقلَّ خوفُنا منه وتعظيمُنا له قَسَتْ مِنَّا القلوبُ وساءت الأعمالُ وصدق في كثيرٍ منَّا قولُه جل وعلا:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون} موقع أ.د خالد  المصلحسورة يوسف: 105. ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    التفاصيل ..
    0
    4373
  • خطبة : الخلاف شر
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حق التقوى، وارقُبوا مقامكم بين يدي الله جلَّ وعلا، فإنَّ كلَّ أحد قائم بين يدي ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، يسأله جل وعلا عن الدقيق والجليل، والصغير والكبير، ولا فكاك من ذلك كله إلا بتقوى صادقة وتوبة راشدة يعود فيها الإنسان إلى ربه، يتوقَّى مواطن الزلل ومواقع الخطأ والخطر.

    أيها المؤمنون، عباد الله! إن هذه الدنيا جُبلت على التنوع والاختلاف، فالله تعالى قد خلق الزوجين ذكراً وأنثى، والله سبحانه أجرى من سنته في كونه ليلاً ونهاراً، فله اختلاف الليل والنهار سبحانه وبحمده، ومن بديع صنعه وعظيم قدرته أن خلق الأضداد، فذاك حسن وذاك قبيح.

    والضد يظهر حسنه الضد***وبضدها تتميز الأشياء .

    الاختلاف أمر واقع لا محالة، ولا سبيل إلى محاصرته، ولا سبيل إلى القضاء عليه، فهو سنة جارية في بني آدم، بل في الكون كله، فالاختلاف موجود، إلا أن الاختلاف أنواع وأشكال وألوان، فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما هو شر مستطير وفساد كبير، ولذلك ينبغي للناس أن يميزوا بين أنواع الخلاف المذموم وأنواع الخلاف السائغ المقبول، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفصيل، وإن الخلاف شرٌّ، ولا يتميز الخير إلا بمعرفة الشر.

    عرفت الشرَّ لا للشر لكن لتوقيه      

    ولا يعرفُ الإسلامَ من لم يعرف الجاهلية، وإنما تنقض عرى الإسلام بجهل الجاهلين وما عليه المارقون.

    أيها المؤمنون! إن الله تعالى قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} موقع أ.د خالد  المصلحالأنبياء:92 ، وهذه الوحدة لا تقتصر على زمان ولا على مكان ولا على أمة، بل هذه الأمة التي وصفها الله تعالى بأنها أمة واحدة؛ هي أمة الإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى آخر موحد في هذه الدنيا، ممن يأذن الله تعالى بقبض روحه في آخر الزمان، كل هؤلاء أمة واحدة يجتمعون على مقصد عظيم، وهو ما قام له الكون، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} موقع أ.د خالد  المصلحالذاريات:56 .

    فهذه الوحدة لا يمكن أن يساوَم عليها، ولا يسوغ أن يُتنازل عنها، فالخلاف فيها هو الخلاف المذموم الأكبر الذي ذم الله تعالى أهله وأصحابه في كتابه وسنة رسوله. فالخلاف إذا عُطِّلت به قضايا التوحيد وانتُهكت به حقوق رب العالمين، وأخرج الناس من الإسلام لله رب السماوات والأرض فإنه مذموم ولا شك، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} موقع أ.د خالد  المصلحهود:118 ، لكن حكمته اقتضت الافتراق والاختلاف، {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} موقع أ.د خالد  المصلحهود:118 ، وهذا الاختلاف ليس الاختلاف في الإباحة والتحريم في مسائل وفروع الدين، وإنما هو اختلاف ذكره الله تعالى في قوله: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} موقع أ.د خالد  المصلحالشورى:7 ، اختلاف أهل الكفر مع اختلاف أهل الإيمان، {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} موقع أ.د خالد  المصلحالبقرة:176 ، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} موقع أ.د خالد  المصلحالنساء:115 ، إنه خلاف الاعتقاد بربٍّ لا إله غيره، ولا مالك سواه، ولا مدبر غيره، ولا معبود بحق إلا هو، هذا الخلاف هو الاختلاف الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا يسوغه مسوغ، فهذا الخلاف شر، ولذلك قال ربنا: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} موقع أ.د خالد  المصلحهود:118-119 ، فمن رحمه الله؛ سلم من هذا الخلاف، لأنه خلاف يفضي إلى النار، كما قال ربنا: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} موقع أ.د خالد  المصلحالشورى:7 .

    وأما الاختلاف الذي يكون في دائرة الأحكام والحلال والحرام، فهذا ليس بِشَر على الإطلاق، أي: لا يكون شراً في غالب الأحوال، لكنه قد يكون شراً في بعضها كما سنبين شيئاً من صور الشر في الخلاف الواقع في الأحكام والفروع والحلال والحرام.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التفرق في الدين وتقسيم الأمة وشرذمتها إلى طوائف وأحزاب، وفئات وجماعات متناحرة، يقول الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} موقع أ.د خالد  المصلحآل عمران:105 ، فهذا الخلاف خلاف مذموم؛ لأنه يدعو إلى تمزيق وحدة الأمة ونسيجها الذي لا يساوم عليه، ولا يجوز أن يتنازل عنه، فالأمة اتحدت في مقصدها وغايتها، فقصدها الله، وغايتها تحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، فإذا اختلفت الآراء وتنوعت الاجتهادات تحت هذه المظلة الكبرى فلا حرج ولا ضير، فإذا استُثمر ذلك الخلاف في تمزيق الأمة وشرذمتها والدعوى بدعوى الجاهلية تحت أي مسمى من المسميات، فإنه من الشر الذي يجب توقِّيه ويدخل فيما قاله ابن مسعود: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    نعم، الخلاف شرٌّ أيها المؤمنون إذا أدى إلى البغي والعدوان وهتك الحقوق وانتهاك الحرمات.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التهاجر والتباغض، ولو كان في أصغر المسائل، سواءً كان ذلك في مسائل الدين أو مسائل الدنيا.

    الخلاف شرٌّ، إذا اتُّخذ وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة ونقض عراها والعبث بالدين، والنقض للثوابت والقيم.

    الخلاف شر إذا كان وسيلة للتغريب وإزالة هوية الأمة ومحاولة الدخول والنفوذ من الخلاف إلى ما لا خلاف فيه.

    وأضرب لك مثلاً لتعلم ما المقصود بهذا النوع من الخلاف: أولئك الذين يستغلُّون الخلاف لتمرير فساد يُشيعونه في المجتمع، أو شرٍّ يحملون الناس عليه، كل ذلك باجتهادات يسوغونها ليس قصدهم إعلاء كلمة الله ولا نصر الملة ولا توضيح الشريعة، وإنما قصدهم هدم الثوابت والتنازل عن القيم والرجوع إلى الخلف، والقيام بما جرى من بلاء في بقية البلدان باجتهاد أو بغير اجتهاد بحسن نية أو بغير حسن نية، فحسن النية لا يدفع لسوء العمل، فكم من عمل كانت نيته طيبة لكنه لا يمكن أن تشفع له النية الطيبة في الحكم عليه بالصحة والقبول، ومن هذا ما نسمعه هنا وهناك من الخلاف في مسألة الحجاب وكشف المرأة لوجهها، فكثير من الكُتَّاب والمتكلمين يتكلمون عن مسألة ستر المرأة لوجهها، ويتكلمون عن اختلاف العلماء في ستر الوجه: هل هو جائز أو لا، ويسوقون الأدلة، ويحكون الأقوال، ويحشدون الآراء، ويؤيدون المقالات بأنواع من المقولات، لكنه يخفى عليه أن وراء الأكمَّة ما وراءها، فليس الشأن في كشف الوجه، فالوجه مسألة خلافية لا يمكن حسم الخلاف بإلغائه، بل العلماء مختلفون فيه منذ قِدَم، لكن الشأن وراء ذلك من كشف الشعور والنحور وإبداء المفاتن وإخراج المرأة من سترها وحيائها، هذا الذي يقصدونه وإن قدموا له بخلافات فقهية، فالخلافات الفقهية لا يُقصد منها في بعض الأحيان بيان الحق وإيضاحه بقدر ما يكون وسيلة إلى ما هو أبعد من ذلك من سفور وشر، نسأل الله أن يقينا شرها.

    اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب العالمين، أحمده لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى والزموا أمره وشرعه وقدِّسوا ما أمركم بتقديسه، فإن تعظيم الله تعالى في القلوب من أجلِّ القربات، {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} موقع أ.د خالد  المصلحنوح:13 ، ومن تعظيمه: تعظيم شرعه، وتعظيم حقه، لا نحصي ثناءً عليه سبحانه وبحمده، نعوذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه، لا نحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه.

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة، إذا وضع في غير موضعه لتسويق شر وفساد، ولذلك أمثلة كثيرة يمكن أن تكون في كلام هذا أو ذاك، إلا أن التفطنَ والتنبيه والتناصح والتعاون على البر والتقوى من أعظم وسائل محاصرة الشر والفساد، وإنَّ قضية كبرى تُطرح بين غالٍ وجاف، بين مفرِط ومفرِّط، بين داعية إلى شر وداعية إلى جمود وانغلاق؛ ألا وهي مسألة اختلاط المرأة بالرجال في الأعمال وغيرها، فهذه المسألة مسألة كبرى لا يتسنمها إلا من آتاه الله تعالى علماً بقوله وقول رسوله ومآلات الأقوال وما تنتهي إليه الأحوال، فإنه من الخطأ أن يتجرأ الإنسان على كلام لا يدري ما عاقبته ولا يدرك غائلته، ولا يرى شواهده في واقع الناس.

    إنَّ استحضار النصوص في اختلاط المرأة بالرجل في زمن النبوة في المسجد أو غيره، لا ينفع في تسويق الاختلاط الماجن الذي قد حُلَّ عن كل قيد وضابط، وهذا نموذج من الخلاف الذي يدخل فيما قال فيه ابن مسعود: «الخلاف شر».

    إن المرأة لابد أن تعمل في هذا الزمان الذي كثرت فيه الحوائج وفتحت فيه مجالات العمل، فهذه مسألة ليست محل نقاش فيما يبدو، والنقاش فيها هو رجوع إلى الوراء بما لا فائدة فيه، لأن المرأة في كثير من الأحيان خارجة خارجة شئنا أم أبينا، لكنَّ الأمر ينبغي أن يتحول إلى ما هو أهمُّ وهو ضبط هذا الخروج، لنتوقى الشر الذي ينذر الأمة بفساد عريض، فما أتيت الأمة من شرٍّ وفتنة، بقدر ما تؤتاه من قبل الاختلاط وفتنة النساء، وهذا ليس تعبيراً وإنشاء، وإنما هو قول من لا ينطق عن الهوى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أسامة: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، وهذا يدل على خطورة الأمر. والغريب أن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا الأمر ويُسوغون خروج المرأة دون ضبط ولا قيد، المرأة خارجة، لكن ينبغي أن يكون خروجها على وجه تحفظ فيه العورات، وتؤمن فيه الفتن والغوائل، وتحفظ فيه الشرائع، ويحاصر فيه الفساد؛ ألا وهو الزنا الذي هو أعظم الموبقات المفسدة للمجتمعات، ولذلك قال ربكم: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} موقع أ.د خالد  المصلحالإسراء:32 .

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان مفضياً إلى فُرْقة الأمة، مفضياً إلى هتك حرمة الجماعة، فالجماعة رحمة كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير بإسناد لا يستقيم استقامة تطمئن لها النفس، لكن معناه صحيح: «الجماعة رحمة، والفُرْقة عذاب»، فينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق الجماعة، فليلة تحت وليٍّ ظالم خير من ليلة في فُرْقة وعذاب، وأنتم تشاهدون ما يصطليه إخوانكم في كثير من بلاد المسلمين لفقد الولايات التي تقوم عليهم وتنظم شؤونهم.

    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا

    فينبغي لأهل الإسلام أن يجتمعوا ويأتلفوا، وأن يعتصموا بحبل الله تعالى، ومن الاجتماع المحمود: الاجتماع على ولاة الأمر وحفظ حقوقهم والدعاء لهم بالتوفيق والتثبيت والحرص على نعمة الأمة، وعدم تخلل الشر وأهل الفتنة فيها، فلابد أن تقرر هذه القضية.

    واستمع إلى هذا المثال الذي نختم به هذه الخطبة: صلى عبد الله بن مسعود خلف عثمان بن عفان رضي الله عنهما في حجة في وقت خلافة عثمان، وكان عثمان في يوم عرفة يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، يصلي ركعتينِ الظهرَ والعصرَ في عرفة، إلا أنه اجتهد في سنة من السنوات فرأى أن يُتم الصلاة فصلى الظهر أربعاً والعصر أربعاً فصلى خلفه ابن مسعود، وكان قد قال: «إن ذلك خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم»، فقال له الناس: يا عبد الله! تقول هذا خلاف السنة ثم تصلي خلف عثمان وقد أتمّ؟ فقال رحمه الله: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    فهذا الفقه الدقيق في جمع الأمة وعدم خرق نسيجها، لأجل اختلافات فقهية أو آراء اجتهادية، هو مما ينبغي أن يشاع وأن يرهب، وأن لا يثرَّب على المجتهد مهما خالف اجتهادك اجتهاده، ما دام أنه في هذه المخالفة شر وفساد وفرقة وعدوان.

    اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارزقنا الاعتصام بحبلك، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} موقع أ.د خالد  المصلحآل عمران:103 .

    اللهم قنا شرَّ كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته، اللهمَّ ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، وثبتنا عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل ..
    0
    965