موقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلحموقع أ.د خالد  المُصلح
مناشط دعوية
الخطب المنبرية
دروس
فضائيات
فتاوى
برامج
محاضرات
قصص
الخطب المنبرية
الزيارات المرفقات التاريخ اسم المادة
23
الجمعة 08 جمادى الأولى 1436 هـ خطبة: من عرف الله أحبه
90
الجمعة 01 جمادى الأولى 1436 هـ خطبة : وإياي فارهبون
63
الجمعة 24 ربيع الثاني 1436 هـ خطبة الجمعة: اعدلوا تفلحوا
162
الجمعة 10 ربيع الثاني 1436 هـ خطبة انظر ما أعطاك لا ما حرمك
236
الجمعة 03 ربيع الثاني 1436 هـ خطبة الجمعة : إن للموت فزعا (صوت)
أحداث ومواعيد
ادعمنا باشتراكك !
معجبين
متابعين
مشتركين
تغريدات
تابعنا على الفيس بوك
خطب الجمعة
  • خطبة: يا ليتنا أطعناه
  • إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليَّاً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُ الله ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى أله وصحبه، ومن اتَّبع سنَّته، بإحسان إلى يوم الدين.

    أمَّا بعد،

    فإنَّ أصدقَ الحديث، كتابُ الله، وخيرَ الهدي، هديُ محمد، صلَّى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلُّ محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة.

    عباد الله، إنَّ نِعم الله تعالى على عباده كثيرة، لا تُحصى، قال جلَّ في علاه: ﴿وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾   سورة النحل، الآية 18، فنِعمُه تترى على عباده صباحَ مساءَ، فمع كلِّ نفَسٍ، ولحظِ عينٍ، ونبضِ عرقٍ، لا ينفكُّ الخلقُ عن نعمةٍ من نعمِ الله تعالى، تستوجبُ شكراً، فله الحمدُ كثيراً كثيراً، لا نُحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.

    أيها المؤمنون، عباد الله، إنَّ هذه النِّعم، توجب حقوقاً، نُسأل عنها، بين يدي الله تعالى، كما قال: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ سورة التكاثر، الآية 8، قال قتادة: "إنَّ الله يسأل كلَّ ذي نعمةٍ، عمَّا أنعمَ عليه"، فما من نعمةٍ إلا وسيُسأل عنها صاحبها، وهذا شامل لكلَّ ما تفضَّل الله تعالى به على عباده من النعيم.

    أيُّها الناس، إنَّ من أعظم نِعمِ الله تعالى، على عباده، نعمةَ الأمنِ، وقد فسَّر عبد الله بن مسعود، النَّعيم في قوله تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ سورة التكاثر، الآية 8، فقال: الأمن والصِّحَّة، وهذا تفسير للآية ببعض صورها.

    أيُّها النّاسُ، إنَّ نعمة الأمن، تنتظم بها كلَّ النِّعَم وتصلح وتستقيم، فجميع النِّعَم تختلُّ وتفسُد، إذا غاب الأمنُ، فالأمن جِماع النِّعم؛ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: «من أصبحَ منكم آمِناً في سِربِهِ، معافىً في جسدهِ، عنده قوتُ يومهِ، فكأنَّما حِيزت له الدُّنيا» سنن الترمذي: باب في التوكل على الله، حديث رقم(2346)، قال الألباني: حسن. .

    أيُّها المؤمنون، إذا غاب الأمنُ، لم تستقم حياةٌ، ولم يطب عيشٌ، فلا تصلح دنيا، ولا يقوم دين، إلا بالأمن، فالأمن أوَّلُ المطالب، وأساس كلِّ خيرٍ، لذلك لما دعا إبراهيم عليه السَّلام لأهله الَّذين تركهم، في وادٍ غير ذي زرع، دعا أول ما دعا بالأمن، قال الله تعالى: ﴿وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وبِئْسَ المَصِيرُسورة البقرة، الآية 126.

    أيُّها الناس، إنَّه لا يعرف قدرَ الأمن إلا من فقده، وقد أقام الله تعالى لكم، فيمن حولَكم عظةً وعبرةً، والسَّعيد من وُعِظ بغيره!

    أيُّها المؤمنون، إنَّ اختلالَ الفكر، واضطرابَ التَّفكير، من أعظم ما يُزعزعُ نعمةَ الأمن، فاختلال الفكر، واضطرابُ التَّفكير، غشاء يُعمي البصيرةَ، ويوقعُها في الرَّدى، فيرى الحقَّ باطلاً، ويرى الباطلَ حقَّاً.

    أيُّها المؤمنون، إنّ من أعظم صور الاختلال الفكريِِّ والانحراف العقديِّ، الغُلوَّ في التَّكفير، فبه تُستباحُ الدِّماء، وتُستحلُّ الأموال، وتدمر البلدان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في بيان خطورة ما يترتَّب على التكفير:"إنَّهم يُكفِّرون بالذّنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذُّنوب، استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام، دار كفر، ودارُهم دار إسلام".

    فالتّكفير بالباطل عبر التاريخ بوَّابة كلِّ فتنةٍ وشرٍّ وفسادٍ وبلاء، قال عياض رحمه الله: "يجب الاحتراز من التَّكفير في أهل التَّأويل، فإنَّ استباحة دماء المصلِّين الموحِّدين، خطأ"، ثم قال رحمه الله: "الخطأ في ترك تكفير ألف كافر، أهونُ من الخطأ في سفك محجمةٍ من دمٍ مسلم حرام".

    أيُّها المؤمنون، الخوارجُ أعظم من اشتهر بالتَّكفير، وقد ذمَّ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مسلك هؤلاء، وبيَّن سبب انحرافهم، في كلامٍ موجزٍ، فقال: «يقرءُون القرآن لا يُجاوز حناجرَهم، يقتلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان» صحيح مسلم: باب ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث رقم(1064).

    نعم، إنهم يقرءُون القرآن لكنَّهم لا يفقهون معانيه!

    نعم، إنَّهم يستدلُّون على ضلالهم بالقرآن، فيُنزلونه في غير مواضعه، كما قال عبد الله بن عمر، رضي الله عنه: "إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين".

    أيُّها المؤمنون، إنَّ تورُّطَ فئامٍ من الشَّباب في التَّكفير بالهوى، من غير هُدىٍ؛ حملهم على الإجرامِ في حقِّ أنفسهم وأهليهم وبلدانهم، حملهم على الإفسادِ في الأرض، وإهلاكِ الحرث والنَّسل، وشاهد هذا ما نراه ونسمعه، ممَّا يجري على الإسلام والمسلمين من فسادٍ عريض وشرٍّ مستطير، بسبب هؤلاء الغلاة التَّكفيريِّين، في شرق الأرض وغربها، باسمِ الجهاد، زوراً وبهتاناً،

    ليت شعري أيُّ حقٍّ نصروا، وأيُّ خيرٍ نشرُوا، وأيُّ بلدٍ استنقذوا، وأي مظلوم نصروا ما أصدق وصف النّبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم حين قال:«رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ» صحيح مسلم: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، حديث رقم (1847).

    أيُّها المؤمنون، إنَّ مِن تزيُّن الشَّيطان لهؤلاء، أن يُسمُّوا قبيحَ أفعالهم، وشنيع إفسادهم جهاداً، وإصلاحاً، واعلاءً لكلمة الله تعالى، خابوا وخسروا.

    الجهادُ ذروة سنام الإسلام، وهو لإعلاء كلمة الله، ولا يكون إلا وفق نور الشَّريعة، وعلى هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، صدق عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، حينما سُئل عن قوله تعالى:﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾  سورة الكهف، الآية 103، 104، قال: هم أهل حروراء، أي: الخوارج، الذين خرجوا في هذه البلدة، وكفَّروا أهل الإسلام، واستحلُّوا دماءَهم، حتى قال شاعرُهم، في مدح قاتل عليِّ بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، صِهر رسول الله وابنُ عمِّه:

    يا ضربةً من تقيٍّ، ما أراد بها * إلا ليبلُغَ من ذي العرش رِضواناً

    إنِّي لأذكرُه حِيناً فأحسبُه * أوفى البريَّة عند الله مِيزاناً

    فجعل قاتلَ عليِّ بن أبي طالب، أثقلَ الخلقِ ميزاناً عند الله!

    أيُّها المؤمنون، إنَّ الغلوَّ في التَّكفير، إذا استولى على العقول، فقدت وعيها، وخرجت بأصحابها إلى متاهات الطَّيش والعبثيَّة، في مسلسل دامٍ من التَّدمير والتَّفجير والتَّكفير، وقتل النُّفوس المعصومة البريئة غدراً، وخيانةً، صداً عن سبيل الله، تشويهاً للإسلام، عوناً لأعداء الله، إنَّهم لا يرقُبون في بلاد المسلمين، إلَّاً ولا ذمَّة، فهؤلاء ما دخلوا بلداً، إلا أفسدوها، ولا تبنَّوا قضيَّة، إلا كانوا شرَّاً، على الأمة فيها، فلا للإسلام نصروا، ولا للكفر والشَّرِّ والفساد كسروا، بل أصبح هؤلاء الغلاة التَّكفيريُّون مطيَّةً لأعداء الدِّين، يُوجِّهونهم بمكرهم، ودسائسهم، للإضرار ببلاد الإسلام، والنَّيل منهم بكلِّ سبيل، وجَّهوا سهامهم، إلى بلاد المسلمين، وخصُّوا بلاد الحرمين المملكة العربيّة السعوديّة، بالنَّصيب الأوفى، من كيدهم، وسبِّهم، وذمِّهم، وتربُّصِهم، فاستهدفوا بعض أبنائنا، وغرَّروا بهم تحت شعاراتٍ كاذبة، ودعاوَى مضلِّلة، سخَّروهم لقتل أبناء بلادهم، وزعزعة أمنهم، خابوا وخسروا، أيُّ جهادٍ هذا الَّذي ترك الدُّنيا كلَّها؟ ولم يعرف إلا بلاد المسلمين، ليتسلَّط عليهم قتلاً، وذبحاً، وأذيَّة، وإفساداً وتدميراً؟ جرائمهم متلاحقة، ومن آخرها، ما جرى من استهداف شرذمةٍ من الضُّلَّال المجرمين، لنقطة حدوديَّة في شمال المملكة، في عرعر، فاعتدَوا على رجال الأمن، وفجَّروا أنفسهم.

    أيُّها المؤمنون، إنَّ هذه العمليّات اليائسة العبثيَّة، تفضح سبيل هؤلاء الغلاة التَّكفيريِّين، وتبيّن خطورة فكرهم، وأنَّنا بحاجةٍ إلى تحصين أنفسنا، وأبنائنا ومجتمعنا من ضلالهم وانحرافهم؛ حفاظاً على هذه النعمة، وقدراً لها، ويؤكد أيضاً إغلاق كلِّ سبيل، يسعى إلى تفريق كلمتنا، وزعزعة أمننا، وإيجاد الفرقة، بين الرَّاعي والرَّعيَّة، فإذا اجتمع المؤمنون، على كلمة حقٍّ، والتأمت قلوبهم، على كلمة هدى، تحقَّق بذلك الخيرُ الكثير، وخابت تلك الدَّعوات المُضِلَّة، وتلك المساعي المنحرفة.

    أسال الله العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يرُدَّ كيدهم في نحورهم، وأن يحميَ بلادنا من شرورهم، وأن يجمعَ كلمتنا على الحقِّ والهدى، وأن يُديم أمننا، وأن يحفظ بلادنا من كلِّ سوء، إنه على ذلك قدير، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم، لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله، حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، أحمدُه حقَّ حمده، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، واعلموا أنَّه لا نجاةَ للخلق، إلا بالرُّجوع إلى كتاب الله تعالى، وسنَّة رسوله، فأصدقُ الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، صلَّى الله عليه وسلم، إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقومُ، وإنَّ الرجوع إلى كتاب الله عز وجل، يكون للمستطيع القادر، على فهمه بنفسه، فإن لم يستطع، فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون، قال الله تعالى: ﴿وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُم﴾  سورة النساء، الآية 83، وهم العلماء، الذين يفهمون كلام الله تعالى، ويُدركون مقاصد كلامه، جلَّ في علاه، فيبيِّنون ذلك، ويهدون الناس إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم.

    إنَّ من أعظمِ ما يُحقِّق به الغلاة التَّكفيريُّون مآربهم، ويُروِّجون به باطلهم، ويُسوِّقون به شرَّهم، الطَّعنَ في أهل العلم الأثبات، وتنقُّصهم، والصَّدَّ عنهم، ليخلوَ لهم الجوُّ، فيتَّخِذهم الناس رؤوساً، فيَضِلُّون ويُضلون.

     أيُّها المؤمنون، إنَّ مسلكهم هذا معروفٌ مشهور، فابنُ عباس، ترجمان القرآن، بعثه عليُّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، للخوارج حتى يناقشهم، فأقام عليهم الحجَّة، حتى رجع منهم ألفان، وكانوا ستَّة آلاف، فلمّا أبان لهم الحقَّ، قال بعضهم لبعض: لا تُخاصِموا قريشاً -يقصدون ابن عبَّاس- فإنَّ الله قد قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ سورة الزخرف، الآية 58، فنزَّلُوا ما قاله الله في صناديد مكَّة، كأبي جهل، وأبي لهب، وأُبيِّ بن خلف، على ترجمان القرآن. وإليك هذا الخبر: روى الإمام مسلم، في "صحيحه"، من حديث يزيدٍ الفقير، يقول: "شغفني رأيٌ من رأي الخوارج"، أي أخذ بقلبي وأعجبني، قولٌ من أقوال الخوارج، فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله، يُحدِّث القومَ، جالساً إلى ساريةٍ من سواري مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما يعرفونه، فقالوا له: يا صاحبَ رسول الله، ما هذا الذي تُحدِّثونا به؟ فبيَّن لهم الحقَّ، من كتاب الله وسنة رسوله، فلمّا رجعوا من مجلس جابرٍ قالوا: ويحكم، أترون الشَّيخَ يكذبُ على رسول الله، فلا واللهِ ما خرج منَّا غيرُ رجلٍ واحد، سلَّمهم الله بوعظ وبيان جابر، إلا رجلاً واحداً، عميت بصيرته، فسار في هذا المسلك المظلم.

     أيُّها المؤمنون!

    إنَّ الرجوع إلى أهل العلم غنيمة، وأقُصُّ لكم ما جرى في فتنة ابن الأشعث، وهي فتنة حدثت في زمن الحجاج، قام فيها بعضُ أهل العلم، مع ابن الأشعث، مناصرين له، ضدَّ ظلم الحجَّاج وبطشه، فوفَّقَ اللهُ الحسن البصريّ وعصمه، فقال لهم: "لا تدفعوا عقوبةَ اللهِ بالسَّيف، عليكم بالتَّضرُّع والسَّكينة!"، فماذا جرى؟ مشى مع ابن الأشعث مَن مشى، حتى وقعت المقتلة بينهم، وبين أهل الشام، فقُتل وجُرح كثير منهم، فقال واحدٌ ممَّن دخل في فتنةِ ابن الأشعث، وشهد معه المشاهد كلها، لقيتُ الفقهاء والناسَ، ولم أرَ مثل الحسن، ثم قال: يا ليتنا أطعناه، يا ليتنا أطعناه في عدم الخروج، يا ليتنا أطعناه في عدم حمل السيف، يا ليتنا أطعناه في لزوم جماعة المسلمين، كأنه نادم على قتال الحجاج.

    أيُّها المؤمنون!

    إنَّ الأمن مسئوليَّة الجميع: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِسورة التكاثر، الآية 8 فكلُّنا مسؤولٌ عن نعمة الأمن، شكراً وحفظاً وصدَّاً لكلِّ ما يزعزعها، ويسعى إلى إفسادها، هذه مسئوليتنا جميعاً، وفي الصف الأول رجال الأمن، الذين وُكلوا بحفظ أمننا، فلهم منَّا الثَّناء والدُّعاء، واجبهم عظيم، وحقُّهم على بقيَّة الأمة المؤازرةُ، والمناصرة بما يستطيعون، من إعانةٍ، ودعاء، فنحن جميعاً في سفينة واحدة، إذا غرقت فلن ينجوَ أحد!

    اللهمَّ آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمَّتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتَّقاك واتبع رضاك، اللهمَّ إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف، والرَّشاد والغنى، اللَّهمَّ ارزقنا شكرَ نعمك، وأدم علينا فضلك وإحسانك، اللهمَّ لا تؤاخذنا بما فعل السُّفهاء منَّا، اللهمَّ اجمع كلمتنا على الحق والهدى، يا ذا الجلال والإكرام، اللَّهمَّ وفِّق ولاة أمورنا إلى ما تُحب وترضى، اجمع كلمتهم على الحق والهدى، اللهمَّ سدِّدهم في أقوالهم وآرائهم وأعمالهم، يا ربَّ العالمين، اللهمَّ اشفِ وليَّ أمرنا عبد الله بن عبد العزيز، اللهم اشفه شفاءً عاجلاً، وبارك فيه وفي إخوانه، وأعِنهم على ما فيه خيرُ العباد والبلاد، يا رب العالمين، ربَّنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، اللهمَّ اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلَّاً للذين امنوا، ربَّنا إنَّك رؤوف رحيم، اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    973
  • خطبة : بماذا تتقي النار.
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، صفيُّه وخليله، خِيرته من خلقه، لم يترك خيرًا إلا دلَّنا عليه، ولا شرًا إلا حذَّرنا منه، حتى تركنا على محجَّةٍ بيضاء، طريقٍ واضحٍ جليٍّ، لا زلل فيه ولا خفاء، من استمسك به هُدي، ومن حاد عنه ضلَّ وعمي، فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله حق التقوى، وقوموا بما أمركم الله تعالى به في حقه، من توحيده، من تعظيمه، من محبته، من إجلاله، من السَّعي إليه بكلِّ ما تستطيعون، من طلب رضوانه، فإنَّ خيرَ ما يَستعمل به الإنسان نفسه، أن يشتغل بما يُرضي ربَّه جلَّ في علاه، وإنَّ الله تعالى فرض عليكم فرائض، لتُسعدكم في دنياكم، ولتحفظكم من أهوال يوم معادكم، فاحرصوا على القيام بها على الوجه الَّذي يرضى به عنكم، فإنَّ كلَّ طاعة تقربكم إليه، كما أنَّ كل معصية تُباعدكم منه، فكلُّ قُربة، كلُّ طاعة، ظاهرة أو باطنة، فيما بينك وبين الله عز وجل، أو فيما بينك وبين الخلق، في أداء الحقوق والإحسان إليهم، كلُّ ذلك يقربك إلى مولاك، واعلم أنَّ من أعظم ما تَتقرَّب به إلى الله عزَّ وجلَّ، أن تؤدي الحقَّ الذي فرضه عليك، في حقِّه وفي حق عباده، فأحبُّ ما تقرَّب به العبدُ إلى الله، أداء الواجبات والفرائض، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يقول الله تعالى : «إنَّ الله قال: من عادى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطشُ بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته» صحيح البخاري: باب التواضع, حديث رقم: 6137 .

     فالمرتبة الأولى هي: أن تقومَ بما فرض الله تعالى عليك، والمرتبة الثانية هي: أن تقوم بالاستكثار من الصَّالحات والتطوُّعات والمستحبات، فتلك الطريق هي التي يدرك بها الإنسان رضا الله جلَّ وعلا، بها يدرك فوز الآخرة، ونجاة الدنيا.

    أيُّها المؤمنون عباد الله،

    إنَّ مما يُدرِك به الإنسانُ رضا الله مما فرضه عليه، أن يشتغل في وقاية نفسه، من كلِّ ما يقربه إلى النار، ومن كلِّ ما يُباعده عن طريق الهداية، وهذه مسؤولية أناطها الله تعالى بكل واحدٍ منَّا، فكلُّ واحدٍ منَّا مكلف، أن يقيَ نفسه النار، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ والْحِجَارَةُ سورة التحريم، الآية 6   إنَّ الله أمرنا، بأن نشتغل وأن نعمل، في وقاية أنفسنا من عذابه، ومن سخطه، ومما أعده للعصاة من النار، ذاك لا يكون إلا بطاعته والإقبال عليه، إنك مسؤول عن نفسك، ستحاسب على الدقيق والجليل، الصغير والكبير، السر والإعلان، فاحذر أن يرى الله تعالى منك ما لا يرضى، فإنَّ الله تعالى أخرج آدم عليه السلام من الجنَّة بمعصية، فلا تستهتر، ولا تستخفَّ بالذنب مهما دقَّ وصغر، فإنَّ الذنوب إذا اجتمعن على صاحبها أهلكنه، جاء في "الصحيح "عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : «إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنهنَّ يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه»، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ضرب لهنَّ مثلًا: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، فأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها» مسند أحمد بن حنبل: مسند عبدالله بن مسعود, حديث رقم: 3818, حسن لغيره

    أي: الذنوب التي تُحتقر لا يراها الإنسان شيئًا، يقول هذه ما بضارةً، وهذه لن تؤثر عليَّ، وهذه لن تبعدني عن طريق الاستقامة، وهذه لن تُغضب الله عليَّ، ((إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنَّهن يجتمعنَ على الرجل حتى يُهلكنه)) هكذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمعن على الرجل فيهلكنه، ثم ضرب مثلًا يوضح كيف يقع الهلاك بصغائر الذنب ومحقَّر الخطايا، فقال صلى الله عليه وسلم: «كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأجَّجوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها» سبق تخريجه

     هكذا يقع الهلاك بالذَّنب تلو الذنب، والصغير تلو الصّغير، وإنَّ المؤمن مطالب بأن يقي نفسه الصغير والكبير، قال الله تعالى: ﴿وذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وبَاطِنَهُ سورة الأنعام، الآية 120 ، فأمرنا الله تعالى بتوخِّي ظاهر الإثم، وهو ما يقع عليه أعين الناس، أو أسماعهم، أو علمهم، وباطنه وهو ما يكون بينك وبينه جلَّ في علاه، فاحذر واجتهد في اجتناب ذلك، «كلُّ ابن آدم خطاء» سنن الترمذي: باب 48, حديث رقم: 2499, سنن ابن ماجة: باب ذكر التوبة.  لكنَّ الخطائين يختلفون في إفاقتهم، قال صلى الله عليه وسلم: «وخير الخطائين التوابون» ، إنَّ النبي أقرَّ بالخطأ، ولا تقف عند هذا؛ لأنَّ من الناس من يُبرر لنفسه الخطأ، بأنَّ كل ابن آدم خطَّاء، لكنه يغفل عن توجيهٍ نبويٍّ مهم، وهو أنَّ خير الخطَّائين التوابون، فكن توابًا، والتواب ولم يقل التَّائبين، بل قال التَّوَّابون، لكثرة توبتهم، ومعاودة التوبة بين فترة وأخرى، فهم لا يستغنون عنها، هي العبادة، التي لا ينفكُّ عنها الإنسان، في حينٍ من الأحيان، ولا في حال من الأحوال، هي عبادة العمر، فما أحوجَنا إلى كثرة التوبة والاستغفار، لا تقل: لن تضرَُّني تلك المعاصي، إنَّني أذنبتُ ولم أرَ لها أثرًا، فما من معصية إلا ولا بد أن تترك أثرًا، لكن عندما تنطمس البصيرة، ويعمى القلب، ما لجرحٍ بميت إيلام، تتوالى على الإنسان الخطايا، حتى يسودَّ قلبه، وهو في غفلة، عند ذلك لن يتمكن من اليقظة، سيكون هناك عوائق، تعيقه عن معاودة المسير إلى الله، وإصلاح الطريق في العودة إليه جلّ وعلا، فأكثر من التوبة والاستغفار، محمد بن عبد الله، أطيبُ الناس قلبًا، وأقربهم إلى ربه عبادة وطاعة، وأتقاهم لله، وأقومهم بأمره، أتدري كم كان يستغفر؟ إنه يحسب له في المجلس الواحد، كمجلسنا هذا أكثر من سبعين استغفارًا، «ربِّ اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور» أخرجه الترمذي(3434)، وابن ماجه(3814)، وقال الترمذي حسن صحيح غريب، هذا حال من حَطَّ الله خطاياه، وخفَّف عنه الذنوب، ورفع درجته، وأماط عنه كل أذى، يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين استغفارًا، وجاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان من آخر ما يقول في صلاته، بين التشهد والتسليم، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ» صحيح مسلم: باب مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُود, حديث رقم: 1112.

    إنه يسأل الله باستفاضة، طالبًا مغفرة الذنوب والخطايا، ليشملها كلها، دقيقها وجليلها، تفقَّد نفسك من صباح هذا اليوم إلى الآن، كم هي خطاياك؟ ولا تكن غافلًا عن خطايا، لا يراها الناس، لكن يعلمها ربُّ العالمين، كم في قلبك من الكِبر؟ كم في قلبك من الحقد؟ كم في قلبك من الحسد؟ كما في قلبك من العُجب ورؤية فضلك على الناس؟ كم في قلبك؟ وكم في قلبك؟ بعض الناس يقصر المعصية على صورة، يقول: أنا ما أزني، أنا ما أسرق، أنا ما اعقُّ والديَّ، ويغفل عن أن هذه المعاصي ليست هي كل المعاصي، ولكن هناك معاصٍ أخرى، قد تفضي بك إلى الهلاك، وقد توقعك في شر المآل وسوء الحال، فاتَّق الله في السر والعلن، وذر ظاهر الإثم وباطنه، واجتهد في التخفُّف من المعاصي والسيئات ما استطعت، وأكثر من التوبة والاستغفار، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، فإنّ الله تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرَّحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله حمدَ الشاكرين، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناءًا عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد،

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بطاعته، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، بالقيام بما أمركم به، اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، بترك ما نهاكم عنه، لأن ذلك يحقق لكم سعادة عاجلة، وفوزًا أجلا، ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ سورة أل عمران، الآية 185 ، ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا سورة عم، الآية 31، اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.

    أيُّها المؤمنون،

    إننا بحاجةٍ، إلى من يُذكِّرنا، إلى من يعظنا، إلى من يوقظنا من غفلتنا، فإنَّ كثيرًا من الناس استحكمت عليهم الغفلة، وذاك بسبب ما وقعوا فيه من إقبال على الدنيا، وانصراف عن الآخرة، لذلك ينبغي للمؤمن أن يعالج نفسه، وأن ينظر في إصلاح مسيره إلى ربه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾  سورة المدثر، الآية 38، لا تغترَّ بكثرة المخطئين، لا تغترَّ بكثرة الغافلين، لا تغترَّ بكثرة المعرضين، فإنَّ الله لن يحاسبك مع المجموع، بل سيحاسبك منفردًا، ويسألك عن أمره ونهيه، ماذا صنعت في كذا؟ ماذا فعلت في كذا؟ لماذا عصيت في كذا؟ فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا في كتابه، أنّ كل واحد منا محبوسٌ على عمله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌسورة المدثر، الآية 38، يعني محبوسة، كل نفس في كسبها وعملها محبوسة، عملك إما أن يفُكَّك، وإما أن يُقيِّدَك، فإن كان صالحًا فكَّك عن عذابه، وأعتقك من عقابه، وإن كان غير ذلك فلا تلومنَّ إلا نفسك.

     اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرَّ أنفسنا، قوموا بما أمركم الله تعالى به، من إصلاح أنفسكم، وأوصوا أهليكم بكلِّ خير، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» صحيح مسلم: باب فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَادِلِ وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَالنَّهْىِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ, حديث رقم: 4828.

    لن تنجوَ إذا قصرت بحق أهلك، وفي حق من ولاك الله تعالى عليهم، ولا يلزم أن يكون هذا التوجيه للأب، حتى يقول غيرُ الأب نحن لسنا مخاطبين، هذا الخطاب لكل مؤمن: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ » صحيح مسلم: باب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ, حديث رقم: 186. ، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾  سورة التحريم، الآية 6  وأهليكم بوصيتهم، ونصيحتهم، الأب، الأم، الأخ، الأخت، الصغير، الكبير، كلُّنا مأمورون بأن نأتمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، إنَّ الذنوب تحجب عن الناس الخير، تحجب عنك الخير، تحجب عنك أول ما تحجب طمأنينة الفؤاد، وانشراح الصدر، فأكثر من الاستغفار ليزول ذلك، ثم يترتب على هذه الذنوب، من البلايا والشرور في الأرض والسماء، ما ذكره ربنا جل في علاه، حيث قال: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا سورة الروم، الآية 41، أي ليرى الناس ثمرة شيء، من أعمالهم، وتقصيرهم، لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ سورة آل عمران الآية: 72 ، أي لأجل أن تحصل منهم إفاقة، إذا توالت علينا النُّذر، ولم نرَ من أنفسنا رجعة، عند ذلك تستحكم على قلوب الناس الغفلة، فلا ينفع فيهم وعظ، ولا ينفع فيهم تذكير، حتى تَحِلَّ بهم العقوبات، وتنزل بهم النَّقمات، وعند ذلك، لا يلومنَّ الإنسان إلا نفسه، الله تعالى يؤدب عباده، فيما يُجريه عليهم في الخاص والعام، فيمنع منهم ما يُحبُّون، ويوقع بهم ما يكرهون، ليُفيقوا ويعودوا، فلتكن المصائب، وحرمان النعم، سببًا للإفاقة، ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾   سورة النساء، الآية 160 والتحريم هنا  منه ما هو تحريم قدريٌّ، يعني يقضي الله بمنع الناس شيئًا مما يحبون، بسبب ظلمهم، كما فعل في بني إسرائيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا التحريم يحتمل أنه تحريم شرعي، ويحتمل أنه تحريم قدري، بأن يمنع الله تعالى شيئًا من أنعامه، والطبيات على عباده، بسبب ذنوبهم، وإنّ أعظم ما تُستدفع به النقمات، وتزول به البلايا والمصيبات، الخاصة والعامة، العودة إلى رب الأرض والسموات، بالاستغفار والتوبة، فتوبوا إلى الله، وأمِّلوا منه خير زاد.

     والتوبة باختصار: ندم على ما مضى من إساءة، وإقلاع عن الخطأ الحاضر، وعزم على الرشد والصلاح في المستقبل، هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًاسورة التحريم، الآية 8

    اللهمَّ ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اسلك بنا سبيل الرَّشاد، يا ربَّ العالمين، اجعلنا من عبادك، وأوليائك وحزبك، واصرف عنَّا السوء والفحشاء يا الله، اللهم إنَّا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والرَّشاد والغِنى، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، اللهم إنا نسألك من فضلك إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، ورشدًا في الظاهر والباطن، يا ربَّ العالمين، اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    963
  • خطبة :ويتخطف الناس من حولهم.
  • الخطبة الأولى:

    إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له ومن يضلل فلن تجد له وليَّاً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرَّحمن الرَّحيم، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، صفيُّه وخليله خِيرته من خلقه، أرسله الله بالهدى ودين الحقِّ بين يدي السّاعة بشيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع سُنَّته بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أمَّا بعد،

    فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى، فإنَّ تقوى الله جلَّ في علاه سببُ كل سعادة في الدنيا والآخرة، وتخلُّف التَّقوى، وغيابها سبب كلِّ شقاء في الدنيا والآخرة، قال جلَّ في علاه: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}  سورة الزمر : آية 61 . ينجِّيهم من كلِّ ما يخافون، يقيهم شرِّ ما يحذرون, يُبلِّغُهم ما يؤمِّلون, يُوصلهم إلى طمأنينة وسعادة وبهجة في الدُّنيا قبل الآخرة.

     أيُّها المؤمنون عباد الله, إنَّ الله جلَّ في علاه بعث الرسل جميعًا ليعبدوه وحده لا شريك له, ويدعوا الناس لعبادة الله وحده لا شريك له, وإن هذه العبادة قوامها الإيمان بالله, والإيمان برسله, والإيمان باليوم الآخر, وما يتبع ذلك من أركان الإيمان وأصوله؛ فإنّه لا يتحقق إيمانٌ إلا باجتماع وائتلاف؛ فإنّ الإيمان إنَّما يتحقَّق بائتلاف المؤمنين واجتماعهم, ولذلك قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ » صحيح مسلم: باب بَيَانِ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلاَمِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا, حديث رقم 203

    إنَّ السلام الذي أمر النبي صلي الله عليه وسلم بإفشائه بين الناس ليس هو كلماتٍ تُلقى, دون أن يكون لها رصيد في القلوب، دون أن لا يكون لها رصيد في المعاملة، دون أن يكون لها رصيد في المسلك والممارسة.

     إنَّ السلام معنى شامل لإيصال كلِّ خير، وكفِّ كلِّ شرٍّ، وبذل كل إحسان، وكفِّ كل أذى وإساءة، لذلك ذكر النبي صلي الله عليه وسلم وصفًا مجملًا للمسلم يَقيس به مدى ما معه من الإسلام فقال  صلي الله عليه وسلم، كما في الصحيحين: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» صحيح البخاري: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, حديث رقم: 10 , صحيح مسلم: باب بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلاَمِ وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ, حديث رقم: 171.

    فبقدر ما يسلم الناس من أذية بلسانك وبيدك وبقلبك فإنك تحقق من خصال الإيمان والإسلام ما يكون أعلى من غيرك, لذلك ينبغي للمؤمن أن ينظر في نفسه ومدى تحقُّق هذه الخصال في مسلكه ليقيس إسلامه، وليعرف قدر ما معه من الإسلام.

     أيُّها المؤمنون، إن النبي صلي الله عليه وسلم جاء برسالة مليئة بالنور والهدى, عنوانها الأعظم وشعارها الأكبر، ومنطلقها الذي لا يتخلَّف في حكم من أحكامها قولُ الله جلَّ وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} سورة الأنبياء : آية 107 . فالنبي صلي الله عليه وسلم جاء رحمة للناس, لا يتخلّف في ذلك موافق ولا مخالف, فهو رحمة لمن آمن به, وهو رحمة لمن عارضه وخالفه  ولم يؤمن به, وهذه الرَّحمة قوامها إيصال الخير وتحقيق العدل.

     عباد  الله!

     إنه لا يتحقق سلام ولا تتحقق رحمة، ولا يمكن أن يتحقق عدل ولا يمكن أن يُدرك الناس شيئًا من مصالح دنياهم أو أخراهم إلا بأمن يأمنون فيه على أنفسهم, يأمنون فيه على أموالهم, يأمنون فيه على عقولهم، يأمنون فيه على ما يحتاجونه من مصالحهم, لذلك اختصر النبي صلى الله عليه وسلم، قيمة الأمن في تحقيق الحياة الهنيئة, فقال كما في الترمذي من حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((من أصبح منكم معافىً في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)) سنن الترمذي (2346)،وابن ماجه (4141)، وابن حبان(2/445)، ح(671)،وقال الترمذي حسن غريب. أي كأنما جُمع له كل متع الدنيا, كل نعيمها في تحقيق هذه الأمور الثلاثة, الأمن في النفس والجماعة، الأمن الصحي، الأمن الغذائي، فحياة الناس لا يمكن أن يتحقق فيها شيء من مصالح الدين، أو مصالح الدنيا، إلا بتحقيق الأمن, ولا يمكن أن يُحقِّقوا الأمنَ، إلا بالأخذ بشريعة الله عز وجل, والقيام بحدوده فإنَّ الله تعالى جعل الأمن جزاء لأوليائه وعباده، فمتى حقق الناس الإيمان وقاموا بالشرائع فُتحت لهم أبواب الأمن، لا يعني ألا يصيبهم أذى أو ألا ينزل بهم ما يكرهون, فالناس لابد أن يذوقوا من حصائد أعمالهم ما يكون سبباً لرجوعهم وإفاقتهم, قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الروم : آية 41 ، لكن شتَّان بين أن يكون الاختلالُ للأمن في أحوال وأحداث خاصة؛ وبين أن يكون اختلال الأمن على الجميع وسمةً للأمة, فعندها يكون الأمر مختلفاً غاية الاختلاف؛ لذلك من أعظم ما ينبغي أن يستشعر الناس نعمته, وأن يدركوا فضله ما أنعم به عليهم من الأمن, فإنه نعمة يتبعها كلُّ خير, وكلُّ النعم تنبثق  عن الأمن فمتى غاب الأمن كان ذلك مدعاةً لحصول فساد كبير وشر عريض, والله تعالى يجري على الناس في سلامة دينهم وإقامة شعائر إسلامهم في حال أمنهم ما لا يدركونه في حال الفرقة والنزاع والخوف والشقاق.

     اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك  واتبع رضاك يارب العالمين .

    الخطبة: الثانية.

    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًِّا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى, أحمده حق حمده لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله, اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد.

     أما بعد.

     فاتقوا الله عباد الله, اتقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى تُستجلب الخيرات, اتقوا الله تعالى حق التقوى تستدفعوا النقم والبليَّات, اتقوا الله تعالى حق التقوى تدركوا سعادة الدنيا, وفوز الآخرة.

     اللهم اجعلنا من عبادك المتقين, وحزبك المفلحين, وأوليائك الصالحين يا ربّ العالمين.

     أيها المؤمنون!

     إنَّ الناظر في أحوال الناس، يرى ممن فقدوا الأمن ما يكون له عبرة, وما يكون فيه عبرة؛ فإنَّ الإنسان إذا نظر لأحوال الأمم وما أصابها من فقد الأمن، وكيف حياتهم بعد أن فقدوا الأمنَ، يكون هذا من داوعي إفاقته, ويدعوه إلى التدبر والاستيعاب, بأسباب ذلك ونتائجه، ويكون حريصاً غاية الحرص على أن لا يصيبه ما أصابهم, وألا ينزل به ما نزل بهم, وإنَّ فقد الأمن الذي نُشاهده فيمن حولنا يوجب اتعاظنا واعتبارنا, فإن فقد الأمن في تلك البلدان عبرة وعظة, فلا دنيا تكون حال غياب الأمن, ولا دين تصلح حال غياب الأمن, ولهذا كانت المحافظة على الأمن ضرورة يشترك فيها الجميع, ليست خاصة لفئة أو لجهة بل مسؤولية الجميع, مسؤولية كل واحد منا أن يحافظ على أمنه الذي يعيش فيه, وأمن بلده, وأمن من حوله, فإن ذلك من الإحسان  الذي يجب على كل واحد منَّا أن يشارك فيه قدر طاقته واستطاعته، وما يجري من تربص الأعداء بنا ومحاولتهم النيل منا في تسليط بعض أبناء هذه البلاد, سواء كان تسليطًا كلاميًا, بإشاعة الشر والشقاق والفتنة وبذر الفرقة بين الناس, أو كان ذلك بالعمل المسلح الذي يحمل بعض أبناء هذه البلاد على زعزعة الأمن بحوادث متفرقة, لا يمكن أن يجمعها إلا جامع واحد، وهو استهداف بلادنا بكل سوء وشر لزعزعة أمنها والنيل من وحدتها.

     إنَّ ما جرى في رمضان الماضي من اعتداء فئة على بعض أطراف البلاد, وما جرى بالأمس القريب من اعتداء فئة على جماعة من المواطنين بقتل بعضهم، كله يجري في مساقٍ واحد, إنه لا يقيم حقًا، ولا يسعى إلى إصلاح، ولا يمكن أن يبرره مبرر، إنه فساد في الأرض, كل واحد منا مستهدف بهذه الحادثة، وبتلك الحوادث المتوالية التي تتابع للنيل من أمننا, إننا نصبح ونمسي في نِعَم لا يعلمها إلا الله, قَلَّ شكرنا فنسأل الله أن يغفر لنا ما قصرنا فيه, لكن هذه النِعَم إذا لم نتنبّه إلى ضرورة المحافظة عليها وقطع الطريق على المفسدين تحت أي شعار وتحت أي تبرير؛ فإننا على خطر عظيم, إن هؤلاء يسعون إلى زعزعة قبلة المسلمين, نحن نسير ونجوب الفيافي والقفار الواحد منا يركب سيارته ويمشي آلاف الكيلو مترات لا يخاف إلا الله, أترون أنَّ هذه النعمة ستكون لو اختل الأمن؟! والله لن تدوم ولن يتحرك الواحد إلى عمله لا إلى بلد آخر بعيد! إلا و هو قد اصطحب سلاحه، ولم يأمن على نفسه حتى مع ما معه من سلاح.

     فالواجب علينا أن نستشعر أن المستهدف هو ديننا هو أمننا هو مكتسباتنا, فلذلك يجب علينا أن نفيق.

     إن حفظ الأمن ليس مسؤولية لرجال الأمن فحسب, إنهم يقومون بما يقومون به من واجبات لكن ذلك لا يكفي في تحقيق الأمن, إذا لم نكن عونًا, التعاطف مع هؤلاء أو التبرير لهم أو البحث عن مسوِّغات، كل ذلك مشاركة في الجريمة, فمن برر لهؤلاء الأشرار االفجار الذين اعتدوا على المواطنين في الأحساء, والذين قتلوا رجال الأمن في القصيم, فقد شاركهم في الدم الذي أريق بغير حق, وله نصيب من وزر قبيح أعمالهم وفسادهم في الأرض.

     أسال الله العظيم رب العرش الكريم، أن يرفع عنا وعنكم البلاء, وأن يحمي هذه البلاد من المتربِّصين بها, اللهمَّ اجمع كلمتنا على الحق والهدى, اللهم ألِّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا, اللهمَّ من سعى بيننا بشر أو فساد أو فرقة أو شقاق، اللهم اجعل كيده في نحره, اللهم اجعل كيده في نحره,  اللهم افضح أمره, اللهم أفسد سعيه, اللهم أفشل مخططاته, اللهم اجعل دائرة السوء عليه يارب العالمين, اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المتقين وحزبك المفلحين وأوليائك الصالحين, اللهم آمِنَّا في أوطاننا, وأصلح أئمتنا ولاة أمورنا, وأجعل ولايتنا فيمن خافك, واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين, اللهم وفِّق رجال الأمن إلى ما فيه خير العباد والبلاد, اللهم أعِنهم وسدِّدهم، اللهمَّ أعنهم وسدِّدهم، اللهمَّ أعِنهم وسدِّدهم، اللهم ارزقهم البصيرة، واحمهم ممن يتربص بهم يا ربَّ العالمين, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين .

    التفاصيل
    0
    10
  • خطبة : الخلاف شر
  • إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبد الله ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حق التقوى، وارقُبوا مقامكم بين يدي الله جلَّ وعلا، فإنَّ كلَّ أحد قائم بين يدي ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، يسأله جل وعلا عن الدقيق والجليل، والصغير والكبير، ولا فكاك من ذلك كله إلا بتقوى صادقة وتوبة راشدة يعود فيها الإنسان إلى ربه، يتوقَّى مواطن الزلل ومواقع الخطأ والخطر.

    أيها المؤمنون، عباد الله! إن هذه الدنيا جُبلت على التنوع والاختلاف، فالله تعالى قد خلق الزوجين ذكراً وأنثى، والله سبحانه أجرى من سنته في كونه ليلاً ونهاراً، فله اختلاف الليل والنهار سبحانه وبحمده، ومن بديع صنعه وعظيم قدرته أن خلق الأضداد، فذاك حسن وذاك قبيح.

    والضد يظهر حسنه الضد***وبضدها تتميز الأشياء .

    الاختلاف أمر واقع لا محالة، ولا سبيل إلى محاصرته، ولا سبيل إلى القضاء عليه، فهو سنة جارية في بني آدم، بل في الكون كله، فالاختلاف موجود، إلا أن الاختلاف أنواع وأشكال وألوان، فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما هو شر مستطير وفساد كبير، ولذلك ينبغي للناس أن يميزوا بين أنواع الخلاف المذموم وأنواع الخلاف السائغ المقبول، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفصيل، وإن الخلاف شرٌّ، ولا يتميز الخير إلا بمعرفة الشر.

    عرفت الشرَّ لا للشر لكن لتوقيه      

    ولا يعرفُ الإسلامَ من لم يعرف الجاهلية، وإنما تنقض عرى الإسلام بجهل الجاهلين وما عليه المارقون.

    أيها المؤمنون! إن الله تعالى قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء:92 ، وهذه الوحدة لا تقتصر على زمان ولا على مكان ولا على أمة، بل هذه الأمة التي وصفها الله تعالى بأنها أمة واحدة؛ هي أمة الإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى آخر موحد في هذه الدنيا، ممن يأذن الله تعالى بقبض روحه في آخر الزمان، كل هؤلاء أمة واحدة يجتمعون على مقصد عظيم، وهو ما قام له الكون، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56 .

    فهذه الوحدة لا يمكن أن يساوَم عليها، ولا يسوغ أن يُتنازل عنها، فالخلاف فيها هو الخلاف المذموم الأكبر الذي ذم الله تعالى أهله وأصحابه في كتابه وسنة رسوله. فالخلاف إذا عُطِّلت به قضايا التوحيد وانتُهكت به حقوق رب العالمين، وأخرج الناس من الإسلام لله رب السماوات والأرض فإنه مذموم ولا شك، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} هود:118 ، لكن حكمته اقتضت الافتراق والاختلاف، {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود:118 ، وهذا الاختلاف ليس الاختلاف في الإباحة والتحريم في مسائل وفروع الدين، وإنما هو اختلاف ذكره الله تعالى في قوله: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:7 ، اختلاف أهل الكفر مع اختلاف أهل الإيمان، {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} البقرة:176 ، {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء:115 ، إنه خلاف الاعتقاد بربٍّ لا إله غيره، ولا مالك سواه، ولا مدبر غيره، ولا معبود بحق إلا هو، هذا الخلاف هو الاختلاف الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا يسوغه مسوغ، فهذا الخلاف شر، ولذلك قال ربنا: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} هود:118-119 ، فمن رحمه الله؛ سلم من هذا الخلاف، لأنه خلاف يفضي إلى النار، كما قال ربنا: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} الشورى:7 .

    وأما الاختلاف الذي يكون في دائرة الأحكام والحلال والحرام، فهذا ليس بِشَر على الإطلاق، أي: لا يكون شراً في غالب الأحوال، لكنه قد يكون شراً في بعضها كما سنبين شيئاً من صور الشر في الخلاف الواقع في الأحكام والفروع والحلال والحرام.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التفرق في الدين وتقسيم الأمة وشرذمتها إلى طوائف وأحزاب، وفئات وجماعات متناحرة، يقول الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} آل عمران:105 ، فهذا الخلاف خلاف مذموم؛ لأنه يدعو إلى تمزيق وحدة الأمة ونسيجها الذي لا يساوم عليه، ولا يجوز أن يتنازل عنه، فالأمة اتحدت في مقصدها وغايتها، فقصدها الله، وغايتها تحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، فإذا اختلفت الآراء وتنوعت الاجتهادات تحت هذه المظلة الكبرى فلا حرج ولا ضير، فإذا استُثمر ذلك الخلاف في تمزيق الأمة وشرذمتها والدعوى بدعوى الجاهلية تحت أي مسمى من المسميات، فإنه من الشر الذي يجب توقِّيه ويدخل فيما قاله ابن مسعود: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    نعم، الخلاف شرٌّ أيها المؤمنون إذا أدى إلى البغي والعدوان وهتك الحقوق وانتهاك الحرمات.

    نعم، الخلاف شر إذا أدى إلى التهاجر والتباغض، ولو كان في أصغر المسائل، سواءً كان ذلك في مسائل الدين أو مسائل الدنيا.

    الخلاف شرٌّ، إذا اتُّخذ وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة ونقض عراها والعبث بالدين، والنقض للثوابت والقيم.

    الخلاف شر إذا كان وسيلة للتغريب وإزالة هوية الأمة ومحاولة الدخول والنفوذ من الخلاف إلى ما لا خلاف فيه.

    وأضرب لك مثلاً لتعلم ما المقصود بهذا النوع من الخلاف: أولئك الذين يستغلُّون الخلاف لتمرير فساد يُشيعونه في المجتمع، أو شرٍّ يحملون الناس عليه، كل ذلك باجتهادات يسوغونها ليس قصدهم إعلاء كلمة الله ولا نصر الملة ولا توضيح الشريعة، وإنما قصدهم هدم الثوابت والتنازل عن القيم والرجوع إلى الخلف، والقيام بما جرى من بلاء في بقية البلدان باجتهاد أو بغير اجتهاد بحسن نية أو بغير حسن نية، فحسن النية لا يدفع لسوء العمل، فكم من عمل كانت نيته طيبة لكنه لا يمكن أن تشفع له النية الطيبة في الحكم عليه بالصحة والقبول، ومن هذا ما نسمعه هنا وهناك من الخلاف في مسألة الحجاب وكشف المرأة لوجهها، فكثير من الكُتَّاب والمتكلمين يتكلمون عن مسألة ستر المرأة لوجهها، ويتكلمون عن اختلاف العلماء في ستر الوجه: هل هو جائز أو لا، ويسوقون الأدلة، ويحكون الأقوال، ويحشدون الآراء، ويؤيدون المقالات بأنواع من المقولات، لكنه يخفى عليه أن وراء الأكمَّة ما وراءها، فليس الشأن في كشف الوجه، فالوجه مسألة خلافية لا يمكن حسم الخلاف بإلغائه، بل العلماء مختلفون فيه منذ قِدَم، لكن الشأن وراء ذلك من كشف الشعور والنحور وإبداء المفاتن وإخراج المرأة من سترها وحيائها، هذا الذي يقصدونه وإن قدموا له بخلافات فقهية، فالخلافات الفقهية لا يُقصد منها في بعض الأحيان بيان الحق وإيضاحه بقدر ما يكون وسيلة إلى ما هو أبعد من ذلك من سفور وشر، نسأل الله أن يقينا شرها.

    اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب العالمين، أحمده لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى والزموا أمره وشرعه وقدِّسوا ما أمركم بتقديسه، فإن تعظيم الله تعالى في القلوب من أجلِّ القربات، {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} نوح:13 ، ومن تعظيمه: تعظيم شرعه، وتعظيم حقه، لا نحصي ثناءً عليه سبحانه وبحمده، نعوذ برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، وبه منه، لا نحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه.

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان وسيلة للتحلل من أحكام الشريعة، إذا وضع في غير موضعه لتسويق شر وفساد، ولذلك أمثلة كثيرة يمكن أن تكون في كلام هذا أو ذاك، إلا أن التفطنَ والتنبيه والتناصح والتعاون على البر والتقوى من أعظم وسائل محاصرة الشر والفساد، وإنَّ قضية كبرى تُطرح بين غالٍ وجاف، بين مفرِط ومفرِّط، بين داعية إلى شر وداعية إلى جمود وانغلاق؛ ألا وهي مسألة اختلاط المرأة بالرجال في الأعمال وغيرها، فهذه المسألة مسألة كبرى لا يتسنمها إلا من آتاه الله تعالى علماً بقوله وقول رسوله ومآلات الأقوال وما تنتهي إليه الأحوال، فإنه من الخطأ أن يتجرأ الإنسان على كلام لا يدري ما عاقبته ولا يدرك غائلته، ولا يرى شواهده في واقع الناس.

    إنَّ استحضار النصوص في اختلاط المرأة بالرجل في زمن النبوة في المسجد أو غيره، لا ينفع في تسويق الاختلاط الماجن الذي قد حُلَّ عن كل قيد وضابط، وهذا نموذج من الخلاف الذي يدخل فيما قال فيه ابن مسعود: «الخلاف شر».

    إن المرأة لابد أن تعمل في هذا الزمان الذي كثرت فيه الحوائج وفتحت فيه مجالات العمل، فهذه مسألة ليست محل نقاش فيما يبدو، والنقاش فيها هو رجوع إلى الوراء بما لا فائدة فيه، لأن المرأة في كثير من الأحيان خارجة خارجة شئنا أم أبينا، لكنَّ الأمر ينبغي أن يتحول إلى ما هو أهمُّ وهو ضبط هذا الخروج، لنتوقى الشر الذي ينذر الأمة بفساد عريض، فما أتيت الأمة من شرٍّ وفتنة، بقدر ما تؤتاه من قبل الاختلاط وفتنة النساء، وهذا ليس تعبيراً وإنشاء، وإنما هو قول من لا ينطق عن الهوى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أسامة: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، وهذا يدل على خطورة الأمر. والغريب أن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا الأمر ويُسوغون خروج المرأة دون ضبط ولا قيد، المرأة خارجة، لكن ينبغي أن يكون خروجها على وجه تحفظ فيه العورات، وتؤمن فيه الفتن والغوائل، وتحفظ فيه الشرائع، ويحاصر فيه الفساد؛ ألا وهو الزنا الذي هو أعظم الموبقات المفسدة للمجتمعات، ولذلك قال ربكم: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} الإسراء:32 .

    أيها المؤمنون! الخلاف شر إذا كان مفضياً إلى فُرْقة الأمة، مفضياً إلى هتك حرمة الجماعة، فالجماعة رحمة كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير بإسناد لا يستقيم استقامة تطمئن لها النفس، لكن معناه صحيح: «الجماعة رحمة، والفُرْقة عذاب»، فينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق الجماعة، فليلة تحت وليٍّ ظالم خير من ليلة في فُرْقة وعذاب، وأنتم تشاهدون ما يصطليه إخوانكم في كثير من بلاد المسلمين لفقد الولايات التي تقوم عليهم وتنظم شؤونهم.

    لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا

    فينبغي لأهل الإسلام أن يجتمعوا ويأتلفوا، وأن يعتصموا بحبل الله تعالى، ومن الاجتماع المحمود: الاجتماع على ولاة الأمر وحفظ حقوقهم والدعاء لهم بالتوفيق والتثبيت والحرص على نعمة الأمة، وعدم تخلل الشر وأهل الفتنة فيها، فلابد أن تقرر هذه القضية.

    واستمع إلى هذا المثال الذي نختم به هذه الخطبة: صلى عبد الله بن مسعود خلف عثمان بن عفان رضي الله عنهما في حجة في وقت خلافة عثمان، وكان عثمان في يوم عرفة يصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، يصلي ركعتينِ الظهرَ والعصرَ في عرفة، إلا أنه اجتهد في سنة من السنوات فرأى أن يُتم الصلاة فصلى الظهر أربعاً والعصر أربعاً فصلى خلفه ابن مسعود، وكان قد قال: «إن ذلك خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم»، فقال له الناس: يا عبد الله! تقول هذا خلاف السنة ثم تصلي خلف عثمان وقد أتمّ؟ فقال رحمه الله: «الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر».

    فهذا الفقه الدقيق في جمع الأمة وعدم خرق نسيجها، لأجل اختلافات فقهية أو آراء اجتهادية، هو مما ينبغي أن يشاع وأن يرهب، وأن لا يثرَّب على المجتهد مهما خالف اجتهادك اجتهاده، ما دام أنه في هذه المخالفة شر وفساد وفرقة وعدوان.

    اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارزقنا الاعتصام بحبلك، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} آل عمران:103 .

    اللهم قنا شرَّ كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته، اللهمَّ ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، وثبتنا عليه يا رب العالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    525
  • خطبة : الخوف من الله تعالى
  • الخطبة الأولى:

    إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    أما بعد.

    أيها المؤمنون بالله ورسوله.

    اتقوا اللهَ واحذروا عقابَه وشديدَ عذابِه وسخطَه، فالله سبحانه وتعالى شديدُ العذابِ شديدُ العقابِ ذو الطَّوْلِ لا إله إلا هو إليه المصيرُ، كما قال اللهُ جل ذكره: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} سورة الحجر: 49 -50

    وقد حذَّركم اللهُIنفسَه في كتابِه، فقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}   سورة آل عمران: 28قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرِ هذه الآيةِ: "أي: يخوِّفُكم اللهُ من نفسِه أن تركَبُوا معاصيَه أو توالوا أعداءَه، فإن إليه مرجعَكم ومصيرَكم بعد مماتِكم، فإن خالفتُم أمرَه نالكم من عقابِ اللهِ ما لا قِبَلَ لكم به، فاتقوه واحذروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب" جامع البيان في تفسير القرآن 5/320

    أيها المؤمنون.

    إن خوف الله تعالى من تمام الإيمان به لذلك أمر الله تعالى به عباده، فقال جل ذكره: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}  وقال سبحانه:{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي}، سورة البقرة: 150.

    بل قد جعلَ سبحانه وتعالى خوفَه شرطاً لصحةِ الإيمانِ، فقال سبحانه عز وجل:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} سورة آل عمران: 175. .

    وقد أنذرَكم اللهُ أيها المؤمنون الأمنَ من مَكْرِه وعَذابِه، فقال تعالى: {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} سورة الرعد: 13. وقال سبحانه:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ –أي: عملوا السيئات - أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ*أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} سورة النحل: 45-47. ،وقال سبحانه وتعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} سورة الأعراف: 97 -99.

    أيها المؤمنون.

    إن الخوفَ من اللهِ تعالى من أجلِّ العباداتِ ومن أعظمِ القُرُباتِ، فهو الذي يحُولُ بينَكم وبينَ محارمِ اللهِ- عز وجل- ومعاصِيه، فللهِ ما أعظمَه، وللهِ ما أحوجَنا إليه، وللهِ ما أحسنَ عاقبتَه في الدنيا والآخرةِ؛ إذ بالخوفِ يا عبادَ الله يَنزِعُ العبدُ عن المحرَّماتِ، وبه يُقبِلُ على الطَّاعاتِ، فهو واللهِ أصلُ كلِّ فضيلةٍ، وباعثُ كلِّ قربةٍ.

    وبالخوفِ من الله أيها المؤمنون يستيقظُ القلبُ من غفلتِه وينتفعُ بالإنذارِ ويتأثرُ بآياتِ القرآنِ، قال الله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} سورة طه: 2-3. وقال سبحانه: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} سورة الزمر: 23.

    عبادَ اللهِ! إن الخوفَ من اللهِ تعالى هو من أخصِّ صفاتِ عبادِ اللهِ المتقين وأوليائِه المحسنين، قال اللهُ تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} سورة الأنفال: 2.   قال الإمامُ الطبريُّ رحمه الله: "المؤمنُ هو الذي إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَ قلبُه وانقادَ لأمرِه وخضعَ لذِكْرِه خوفاً منه وفَرَقاً من عذابِه" جامع البيان في تفسير القرآن 11/ 27. .

    أيها المؤمنون.

    لقدْ كانَ النَّبيُّ  صلى الله عليه وسلم  شديدَ الخوفِ من اللهِ عظيمَ الخشيةِ له، مع ما خصَّه اللهُ -سبحانه وتعالى- به من الخصائصِ والفضائلِ والهِباتِ، ففي الصحيحين قال  صلى الله عليه وسلم : «فواللهِ إني لأَعلَمُكم باللهِ وأشَدُّكم له خشيةً»أخرجه البخاري (6101)، ومسلم (2356) من حديث عائشة رضي الله عنها.

    وعن عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ  رضي الله عنه  قال: «أتيتُ النبيَّ  صلى الله عليه وسلم  وهو يُصلِّي، وله أزِيزٌ كأَزيزِ المِرْجَلِ من البكاءِ» أخرجه أحمد (15877) من حديث عبدالله بن الشخير رضي الله عنه..

    أيها المؤمنون.

    هذا نبيُّكم  صلى الله عليه وسلم  غفرَ اللهُ له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخرَ، بلغَ الغايةَ في العملِ والطاعةِ، ومع ذلك كلِّه كانَ شديدَ الخوفِ من ربِّه، حتى كانَ أكثرَ دعائِه كما في جامع الترمذي: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"أخرجه الترمذي (2140) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه ، وكان من دعائِه كما في "صحيحِ مسلمٍ": «اللهم مصرَّفَ القلوبِ صرِّفْ قلوبَنا على طاعتِك»"صحيح مسلم" (2654) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ،أما صحابتُه الكرامُ فهم الذين قال فيهم القائلُ:

    إذا ما الليلُ أظلمَ كابَدُوه **** فيُسفِرُ عنهم وَهُم رُكوع

    أطارَ الخوفُ نومَهُمُ فقاموا**** وأهلُ الأمنِ في الدنيا هُجوعديوان عبد الله بن المبارك ص 14. 

    فَسَيْرُهُم رضي الله عنهم حافلٌ بالعِبَرِ والعِظاتِ، فهذا صدِّيق هذه الأمةِ وأفضلُها بعد نبيِّها  صلى الله عليه وسلم  المبشَّرُ بالجنةِ وعظيم المِنَّة كان إذا قامَ إلى الصلاةِ كأنه عودٌ من خشيةِ اللهِ تعالى.

    وهذا عمرُ بن الخطاب  رضي الله عنه  المبشَّرُ بالجنةِ، قرأ سورةَ الطورِ حتى إذا بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع} سورة الطور: 7. بكى واشتدَّ بكاؤُه حتى مرِضَ وعادَه الناسُ  رضي الله عنه  ، وكان يقولُ لابنهِ وهو في الموتِ: "ويحَكَ ضَعْ خدِّي على الأرضِ عساه أن يرحمَني"المحتضرين (47). .

    وهذا عثمانُ  رضي الله عنه  كان إذا وقفَ على القبرِ بكى حتى يبلَّ لحيتَه  رضي الله عنه .

    أما جمهورُ الصحابةِ  رضي الله عنهم ، فقد أخرجَ البخاري ومسلم من حديث أنسٍ رضي الله عنه  أنه قال: خطبَ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم  خطبةً ما سمعتُ مثلَها قطْ، فقال: «لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكتُم قليلاً ولبَكيتُم كثيراً»"صحيح البخاري" (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال أنسٌ: فغطى أصحابٌ رسولِ الله  صلى الله عليه وسلم  وجوهَهم ولهم خنين.

    فرضي اللهُ عنهم وأرضاهم ما أجمل فعلهم وأعذب ذكرهم!

    عبادَ الله! هذه نماذجُ من مخاوفِ القومِ مع ما خصَّهم به اللهُ تعالى من الرِّضا والغُفرانِ وتبشيرِ بعضِهم بالجنانِ. 

    فليتَ شعري!! ماذا نقولُ وقد قَسَت مِنَّا القلوبُ، وأمِنَتْ مِنَّا المخاوفُ، فلا بقُربِ الرحيلِ ننتبه، ولا بآياتِ اللهِ نتعظُّ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العليِّ العظيمِ.

    الخطبة الثانية

    أما بعد.

    اتقوا اللهَ ،واعلموا أن من علاماتِ خوفِ اللهِ تعالى وخشيتِه عدمَ الأمنِ من عذابِ اللهِ وعقابِه وسَخطِه ،قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} سورة المؤمنون: 57. ،فهؤلاء يا عبادَ اللهِ قوم حسُنت أعمالهُم وطابت سرائرُهم وَزَكَت قلوبُهم واستقامت جوارحُهم، إلا أنهم مع ذلك لم يأمَنوا عقابَ اللهِ وعذابَه، فقلوبُهم وجلةٌ خائفةٌ أنهم إلى ربِّهم راجعون.

    وهذا يفسِّرُ لنا ما كانَ عليه النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  من شدَّةِ الحَذَرِِ من عِقابِ اللهِ والخوفِ من سَخَطِه، ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  إذا كان يومَ الرِّيحِ أو الغَيْمِ عُرِف ذلك في وجهِه، وأقبلَ وأدبرَ فإذا مَطَرت سُرَّ به وذهبَ عنه ذلك، قالت عائشةُ: فسألتُه؟ فقال: إني خشيتُ أن يكونَ عذاباً سُلِّطَ على أُمَّتي »أخرجه مسلم (899). .

    وفي روايةٍ أخرى للبخاريِّ قال لها لما سألتْه: « يا عائشةُ، ما يؤمِّنُني أن يكونَ فيه عذابٌ، وقد عُذِّب قومٌ بالرِّيحِ، وقد رأى قومٌ العذابَ، {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}»"صحيح البخاري "(4829) من حديث عائشة رضي الله عنها..

    ولما كسفت الشمسُ في عهدِه  صلى الله عليه وسلم  خرجَ إلى المسجدِ مُسرِعاً فزِعاً يجرُّ رداءَه من شدةِ الفزعِ، فقام بأصحابه  صلى الله عليه وسلم  قياماً طويلاً شديداً حتى جعلوا يخرُّون من طولِ القيامِ، فاستكملَ رسولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم  في الرَّكعتين أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ، رأى في صلاتِه تلك الجنةَ والنارَ، فلما فَرَغَ من تلك الصلاةِ خطَبَ خطبةً عظيمةً بليغةً كان منها أن قال  صلى الله عليه وسلم : «أيها الناسُ إن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ اللهِ لا يخسفانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتم ذلك فافزَعوا إلى الصلاةِ وادعوا اللهَ وكبِّروا وتصدَّقوا، يا أمةَ محمدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحِكتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً» أخرجه البخاري (1046)، ومسلم (901) من حديث عائشة رضي الله عنها. ، وفي رواية قال  صلى الله عليه وسلم  عن الكسوفِ: «إنه من آياتِ اللهِ تبارك وتعالى يعتبِرُ بها عبادَه، فينظرُ من يُحدِثُ منهم توبةً»أخرجه أحمد (19665) والحاكم (1230) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والحديث صححه الحاكم..

    فلا إله إلا الله ما أطيبَ قلوبَهم وأزكى سرائرَهم وأشدَّ خوفَهم وحبَّهم وتعظيمَهم لربِّهم جل وعلا، فإن هذه الآياتِ والعظاتِ لا يَعتبرُ بها إلا من عَمَّرَ الخوفُ قلوبَهم، قال الله تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} سورة هود: 103. ،وقال سبحانه:{وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} سورة الذاريات: 37. .

    أيها المؤمنون.

    إنه لما ضعُفَ إيمانُنا باللهِ وقلَّ خوفُنا منه وتعظيمُنا له قَسَتْ مِنَّا القلوبُ وساءت الأعمالُ وصدق في كثيرٍ منَّا قولُه جل وعلا:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُون} سورة يوسف: 105. ، فلا حولَ ولا قوةَإلا باللهِ العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    التفاصيل
    0
    3409
  • خطبة : الحسد
  • إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، فإن تقوى الله تعالى تجلب لكم الخيرات وتدفع عنكم السَّيِّئات، وتحصلون بها سعادة الدنيا وفوز الآخرة، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}النبأ:31، {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}الزمر:61.

     اللهمَّ اجعلنا من عبادك المتَّقين، ومن حزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين.

    أيُّها المؤمنون! إنَّ تقوى الله جلَّ وعلا قِوامها صلاحُ القلب واستقامته، القلب ذاك الذي جعله الله تعالى موضعاً ومحلاً لنظره، «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وفي رواية: «وأعمالكم»، هذا القلب عليه مناط الفلاح والسعادة، هذا القلب أمركم الله بتقييده وتطهيره والعناية به والنظر في صلاحه، فمن أصلحه صلح أمره، ومن أهمله فسد أمره، «ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».

    يقول ربُّنا جلَّ وعلا: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} الأنعام:120، أمركم الله تعالى بترك ظاهر الإثم وباطنه، فإن ظاهر الإثم هو كل ذنب تقع عليه أعين الناس ويدركونه بحواسِّهم، وإنَّ باطن الإثم هو ذاك الذَّنب الذي لا تقع عليه الأبصار، ولا يراه إلا الذي يعلم الخفايا والأسرار، إنَّ باطن الإثم هو ما يكون في القلب من أنواع الآفات وألوان القاذورات التي تُعيق سيره، بل قد تقتله وتمنعه من فلاحه وسعادته.

    إنَّ الناس يعتنون بصلاح أجسامهم وقوة أبدانهم وصلاح ظاهرهم، لكنّهم يغفلون كثيراً عن صلاح قلوبهم وقوتها وسلامتها واستقامتها، وكونها نقية طاهرة مطيبة واقعة موقع الرضا من رب العالمين.

    إنَّ الإثم الباطن شأنه خطير كبير.

    فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمةٍ *** وإلا فإنِّي لا إخالك ناجيا

    أيُّها المؤمنون! إنَّ من أعظم الآفات التي تكون في القلوب ابتداءً، وقد تظهر على الجوارح تبعاً، ذاك الذنب الخطير الكبير الذي فشا في حياة كثير من الناس، وانتشر أثره في أعمالهم: إنه الحسد، نعوذ بالله منه. ذاك المرض وتلك الآفة التي تفسد القلب وتصرفه عن صحته، تصرفه عن الصحة والاستقامة إلى المرض والانحراف، ذاك الداء العظيم الذي هو من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوى، الذي يحمل صاحبه على مراكب الذنوب والآثام، فالحسد يبعد العبد عن منازل التقوى والإيمان، فلله! ما أعظمه من بلاء! ما دخل قلباً إلا أفسده، ولا دخل فؤاداً إلا عكَّره، الحسد داء قديم، حتى قيل: إنه أول ذنب عصي به الله تعالى، وليس ذلك ببعيد، فإنَّ الذنوب مبدؤها ما يكون في القلوب من انحراف وبُعْد عن ربِّ العالمين.

    أيُّها المؤمنون! إنَّ المرء بالحسد يتورَّط في ألوان من السيئات وصنوف من الآثام والذنوب، من كفر وبغي واستطالة في الأعراض وانتهاك للحقوق ومنع للواجبات، وغير من ذلك من ألوان الشرور والآفات.

    أيُّها المؤمنون! إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته من الحسد وعظَّم أمره في أحاديث كثيرة، فمنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً».

    وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم شدة إفساد الحسد لدين العبد، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه: «دبَّ إليكم داء الأمم»، وهذا يدلُّ على أنه مرض قديم في الأمم وفي الناس، «دبَّ إليكم» أي: تسلَّل إليكم داء الأمم قبلكم «الحسد والبغضاء»، وانظر كيف قرن بين الحسد والبغضاء؛ لأن الحسد ينبع منه شرٌّ كثير، ومنه البغضاء التي تكون بين الناس.

     ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان تأثير الحسد على عمل العبد: «وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر»، وذلك أنها تفسد دين العبد، فالحسد إذا قام في القلب أعماه وأورطه وأوقعه في ألوان من الآفات والشرور.

    وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الحسد يفني الحسنات ويفسد الطاعات، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والحسد، فإنَّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، تأمل تلك الخشيبات أو الحطيبات التي تضرم فيها ناراً، كيف يستعر فيها النار سريعاً فيهلكها فيحيلها رماداً لا ينتفع به، فهكذا هو الحسد في أعمالك الصَّالحة، إنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

    أيها المؤمنون! إنَّ الحسد الذي ورد في السنة ذمُّه وتحذيره والتنفير منه، هو ما يكون من كراهية نعمة الله تعالى على غيرك، فإذا وجدت في نفسك كراهية لإنعام الله تعالى على غيرك من الناس؛ فإن هذا هو الحسد، فإذا أضفت إلى ذلك تمني زوال النعمة والطمع في تحولها عمن أنعم الله بها عليه؛ فاعلم أنك قد ضممت إلى الحسد بغياً وشراً عظيماً.

    ويكفي في الحسد أن يكره الإنسان إنعام الله على غيره، فإذا ضمَّ إلى ذلك أنه يتمنى ويأمل بل ويدعو ويعمل على إزالة نعمة الله تعالى على الغير؛ فقد ضمَّ بغياً وعدواناً إلى الحسد، الذي هو عمل قلبيٌّ.

    أيها المؤمنون! إن محبة المساواة في الخير ومحبة المكافأة بالفضل، أو حتى الامتياز والتقدم في أبواب البر، ليس ذلك من الحسد في شيء، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة»، أي: العلم، «فهو يقضي بها ويعلِّمها، ورجلٍ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق»، فإذا رأيتَ من فتح الله عليه في العلم، ونفع الله تعالى بقوله وتوجيهه، وأحببت أن تكون شريكاً له في الخير أو مشابهاً له في ذلك؛ فهو من الخير الذي تؤجر عليه، وأما إذا وقع في قلبك كراهية ذلك وتمني زواله أو هلاكه أو غير ذلك فإنه الحسد، فإنه الحالقة، فإنه آكلة الحسنات كما تأكل النار الحطب.

    أيها المؤمنون عباد الله! إنَّ الحسد معارضةٌ لقدر الله، فالله حكيم فيما يُعطي، حكيم فيما يمنع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ}الزخرف:32، فهذه القسمة التي سخطها قلبك هي قسمةُ الحكيم، بل هي قسمة أحكم الحاكمين ربِّ العالمين، فالحاسد معترضٌ على الله، الحاسدُ ساعٍ في تعطيل ما قدَّره الله وقضاه، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}الزخرف:32.

    فاسألِ الله الذي بيده الملك إذا قام في قلبك طمعٌ في خير؛ فتوجَّه إلى الله ولا تعلق قلبك بعباده، وما أوتوه من الخيرات، بل سل الله من فضله، كما قال ربُّكم جلَّ وعلا فيما ذكر من تفضيل الرجال على النساء: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ}النساء:32، ثم قال في بيان تحصيل الفضائل: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}النساء:32.

    اللهم إنا نسألك من فضلك، أن تطهِّر قلوبنا من الحسد وسائر الآفات، اللهم املأها بحبك والتعلق بك وتعظيمك يا ربَّ الأرض والسَّماوات.

    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، أحمده جل في علاه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى، واعلموا أنَّ كل سيئة ضررها على من قام بها، فكل معصيةٍ شؤمُها على صاحبها، يقول ربُّنا جلَّ وعلا فيما بيَّن من سوء عاقبة السيئات: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْها}الإسراء:15، فينبغي للمؤمن أن يعلم أنه إذا تورَّط في شيء من السيئات؛ فإنه أولُ من يصطلي بنار تلك السيئات في قلبه، ألماً قد يعقبه عقوبةٌ من ربِّ العالمين عاجلةٍ أو آجلةٍ، فليتَّقِ الله وليبادرْ بالتوبة إلى الربِّ جل وعلا، علَّ الله أن يعتبه، وأن يغفر ذنبه وأن يصفح عنه.

    أيها المؤمنون! إنَّ الحسد شأنه عجيب، فأول ضحايا الحسد هو الحاسد الذي ملأ قلبه بكراهية الخير للناس، فالحاسد معذب مهموم، الحاسد مغموم مُكدّر، حتى قيل: لن نرى ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، وقد وصف بعضُ الناس حال الحاسد فقال: طولُ أسف، ومحالفة كآبة، وشدة تحرُّقٍ، فهو مكدَّر النعمة، لا يجد لها طعماً، يرى كلَّ نعمة على الخلق نقمةً عليه ونقصاً، طويلُ الهم، دائم السخط، منغَّص العيش. وهذا عاجل عقوبته، همٌّ وغمٌّ بغير اجتلاب دنيا، مع ذهاب دين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، نعوذ بالله من الخذلان.

    أيها المؤمنون! إنَّ الحسد يكون بأعمال كثيرة، ويقود إلى سيئات عظيمة، فعلى المؤمن أن يبادر إلى تخلية قلبه وتصفيته من كل شائبة حسد وبادرة منافسة في غير الحق والهدى.

    أيُّها المؤمنون! إنَّ الله سبحانه وتعالى أمركم بالاستعاذة من شر الحسَّاد، فقال جل وعلا: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}الفلق:1 * {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ}الفلق:2 * {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}الفلق:3 * {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}الفلق:4 * {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}الفلق:5، شرٌّ وضرر متعدِّد، وهذه السورة من أكبر أدوية الحسد، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في الصباح والمساء وبعد الصلوات وعند النوم، وما ذلك إلا لما فيها من عظيم النفع وكبير الدفع للشر وأسبابه، فاحرصوا عليها وعلى عامة الأذكار؛ فإنها من أسباب دفع شر الحاسد.

    أيها المؤمنون! إنه ينبغي للمؤمن أن يتَّقيَ شر الحساد بما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فمن أسباب توقِّي ودفع شر الحاسد: أن يتَّقي العبد ربه جل وعلا، فتقوى الله سببٌ للخيرات ودفع للشر والسيئات، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}الحج:38، فمدافعة الله على العبد تتناول صوراً كثيرة ومنها: أن يقيه شر الحساد وشر المتربصين له.

    إن من أسباب دفع شر الحاسد: أن يتوب العبد إلى الله جل وعلا، وهذا قد يستغربه بعض الناس، يقول: كيف أكون محسوداً ثم أطالب بالتوبة؟ كيف يقع عليَّ الظلم ثم أطالب بالتوبة؟ استمع إلى ما قاله ابن القيم رحمه الله وهي فائدة عزيزة تُنبِّه المرء إلى أنَّ ما أصابه إنما هو بسبب عمله، فيقول رحمه الله: (فليس للعبد إذا بُغي عليه، شيءٌ أنفع من التوبة النصوح إلى الله تعالى)، ولذلك إذا تسلَّط عليك ظالم بحسد أو بغيره، أو انتُهكت حقوقك؛ فافزع إلى الله بالتوبة، فإنما أُتيت من قِبَل ذنوبك، والله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}الشورى:30، الله أكبر! هكذا هو الميزان العدل، أن تعلم أن الله لا يصيبك إلا بذنبك، فالله جل، وعلا كريم عظيم، {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}النساء:147، فالله غنيٌّ عن عقوبتنا، وعن أن ينالنا ظلمُ غيرنا، لكنه يُسلِّط علينا من يسلط، ليبتلينا بذلك لنتنبه ونرجع إليه جلَّ وعلا، فينبغي أن نفزع إليه وأن نفرَّ إليه جل وعلا.

    وهكذا كان سلف الأمة، فكان أحدُهم إذا وقع في نكبةٍ أو نزل به تعسُّر فزع إلى الله تعالى، حتى إنَّ بعضهم إذا خرج من بيته فعثرت دابته قال: كذا وكذا من الذنوب التي كانت سبباً لهذا العثر، وهكذا إذا وجد سوءاً في خُلق زوجته ذكر ذنباً، وهكذا هي المحاسبة.

    ويُنقل عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: أنه كان يُصيبها ألم في رأسها، فكانت تقول: (وارأسآه)، تألماً مما يصيبها في رأسها، ثم تقول بعد ذلك: «وما يعفو الله عنه أعظم»، فتُذكِّر نفسها أن ألم رأسها بسبب ذنبها، وما يتجاوز عنه الله ويصفح أعظم وأكثر.

    ونحن في كثير من الأحيان، إذا نزلت بنا البلايا والمصائب وتعثَّرت حظوظنا، وانتكست مشاريعنا وتعثر نصيبنا لمُنْا غيرنا وتوجهنا باللوم إلى فلان وفلان، ونغفل عن أن ما أصابنا هو بذنوبنا، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} الشورى:30.

    اللهمَّ اغفر لنا واصفح، اللهمَّ اغفر لنا واصفح، اللهمَّ اغفر لنا وتجاوز، ربَّنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.

    اللهمَّ قنا شرَّ كلِّ ذي شرٍّ أنت آخذٌ بناصيته، اللهمَّ لا تُسلِّط علينا بذنوبنا، واعفُ عنا وارحمنا، اللهم تجاوز يا ذا الجلال والإكرام، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.

    اللهمَّ ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا، اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، اللهم آمنَّا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتَّبع رضاك يا ربَّ العالمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربَّنا إنك رءوف رحيم.

    اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    1574
الدروس العلمية
  • الدرس (2) تابع التعليق على المقدمة
  • الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده حق حمده لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
    أما بعد،،،
    يقول رحمه الله (أما بعد). هذه كلمة يؤتى بها للفصل بين المقدمة والمقصود من الحديث، هذا أصوب ما قيل في كلمة (أما بعد) بعض العلماء يقول (أما بعد). يؤتى بها للانتقال من حديث إلى حديث، لكن هذا لم يجر عليه عمل العرب، العرب يأتون بهذه الكلمة (أما بعد). للانتقال من المقدمة إلى المقصود، فما كان قبلها هو توطئة أو تمهيد، وما  بعدها هو المقصود بيانًا وإيضاحًا.
    يقول رحمه الله: ( أما بعد، فهذا كتابٌ مختصرٌ بالفقه، جمعت فيه بين المسائل والدلائل، واقتصرت فيه على أهم الأمور، وأعظمها نفعا، لشدة الضرورة إلى هذا الموضوع، وكثيرًا ما اقتصر على النص، إذا كان الحكم فيه واضحا، لسهولة حفظه وفهمه على المبتدئين؛ لأن العلم معرفة الحق بدليله، والفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح، واقتصرت على الأدلة المشهورة خوفًا من التطويل، وإذا كانت المسألة خلافيًة اقتصرت على القول الذي ترجح عندي تبعًا للأدلة الشرعية).
    يقول المصنف رحمه الله هذا المقطع من كلامه هو بيان لمميزات هذا الكتاب:
    أولًا: ابتدأ المؤلف ببيان موضوع الكتاب، فقال: (فهذا كتاب مختصرٌ في الفقه). فعرفنا أنه كتاب مختصر، والاختصار ضد التطويل، وأنه في موضوع الفقه، ما هو المختصر؟، تعريف المختصر، هو ما قل لفظه وكثر معناه، تقول خط خطبًة مختصرة، كتابٌ مختصر، كلامٌ مختصر، ما معنى الاختصار في الكلام، وفي الخطب، وفي الكتب؟، ما قل لفظه وكثر معناه.
    وهذا معنى جوامع الكلم، فجوامع الكلم هي الكلمات القليلة ذات المعاني الغزيرة، فقوله: (مختصرٌ في الفقه). أي أنه كتاب قليل الألفاظ كثير المعاني، وقوله في الفقه أي هذا موضوعه، والفقه المقصود به هنا في الفقه الاصطلاحي، فالألف واللام هنا للعهد الذهني، وما معنى العهد الذهني؟، يعني الآن لما نقول لطالب علم "الفقه"، ما الذي يذهب إليه تفكيره، لما تقول هذا درس فقهٍ، أو هذا درس الفقه، يذهب ذهنه إلى أنه درس يتعلق بأحكام الشريعة التفصيلية.
    فقوله رحمه الله: (فهذا كتاب مختصرٌ في الفقه). الفقه هنا ليس بمفهومه العام الواسع، الذي هو فهم الشريعة كما سيأتي، إنما هو الفقه بمعناه الخاص، الذي سيعرفه به المؤلف بعد قليل، فالألف واللام هنا، للعهد الذهني.
    قال رحمه الله: (جمعت فيه بين المسائل والدلائل). وهذا من سماته، مميزاته، أنه حوى مسائل، ودلائل، (المسائل). هي النتائج، (والدلائل). هي المقدمات، فجعل المؤلف رحمه الله هذا الكتاب، محتويًا على (المسائل). التي هي الزُبد والخلاصات، (والدلائل). التي هي معدن استنباط تلك (المسائل). فالدلائل جمع دليل، والدليل هو ما دل على تلك المسائل، كما أن (المسائل). جمع مسألة، فالمسائل جمع مسألة، وهي الخلاصة والنتيجة، (والدلائل). جمع دليل، وهو ما أوصل إلى تلك المسألة.
    وهذا مما تميز به المؤلف عن سائر المختصرات الفقهية، لا أعرف مختصرًا فقهيًا جمع بين المسائل والدلائل سوى هذا المؤَلف، ولذلك قدم المؤلف هذه السمة والميزة قبل غيرها؛ لأنها ميزته عن سائر المؤلفات المختصرات الفقهية.
    يقوله رحمه الله: (واقتصرت فيه على أهم الأمور). هذا ثاني ما تتميز به الكتب الابتدائية في الفقه، أنها تأتي على أهم المسائل، أهم القضايا، أصول الباب، يصلح أن نقول أصول الباب، يعني المسائل التي لا يصلح أن يغفل عنها طالب العلم في هذا الباب، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في البيع، في أي باب من أبواب العلم، المختصرات لابد أن تحوي أصول المسائل، أمهات المسائل، في باب الصلاة، في باب الزكاة، في باب الصوم، في باب الحج.
    قال: (وأعظمها نفعًا). أي أنه أيضًا خص من تلك المهمات ما يتعلق به نفع، وهنا النفع يتعلق بالعمل، يعني ينتفع بها الطالب في نفسه عملًا وتعليمًا، ولذلك قال: (وأعظمها نفعًا). أي ما تقتضي الحاجة إلى تعلمه، وينتفع به الطالب المتعلم، وينفع به غيره.
    قال رحمه الله: (لشدة الضرورة إلى هذا الموضوع).  هذا تعليل، لماذا ألف هذا المؤلف؟، ولماذا كتب هذا المختصر؟، (لشدة الضرورة إلى هذا الموضوع). يعني على هذه المواصفات، وإلا فالمختصرات الفقهية كثيرة، لكن بهذه المواصفات هذا المؤلف يعتبر من المؤلفات الفريدة.
    قال: (وكثيرًا ما اقتصرت على النص إذا كان الحكم فيه واضحًا). وأيضا هذا من سمات منهج السالكين، أن المؤلف جعل الأدلة هي الدالة على المسألة.
    بمعنى تحية المسجد مثلًا عوضًا عن أن يقول" ويسن لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين" : عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيَّ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - « إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ ) صحيح البخاري: باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى, حديث  رقم: 1163. هذا أفادنا فائدتين، أفادنا حكمًا، وهذه مسألة، وأفادنا دليلًا، حيث جاء بالدليل واقتصر على الدليل، عن ذكر المسألة، وهذا معنى قوله رحمه الله: (وكثيرًا ما اقتصرت على النص). يعني الدليل من الكتاب، أو من السنة إذا كان الحكم فيها واضحًا، والغالب أنه من السنة.
    لماذا؟، قال: (لسهولة حفظة). هذا مقصود، (وفهمه على المبتدئين). لأن هذا أسهل في الحفظ، وأسهل في الفهم، ثم قال: (لأن العلم معرفة الحق بدليله). وهذا ثالث الفوائد، وهو تعليم الطالب الاستناد إلى الدليل في كل ما يذهب إليه من مسائل العلم، وهذه فائدة تربوية؛ لأنه في كل مسائل العلم، ينبغي لك أن تعرف المستند، الحجة؛  لأنه ليس العلم مأخوذًا من قول فلان، أو قول العالم الفلاني، إنما العلم قال الله، قال رسوله.
    فلابد أن يَستند علمك إلى دليل ونص، وهذا معنى قوله رحمه الله: (لأن العلم معرفة الحق بدليله). وهذا أجود تعريف للعلم، إذا قيل لك ما العلم؟، في كل باب من الأبواب، (معرفة الحق بدليله). (معرفة). يعني العلم، العلم والمعرفة مترادفان، قد يكن بينهما فروقات عند الاقتران.
    لكن عند التعريف جاء بما يبين العلم بمرادفه، فقال (العلم معرفة الحق). أي إدراك الحق، معرفة الحق يعني إدراكه، والإحاطة به، و(الحق). ما هو؟، الحق ما طابق الواقع ووافقه.
    (معرفة الحق بدليله). الباء هنا للمصاحبة، أي مع دليله، فهذا هو العلم، فمعرفة الحق دون دليل قصور، هو نوعٌ من العلم، لكنه قصور، وإنما يتم العلم بمعرفة الشيء الصواب، معرفة الحق مقترنًا بدليله.
    فعندما تقول، هذه الساعة من الليل، يقال لك ما الدليل، يقول اخرج لتنظر الظلام الدامس، فليس في السماء شمسٌ، إذاً هي ليل، هنا جاء حقٌ بدليله، ولذلك قلت هذا التعريف لا يقتصر على العلم الشرعي، بل هو العلم بكل معلوم، كل معلومٍ مما يتعلق بأمر الدين، بأمر العقائد، بأمر الأعمال، بأمر الدنيا، لا يسمى الشيء علمًا إلا إذا كان مقترنًا بدليله، هذا غاية العلم، ولذلك معرفة الحق بدليله هو العلم.
    ثم بعد ذلك انتقل المؤلف رحمه الله إلى تعريف الفقه، وهذا تَنزُل في المعلومة، فبدأ بالأوسع والأعم، وهو العلم؛ لأن العلم يشمل المعرفة بكل حق، سواءً كان في العقائد، أو في الأعمال، أو في أمور الدنيا، أو في أمور الآخرة، لكن فيما يتصل بالفقه، هذا أخص، لأنه نوعٌ من العلم، فكل فقهٍ علمٌ، وليس كل علمٍ فقهًا.
    وهذا يسميه علماء الأصول "عموم وخصوص مطلق" لما يصير في شيء عام، وفي شيء داخله، أنت تصور دائرتين، تصور أن عندك دائرتين، دائرة واسعة في جوف هذه الدائرة دائرة أخرى، إذا تصورنا هذا عرفنا معنى العموم والخصوص المطلق، العلم هو الدائرة الواسعة، والفقه هو دائرةٌ في داخل تلك الدائرة، فيكون عموم وخصوص مطلق، فكل فقهٍ علمٌ، وليس كل علمٍ فقهًا.
    فعلوم العربية علم لكنها ليست فقه، علوم الحديث علم لكنها ليست فقه، علوم التفسير على تصنيفات المتأخرة، علم لكنها ليست فقهًا، علوم مصطلح الحديث، أصول الفقه، كل هذه أنواع من العلوم لكنها ليست فقهًا.
    فما هو الفقه؟ الذي ألف المؤلف رحمه الله هذا المختصر لأجل بيانه وإيضاحه، قال: (والفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح).
    عرف المؤلف رحمه الله الفقه بهذا التعريف الذي ضمنه بيان ركني العلم، نحن الآن قبل قليل ماذا قلنا في تعريف العلم؟، قلنا العلم يقوم على أمرين، (معرفة الحق بدليله). فلابد من معرفة الحق بدليله، فإذا عرفت الباطل لم يكن علمًا، إذا عرفت الحق لكن من غير دليل أو بدليل خطأ، لم يكن علمًا، لما تعرف الحق بدليله الصواب يكون ذلك علمًا.
    الآن انظر إلى الفقه، الفقه قلنا هو علم من العلوم أو لا؟، طيب ، الآن نريد من خلال هذا التعريف أن نصل إلى مطابقة التعريف العام يقول: (معرفة الحق بدليله). هو قال: (معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها). إذا عندنا الآن معرفة حق، ومعرفة دليله.
    (الحق). ما موضوع الحق في الفقه؟، الأحكام الشرعية الفرعية، هذا موضوع الحق في الفقه، وأما (بدليله). ما أنواع الأدلة؟، الأدلة كثيرة لكن في الفقه، ذكر أدلتها المتفق عليها، أدلة الفقه المتفق عليها وهي (الكتاب والسنة والإجماع والقياس). هذه الأربعة هي الأدلة المتفق عليها في الجملة.
    فالمؤلف رحمه الله ذكر تعريف الفقه، وذكر أصول أدلته، يقول رحمه الله: (معرفة الأحكام). الأحكام جمع حكم، والمقصود بالأحكام هنا الأحكام التكليفية، والأحكام الوضعية، الأحكام جمع حكم، والحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، هكذا يفسره علماء الأصول.
    الأحكام جمع حكم، ما هو الحكم؟، خطاب الشارع، الشارع هو الله أو رسوله، خطابه بخصوص ماذا؟، المتعلق بأفعال المكلفين، أفعال المكلفين ما هي؟، إما طلب، وإما نهي، وإما إباحة، ولذلك يعرفه العلماء خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين إما طلبًا، أو نهيًا، أو تخيرًا بأن تفعل أو لا تفعل.  
    فقوله رحمه الله: (معرفة الأحكام). إذا معرفة الأحكام هنا أي المقصود به معرفة خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، (الشرعية). فخرج به الأحكام غير الشرعية، هل هناك أحكام غير شرعية؟، نعم، هناك أحكام عادية، وأحكام طبيعية، وأحكام حسية، وأحكام دنيوية مختلفة، وأحكام عقلية، فالأحكام كثيرة، فما قال (الشرعية) ميز المقصود بالأحكام، وفهمنا من هذا أن الفقه لا يتعلق بالأحكام العقلية، ولا بالأحكام الحسية، ولا بغيرها من الأحكام التي لا تتصل بالشريعة.
    قال رحمه الله:(الفرعية). الفرعية هذا تخصيص أيضًا للأحكام بأن المقصود بالأحكام هنا الأحكام الشرعية الفرعية، ليخرج الأحكام الكلية، والأصلية أو الأصولية؛ لأن العلماء يقسمون مسائل الدين إلى أصول وفروع، وهذا التقسيم انتقده بعض أهل العلم قال غير مضطرد، لكن لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان المعنى صحيحًا.
    وقد جرى عمل العلماء على هذا التقسيم، أرادوا بالفروع ما يتعلق بالأعمال، أعمال المكلفين، والعبادات الفعلية سواءً كانت قوليه أو عملية، أما ما يتعلق بالأصول فهي العقائد، فالمقصود بـ (معرفة الأحكام الشرعية الفرعية). أي أحكام الشريعة المتعلقة بمسائل الفروع، وهي أعمال المكلفين.
    ولذلك بعضهم يقول الأحكام الشرعية التفصيلية، ليخرج الكلية ويذكر الفرعية، والأمر في هذا قريب، هذا وذاك كلاهما يؤديان إلى معنًى واحد، وهو أن الفقه اصطلاحا يطلق على الأحكام الشرعية العملية التفصيلية، فخرج بذلك ما يتعلق بالعقائد، وخرج بذلك ما يتعلق بالأصول، فالتفصيلية والعملية والفرعية كلها يقصد بها الخروج عن مسائل الاعتقاد.
    فليس للفقه شأنٌ في مسائل الاعتقاد بحثًا وتقريرًا، قد يكون هناك حكم يتعلق مثلًا بأحكام بعض مسائل الاعتقاد، لكنها ليست لبيان تلك المسائل على وجه التفصيل، إنما قد يرد ذلك عرضًا.
    فمثلًا أحكام التكفير، هي من أحكام العقائد أليس كذلك؟، لا يخلو كتاب من كتب الفقه من ذكر ما يتعلق بالمكفرات، وما يتعلق بحكم التكفير، ومن يصح منه أن يُكَفِر؟، وما الذي يترتب على التكفير؟، ومتى يكفر؟ وكيف يخرج عن حكم الكفر؟، وكيف يستثاب؟ وما إلى ذلك.
    كل هذه تُبحث في الفقه، لكن هذه لا تبحث في ما يتعلق بالمكفرات في حد ذاتها، هل هذا يُكَفر أو لا يُكَفر على وجه التفصيل، إنما على وجه الإجمال، لبيان مسائل التي تتعلق بالعمل والقول مما يتعلق بهذا الباب، وهو ما يتعلق بالتكفير.
    إذاً غالب ما في الفقه هو في مسائل العمل لا في مسائل الاعتقاد، ولكن ثمة مسائل لها صلة بمسائل الاعتقاد.
    بعد ذلك قال: (بأدلتها). أي مع أدلتها، ثم فصل الأدلة (من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح). هذه الأربعة أدلة، ذكرت هي الأدلة المتفق عليها، أما (الكتاب). فالمقصود به القرآن، وأما (السنة). فالمقصود به ما ثبت عن خير الأنام صلى الله عليه وسلم، وأما (الإجماع). فالمقصود به ما اتفق عليه علماء الأمة في عصر من العصور، وأما (القياس). فالمقصود به إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة.
    وقوله رحمه الله :(الصحيح). ليخرج القياس الفاسد، فالقياس الفاسد لا يصلح أن تبنى عليه الأحكام، ولا يُعتمد عليه في الفقه، إنما يعتمد على القياس الصحيح، وقد ذكرت أنها بالأدلة تجتمع في كونها متفقًا عليها غالبًا، لكن هذا لا يعني أنه لا خلاف فيها، بل في القياس خلاف وفي الإجماع أيضا نوعٌ من الخلاف.
    بعد ذلك قال رحمه الله: (واقتصر على الأدلة المشهورة خوفًا من التطويل). أي أنه عند ذكر الأدلة، فإنه يقتصر على المشهور، والسبب في ذلك خوفًا من أن يطول معه البحث، وهو خلاف ما قصده في هذا  المؤلف من الاختصار.
    (إذا كانت المسألة خلافية اقتصرت على القول الذي ترجح عندي). وفهمنا من هذا أن المؤلف لم يلتزم مذهبًا في هذا الكتاب، إنما ألفه وفق ما ترجح لديه، بغض النظر عن المذهب.
    طبعًا لي وقفه مع هذا، وهي وقفه مهمة، لعلنا نفتتح بها الدرس القادم، إن شاء الله تعالى.
    (ترجح عندي تبعًا للأدلة الشرعية). يعني أن هذا الترجح ليس عن هوى، ولا عن اختيار تشهي، إنما هو وفقًا لما دلت عليه الأدلة الشرعية فيما ظهر له رحمه الله.
    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    228
  • الدرس(1) ترجمة المؤلف والتعليق على المقدمة
  • الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، أحمده حق حمده لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد،،،

    فحياكم الله أيها الإخوة، في هذا المجلس من مجالس العلم، والروضة من رياض الجنة، وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا المجلس في موازين الحسنات ويرزقنا وإياكم بركة هذه المجالس، وأن يعيننا وإياكم على العلم النافع والعمل الصالح، فخير ما يستعمل فيه العبد في هذه الأزمان المظلمة، طلب العلم، طلب العلم الذي يثمر صلاح العمل.

    فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قال كما في الصحيح من حديث معاوية: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى ، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ » صحيح البخاري: باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ, حديث رقم: 71. فمن علامة ودلالة إرادة الخير للعبد، أن يوفق إلى الفقه في الدين، والفقه في الدين، المقصود به العلم به والعمل، وليس المقصود جمع المسائل ومعرفة الأحكام، وإدراك ما يكون من ملح العلم، إنما المقصود ما يثمر ذلك من ثمره، وهو صلاح القلب واستقامة العمل، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، والعمل بالتنزيل، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

    في هذا المجلس نبتدئ إن شاء الله تعالى القراءة في كتاب منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، وهو من علماء القرن الرابع عشر الهجري، وأحسبه والله حسيبه أنه من المجددين في تعليم علوم الدين، لاسيما في جزيرة العرب.

    فإن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، جاء في زمان جمد فيه أكثر المتعلمين والمعلمين على التقليد، وعلى العناية بدراسة الفقه ومسائل الدين من خلال المتون الفقهية، دون تحليل وبحث ونظر وتحقيق وتعليل وترجيح، ففتح الله  تعالى على هذا الشيخ العالم الجليل رحمه الله، بمطالعة ما كتبه وسطره، إمامان جليلان وهما أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وابن القيم، وتلميذة ابن القيم رحم الله الجميع.

    فنهل من كتبهما المنهج النقدي والتحليلي، واستفاد مما في كتبهما من تأصيل علمي رصين، يناقش ويبني الأحكام والعقائد والمسائل على الدليل، ولذلك استفاد رحمه الله من هذا استفادة واضحة جليه في مؤلفاته وكتبه، إضافة إلى هذا النمط من التجديد، أنه فتح الله عليه في تيسير علوم الدين وتقريب العلوم لكافة المستويات من المتعلمين، بل حتى من عامة المسلمين.

    ففتح الله تعالى عليه في سيلان قلمه وجريان عباراته على وجه عذب لذيذ، تطرب له الأسماع، وتستوعبه الأفهام، وفتح الله عليه بجمع المعاني الواسعة في الألفاظ اليسيرة المختصرة، وهذا من الفتوحات التي إذا وفق إليها العبد فتح له في جمع علم كثير غزير في عبارات قليلة، يشهد هذا ويعرفه كل من طالع كتبه رحمه الله، بتمعن.

    وما تميز به من رصانة العلم وحسن عرضة، والتحدي الذي ينبغي لطالب علم أن يعتني به حتى يكمل نفسه في التعليم هو هذان الأمران.

    •الأمر الأول: رصانة العلم ورسوخه، فبقدر رسوخ، يدرك الإنسان المعارف، ويقوى على مواجهة المستجدات والحوادث.

    •الأمر الثاني: وهو لا يقل أهمية عن الأمر الأول، حسن العرض القدرة على إيصال المعلومة، فكم من إنسان عنده من العلم والرسوخ الشيء الكثير، لكنه لا يستطيع أن يقرب هذه المعلومة للناس، فيقول ما في قلبه من العلوم محجوبًا عن العالمين، لا يستطيع أن يوصله إليهم، لعجز لسانه، وضعف بيانه عن إيصال هذه المعارف.

    فإذا فتح الله على العبد في هذين الأمرين، قوة المعلومة وحسن عرضها، كان هذا من توفيق الله، ويكتب له من القبول ما لا يكتب لغيره، بل أقول إن العلم القليل مع حسن العرض يؤثر بأضعاف مضاعفة إذا قارناه بالعلم الغزير مع ضعف البيان، ولذلك مدح الله القرآن بالبيان بأنه مبين، وأنه بلسان عربي مبين، وأنه بيان للناس، كل هذا لم؟، للبيان والإيضاح من تأثير في إيصال الحق.

    الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، فتح الله له في هذا الأمر فتحًا مبينًا، فلا يقرأ أحدٌ أهل المعرفة، والمحبين للتعلم شيئا من مؤلفاته إلا ويلاحظ هذه السهولة والسلاسة في عرضة، وتجلى هذان الوصفان، اللذان تميز بهما الشيخ رحمه الله في هذا المؤلف الذي بين أيدينا وهو منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، فإن مطالعة هذا الكتاب، تبين لك هاتين الميزتين، فهاتان الميزتان من سمات هذا الكتاب ومما تميز به.

    الشيخ عبد الرحمن السعدي هو من علماء هذه البلدة، وهو ممن تلقى العلم على جمع كثير من العلماء، وجلس للتعليم مبكرا، وألف مؤلفات عديدة، ولعل هذا المؤلف مما ألفه بعد بدايته وجلوسه للتدريس، فإنه قصد بهذا المؤلف المبتدئين من طلبة العلم، لتقريب المعلومة وتيسيرها، ولذلك بعد أن ألفه دفعه إلى أحد تلاميذه ليدرسه للطلبة المبتدئين في طلب العلم، وجعله بينه وبين الطالب على وجه المراجعة، فكان إذا احتاج الطالب هذا المعلم، معلم الطلبة إذا احتاج إلى مراجعة رجع للشيخ، فخرج هذا الكتاب محررًا يسيرًا سهلاً كما سيتبين إن شاء الله تعالى.

    الشيخ عبد الرحمن السعدي له مؤلفات عديدة من أبرزها تفسيره الشهير الذي اتسع ذكره وانتفع به خلق كثير وهو من أفضل التفاسير التي احتوت سلامة الاعتقاد، قوة المعلومة، سهولة العبارة، العناية بالمعاني الجامعة، فإنه تفسير يعتني ويهتم بجوامع المعاني، لا بتفاصيلها ومفرداتها، ولذلك من طلب معنى كلمة في آية، قد لا يجدها في التفسير، لكنه يجد المعاني الإجمالية العامة، التي تستفاد من الآيات، وتراد لها تلك السياقات في كلام الله عز وجل وفي آيات الكتاب الحكيم.

    الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله توفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وهو قد تخرج على يديه جملة من الأئمة والعلماء الذين نفع الله بهم، وقد درست على جماعة منهم، ومنهم شيخنا إمام هذا الجامع محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، الذي تولى التدريس بعد الشيخ عبد الرحمن السعدي، وامتد قرابة نص قرن في التعليم، ونفع الخلق على نحو الطريق الذي سلكه الشيخ رحمه الله.

    فأسأل الله أن يغفر لهم وأن يجمعنا بهم في جنات عدن في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    هذا تعريف مختصر بصاحب هذا المتن، وحقه أن يفرد له بيان وإيضاح، لكن نحن في دوره، ومعلوم أن الدورات مبناها على الاختصار، من ذلك اختصار فيما يتعلق بخصائص المؤلف، وإلا المؤلف حري بالدراسة، لبيان منهجه وطريقته، فهو من علماء العصر المبرزين المجددين، أسأل الله تعالى أن يغفر له وأن يرحمه.

    أما بخصوص الكتاب الذي بين أيدينا فعنوانه منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، هكذا عنونه المؤلف رحمه الله، وهو كتاب في الفقه، وقد جعله المؤلف رحمه الله على نحو من الاختصار والبيان والاستدلال ما تميز به عن سائر المختصرات، المختصرات عادة تجمع وصفين فيما يتعلق بالفقه، المختصرات الفقهية تجمع وصفين:

    • قلة العبارة، وهذا ينعكس على وضوحها في الغالب لأن اختصار الكلمات يحتاج إلى تفكيك، فقلة العبارة.

    • والخلو من الدليل.

    وهذان الوصفان قد غابا عن هذا المختصر، فهذا المختصر واضح، ليس فيه تعقيدات ولا صعوبات، بل هو جلي المعاني واضح الكلمات.

    الأمر الثاني أنه تضمن الاستدلال لكثير من المسائل التي ذكرها، بل أحيانا يذكر المسألة بدليلها، بمعنى أنه يكتفي بذكر الدليل عن ذكر المسألة، فيجعل الدليل الوارد في المسألة، هو نص بيانه، وما ذكره رحمه الله في هذا المختصر، وهذا مما ميز هذا المختصر عن سائر المختصرات.

    العلم أيها الإخوة لا يؤخذ جملة، إنما يؤخذ بالتدريج، وهذا سنة سار عليها العلماء المتقدمون والمتأخرون، العلم لا يحصل جملة، بلا لابد فيه من ترقي، ودرجات وخطوات حتى يصل إلى مطلوبة، والعادة في العلوم، جرى عمل العلماء بعد التدوين على التدرج في التأليف لملاحظة ما يحتاجه الطلبة.

    فتجد على سبيل المثال فيما نحن فيه في الفقه، في كل المؤلفات الفقهية، يتدرج العلماء في المختصرات على طبقات، وفي المؤلفات على درجات، وهي ثلاثة في الجملة، درجة المبتدئين، ودرجة المتوسطين، ودرجة المتمكنين، هذه الدرجات الثلاث في الغالب تقسم عليها مؤلفات أهل العلم.

    فالمختصرات الفقهية التي تعنى ببيان المسائل للمبتدئين "سمتها" علامتها، الاختصار على أصول مسائل كل باب من الأبواب، الثالث الاكتفاء بقول واحد، هذه ثلاث سمات مشتركة في غالب المختصرات الفقهية

    • أنها مختصرة.

    • أنها تقتصر على أصول مسائل كل باب من الأبواب.

    • الثالث أنها مبنية على قول واحد في المذهب الذي ألفت فيه.

    وهذه السمات الثلاث موجودة في هذا المؤلف، فإنه قد مما اختصر فيما يتعلق بهذا المؤلف، فهو مختصر في الفقه، الثاني اقتصر في كل باب على مهمات مسائله، الثالث أنه ذكر فيه قولا واحدا، وهو ما ترجح لديه، وما مال إليه من أقوال أهل العلم، فهذه ثلاثة سمات في المختصرات التي هي للمبتدئين وهي موجودة في كل المؤلفات التي تعنى بالتعليم الابتدائي.

    فابن قدامه المقدسي رحمه الله، جرى على هذا النحو في كتبه فألف عمدة الفقه للمبتدئين على هذا النحو، ثم المقنع وزاد فيه -وهو للمتوسطين- جعله على قولين، ثم الكافي وهو أعلى هذه الكتب الثلاثة في فقه أحمد، في فقه مذهب أحمد حيث جعله على روايات وأقوال ومناقشات وأدلة، لكنها في إطار ما جاء في فقه أصحاب الإمام أحمد رحمه الله.

    المغني خارج عن هذه الحسبة لأنه داخل في الفقه العالي وهو الفقه المتعلق بخلاف المذهب، مذهب من المذاهب الفقهية وهو مذهب أحمد، مع سائر المذاهب الفقهية.

    إذ نظرنا إلى الغزالي رحمه الله عند الشافعية، كذلك عنده نفس التصنيف في التأليف، عنده الوجيز وهو للمبتدئين، ثم الوسيط وهو للمتوسطين، ثم البسيط وهو لمن تمكنوا في العلوم.

    وينبغي أن يعرف وأن يعلم وهذه حقيقة تغيب عن كثير من طلبة العلم في بدايات التعليم، وقراءة المتون العلمية عموما، أن هذه المتون هي متون تهيئة وليست متون نهاية، المتون العلمية تهيئ للتعلم، تعطي قواعد وتأصيل ومفاتيح، وليست نهايات ينتهي إليها الطالب لا في الفقه ولا في الاعتقاد ولا في اللغة وفي سائر أبواب العلم.

    من ظن انه بقراءة كتاب مختصر في الفقه، أو متوسط، أنه سيصل إلى الغاية في العلم، يخطئ، إذا كان يظن أنه سيصل إلى الغاية والمنتهى في العلم من أول قراءة، فإنه يخطئ، هذه المتون ليست نهايات، هذه بدايات، هذه تهيئات، تمكنك من معرفة إجمالية للعلم، ثم بعد ذلك بتكرار التعلم، وإعادته، ورده، ومراجعته والترقي في العلم، يصل إلى مبتغاة من المسائل.

    ولذلك ينبغي أن تكون هذه القضية مستحضرة عند طلبة العلم، لأنه أحيانًا يخطئ طالب العلم في ظنه أنه إذا انتهى من هذا المقرر، انتهى من هذا المؤلف، انتهى تحصيله، إما أن يكون ما حصل شيء، وإما أن يغتر ويقول بلغت الغاية، ووصلت إلى النهاية، فينبغي أن يعلم أن هذه تهيئة، وهذه خطوات في تحصيل التعلم، والمتن قد تقرأه مره ومرتين وثلاث وأربع وعشر وعشرين وفي كل قراءة تجد من العلم ما لا تجده من القراءة السابقة.

    ولذلك ينبغي أن يكون عندنا هذا الهم في تكرار المتون ومطالعتها والترقي في التحصيل حتى نصل إلى الغاية، ومن وفقه الله فتح الله له هذه الأبواب، ووصله إلى ما يؤمل من الخير.

    هذا ما يتعلق بإلماحه مختصرة أيضًا حول هذا الكتاب "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين" وقد شرحه جماعة من المتأخرين، إلا أنه شروحه الكتابية قليلة، من أبرزها شرح الشيخ عبد الله الجبير رحمه الله، وكان أصل هذا الشرح الذي طبع دورة قدم فيها الشيخ رحمه الله شرحا موجزا مختصرا لهذا الكتاب القيم، وهو " منهج السالكين " للشيخ عبد الرحمن السعدي.

    نحن إن شاء الله تعالى ننوي بإذن الله، إن بارك الله في الوقت أن نأتي على جميع أبواب العبادات، إن بارك الله في الوقت، وتمكنا أن نأتي على كل قسم العبادات، فإن عجزنا فندرك إن شاء الله البقية في دورات قادمة.

    وسنسلك مسلك الاختصار قدر الإمكان، وأسأل الله لي ولكم التوفيق وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا لا حجة علينا.

    سم الله يا أخي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد،،،

    فاللهم اغفر لنا ولشيخنا والحاضرين وجميع المسلمين.

    قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: (الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد).

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد،،،

    ابتدأ المصنف رحمه الله هذا المتن والكتاب الجليل منهج السالكين، بالبسملة ثم بعد ذلك بخطبة الحاجة، فالبسملة سنة جرى عمل العلماء رحمهم الله على افتتاح الكتب لها، تأسيا بكتاب الله تعالى، واقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكتاب الله افتتحه الله بالبسملة في أول كل سورة، عدا سورة براءة، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم كانت مفتتحه أيضًا بالبسملة، فالبسملة سنة مستفادة من القرآن ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    والبسملة جملة مفيدة، إما اسمية أو فعلية، كما يقول العلماء، وقد تكلم عنها وعن ما فيها من الأسماء والمعاني جماعات من أهل العلم في مؤلفاتهم، وخلاصة القول أنها جمله اسمية أو فعلية، الجار والمجرور فيها متعلق بفعل أو اسم، مقدر مؤخر، غالبًا مناسب لحال الذاكر، هذه ثلاثة أمور تراعى وتلاحظ فيما يتعلق بالبسملة.

    أنها متعلقة بفعل أو اسم، على اختلاف العلماء هل هي اسمية أو فعليه، هذا الاسم أو الفعل مؤخر غالبًا، وهو مقدر ومناسب لحال الذاكر، ففي القراءة "بسم الله قراءتي"، أو "بسم الله أقرأ"، وفي دخول المسجد "بسم الله دخولي"، على أنه جملة اسمية، أو "بسم الله أدخل" إذا كانت جملة فعلية، وهلم جر في كل الموارد التي يقول فيها القائل بسم الله، فإنه يقدر فعلًا أو اسمًا مناسبًا لحالة، قراءًة وكتابًة وذبحًا وقيامًا وقعودًا، في كل أحوال ذكرها.

    هذه البسملة لماذا تؤتى بها؟، يؤتى بها تبركًا بذكر اسم الله عز وجل، واستعانًة به جل في علاه، فالبسملة تفيد فائدتين، التبرك بذكر اسم الله جل في علاه، واستعانة به سبحانه وبحمده على المطلوب.

    أما التبرك فأسماء الله تعالى كلها مباركة، قال الله جل وعلا: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} سورة : الرحمن الآية (78). {تَبَارَكَ}. أي كثرت بركته، وأسمائه مباركة عظيمة البركة لمن تدبر معانيها وفهم مضامينها، وتعبد لله عز وجل بها، فعندما تقول بسم الله أنت تتبرك بأسمائه، تطلب بركة هذه الأسماء في فعلكم وفي قولك وفي قراءتك، أو في شأنك كله، وتضمنت هذه الجملة ثلاثة أسماء من أسماء الله، هي أصول أسماء الله كما قال بعض أهل العلم.

    فأصول الأسماء ترجع إلى الله الرحمن الرحيم، وهذه الأسماء الثلاثة هي التي افتتح الله تعالى بها سورة الفاتحة أم الكتاب، قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سورة : الفاتحة الآية (3،1). فهي أسماء لها مدلول عظيم إلى هذا الحد الذي قال فيه بعض أهل العلم: "إن جميع أسماء الله تعالى الحسنى ترجع إلى هذه الأسماء الثلاثة".

    أما ما جاء به بعد ذلك من الخطبة فهي الخطبة الشهيرة بخطبة الحاجة، وخطبة الحاجة قد وردت عن جملة من الصحابة قريب من ستة رضي الله عنهم، كلهم ذكروا هذه الخطبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح في ما ذكره صلى الله عليه لضماد، لضماد لما جاءه وسمع منه قرأ عليه خطبة الحاجة، وجاءت أيضًا في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر فيما كان يخطب فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة، في وصف جابر لخطبة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه الخطبة خطبة شهيرة معروفة وجاءت في حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه الذي قال فيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خُطْبَةَ الْحَاجَةِ « إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ( اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) سنن أبي داود: باب فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ, حديث رقم: 2120إلى آخره، والعادة في الكتب أن يقتصر فيها على البسملة، لكن جرى عمل بعض أهل العلم على ضم الحمد للبسملة، وهذا لا بأس به وإن كان الغالب في المؤلفات الاقتصار على البسملة، لكن ذكر الحمد هو زيادة بركة وخير، وهو تأسي بكتاب الله عز وجل.

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله في ذكر الحمد في أوائل الكتب هل هو سنة أو لا؟، على قولين منهم من قال أنه لا يسن عملًا بكتابات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يفتتح كتبه بالحمد، ما كان يفتتحها بالبسملة، ولذلك قال هؤلاء البسملة في الكتب والحمد له في الخطب.

    هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه يذكر "الحمد له" في الخطب، والبسملة في الكتب، وعلى كل حال الأمر قريب، فمن جرى على هذا من أهل العلم فله مستند في كتاب الله تعالى، حيث بدأ كتابه بالحمد جل في علاه، وإذا اقتصر على البسملة، فذاك هو عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل غالب المؤلفين من العلماء المتقدمين، غالب المؤلفين من العلماء المتقدمين يقتصرون في بدايات مؤلفاتهم وكتبهم على البسملة.

    وهذه الخطبة خطبة عظيمة جليلة، فيها من المعاني التي إذا تدبرها الإنسان لم يمل من قراءتها، أو من سماعها، لكن لما كان أكثر الناس يقولون على وجه اعتيادي، لفظي، لا يقفون عند معانيها، كان ذلك مغيبا لمضمونها، وحتى تعرف عظيم ما في هذه المقدمة من البركة والخير في الخطب، أو حتى في الكتب، استمع إلى ما جرى عند من فهمها.

    ضماد كان من أزد شنوءة، وقد سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرقي من الريح التي تصيبه الناس، فتصيبهم ببعض الخبل والجنون، فسمع خبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: "لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه بي". يعني من؟، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، لما أشاعه قومه عنه من أنه ممسوس وأنه مجنون.

    فلقي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هذا ضماد يحدث سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، يقول: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، يعني التي تسبب الاختلال في العقل، وإن شاء الله يشفي على يدي من شاء فهل لك -يعني هل تأذن لي- أن أرقيك، أو ترغب في أن أرقيك، لعل ما بك من جنون يذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ) سنن أبي داود: باب فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ, حديث رقم: 2120.

    فقال ضماد أعد عليَّ مقالتك، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات التي سمعتموها، ثم قال له ثالثة، أعد عليَّ مقالتك، فعاد عليه ثالثة، فقال ضماد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، سمعت كلام العرب والعجم والشعار والكهان ولم أسمع مثل هذه المقالة.

    هذه المقالات التي تمر على أسماعنا الذي يفقد روحها، ويذهب بركتها، وما فيها من تأثير هو عدم تدبرنا لمضامينها، وهذا أعظم حجاب يحول بينك وبين الفهم، هو عدم التدبر والفهم، عدم التدبر والتفكر والتفهم لما يقرأ ولما يقال، سواءً في قراءة القرآن أو سماعة، أو في الأذكار وذكرها، أو في سائر أنواع ما يقوله الناس، الحاجب الأكبر الذي يمنع من الانتفاع بالكلام الذي نسمعه من القرآن والسنة هو ماذا؟، هو عدم تدبرها لذلك يقول الله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} سورة : محمد الآية (24).

    فالتدبر مفتاح العقل، هذا رجل مشرك جاء ليرقي النبي صلى الله عليه وسلم، سمع هذه المقالة، وهذه الكلمات التي تمر علينا في الخطب، ونقرأها في الكتب لكن ما نقف عند معانيها، السبب أننا اعتدنا على سماعها، أصبحت كلمات تقال دون توقف عند المعاني وتدبر للمضامين، فلم تكن مؤثرة.

    ضماد ليس له قلب أطيب من قلوبنا لما سمع هذه المقالة، كان مشركًا لكنه كان ذا قلب يفهم ويتدبر ويعي ويتفكر، فتوصل إلى ما يفتقده كثير منها وهو فهم ما تضمنته هذه الكلمات من عظيم المعاني.

    التفاصيل
    0
    230
  • الدرس(20) من شرح العقيدة الطحاوية
  • بسم الله الرحمـٰن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

     (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ، وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَهُوَ أَمِينُ هٰذه الأُمَّةِ  رضي الله عنهم   أَجْمَعِينَ.

    وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ).

    التعليق:

    الحمد لله ربّ العالمين،وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله في صلة ما ذكره من عقد أهل السنة والجماعة في أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم، قال: (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ). أي إن من بشرهم النبي  صلى الله عليه وسلم بالجنة، وذكر المؤلف رحمه الله واقتصر على العشرة لأنهم أشرف وأعلى وأعظم من بشر بالجنة من هٰذه الأمة، وإلا فالمبشرون بالجنة من هٰذه الأمة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرون، والبشارة بالجنة جاءت على نوعين:

    بشارة جنس.

    وبشارة عين.

    بشارة الجنس هٰذه كثيرة، وهي التي بشر الله بها أهل الإيمان وأهل الإحسان وأهل التقوى.

    وأما البشارة الخاصة بمعينين فهي المقصودة بهٰذا المقطع.

    فنشهد أن الصحابة  رضي الله عنهم   منهم من شهد له النبي  صلى الله عليه وسلم بالجنة وبشره بها، وأشهر هؤلاء وأعظمهم هم العشرة الذين بشّرهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالجنة حيث قال: ((أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، طلحة في الجنة))سنن أبي داوود: كتاب السنة، باب في الخلفاء، حديث رقم (4649، 4650). إلى بقية العشرة. وهٰذا من أعظم ما خصّ الله به هؤلاء أن عجّل لهم البشرى بالجنة في هٰذه الدنيا، وهٰذا يوجب محبتهم وتوليهم، واعتقاد أنّ الله جل وعلا رضي عنهم، فمن قال: إن أحد هؤلاء في النار فهو كافر؛ لأنه مكذب لما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    يقول رحمه الله: (وَقَوْلُهُ الْحَقُّ). أي الذي يجب قبوله واعتقاده والتسليم له، فإن الحق ينقاد له المؤمن ولا يرده ولا يعارضه، يقول في بيان هؤلاء العشرة:(وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ). وهؤلاء هم الخلفاء الرّاشدون، الأئمة المهديّون، وجاء في فضائلهم ومناقبهم الشيء الكثير، (وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ). هؤلاء شهد لهم النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، وشهد أيضاً  صلى الله عليه وسلم لغيرهم: كثابت بن قيس بن شماس، وكبلال وغيره. وممن شهد لهم بالجنة أزواجه  صلى الله عليه وسلم، فإن أزواجه في الدنيا أزواجه في الآخرة، وهو في الجنة فهن في الجنة رضي الله عنهن.

    قال رحمه الله: (وَهُوَ أَمِينُ هٰذه الأُمَّةِ). يشير إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، وخصه بذكر هٰذه الخاصية لأن النبي   صلى الله عليه وسلم قال: ((لأبعثن عليكم أميناً حق أمين)). يريد أبا عبيدةالبخاري: كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، حديث رقم (4380، 4381). ، وقال: ((أبو عبيدة أمين هٰذه الأمة))البخاري: كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، حديث رقم (4382).. ولعل المؤلف ذكر هٰذه الخاصية له إشارة إلى أن هؤلاء قد ورد في فضائلهم ما اختص به كل واحد، أي قد ورد الفضل خاصّاً في كل واحد من هؤلاء، لعله أراد ذلك، ولعله ختمهم بذكر خاصية آخرهم  رضي الله عنهم   أجمعين.

    قال رحمه الله: (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ) جميعهم، أي في كل من ثبتت له الصحبة ولو كانت لحظة (وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ) أي وأحسن القول في أزواجه، ووصفهن بالطاهرات؛ لأن الله جل وعلا طهرهن، قال جل وعلا:  {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}سورة : الأحزاب (33).. ولا خلاف بين أهل العلم أن المراد بهٰذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهن المقصودات بقوله:  {أَهْلَ الْبَيْتِ}  في قوله:  {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . ولا يمنع هٰذا أن يدخل غيرهن، فإن علي بن أبي طالب لا إشكال ولاشك أنه من أهل البيت، كذلك زوجته فاطمة، كذلك الحسن والحسين، فإنهم من أهل البيت بلا ريب ولا شك، ولكن هٰذا لا ينفي أن يكون أزواج النبي  صلى الله عليه وسلم أيضاً ممن وصف بهٰذا الوصف، بل وصفهن بهٰذا الوصف جاء في القرآن، وأما وصف علي  رضي الله عنه  وفاطمة وغيرهم من أهل البيت بهٰذا الوصف فجاء في السنة.

    يقول: (وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ). وهٰذا ليس ثابتاً لكل ذرية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما المقصود من عرف منهم بالتقوى والإيمان، فإنه هو الذي يحسن فيه القول، وأما من استوجب القول السيئ فإنه يثبت له، لكن دون أن ينال من نسبه ولا من اتصاله بالنبي  صلى الله عليه وسلم، (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ). أي سلم من النفاق، وذلك أن من علامات النفاق ودلائله بغض من أحبه الله ورسوله، وبغض الصحابة رضي الله عنهم  ، فهم أعظم هٰذه الأمة وأجلها قدراً وأرفعها مكانة، فمن أبغضهم فإنه منافق، وبالنظر إلى كل من وقع في قلبه بغض لصحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم يُعلم أن قلبه غير سالم، بل قلبه مشوب بالنفاق.

     يقول رحمه الله بعد ذلك: (وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ -أَهْلُ الْخَيْرِ وَالأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ-، لا يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالْجَمِيلِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ).

    هٰذا من عقد أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم على ورثة الأنبياء، وهٰذا من تمام سلامة قلوب أهل السنة والجماعة، فإن المؤلف رحمه الله ذكر سلامة قلوب أهل السنة والجماعة لأصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم بذكر محبتهم وما لهم من الفضل، ثم ثنّى ذلك بمن لهم الفضل بعدهم وهم علماء السلف (مِنَ السَّابِقِينَ) أي  المتقدمين (وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ) أي ومن سلك سبيلهم من التابعين. هؤلاء حقهم أن لا يذكروا إلا بالجميل، لا يذكرون بسوء، بل لا يذكرون إلا بالجميل، فلا تذكر سقطاتهم ولا زلاتهم، بل يذكر خيرهم وإحسانهم وفضلهم، وكل من وقع في هؤلاء بسوء -وذلك بالتنقيب عن أخطائهم، والتفتيش عن زلاتهم، والإشاعة لما خالفوا فيه الدليل- فإنه على غير السبيل، كما قال رحمه الله: (فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ)؛ لأن من كان قاصداًُ الحق عاملاً به داعياً إليه مجتهداً في إصابته، فإنه لا وجه للوقيعة فيه حتى لو أخطأ، فإن الخطأ لا يسلم منه أحد: كل بن آدم خطاء، فالخطأ في الاجتهاد واقع، وقد وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فوقوع الخطأ في الاجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس مسوغاً لإيغار الصدور ولا لإطلاق الألسنة في هؤلاء، بل الواجب الشفقة والرحمة، وهٰذا من سمات أهل السنة والجماعة، فإنهم يعظمون الحق ويرحمون الخلق، يعظمون الحق بالدعوة إليه وبيانه وتوضيحه والذبّ عنه ورد الشبه فيه، لكنهم مع هٰذا ليسوا ممن يظلم الخلق، بل هم يرحمون الخلق: فيتطلبون للمخطئ العفو، ويبحثون عن الستر، ويطلبون العذر، ولا يطلقون ألسنتهم ولا أقلامهم في أهل الخير الذين عُرفوا بالخير ولو كان منهم خطأ، لكن لا يعني هٰذا أن لا ينبه على خطأ المخطئ، بل خطأ المخطئ من إنكار المنكر الذي يجب، لا سيما إذا كان الخطأ مما يحصل به إضلال للخلق، أما الأخطاء الخاصة- بأن يخالف أو يقع في معصية صغيرة أو كبيرة- فإن هٰذا ينصح فيما بين الإنسان والمخطئ، أما ما يتعلق بالخطأ العام :كالخطأ في العلم، في التأليف، في القول، فإنه ينبغي أن يناصح، فإن رجع وإلا بُيِّن خطؤه بأسلوب ليس فيه شدة ولا غلظة، بل بأسلوب مليء بالشفقة والرحمة، وهٰذا من دواعي القبول. (وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ) ثم ذكر أصنافهم: (أَهْلُ الْخَيْرِ وَالأَثَرِ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ). وهم المشتغلون بعلم الحديث والمشتغلون بعلم الفقه (لا يُذْكَرُونَ إِلاَّ بِالْجَمِيلِ). أي بالجميل الحسن الذي يجمل به من ذُكر (وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ).

    ثم قال رحمه الله: (وَلا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلام، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الأَوْلِيَاءِ).

    المؤلف رحمه الله في هٰذا المقطع يرد على غلاة الصوفية الذين رفعوا مرتبة الولاية على النبوة، فيقول رحمه الله: (وَلا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ). والأولياء جمع ولي، والولي هو من تولاه الله سبحانه وتعالى ووفقه إلى الإيمان والتقوى، قال الله جل وعلا:  {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } سورة : يونس (62-63). .فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، فكل من حقق الإيمان والتقوى نال شرف وفضل الولاية. (لا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ). مهما بلغ في الولاية والتقوى؛ لأن الولاية درجة دون النبوة، فالنبوة درجة عالية يقصر دونها كل ولي، يقول: (وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الأَوْلِيَاءِ). لا إشكال أن النبي أفضل من جميع الأولياء؛ لأن الله  سبحانه وتعالى  رفع هؤلاء الأنبياء وخصّهم من الخصائص والفضائل ما لم يحصل للأولياء.وأول من أحدث بدعة رُقِيِّ الولي على النبي ابن عربي وأشباهه الذين قالوا:

    مقام النبوة في منزل **** فويق الرسول ودون الولي

    فجعلوا الولاية فوق هٰذه المنازل كلها، وهم في هٰذا كاذبون، وإنما أرادوا هٰذا لأنهم قُطع عنهم النظر في النبوة، فإن الله جل وعلا قد ذكر في كتابه ختم النبوة فقال سبحانه وتعالى:  {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}سورة : الأحزاب (40).  فلما انقطع رجاؤهم ونظرهم في حصول النبوة لهم طلبوا سبيلاً آخر يحصل لهم به الارتفاع على الخلق، ويحصل لهم به ما يزعمونه من سقوط التكاليف، فاخترعوا هٰذا المقام، وجعلوه فوق النبوة؛ ليحصّلوا به مآربهم من التسلط على الخلق وإفساد الشرائع والأديان، هٰذا هو سبب هٰذا القول.

    ثم قال رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ).

    نعم، هٰذا أيضاً مما يتعلق بالأولياء (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ) أي من كرامات الأولياء. وكرامات الأولياء، الكرامات جمع كرامة، والكرامة هي كل خارق للعادة يجري على يدي متقٍ مؤمن، هٰذا تعريف الكرامة: كل خارق للعادة، يعني كل ما يخرق العادة ويخرج عنها مما يجريه الله  عزوجل  على يد من؟ على يد تقي مؤمن، وقيّدنا هٰذا بهٰذا حتى نخرج ما يكون من خوارق العادات التي تجري على أيدي السحرة والكهان والمشعوذين والمبطلين، فإنها ليست كرامات، إنما هي خوارق للعادات، لكنها لا يمكن أن توصف أو تسمى بالكرامات، وكذلك نُخرج ما يجريه الله  عزوجل  على أيدي الرسل، فإنها لا تسمى كرامات، إنما هي آيات، وهي أعلى مما يجريه الله  عزوجل  على أيدي الأولياء من الكرامات.

    (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ) أي بما صح من إثبات ذلك، ولا يلزم الإيمان بكل كرامة ثبتت لكل شخص؛ لأن هٰذا فرع عن ثبوت هٰذه الكرامة، وقد لا تثبت عنه، لكن نؤمن في الجملة بأن لهم كرامات يكرمهم الله سبحانه وتعالى بها، وهٰذه الكرامات تنقسم إلى أنواع:

    منها ما هو من جنس العلم، يعني كرامات في العلوم، وهو ما يسمى بالمكاشفات، وذلك بأن يرى ما لا يراه غيره، أو يسمع ما لا يسمعه غيره، أو يفتح له في العلم ما لا يفتح لغيره، أو يوفق إلى فراسة صادقة لا يوفق إليها غيره.

    القسم الثاني من الكرامات ما هو من جنس القدرة، أي ما يكون في القدرة، بأن يمكن مما يتمكن منه غيره، وهٰذا كثير جدّاً، والغالب في الكرامات هو من هٰذا النوع، وقد جرى للصحابة  رضي الله عنهم   والتابعين من هٰذا شيء كثير، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله كثيراً من هٰذا في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

    من ذلك أيضاً القسم الثالث من أنواع الكرامات، ما هو من جنس الاستغناء، الغَناء،يعني يستغني عما يحتاج الإنسان عادة في المأكل والمشرب وما أشبه ذلك، وهٰذا يندرج في الحقيقة في النوع الثاني.

    على كل حال الكرامات هي كل خارق للعادة يجريه الله  عزوجل  على يد الولي. ومما يحصل به الفرق بين الكرامات وشعوذة المشعوذين وإبطال السحرة والكهنة والدجالين أنهما يفترقان في السبب والغاية، يعني فرق بين ما يجريه الله على أيدي أوليائه الصالحين وبين ما يكون على أيدي الفسقة من السحرة والدجالين والكهان والمشعوذين، الفرق بينهما السبب والغاية.

    فالسبب في الكرامة طاعة الله  عزوجل  وطاعة رسوله.

    السبب فيما يجري على أيدي الكهان والسحرة والمشعوذين تكذيب الله ورسوله، معصية الله ورسوله، فبقدر ما يكون معهم من المعصية لله ورسوله بقدر ما يكون معهم من الخارق للعادة.

    أيضاً في الغاية والمقصد.

    المقصود من الكرامات إقامة الحجة أو دفع الحاجة، فهي مقصودها تحقيق العبودية لله  عزوجل ، والطاعة، والنصر للحق، ومقصودها إظهار دين الله، وما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم.

    أما ما يجري على أيدي الكهان والمشعوذين والسحرة فمقصوده وغرضه الباطل من الفساد في الأرض، وانتهاك الحرمات، وكسب الأموال.

    هٰذا أبرز ما يفرّق به بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين.

    أيضاً مما يفرق به بين الصنفين:

    أن كرامات الأولياء تزداد بذكر الله  عزوجل ، وتقوى بذكر الله جل وعلا.

    أما ما يجري من الخوارق على أيدي السحرة والمشعوذين فتبطل عند ذكر الله جل وعلا، فإذا ذُكر الله عند هؤلاء المشعوذين بطل ما عندهم من الخارق للعادة.

    رابع الفروق أنّ الكرامات لا يمكن أن تعارَض، ولا أن يؤتى بأقوى منها، بخلاف ما يكون على أيدي السحرة والمشعوذين، فمعارضته ممكنة بمثلها أو بما هو أقوى منها.

    هٰذه أربعة فروق بين ما يكون من كرامات الأولياء، وبين ما يجري من شعوذة المشعوذين.

    (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ). أي رواياتهم في العلم أو رواياتهم في الكرامات. نعم.

    يقول رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّال، ونُزُولِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا).

    نعم،أشار المؤلف رحمه الله في هٰذا المقطع إلى أشراط الساعة، قال: (وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ). أشراط الساعة علاماتها، وقد ذكر الله جل وعلا ذلك في قوله:  {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} سورة : محمد (18). أي علاماتها. والساعة المراد بها هنا القيامة الكبرى، وليست الساعة الخاصة وهي موت كل إنسان، فإن الله جل وعلا قد جعل للساعة الكبرى التي يقوم فيها الناس لرب العالمين، وهي إيذان بانتهاء الدنيا، لكل أحد علامات، وهٰذه العلامات أبرزها بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من علامات الساعة، قال الله جل وعلا:  {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ}سورة : القمر (1). وانشقاق القمر جرى على وقت النبي  صلى الله عليه وسلم آية له، فإن مشركي مكة طلبوا منه آية فشق الله له القمر فرقتين، في منى شهدها الناس، لكنهم كذبوا وقالوا: سحر مستمر، سحر ذاهب باطل، وقالوا، قال بعضهم لبعض: سلوا السُّفار يعني أهل الأسفار، إن كانوا قد رأوا ما رأيتم من انشقاق القمر فإنه حق، وإن كانوا لم يروا ذلك فإنه ليس بحق، وإنما هو سحر، سحركم. فسألوا السفار من كل وجه، كلهم أثبت رؤية الانشقاق، ومما يدل على أن الانشقاق وقع أن النبي  صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة العيد بـ(ق) و(اقتربت الساعة)، والناس يسمعون هٰذا ويسمعون قوله تعالى: (وانشق القمر) ولم يقم واحد منهم ينكر ويكذب انشقاق القمر.

    فالمهم نرجع: من علامات الساعة بعثة النبي  صلى الله عليه وسلم. والعلامات تنقسم إلى قسمين:

    علامات قريبة وكبيرة وعظيمة.

    وعلامات صغرى دون ذلك.

    العلامات الصغرى كثيرة جدّاً، وأما العلامات الكبرى فهي التي إذا ظهرت آذن ذلك باختلال العالم، وأول هٰذه الآيات الكبرى العظيمة خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، فإنها أول الآيات العظمى، خروج الدجال، خروج يأجوج ومأجوج، نزول عيسى ابن مريم من السماء، هٰذا ليس من الآيات الكبرى؛ لأنها من جنس ما يدركه البشر: الدجال من بني آدم من البشر، ويأجوج ومأجوج من البشر، عيسى ابن مريم من البشر، هي آيات كبرى لكنها ليست كالآيات التي تؤذن بخروج العالم عن المألوف، ولذلك إذا طلعت الشمس من مغربها انقطعت التوبة، انتهى الأمر، وكذلك الدابة تخرج وتميّز المسلم عن الكافر، فالأمر منتهٍ.

    ولذلك جاء في صحيح مسلم: ((إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، أيهما خرجت أولاً فالأخرى في أثرها))مسلم: كتاب الفتن واشراط الساعة، باب في خروج الدجال ومكثه في الأرض.. حديث رقم (2941). والمراد بهٰذا الحديث أول الآيات التي تخرج عن المألوف والمعتاد، وليس أنها أول ما يجري، لا، المقصود أول الآيات خروجاً عن المألوف والمعتاد هٰذا، ثم بعد ذلك تتتابع الآيات التي أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم بها.

    يقول المؤلف رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّال). وهو شر غائب ينتظر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه أشد الفتن على بني آدم، ولذلك ما من نبي إلا أنذره قومه.

    والدجال رجل يبتلي الله سبحانه وتعالى به الناس، يدعي أول الأمر الصلاح، ثم النبوة، ثم الإلهية والربوبية، ويكذبه الله جل وعلا، وآيات كذبه منقولة معه، فإنه أعور والله جل وعلا ليس بأعور، ولو كان رب العالمين لدفع عن نفسه النقص، لكنه لا يملك أن يدفع عن نفسه النقص، فهو مربوب مخلوق نسأل الله أن يكفينا شر فتنته، لكن يعطيه الله من القدرة ما يحصل به الفتنة، ولكن هٰذا التمكين ليس دائماً، بل هو زائل مضمحل، فإنه يظهر كذبه لكل مؤمن.

    يقول: (ونُزُولِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ). أي إنزال عيسى ابن مريم من السماء، كما جاء ذلك في قوله تعالىٰ:  {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}سورة : الزخرف (61)..  {لَعِلْمٌ}  أي عَلَم من أعلام الساعة، وذلك نزوله في آخر الزمان، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنزول عيسى ابن مريم، وأنه ينزل ويحكم بشريعة النبي  صلى الله عليه وسلم: يكسر الصليب، ويقتل الخنزير. يكسر الصليب إشارة إلى إبطال ما اعتقدته النصارى واليهود في أنه قد قتل، ويقتل الخنزير إشارة إلى إبطال ما استباحه النصارى ونسبوه إليه، فإن الخنزير لم يبحه عيسى ابن مريم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وهٰذا الفعل منه إيذان بأنه قد انتهى كل دين غير دين الإسلام، ولذلك لا يقبل من أحد إلا الإسلام، ويضع الجزية، أي لا يقبل من أحد الجزية.

    يقول: (وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا). خروج الشمس من مغربها جاء في قوله تعالىٰ:  {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ }سورة : الأنعام (158). . والمشار إليه في هٰذه الآية خروج الشمس من مغربها. وأما الدابة ففي قوله:  {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ}سورة : النمل (82). .وقد تواترت  في ذلك الآثار عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وينبغي لأهل الإيمان أن يتحروا في مسائل أشراط الساعة، وأن لا يتعجلوا في إثبات ما جاءت به الأحاديث، أو في تنزيل ما جاءت به الأحاديث على الواقع، فإن هٰذه من الفتن التي طارت في الناس وخاض فيها من لا علم له، فتجده يحدد ما صحت به الأحاديث من الأخبار على أعيان ووقائع وأعيان ومناطق، وهٰذا ليس بصحيح؛ لأن هٰذا يحتاج إلى علم وبصيرة وتأمل ونظر، وهٰذا في الغالب يفقده من يشتغلون بهٰذه الأمور.

    نعم، يقول رحمه الله:(وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِناً وَلاَ عَرَّافاً، وَلاَ مَنْ يَدَّعِي شَيْئاً يُخَالِفُ الكِتَابَ والسُّنَّةَ وإجْمَاعَ الأُمَّةِ).

    يقول رحمه الله: (وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِناً وَلاَ عَرَّافاً)؛ لأن تصديق الكهان والعرافين مما نهى عنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد))مسند أحمد، عن أبي هريرة حديث رقم (9536)، وقال الشيخ الألباني في الإرواء (7/69): رواه الحارث بن أبي أساة في مسنده ورواه أبو بكر بن خلاد في الفوائد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كم قالا.. وفي الرواية الثانية: ((من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))مسلم: كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، حديث رقم (2230)، وليس فيه (كاهنا). فدلّ ذلك على تحريم تصديق هؤلاء. تصديقهم في الإخبار بالمستقبل كفر بالله العظيم، تصديقهم في الإخبار بالغيب النسبي مهدد بقول النبي  صلى الله عليه وسلم: لا تقبل له صلاة أربعين ليلة. فتصديقهم على درجات: منه ما يكون كفراً، وذلك تصديقهم بكل ما يكون من الغيب المستقبل، كأن يقول الكاهن: سيجري لك غداً كذا، ستتزوج فلانة ولا توفق معها، سيأتيك ولد، من صدقه في هٰذا فهو كافر بالله العظيم، قال الله جل وعلا:  {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}سورة : النمل (65)..

    فمن صدق الكاهن في الخبر المستقبل فهو كافر،لماذا؟ لأنه مكذب للقرآن الذي فيه أن الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا.

    نعم، وأما من صدقه في الخبر النسبي- يعني في الغيب النسبي الذي يخفى على أحد ويعلمه أحد:كالإخبار عن مكان الضالة، وكالإخبار عن مكان المسروق وما أشبه ذلك- فإن هٰذا لا يكفر، لكنه على خطر عظيم، ويكفي في التحذير أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقبل له صلاة أربعين ليلة)). ثم من صدقه في هٰذا يوشك أن يصدقه في الخبر المستقبل، فيجب الحذر من هٰذا.

    يقول رحمه الله: (وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِناً وَلاَ عَرَّافاً). الفرق بين الكاهن والعراف:

    الكاهن هو من يخبر عن الغيب في المستقبل.

    والعراف من يخبر عن المغيبات في أمور يستدل بها.

     وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن الكاهن والعراف اسمان لمسمى واحد، وهو: كل من يخبر بالغيب، لكن الفرق بين الكاهن والعراف هو الطريق التي يتوصل بها إلى معرفة الغيب. نعم.

    ثم قال: (وَلاَ مَنْ يَدَّعِي شَيْئاً يُخَالِفُ الكِتَابَ والسُّنَّةَ وإجْمَاعَ الأُمَّةِ). لا إشكال أنه لا يجوز تصديق هٰذا، والجامع بين هٰذا والذي قبله في قوله: (وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِناً وَلاَ عَرَّافاً، وَلاَ مَنْ يَدَّعِي شَيْئاً يُخَالِفُ الكِتَابَ والسُّنَّةَ وإجْمَاعَ الأُمَّةِ)؛ لأن الجميع مبطل، فالكاهن والعراف مبطل، ومن ادعى شيئاً يخالف ما جاء في الكتاب والسنة فهو مبطل أيضاً، ولا يجوز تصديقه ولا قبول خبره، ولكن ما الذي لا يصدق؟ ما خالف الكتاب، ما خالف السنة، ما خالف إجماع الأمة.

    ثم قال رحمه الله: (وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَاباً، والفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذَاباً).

    هٰذا عقد أهل السنة والجماعة: أنهم يرون الاجتماع على الحق، الاجتماع مع أهل الحق، الاجتماع على من ولي أمر المسلمين، فهم ليسوا أهل فرقة وخلاف بل هم أهل ألفة واجتماع، قال الله جل وعلا:  {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}سورة : آل عمران (103). . فالآيات التي أمر الله جل وعلا فيها بالائتلاف والاتفاق والاجتماع كثيرة، والتي ذم فيها أهل الفرقة والخلاف كثيرة جدّاً، بل جعل من الشرع الذي أوصى به هٰذه الأمة:  {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}سورة : الشورى (13). .وهو ليس خاصّاً بهٰذه الأمة بل عام لجميع الأمم:  {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}سورة : الشورى (13). فالاجتماع على الدين والحق والهدى مما توافرت فيه النصوص، وقد نهى الله جل وعلا عن الفرقة في قوله:  {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}سورة : آل عمران (105). . والآيات والأحاديث في هٰذا كثيرة، والمراد بالاجتماع على الحق ومع أهل الحق، وأما الاختلاف فالاختلاف هو الخروج عن الحق وعن أهل الحق.

    يقول رحمه الله: (نَرَى الجَمَاعَةَ) أي الاجتماع والقبول بالإجماع والاجتماع على ولاة الأمر من المسلمين (حَقًّا وَصَوَاباً، والفُرْقَةَ) وهي صادقة على مخالفة الكتاب والسنة وعلى مخالفة أهل الحق وعلى مخالفة ولاة الأمور من المسلمين (زَيْغاً وَعَذَاباً). أما الزيغ فلأنه مخالف للسنة، مخالف لما أمر الله به ورسوله، وأما قوله: (عَذَاباً) فهٰذا فيه بيان ما يؤول إليه الافتراق أنه عذاب، وإن كان في نظر صاحبه أنه إصلاح، لكنه في الحقيقة عذاب. نعم.

    (وَدِينُ الله في الأرضِ وَالسَّماءِ وَاحِدٌ، وهُو دينُ الإسْلاَمِ، قال الله تعالى:  {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}سورة : آل عمران (19).، وقال تعالى:  {وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا}سورة : المائدة (3). .

    وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ، وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَبَيْنَ الأَمْنِ وَالإيَاسِ).

    يقول رحمه الله في ختم هٰذه الرسالة المباركة: (وَدِينُ الله في الأرضِ وَالسَّماءِ وَاحِدٌ). ما فيه إشكال أن دين الله في الأرض والسماء واحد (وهُو دينُ الإسْلاَمِ، كما قال الله جل وعلا:  {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} ). والإسلام المقصود به الاستسلام لله جل وعلا بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، هٰذا هو الدين الذي جاءت به جميع الرسل: هٰذا دين آدم، دين نوح، دين موسىٰ، دين إبراهيم، دين عيسىٰ، دين جميع الرسل:  {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ}  دين أشرفهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هٰذا الدين واحد لا خلاف فيه ولا افتراق:  {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} ،  {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}سورة : آل عمران (85). .

    قال رحمه الله: (قال الله تعالى:  {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} ). يعني الدين المقبول الذي يحصل به للعبد النجاة والفوز، وحصول الرضا والجنة الإسلام، قال:  {وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} . فقد رضي الله جل وعلا لهٰذه الأمة ما رضيه للأمم السابقة، مع مزيد تخصيص وتفضيل لهٰذه الأمة بتكميل الشرائع:  {وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} . ثم المؤلف رحمه الله بين دين الإسلام، واقتصر في البيان على دين الإسلام لأنه دين أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الحق الصافي، هم كمال قال شيخ الإسلام: هم نقاوة المسلمين، هم الصفوة، وهم الخيار، هم الذين قال الله جل وعلا فيهم:  {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}سورة : آل عمران (110). .وهم الذين قال الله فيهم:  {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}سورة : البقرة (143).. ذكر المؤلف رحمه الله وسطية هٰذا الدين، وهو يثبت بذلك وسطية أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة والجماعة وسط في الفرق الإسلامية كما أن دين الإسلام وسط بين الأديان. والوسطية ليست في جانب واحد، بل هي في جميع الجوانب:  {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}  في كل شيء، ليس فقط في الاعتقاد، بل في الاعتقاد والعمل والقول،و... في كل أمر من أمور هٰذه الأمة.

    يقول: (وَهُوَ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ). الإسلام، عقد أهل السنة والجماعة بين الغلو والتقصير، الغلو الزيادة والتقصير النقص، فأهل السنة والجماعة طريق وسط لا غلو فيه ولا نقص، وقد نهى الله جل وعلا عن الزيادة كما نهى عن النقص، كما قال تعالىٰ:  {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}سورة النساء (171). . وكما قال النبي  صلى الله عليه وسلم : ((إياكم والغلو، إياكم والغلو، إياكم والغلو))سنن ابن ماجه: كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، حديث رقم (3028). قال الشيخ الألباني: حسن، والحديث بلفظ ((يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين))، وأنظر أيضا السلسلة الصحيحة حديث رقم (1283).، ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون))مسلم: كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، حديث رقم (2670). الأحاديث والآثار في النهي عن الغلو كثيرة، وكذلك عن التقصير، كذلك كثيرة في نهيه عن المعاصي، فإن كل معصية في عقد أو قول وعمل هي من التقصير الذي نهى الله عنه.

    قال: (وَبَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ). أهل الإسلام سالمون من هاتين الآفتين، أهل السنة والجماعة سالمون من هاتين البدعتين، التشبيه: التمثيل، والتعطيل: نفي ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إما نفياً كليّاً أو نفياً جزئيّاً، ويجمع نفي هاتين البدعتين قول الله تعالىٰ:  {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}سورة : الشورى (11). . قوله:  {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}  نفي لأي شيء؟ التمثيل، وقوله:  {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}  نفي لبدعة التعطيل.

    قال: (وَبَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ). يعني بين الذين يقولون بأن الإنسان لا مشيئة له ولا اختيار، وهم الجبرية، وبين الذين يقولون: الإنسان يخلق فعل نفسه، العبد يخلق فعل نفسه، ليس لله  عزوجل  مشيئة ولا اختيار في فعل العبد، ولا قدرة على فعل العبد، أهل السنة والجماعة يقولون كما قال الله جل وعلا:  {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}سورة : التكوير (28-29). . فيثبتون للعبد قدرةً وكسباً ومشيئةً، ويثبتون أن هٰذه القدرة وهٰذه المشيئة وهٰذا الكسب لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا ومشيئته، بل الله محيط بالعبد ومشيئته وقدرته، والعبد مخلوق للرب كما أن ذاته وصفاته مخلوقة للرب جل وعلا. نعم.

    (وَبَيْنَ الأَمْنِ وَالإياسِ). هٰذا فيه بيان توسط أهل السنة والجماعة بين فريقين ضالين، وهم من عبد الله بالمحبة وحدها، ومن عبد الله بالخوف وحده، فأهل السنة والجماعة يعبدون الله جل وعلا بالمحبة والرجاء والخوف، وتقدم تقرير ذلك. ثم قال رحمه الله:     

    (فَهٰذا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَحْنُ بُرَءاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ).

    هٰذا المشار إليه ما تقدم من العقائد (دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا). يعني الذي ندين الله سبحانه وتعالى به. (دِينُنَا) أي الذي نتعبد الله جل وعلا به (وَاعْتِقَادُنَا) أي ما طوينا عليه قلوبنا وربطنا عليه قلوبنا ظاهراً وباطناً، يعني ليس عندنا ظاهر وباطن كحال الباطنية الذين لهم ظاهر وباطن.

    ثم قال: (وَنَحْنُ بُرَءاءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَنْ خَالَفَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ). (بُرَءاءُ) أي نتبرأ من كل خالف الذي ذكرناه وبيناه، وهٰذا هو الواجب أن يتبرأ الإنسان من كل من خالف عقد أهل السنة والجماعة، لكن هٰذه البراءة كالمحبة والبغض، كالمحبة في الله والبغض في الله، البراءة تتفاوت بتفاوت المخالفة: فمن كانت مخالفته عظيمة كان حقه من البراءة عظيماً، ومن كانت مخالفته يسيرة كان حقه من البراءة يسيراً. على أن المؤلف رحمه الله ذكر في هٰذه العقيدة ما خرج به عن عقد أهل السنة والجماعة، لا سيما في مسألة الإيمان. نعم.

    (وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ، مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بُرَءاءُ، وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلاَّلٌ وَأَرْدِيَاءُ. وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ).

    يقول رحمه الله في ختم هٰذه العقيدة: (وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ، وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالآرَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ) آمين. بعد أن ذكر رحمه الله: (فَهٰذا دِينُنَا وَاعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) لجأ إلى الله جل وعلا في التثبيت على الحق، وهٰذا هو حال المؤمن التقي الذي يرجو ما عند الله  عزوجل ، لا يعتمد على نفسه في الثبات، بل يقرر الحق ويسأل الله  عزوجل  الثبات عليه، ولذلك قال رحمه الله: (وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ، وَيَخْتِمَ لَنَا بِهِ). الثبات هو الاستمرار، والختم هو أن يكون منتهى ما نعمل به ونغادر هٰذه الدنيا به هو الإيمان، (وَيَعْصِمَنَا مِنَ الأَهْوَاءِ) أي يحفظنا ويبعد عنا الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الرديئة. الأهواء جمع هوى وهو ما تهواه الأنفس، ويطلق هٰذا على ما تهواه الأنفس في الأعمال وفي العقائد. والآراء المتفرقة، ولا شك أن الآراء المتفرقة هي الآراء المخالفة لأهل السنة والجماعة، وأما من وافق أهل السنة والجماعة فإنه لا يفترق ولا يتفرق، بل عقد أهل السّنة والجماعة الاجتماع ،كما قال قبل قليل رحمه الله. (وَالْمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ) أي المسالك الرديئة المخالفة. ثم مثل ذلك: (مِثْلَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ). بدأ بالمشبهة ويريد بالمشبهة الممثلة؛ لأن النفوس ترفض هٰذه البدعة، فإن كل نفس مفطورة على أن الخالق ليس كالمخلوق، وأنه لا مماثلة بين الخالق والمخلوق، بل الله جل وعلا ليس كمثله شيء. (وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ) هٰذه الفرق كلها من الفرق الضالة، وأنواع الضلال فيها مختلفة: منها ما هو في الأسماء والصفات، منها ما هو في القدر، منها ما هو في اليوم الآخر، أنواع وأشكال.

    يقول: (وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَحَالَفُوا الضَّلالَةَ) أي صالحوا الضلالة والتزموها والتحفوها وكانت مرافقة لهم.

    (وَنَحْنُ مِنْهُمْ بُرَءاءُ). هـٰذا فيه التبرؤ من كل من خالف أهل السنة والجماعة. (وَهُمْ عِنْدَنَا ضُلاَّلٌ وَأَرْدِيَاءُ ). ولاشك في ذلك، فإن هٰذه الفرق من الفرق الضالة الرديئة المخالفة للكتاب والسنة.

    ثم قال رحمه الله: (وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ). أي به جل وعلا تحصل العصمة للعبد من الوقوع في شيء من الضلال، والتوفيق إلى طريق أهل السنة والجماعة. وهٰذا ختم بديع؛ لأنه به يحصل للإنسان سعادة الدارين: أن يعصمه الله من أهل الشر والشر، وأن يوفقه إلى الخير والعمل به.

    نسأل الله  عزوجل  أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين.

    وبهٰذا تكون قد انتهت هٰذه العقيدة المباركة التي نسأل الله  عزوجل  أن يثيب مؤلفها خيراً، وأن يغفر له ما كان فيها من خطأ، وأن ينفعنا بما فيها من علوم نافعة.

    التفاصيل
    0
    567
  • الدرس(19) من شرح العقيدة الطحاوية
  • بسم الله الرحمـٰن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

     (وَفِي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ. وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ وَيَقْضِي الْحَاجَاتِ. وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ وَلا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ، وَلا غِنَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَيْنِ. وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى، لا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى).

    التعليق:

     الحمد لله ربِّ العالمين،وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فقال المؤلف رحمه الله: (وَفِي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ).

    أولاً بالنسبة لما تقدم من تقسيم الاستطاعة إلى قسمين، نسأل: ما هما القسمان؟ لأن بعض الإخوان تساءل أمس سؤالاً مستشكلاً بعد الخروج، عبد العزيز، نعم وهٰذهوهي السابقة للفعل. هي مناط التكليف في مثل قوله تعالىٰ:  {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}سورة : آل عمران (97). وأيضاً الآية التي ذكرت تدل لكن تلك أوضح، أيضاً.

    الاستطاعة المقارنة للفعل، وهي التي يوجد بها الفعل.

    فمثلاً أمر الله جل وعلا بإقامة الصلاة في قوله:  {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} . هٰذا الأمر هل يوجه لغير المستطيع؟ في الأصل: لا؛ لأن التكاليف كلها مناطها الاستطاعة:  {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}سورة : التغابن (16). ،  {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة (286). . هٰذه الاستطاعة الأمر متوجّه إلى المستطيع، وهي التي أناط الله بها التكليف، الاستطاعة المقارنة هي التي يسهلها الله للعبد وقت امتثال الأمر،  عند صلاته، وقد فسر جماعة من العلماء قول الله تعالىٰ:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}سورة : هود(20). بهٰذا النوع، أي الاستطاعة التي يوجد بها الفعل، استطاعة التنفيذ التي يحصل بها الفعل، وذكرنا لكم أن عامة المفسرين من السلف والخلف على أن الاستطاعة المنفية في هٰذه الآية وأشباهها هي عدم قدرتهم على سماع الآيات؛ لما في نفوسهم من الفساد، وهٰذه القدرة ليست القدرة التي يحصل بها التكليف، إنما أن نفوسهم تأبّت عليهم مع أنهم قادرون عليها، والإنسان قد يريد الشيء ويقدر عليه لكن تمنعه نفسه من فعله، فيكون غير مستطيع من جهة امتناع النفس لا من جهة عدم التحمل والقدرة على الفعل، وهٰذا تفسير عامة المفسرين لقول الله تعالىٰ:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}سورة : هود(20). . ويمكن أن يفسر بالتفسير الثاني الذي ذكرنا، وهو أنهم لم يوفقوا للسماع الذي ينتفعون به.

     ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَفِي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ). هٰذه المسألة صلتها بكتب الفروع أوثق منها بكتب الاعتقاد، لكن ذكرها المؤلف رحمه الله ردّاً على من قال بـأنه لا ينتفع الأموات من عمل الأحياء بشيء، وهٰذا تكذيب لما أجمعت عليه الأمة من وصول نفع بعض الأعمال إلى الأموات، فإن الأمة أجمعت على أن الدعاء ينتفع به المدعو له حيّاً أو ميتاً وهو ليس من سعيه ولا من عمله، إنما من عمل غيره، وقد وقع الخلاف في بعض الأعمال هل ينتفع بها الأموات أو لا؟ كالصدقات وأشباهها، فذكر المؤلف لهٰذه المسألة في كتب الاعتقاد لبيان ما يعتقده أهل السنة والجماعة من انتفاع الأموات بدعاء الأحياء وصدقاتهم، ردّاً على من نفى ذلك مطلقاً من القدرية وغيرهم، حيث قالوا: لا ينتفع الإنسان بعمل غيره مطلقاً، وهٰذا تكذيب لما دلت عليه النصوص من ثبوت أصل الانتفاع.

    أما تفاصيل الانتفاع فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم:

    فمنهم من يرى أن الميت لا ينتفع بغير الدعاء، وأما العمل فإنه لا ينتفع منه الميت، بل هو لصاحبه؛لقول الله تعالىٰ:{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}سورة : النجم (39). ، وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها نفي ملك الإنسان لعمل غيره.

    ولكن الصحيح في هٰذه المسألة الفروعية أن الإنسان ينتفع بعمل غيره دعاءً وصلاةً وزكاةً وحجّاً وغير ذلك من أعمال البر، وليس في الآية ما يدل على امتناع النفع، وقد جاء ما يدل على انتفاع الإنسان بصدقة غيره وبحجه وبصومه، وكذلك بقية العبادات؛ لعدم المانع؛ لأن النبي  صلى الله عليه وسلم في هٰذه المسائل كلها سئل فأجاب بالانتفاع والجواز، فدل ذلك على أن كل الأعمال -أعمال البر- كذلك، فإنه ينتفع بها الميت وتصل إليه.

    وأما آية  {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}سورة : النجم (39). . فإنها لا تدل على عدم انتفاع الإنسان بسعي غيره، إنما تدل على أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه، ثم إذا ملك سعي نفسه فإن له أن يتصرف فيه بما شاء من هبته لغيره، فالآية ليس فيها قطع انتفاع الإنسان بعمل غيره، بل فيها أنه لا يملك إلا سعي نفسه:  {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}  له ملكاً وانتفاعاً، فإذا وهب ملكه ونفعه لغيره فهو له، ولا يمنع من ذلك، ودلت الأدلة على جواز هٰذا.

    قال رحمه الله: (وَفِي دُعَاءِ الأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَاتِ) خصّ الأموات بالانتفاع مع أن الانتفاع في الدعاء يكون حتى للأحياء؛ لأن الغالب في ذلك يكون للأموات، ولأن الصدقات تكون في الغالب للأموات، والسؤال الذي وجه للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورد عن الصدقة للميت وكذلك الحج وكذلك الصوم، فالنصوص وردت في الأموات، ولا يمنع أن ينتفع الأحياء من ذلك، لكن ذكر ذلك لأنه محل الخلاف.

    ثم إن الخلاف في الأحياء أشدّ بين أهل العلم، فإن من العلماء من يرى أن الحي لا ينتفع بعمل غيره مطلقاً، وإن كان يجيز أن ينتفع الميت بذلك.

    والصحيح أن كل عمل صالح يفعله الإنسان يهديه إلى حي أو ميت فإنه يصل إليه، وليس في النصوص ما يدلّ على منع ذلك، وأما قول النبي  صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)). فهٰذا أيضاً ليس فيه الدليل على ما ذهب إليه بعض العلماء، بعض الناس من أن العمل لا يصل إلى الميت من المتقدمين وغيرهم، ومن أهل السنة وغيرهم؛ لأن الحديث فيه انقطاع عمل الإنسان نفسه، وليس فيه قطع انتفاعه بعمل غيره، بل في الحديث ما يشير إلى انتفاعه بعمل غيره في قوله: ((أو ولد صالح يدعو له))مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث رقم (1631).. فدلّ ذلك على أنه ينتفع بعمل غيره، لكن هل يوجه الناس إلى إهداء الأعمال وهبة ثوابها إلى الأموات أو الأحياء؟ الجواب: لا، الأصل في العمل أن يكون للإنسان ما عدا الدعاء، فإن الدعاء ينتفع منه الطرفان: ينتفع منه الداعي، وينتفع منه المدعو له، ولذلك وجه النبي  صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء في قوله: ((أو ولد صالح يدعو له)). أما العمل من الحج أو العمرة أو الصدقة أو غير ذلك فالأولى بها الإنسان، ولا يعني هٰذا أنه لا تجوز الهبة، بل يجوز لكن الجواز مسألة غير الأفضل والذي يوجه إليه الناس، فالذي يوجه إليه الناس أن يعملوا لأنفسهم، وأن يدعوا لغيرهم كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم: ((أو ولد صالح يدعو له)).

    ثم قال رحمه الله: (وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيَقْضِي الْحَاجَاتِ) جل وعلا. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وما من داعٍ يدعو الله جل وعلا إلا وهو موعود بالخير، قال الله جل وعلا:  {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}سورة : غافر (60). فأمر الله جل وعلا بدعائه ووعد بالإجابة، وهٰذا وجه قول المؤلف رحمه الله: (وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَجِيبُ الدَّعَوَاتِ). لكن تنبه إلى أنه لا يلزم من الاستجابة حصول ما طلبت وما دعوت، فالله جل وعلا عليم خبير وهو سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح العبد، فقد يدعو العبد بما يرى صلاحه فيه ويكون صلاحه في عدم حصول مطلوبه، فيكون من الخير والبر والإحسان والفضل من رب العالمين إلى هٰذا العبد أن لا يُحَقق مطلوبه، حتى وإن كان يظن أنه خير ويعتقد أنه صلاح له، فالله عليم خبير لا يقدم لعبده إلا الخير.

    ولذلك ما من داعٍ يدعو إلا ويرجع بالثواب والأجر من رب العالمين، هٰذا أولاً.

    أما تحصيل مطلوبه وتحقيق دعائه وطلبه فإن هٰذا ليس بلازم، فإن الله سبحانه وتعالى قد يجيبه إلى ما دعا ويعطيه ما سأل، وقد يمنعه ذلك، لكن إن منعه ذلك فإنه لا يخلو من أمرين:

    إما أن يدفع عنه من السوء نظير ما دعا.

    وإما أن يدخرها له في الآخرة.

    ولاشك أنه إن ادخرها له في الآخرة فهو أعظم إحساناً؛ لأن الإنسان في الآخرة أحوج ما يكون إلى الخير، وأحوج ما يكون إلىٰ ما ينفعه.

    ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بربه، وأن لا يظن بربه إلا الخير، أجيب أو لم يجب، أعطي أو لم يعط، فإن الله سبحانه وتعالى إذا عامله العبد بهٰذا كان الله جل وعلا إليه سريعاً في الخيرات، قريباً في تحقيق المطالب، وهٰذا من تمام التسليم لرب العالمين، أن يسلم العبد لله  عزوجل  الأمر، وأن يفوض إليه الاختيار جل وعلا في تحقيق الطلب أو عدم تحقيقه، ولا يمنع هٰذا من أن يلح العبد في دعائه وسؤاله وضراعته، وتكرار المسألة، فإن الله  سبحانه وتعالى  أكثر من العبد، كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم لما ذكر: ما من داعٍ يدعو الله  عزوجل  إلا كان له إحدى ثلاث خصال:

    الخصلة الأولى: أن يعطيه ما سأل.

    الثانية: أن يدفع عنه من الشر نظير ما سأل.

    الثالثة: أن يدخرها له في الآخرة.

    قال الصحابة: إذن نكثر يا رسول الله؟ فقال النبي  صلى الله عليه وسلم: ((الله أكثر)). أكثر من العبد، شأن الله يا إخواني يختلف، شأن الله أعظم، يتعرض لعباده في المسألة، فينزل جل وعلا -وهو الغني الكريم، وهو المتفضل المحسن على عباده في نزوله، الذي لا حاجة به إلىٰ أحد، هو القيوم الصمد الذي تُنزل به الحوائج:  {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء}سورة : محمد (38). ،((ينزل- إلى السماء الدنيا كل ليلة يقول: هل من داع فأجيبه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟)). وانظر إلى هٰذا التدرج: حيث يبدأ بالدعاء الذي يشمل كل سائل، كل منادٍ، كل متكلم مع الله جل وعلا، سواء كان بسؤال أو بغير سؤال. ((هل من داع فأجيبه؟)) ثم ما هو أخص ((هل من سائل فأعطيه؟))، ثم ما هو أخص في المسألة ((هل من مستغفر فأغفر له؟))البخاري: كتاب التهجد، باب الدعاء في الصلاة في آخر الليل، حديث رقم (1145).. وهٰذا كله لبيان سعة الفضل وعظيم المن، وعظيم العناية من رب العالمين بعباده، الله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات، لكن ذلك وفق ما تقتضيه رحمته وحكمته، فقد يكون من الحكمة والرحمة أن يمنع الله جل وعلا العبد ما سأل لا بخلاً منه، فالله جل وعلا يداه سحاوان بالخير، ينفق الليل والنهار لا تغيض النفقة ما في يديه شيئاً، فإذا منعك فإنه يمنعك لا بخلاً فهو الغني الحميد، إنما يمنعك إصلاحاً وتربيةً، إذا عامل العبد ربه بهٰذا فإنه سينشرح صدره لما يقع من إجابة أو عدمها، ثم يعلم أن ربه سبحانه وتعالى المقدم المؤخر الذي لا يقدم له إلا الخير ولا يمنع عنه إلا الشر.

    قال رحمه الله: (وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ). وهٰذا كالجواب على من دعا فلم يعط، وقطع شبهة البخل التي اتهم اليهود ربَّ العالمين بها، وهو جل وعلا الغني الحميد:  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}سورة : فاطر (15).،  {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ}سورة : محمد (38). . قال الله جل وعلا:  {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ}  ثم قال:  {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}سورة : المائدة (64). جل وعلا. فالمنع ليس لأنه لا يملك ما تسأل، إنما المنع لحكمة ورحمة، وليس فقط لحكمة، إنما لرحمة أيضاً بالعبد، فإن الله يرحم العبد بمنعه كما أنك ترحم الصغير -ولله المثل الأعلى- بمنعه من الرضاع وهو يبكي ويصيح يريد الرضاع ،لكن ترى أن مصلحته في منعه من الرضاع، فتمنعه لأنه إن شب على الرضاع لم تنفطم نفسه، بل سيبقى على هٰذا الذي لا يقيم بدنه، فإن الرضاع في السنتين الأوليين يقوم به البدن،لكن بعد ذلك إذا استقل بالرضاع واستمر عليه لا يمكن أن يقوم بدنه بمجرد الحليب، فكان من الرحمة أن تمنعه هٰذا، كذلك حال العبد مع ربه، بل الشأن أعظم، فالله جل وعلا أرحم بعبده من رحمة الوالد بولده.

    يقول رحمه الله: (وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ). والأدلة على ملك الله  عزوجل  كثيرة:  {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}سورة : الملك (01).،  {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}سورة : البقرة (107)، المائدة (40)، الأعراف (158)، التوبة (116)، الفرقان (2)، الزمر (44)، الزخرف (85)، الحديد (2، 5)، البروج (9). ، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}سورة : آل عمران (26). ، والآيات في هـٰذا كثيرة  {لَّهُ مَا فِي السَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}سورة : البقرة (255). . والآيات في ذكر ملك الله جل وعلا لكل شيء كثيرة.

    (وَلا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ). لا إشكال، لا يملكه شيء  سبحانه وتعالى ، بل هو المالك لكل شيء.

    قال: (وَلا غِنَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ). هٰذا أيضاً فيه الرد على من قال: دعوت فلم يُستجَب لي، فيترك الدعاء ويستحسر كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم: ((يستجاب للمسلم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم))مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، حديث رقم (2735). يستجاب أي يحصل له جواب سؤاله: إما بتحقيق المطلوب، أو غير ذلك مما جاءت به النصوص من أوجه الإجابة، فإن من دفع عنه من الشر نظير ما دعا أجيب، ومن ادخر له أجر ما دعا أجيب، فالداعي لا يرجع من رب العالمين إلا بخير، فهو الحيي الكريم الذي يستحيي أن يرد عبده إذا رفع يديه صفراً أي خالياً من الخير، بل لابد أن يرجع بخير .

    فقوله: (وَلا غِنَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ). لا غنى للعبد مهما كان، حتى إذا لم يجب فإنه لا غنى به عن ربه، يلجأ إليه ويتوسل إليه ويتضرع بين يديه، ويسأله  سبحانه وتعالى ، ولا أعظم ولا أيسر سبيلاً في الوصول إلى رب العالمين وإلى فضله وإحسانه من باب الافتقار إلى الله جل وعلا، فإن العبد إذا افتقر إلى الله جل وعلا، وأظهر افتقاره إلى ربه، وأيقن أنه ما من ذرة في بدنه إلا وهي مفتقرة إلى الله جل وعلا، كان ذلك من أسباب الخير له.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله كلاماً جيداً في هٰذا أن أحد العبّاد أو العلماء، يقول: أقبلت على الله جل وعلا من أبواب الطاعات كلها، فوجدت على الأبواب الزحام. يعني كثرة من يقبل على الله من هٰذه الأبواب. فلم أسلم من المزاحمة، فولجت باب الافتقار، فوجدت قرب حصول المطلوب مع عدم المزاحمة. فإن كثيراً من الناس يغفلون عن هـٰذا الوصف الذاتي لهم، وهو افتقارهم إلى الله  عزوجل .

    يقول الشيخ ابن القيم رحمه الله: وكما قال شيخ الإسلام: من رغب في السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.

    السعادة الأبدية الدائمة التي لا تنقطع في الدنيا والآخرة في لزوم عتبة العبودية، نقل عن ذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولزوم عتبة العبودية يحصل للعبد بأي شيء يا إخواني؟ يحصل بكمال الذل لله جل وعلا وغاية الحب له  سبحانه وتعالى .

    (وَلا غِنَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ). لا في ليل ولا في نهار، لا في يقظة ولا في منام، لا في صحة ولا في مرض واعتلال، لا في غنى ولا في افتقار، فالعبد مفتقر إلى الله جل وعلا فقراً ذاتيّاً لا يمكن أن ينفك منه، لكن الناس يغفلون ويظنون أنهم أغنياء عن الله  عزوجل  بما مكّنهم، والإنسان إذا بُلي بداء الاغتناء وشعر أنه غني عن الله  عزوجل  حصل منه شر عظيم:  {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى}  متى؟  {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} سورة : العلق (6-7)يعني إذا رأى غنى نفسه عن الله، لكن ما دام يرى فقر نفسه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يمكن أن يصيبه الطغيان والخروج عن مقتضى العبودية.

    يقول رحمه الله: (وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ كَفَرَ)، والكفر هنا يشمل الكفر الأصغر والكفر الأكبر، لكن الكفر الأكبر يحصل بأن يظن الإنسان ويعتقد أنه لا حاجة به إلى ربه، لاشك أن هٰذا كفر، وهو أعظم الكفر؛ لأنه جحد للربوبية؛ لأن مقتضى الربوبية أن توقن أن كل خير يصل إليك إنما هو من الله جل وعلا. (وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَيْنِ) يعني من أهل الهلاك.

    قال رحمه الله: (وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى، لا كَأَحَدٍ مِنَ الْوَرَى). هٰذا فيه إثبات صفات الاختيار، الفعل للرب جل وعلا، وصفات الفعل ثابتة لله سبحانه وتعالى بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، قال الله جل وعلا في وصف نفسه:  {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}سورة : هود (107)، البروج (16). .والله يفعل ما يريد، وأما أفراد الفعل فالأدلة عليها كثيرة: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء}سورة : آل عمران (129)، المائدة (18)، الفتح (14). (يحب من يشاء) يغضب جل وعلا، يعفو، فالأفعال التي أضافها الله لنفسه كثيرة في كتابه:والله يحب المتقين، يحب المحسنين، الآيات التي فيها إثبات صفات الفعل أكثر من أن تحصى،هٰذا الذي فيه التصريح بالفعل، أما ما دلّ على الفعل فهو كثير جدّاً، وكذلك في السنة.

    فالله جل وعلا موصوف بصفات الفعل، وضابط صفات الفعل: هي الصفات التي تتعلق بالمشيئة، متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل، من ذلك الغضب والرضا، الغضب صفة كمال لله  عزوجل  لا نقص فيها، بل هي من كماله سبحانه وتعالى، فإن من الكمال أن يغضب القادر على من يستحق الغضب، وقد دل عليها قول الله تعالىٰ:  {وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}سورة : النساء (93). . في حق من قتل مؤمناً متعمداً، ومن أدلة إثبات الغضب قول الله تعالىٰ:  {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ}سورة : الزخرف (55). .

    وأما الرضا فالآيات فيه كثيرة، منها قول الله جل وعلا:  {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}سورة : التوبة (100). في حق السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان، وقال  سبحانه وتعالى :  {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ}سورة : التوبة (72). ،والآيات في إثبات رضا الله جل وعلا عن عباده كثيرة : {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}سورة : الفتح (18)..

    (وَاللَّهُ يَغْضَبُ وَيَرْضَى). الغضب والرضا أنكرهما المؤولة المنحرفون عن طريق أهل السنة والجماعة بجميع أصنافهم من أهل الكلام: أنكرهما المعتزلة، وأنكرهما الأشاعرة، فأولوا الغضب والرضا إما بإرادة الثواب والعقاب، وإما بالثواب والعقاب نفسه، فمثبتة الصفات من الأشاعرة ونحوهم قالوا: الغضب والرضا هو إرادة الإثابة وإرادة العقوبة.

    وأما المعتزلة فأولوا الغضب والرضا بالثواب والعقاب نفسه، لماذا؟ لأنهم لا يثبتون صفة الإرادة للرب جل وعلا.

    قال رحمه الله:

    (وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم، وَلاَ نُفْرِطُ في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم، وَلاَ نَتَبَرَّأَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الحَقِّ يَذْكُرُهُم، ولا نَذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ).

    يقول رحمه الله: (وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم).

    س/ يقول هـٰذا: باسم الله، شيخنا لو قال قائل معترضاً على قول هٰذا الذي وجد مزاحمة في باب الطاعات: إن الله لا يشغله شيء عن شيء، وكأن في العبارة نوع إشكال؟

    ج/ لا ما فيه إشكال، المزاحمة لا باعتبار انشغال الله بهم، فالله جل وعلا شأنه أعظم من هـٰذا، لا يشغله شيء عن شيء سبحانه وتعالى، كل يوم هو في شأن، لكن الكلام في كثرة المقبلين على الله في عمل الطاعة، ثم إن هٰذا ضرب مثال لقلة المتوجهين إلى الله  عزوجل  من هٰذا الباب، قد لا يكون قد رأى باباً وزحاماً عليه، فالله جل وعلا شأنه أعظم من ذلك.

     يقول رحمه الله: (وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم). نحب، أي أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم، والمحبة هنا محبة قلبية، نحبهم محبة قلبية؛ لأنهم الذين نقلوا إلينا الخير، ولأنهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولأن الله اصطفاهم وخصهم بهٰذه الخاصية والميزة، حيث جعلهم أصحاب رسوله وجعلهم حملة الشرع، ونحبهم لما جرى منهم من الخير للأمة، فإنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم لنشر هٰذا الدين، فما من خير وصلنا إلا من طريقهم رضي الله عنهم.

    وقول المؤلف رحمه الله: (أَصْحَابَ رسُولِ) أصحاب جمع صاحب، والصحبة تثبت لكل من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، ولو ساعة من نهار. لكن اعلم أن المحبة المذكورة في قوله: (وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم) محبة لوصف وهي الصحبة،الوصف هو الصحبة، فكل من تحقق فيه هٰذا الوصف أكثر ازداد نصيباً من المحبة؛ لأن كل الأعمال والأحكام، كل الأحكام والأدلة المعلقة على أوصاف تزداد وتستقر وتثبت بزيادة هٰذا الوصف، فمحبتنا لأبي بكر رضي الله عنه ليست كمحبتنا لبلال، بل محبتنا لأبي بكر أعظم؛ لتحقق الصحبة فيه أكثر من غيره، فمن صحب النبي  صلى الله عليه وسلم شهراً محبتنا له أعظم ممن صحبه يوماً، ومن صحبه يوماً محبتنا له ممن صحبه ساعةً، فتزداد المحبة بازدياد الوصف وهو الصحبة.

    ثم الصحبة تعم كل من صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قليلاً أو كثيراً، فليست خاصة بطول المدة، بل هي عامة لكل من صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (نُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم) لأن الله جل وعلا أثنى عليهم في كتابه ثناءً بالغاً في مواضع عديدة، قال الله جل وعلا:  {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}سورة : الفتح (18). .قال الله جل وعلا في ثنائه عليهم:  {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}سورة : الفتح (29). ثم ذكر من وصفهم ما يوجب محبتهم. كذلك قال الله جل وعلا:  {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}سورة : التوبة (100). . فأثبت الله جل وعلا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الرضا مطلقاً، وأما تابعوهم فإن الرضا عنهم مقيد بالإحسان، وتأمل الآية، قال الله جل وعلا:  {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}  ما قيد بإحسان، كفاهم فضلاً سابقتهم،  {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} . فجعل الرضا للتابع مقيداً بالإحسان، وأما السابق من المهاجرين والأنصار فإنه قد أثبت لهم الرضا، ويكفي في فضلهم أن الله جل وعلا اطلع على أهل بدر فقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، حديث رقم (3007)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث رقم (2494).. وقول النبي  صلى الله عليه وسلم في أهل بيعة الرضوان: ((لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة))سنن الترمذي: كتاب المناقب، باب في فضل من بايع تحت الشجرة، حديث رقم (3860). قال الشيخ الألباني: صحيح. ففضلهم رضي الله عنهم ظاهر، ولذلك استحقوا ما استحقوه من المحبة.

    وقول المؤلف رحمه الله: (نُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله  صلى الله عليه وسلم) يردّ على جميع المنحرفين في صحابة النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم -المنحرفين بزيادة أو نقص، بغلو أو جفاء-، فإن أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم وقع فيهم إفراط وتفريط، غلو وجفاء، ولذلك قال المؤلف رحمه الله في ضبط وتحرير عقد أهل السنة والجماعة، قال: (وَلاَ نُفْرِطُ في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم). رد على من؟ على الرافضة الذين غلوا في محبة علي حتى ألّهوه أو ألهه بعضهم.

    وقوله رحمه الله: (وَلاَ نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم) أيضاً رد على الرافضة الذين تبرؤوا من أبي بكر وعمر، ومن عقائدهم أنه لا ولاء إلا ببراء، لا ولاء لعلي وأهل البيت إلا ببراء ممن؟ من أبي بكر وعمر، بل أهل السنة والجماعة يحبون الصحابة جميعاً بلا استثناء، مع التفاوت في المحبة على ما فصلنا وذكرنا في السابق، لكن المحبة ثابتة للجميع، بخلاف الرافضة الذين سبوا أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، وبخلاف النواصب الذين ناصبوا عليّاً العداء، فإن النواصب من الخوارج وممن ناصر بني أمية سبّوا عليّاً وقدحوا فيه رضي الله عنه .

    يقول: (وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم). ولا إشكال في هٰذا، فإن من حقهم رضي الله عنهم بغض من أبغضهم وكراهة من كرههم (وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم) كالرافضة وأشباههم، (ولا نَذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ). وهٰذا فيه قاعدة فيما يتعلق بالصحابة رضي الله عنهم أنا لا نذكرهم إلا بخير، ومن جملة هٰذا أن لا نتكلم فيما شجر بينهم من الخلاف، فإن ذكر ما شجر بينهم من الخلاف يفضي إلى الوقيعة في بعضهم، وإلى إيغار الصدور عليهم رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وإلى نزول مقامهم ومكانتهم، فقوله: (ولا نَذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ) يشمل حفظ اللسان من الكلام فيهم، والكلام فيما وقع منهم من أخطاء، والكلام فيما وقع فيهم من شجار وخلاف، فإنهم رضي الله عنهم إما معذورون فيما ثبت، وإما مجتهدون متأولون.

    وأما غالب ما يُنقل فهو كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فغالب ما يضاف إليهم كذب، وفيه ما زِيد فيه ونُقِص وغُيِّر عن وجهه. يعني صُرف عن الوجه الذي جرى عليه.

    فإن من أصول أهل السنة والجماعة سلامة ألسنتهم وقلوبهم على أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ومن تمام السلامة أن لا نذكرهم إلا بخير، وقد وقع الكلام في الصحابة منذ العهد الأول، فإن عائشة -رضي الله عنها- نقل إليها أن أقواماً يتكلمون في أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم، حتى في أبي بكر، فقالت: لا عجب، فإنه قد انقطع عملهم بالموت وأحب الله وصل عملهم بعد موتهم بمن يقع فيهم. فإن الإنسان إذا وقع فيه بغير حق كان ذلك حطّاً لسيئاته وتخفيفاً ورفعاً لدرجاته، ولابد من هٰذا.

    يقول رحمه الله: (وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ). (حُبُّهُم دِينٌ) أي عبادة يتعبد الإنسان بها لله  عزوجل  (وإيمَانٌ وإحْسَانٌ) أي من خلال الإيمان ومن أعماله، وهو من الإحسان الذي يجازى به أهل الإحسان، فإن إحسان الصحابة إلينا من أعظم الإحسان، حيث إنهم نقلوا لنا الأخبار، وحفظوا لنا سنة المختار صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ونصروا دين رب العالمين. (وَبُغْضُهُم) أي بغض الصحابة في الجملة (كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ). ما فيه إشكال أن بغضهم في الجملة كفر؛ لأنه قدح في الشريعة وتكذيب للقرآن (ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ) لأنه إنما وقع هٰذا من أهل النفاق، فإن أول ما جرى هٰذا من المنافقين المندسين في صفوف أهل الإسلام الداعين إلى البدعة والفرقة والشر، كعبد الله بن سبأ (وطُغْيَانٌ) أي تجاوز للحق.

    ثم قال رحمه الله: (وَنُثْبِتُ الْخِلافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم أَوَّلاً لأَبِي بَكْرٍ). بعد أن فرغ مما يجب لمجموعهم انتقل إلى ذكر ما يتعلق ببعض أفرادهم يقول:

    (وَنُثْبِتُ الْخِلافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم أَوَّلاً لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ  رضي الله عنه  تَفْضِيلاً لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ، ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ  رضي الله عنه ، ثُمَّ لِعُثْمَانَ  رضي الله عنه ، ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  رضي الله عنه ، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالأَئِمَّةُ الْمُهْتَدُونَفي نسخة: الْمَهْدِيُّونَ.).

    يقول رحمه الله: (وَنُثْبِتُ الْخِلافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم أَوَّلاً لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ). أبو بكر  رضي الله عنه  هو عبد  الله بن أبي قحافة، وهو خير الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثبتت له الخلافة بإجماع المسلمين، وقد اختلف العلماء في خلافة أبي بكر  رضي الله عنه : هل كانت بالنص الجلي، أو بالنص الخفي، أو بالاختيار؟ ولكن من تأمل وجد من النصوص ما يدل على أنه الخليفة بعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم، لكنها ليست نصوصاً صريحة، بل هي نصوص بجموعها تدل على أنه الخليفة بعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، بعهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وقد أجمعت الأمة على فضله وتقدمه، وأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبو بكر ورد له من الفضائل والخصائص ما لم يشركه فيه غيره، بخلاف الفضائل التي ثبتت لغيره، فإنها فضائل يشارك المفضَّل فيها غيره، لا سيما ما يذكره الرافضة في فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه  ، فإن الفضائل الثابتة لعلي   رضي الله عنه ليست من الأمور التي يختص بها دون غيره، بخلاف أكثر فضائل أبي بكر، وهٰذه مسألة مفيدة: أن الفضائل التي ثبتت لأبي بكر في غالبها خاصة به، لا يشركه فيها غيره، وكذلك عمر  رضي الله عنه ، لكن نصيب أبي بكر  رضي الله عنه  من ذلك أعظم وأكبر وأكثر.

    الخليفة بعد النبي  صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، يقول المؤلف: (أَوَّلاً لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ  رضي الله عنه ، تَفْضِيلاً لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ). لا إشكال في هٰذا، فهو خير الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    (ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ  رضي الله عنه ). وله من الفضائل والخصائص ما لم يشركه فيه غيره،لكن فضائل أبي بكر أعظم وأجل.

    (ثُمَّ لِعُثْمَانَ  رضي الله عنه ، ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  رضي الله عنه ). وترتيب هؤلاء في الفضل ترتيبهم في الخلافة، هكذا استقر عقد أهل السنة والجماعة. ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر وعمر، وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما، وقد اشتهر بين الصحابة فضل عثمان- كما ذكر ذلك عبد الله بن عمر في المفاضلة- ولم يذكروا بعد عثمان أحداً. وقد سئل علي بن أبي طالب  رضي الله عنه  كما في صحيح البخاري، سأله ابنه محمد بن الحنفية عن أفضل الأمة بعد نبيها، فقال: أَوَ لاَ تعلم؟ استنكاراً لهٰذا السؤال. قال: لا. قال: أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. يقول محمد بن الحنفية: قلت: ثم أنت؟ خشية أن يقول: عثمان. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمينالبخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لو كنت متخذا خليلا))، حديث رقم 3671)..

    ففضل أبي بكر رضي الله عنه  وفضل عمر وتقديمهما على سائر الأمة مما حصل عليه الإجماع، ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة فيه. الذي وقع فيه الخلاف هو المفاضلة بين عثمان وعلي، لكن الخلاف في المفاضلة لا في الخلافة، بل الخلافة لعثمان بعد عمر  رضي الله عنه .

    وقد نقل عن الإمام أحمد وأيوب السختياني وغيرهما أن من قدّم عليّاً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ لأن المهاجرين والأنصار قدموا من؟ قدموا عثمان  رضي الله عنه  في الخلافة، وتقديم عثمان في الخلافة دليل على تقديمه في الفضل؛ لأنهم أجمعوا على الأفضل، والأفضل هو عثمان  رضي الله عنه ، لكن مسألة المفاضلة يحتمل فيها الخلاف وقد ورد فيها الخلاف.

    فالعلماء منهم من فضل عثمان، وهٰذا الذي عليه أهل السنة والجماعة واستقر عليه الأمر.

    ومنهم من توقف في التفضيل بينهما.

    ومنهم من قدم عليّاً  رضي الله عنه .

    ومنهم من فضل أبا بكر وعمر وتوقف بعد ذلك. ومسألة التفضيل لا تضليل فيها ولا تبديع على الصحيح من أقوال أهل العلم. أما مسألة الخلافة فإن من شك أو طعن في خلافة هؤلاء أو في ترتيب هٰذه الخلافة فهو أضل من حمار أهله كما قال الإمام أحمد رحمه الله ونقل ذلك شيخ الإسلام رحمه الله.

    قال: (وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ). أي هم الذين قال النبي  صلى الله عليه وسلم فيهم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) سنن الترمذي: كتاب العلم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم (2676). وقال: حسن صحيح. سنن أبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم (4607)  سنن ابن ماجه: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث رقم (42، 43) قال الشيخ الألباني: صحيح.  مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر وحمزة الزين): حديث العرباض بن سارية، حديث رقم (17079)..

     قال: (وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالأَئِمَّةُ الْمُهْتَدُونَ). ولو أنه قال: المهديون. لكان أوفق لما وصفهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    ووصف الرشد والهداية هل هو وصف واحد أو وصفان؟ وصفان: الرشد ضد الغي، والهداية ضد الضلال. والرشد يكون في العمل، والهدى يكون في العلم. كما قال الله جل وعلا:  {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}سورة : النجم (2). فأثبت له الهداية وأثبت له الرشد؛ لأن نفي الضلال إثبات لأي شيء؟ للهدى، ونفي الغي إثبات لأي شيء؟ للرشد؛ لأن الذي يقابل الرشد الغي، والذي يقابل الهدى الضلال.

           ثم قال: (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ) هٰذه إن شاء الله تعالى نتكلم عليها غداً.

    التفاصيل
    0
    471
  • الدرس(18) من شرح العقيدة الطحاوية
  • بسم الله الرحمـٰن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

    (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلا تَبِيدَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلاً، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلاً مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلاً مِنْهُ).

    التعليق:

     الحمد لله ربّ العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فقول المؤلف رحمه الله في بيان عقد أهل السنة والجماعة: (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ). (الْجَنَّةُ) هي دار النعيم الكامل، التي أعدها الله جل وعلا لعباده المتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. (وَالنَّارُ) هي دار العذاب التي أعدّها الله جل وعلا للكفار والمشركين، والعصاة من أهل التوحيد.

    (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ) أي إنهما مخلوقتان الآن، وهٰذا ما عليه أهل السنة والجماعة، لا خلاف بينهم في ذلك، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، كما أنه يدل على ذلك العقل، فإن في خلقهما وإعدادهما من الحِكَم ما تقتضيه العقول.

    وقد جرى على هٰذا أهل السنة والجماعة وأهل هٰذه الملة، حتى تكلم في ذلك أهل الاعتزال والقدرية الذين قالوا: إنه ليس من الحكمة خلق الجنة والنار؛ لأنه يجب على الله جل وعلا  فعل الأصلح، وليس في خلقهما الآن قبل الدخول وقبل مجيء الوقت الذي يصير فيه أهل كل دار إليها حكمة، بل هو عبث، تعالى الله عما يقولون، فأوجبوا عدم خلق الجنة والنار ونفوا أنهما مخلوقتان.

    خلق الجنة والنار أمر كما ذكرنا مستقر وظاهر لكل من قرأ الكتاب أو سمع قول النبي  صلى الله عليه وسلم.

    فالله جل وعلا أعد الجنة للمتقين كما قال  سبحانه وتعالى :  {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}سورة : آل عمران(133).  .

    وأعدّ النار للكافرين كما قال جل وعلا:  {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}سورة : البقرة (24). . والإعداد يقتضي التهيئة والوجود.

    أما الأحاديث في السنة فهي مستفيضة لا إشكال فيها، والإنسان إذا كان الأمر واضحاً ظاهراً لا يحتاج إلى الإسهاب أو التطويل في ذكر الدليل؛ لظهور ذلك.

    ومما يدل على وجودهما في السنة أن النبي  صلى الله عليه وسلم دخل الجنة ورأى النار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأُري الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف مع أصحابه رضي الله عنهم، ولا يمكن أن يَرى ما لا وجود له، وما قيل: إنه رأى خيالاً ومثالاً، ليس بصحيح؛ لأن الأصل فيما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حق على حقيقته، لا مجاز فيه.

    المهم أنّ الجنة والنار مخلوقتان معدتان، ولا يلزم من قولنا: إنهما مخلوقتان أن يكون قد تم خلقهما من كل وجه، فإن الله يُحدث فيهما ما يشاء، ولذلك كان قول: (سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا إله إلا الله) غرس الجنة، فدل ذلك على أنها تُهيَّأ وينشئ فيها الله جل وعلا ما يشاء، لكن من حيث الوجود هما موجودتان، وقد يكمل الله سبحانه وتعالى خلقهما على وجه الاستمرار، إلى أن يقضي الله جل وعلا بدخول أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار،  لكنهما موجودتان، قبل أن يخلق الله جل وعلا الخلق، قبل أن يخلق الإنس والجن، يدلّ لذلك حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال لها: ((إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم))مسلم: كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، حديث رقم (2662). . فدلّ ذلك على تقدّم خلق الجنة والنار.

    ثم إنّ قول المعتزلة: لا فائدة من خلق الجنة والنار، كذب؛ لأنّه وإن كان الدخول دخول الأبدان وتنعّم الأرواح على وجه الكمال لا يكون إلى الجنة إلا في الدار الآخرة وكذلك النار، إلا أنّ الأرواح تدخل الجنة، فإنّ أرواح المؤمنين في الجنة تسرح وتتنعم، وكذلك أرواح كذلك الكافرين في سجين.

    فقولهم: (لا معنى) هو من التحكم، والله جل وعلا الحكيم الخبير فعال لما يريد:  {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}سورة : الأنبياء(23). .

    يقول رحمه الله: (لا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلا تَبِيدَانِ). هٰذا أيضاً من عقد أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار لا تفنيان، بل هما باقيتان بقاءً أبديّاً (وَلا تَبِيدَانِ) أي ولا تزولان ولا تهلكان، ولا يجري عليهما زوال أو فناء، بل هما باقيتان بقاءً أبديّاً سرمديّاً، لا خلاف في أن الجنة باقية، فإن هٰذا عقد أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في ذلك.

    فإن الله جل وعلا ذكر تأبيد النعيم في آيات كثيرة.

    وأما النار فقد ذهب جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم إلى أن النار تفنى، ولكن الذي عليه جمهور السلف، والذي عليه الأئمة على تعاقب العصور والدهور أنّ النار باقية كالجنة لا تفنى.

    وما ورد مما ظاهره عدم تأبيد النار تقضي عليه النصوص التي ذكر فيها التأبيد، فإن الذين قالوا: إنها لا تبقى بل تبيد وتفنى، من أهل السنة والجماعة استدلوا بأدلة، من ذلك قوله تعالىٰ:  {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً}سورة : النبأ(23).  أي مُدداً طويلة. واستدلوا بمثل قوله تعالىٰ في أهل النار: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}سورة : هود(107). في حين أنه قال في الجنة:  {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}سورة : هود(108).  أي غير مقطوع، فهٰذا دل على استمراره وبقائه.

    لكن هٰذا وأمثاله مما استدل به من استدل من أهل السنة على أن النار تفنى، لا يتم الاستدلال به، بل هو مفسر بالآيات التي فيها الإخبار بتأبيد النار، وأنها باقية بقاءً لا زوال له.

    وقد ذكر الله جل وعلا تأبيد تعذيب النار في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة النساء حيث قال الله جل وعلا:  {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا}سورة : النساء(168-169). فذكر التأبيد:  {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا} .

    وذكر الله جل وعلا التأبيد أيضاً في سورة الأحزاب في قوله:  {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا}سورة : الأحزاب(64-65). .

     وذكر ذلك أيضاً في سورة الجن في قوله تعالىٰ:  {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}سورة : الجـن(23)..

    فهٰذه ثلاث آيات في القرآن الحكيم تدل على أن النار مؤبدة، فهٰذا التوضيح والتبيين يقضي على ما يوهمه قوله تعالىٰ:  {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}سورة : هود(107). ، وعلى قوله:  {لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً}سورة : النبأ(23).. ولذلك كان جمهور أهل السنة والجماعة على أن النار لا تفنى ولا تبيد، بل أهلها فيها إلى أبد الآباد.

    وأما الجهمية فإنهم قالوا بفناء الجنة والنار، وقالوا: إن الله يُفني الجنة ويفني النار.

     وهؤلاء كذّبوا بما دلت عليه النصوص، ولم يوفّقوا إلى خير.

    وهناك أقوال أخرى لا داعي للإسهاب  بذكرها، ذكرها أهل العلم رحمهم الله في شرحهم وبيانهم لأقوال المخالفين لأهل السنة والجماعة في هٰذه المسألة.

    إذاً الذي استقر عليه الأمر من دلالة الكتاب والسنة أن (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلا تَبِيدَانِ).

    ثم قال رحمه الله: (وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ). المراد قبل الخلق قبل خلق الإنس والجن، وليس أن الجنة والنار هي أول ما خلق الله  سبحانه وتعالى ، بل الذي دلت عليه النصوص أن الجنة والنار مخلوقتان قبل خلق الإنس والجن.

    يقول: (وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلاً). لا إشكال أنه خلق لهما أهلاً من الجن والإنس، ويُنشئ الله جل وعلا يوم القيامة خلقاً فيدخلهم الجنة، أما النار فإنه لا يدخلها إلا من استحق.

    قال: (فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ) من شاء الله جل وعلا (مِنْهُمْ) أي من الخلق (إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلاً مِنْهُ). وهٰذا من أحسن ما ذكر المؤلف رحمه الله في هٰذه المسألة، حيث بيّن أن دخول الجنة ليس بعمل الإنسان، بل هو فضل الله جل وعلا، وهٰذا معنى قول النبي  صلى الله عليه وسلم: ((واعلموا أنه لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة)) البخاري: كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة علىٰ العمل، حديث رقم (6464) ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لم يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تَعَالىٰ، حديث رقم (2816، 2817، 2818)  فالعمل لا يستقل بدخول الجنة، إنما فضل الله السابق واللاحق هو الذي يؤهل الإنسان لدخول الجنة.

    (وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ) أي من الخلق (إِلَى النَّارِ عَدْلاً مِنْهُ). فالنار لا يدخلها إلا من استحقها:  {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}سورة : الأنعام(128).  ،  {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}سورة : يونس (44). ،  {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}سورة : النحل(118) ،  {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}سورة : فصلت(46). والنصوص الدالة على نفي الظلم تدل على أنه لا يمكن أن يدخل النار أحد إلا ممن استحقها، ويرى أن الله جل وعلا لم يظلمه شيئاً، فهو إذا دخل يؤمن باستحقاقه، وأنه مستحق لأن يكون من أهل النار ومستحق لهٰذا العقاب الذي هو فيه، وإنما يطلبون التخفيف والرحمة:  {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}سورة : الزخرف(77). . وأيضاً يستجيرون بالملائكة، ويسألونهم أن يشفعوا لله  عزوجل  فيقولون:  {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ}سورة : غافر(49). . لكنهم لا يقولون: لسنا مستحقين، ظلمنا ربنا بدخولنا، بل يقولون:  {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ}سورة : المؤمنون(106).          . فهم يشهدون على أنفسهم بالدخول واستحقاق الدخول، فلا يدخل أحد النار أبداً إلا وهو من أهلها، نسأل الله  عزوجل  السلامة منها، ولذلك لا يهلك على الله إلا هالك.

    قال رحمه الله: (وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ).

    هٰذا من صلة ما تقدّم أن الخَلق يعملون لما فُرغ له بشأنهم، فهم يعملون وفق ما قُدّر لهم كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم لما سئل: ففيم العمل؟ قال: ((اعملوا، فكل ميسر لما خُلق له))البخاري: كتاب التفسير، باب {فسنيسره للعسرى} [الليل:10]، حديث رقم (4949)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ..حديث رقم (2647).  . فالله جل وعلا سبق علمه بأهل الجنة وبأهل النار على وجه الكمال، لا نقص ولا زيادة. والناس والخلق كلهم ميسّرون لما خلقوا له، ولذلك قال النبي  صلى الله عليه وسلم: ((اعملوا، فكل ميسر لما خُلق له)). وقد ذكر الله جل وعلا تيسير الناس إلى ما قُدر لهم في قوله:  {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}سورة : الليل(4). أي مختلف متنوع:  {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }سورة : الليل(5-10). وهٰذا فيه دعاء الناس إلىٰ العمل، وعدم الاتكال والاعتماد على سابق الكتابة والعلم، فإنه لا علم لأحد ما الذي  كُتب له هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ فلا حجة لأحد في سابق العلم والتقدير، إنما الحجة لله  عزوجل  على خلقه، حيث أمرهم ونهاهم، وسهل لهم ومكنهم من الاختيار والعمل.

    وهٰذا صلة ما تقدم فيما يتعلق بالجنة والنار، ومدخل لما سيبحثه في المقاطع التالية من الكلام على بعض مسائل القدر.

    يقول رحمه الله: (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ. وَالاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلامَةِ الآلاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:  {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(286). .

    نعم،يقول رحمه الله: (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ). لا شك في هٰذا، وقد مرت الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالىٰ:  {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}سورة : القمر(49). . فكل شيء في الكون مخلوق لله جل وعلا من خير أو شر، لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا شيء من شؤون الخلق، بل الجميع تحت قهره وقدرته وخلقه سبحانه وتعالى.

    وهٰذا الذي ذكره من تمام الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن النبي  صلى الله عليه وسلم ذكر في أصول الإيمان لما سُئل عن الإيمان قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره))مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان.. حديث رقم (08).. والقدر لا شك أن فيه خيراً وفيه شراً، لكن إعلم أن الشر الذي في القدر ليس هو فعل الرب جل وعلا، بل فعل الله جل وعلا خير لا شر فيه، إنما هو في المقدور المقضي المخلوق.

    ثم إن الشر في المقدور المقضي المخلوق شر نسبي ليس شرّاً محضاً.

    يقول رحمه الله بعد ذلك: (وَالاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ ). هٰذا من فروع ومسائل القدر، الاستطاعة، يقول: (وَالاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلامَةِ الآلاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ). يشير المؤلف رحمه الله إلى اختلاف الناس في الاستطاعة، والاختلاف هنا بين فريقين- بين المعتزلة القدرية وبين الجبرية الجهمية- في تعريف الاستطاعة، وهٰذا له صلة بمسألة هل يكلف الله جل وعلا الخلق بما لا يطيقون أو لا؟

    ننظر إلى الاستطاعة ما هي؟ يقول رحمه الله: (الاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ) ثم ذكر النوع الثاني من الاستطاعة، فالاستطاعة نوعان:

    استطاعة سابقة للفعل.

    واستطاعة مقارنة للفعل.

    الاستطاعة السابقة للفعل هي التي أناط الله جل وعلا بها التكليف. وتعريفها: هي ما يحصل به التكليف أو القدرة على الفعل دون ضرر راجح. كالقيام في الصلاة، والصيام الواجب، الاستطاعة عليه هي أن يقدر الإنسان على فعل هٰذا دون أن يلحقه ضرر راجح، فإن لحقه ضرر راجح فهو غير مستطيع.

    هٰذه الاستطاعة، هل هي سابقة للفعل أو ليست سابقة له؟ سابقة للفعل، لا إشكال، ولذلك هٰذا النوع من الاستطاعة لولا هو لما حصل التكليف، فهو مناط التكليف، وهو الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله في قوله: (وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلامَةِ الآلاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ). يعني بها يتعلق الأمر والنهي، (الْخِطَابُ) خطاب الشارع بالأمر والنهي. فهٰذا النوع به يتعلق أمر الله ونهيه، وهو المذكور في قول الله تعالىٰ:  {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}سورة : آل عمران(97). .ومنه قول النبي  صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب))البخاري: كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب، حديث رقم (1117) . فهٰذا النوع من الاستطاعة سابق للفعل، وبه يصح الأمر والنهي، وهو الذي يقر به القدرية، وينكره الجبرية، الجبرية ينكرون هٰذا النوع من الاستطاعة، لماذا؟ يقولون: لأنه لا قدرة للعبد على فعل شيء إلا ما أقدره الله عليه، فهم ينفون الاستطاعة. ولذلك هم –الجبرية- وقعوا في أي خلل؟

    وقعوا في الخلل في باب الأمر والنهي، فعطلوا الأمر والنهي؛ لأنه لا قدرة للعبد ولا استطاعة، إنما الفعل كله لله، والعبد حركاته إنما هي كحركات المرتعش وكحركات الشجر وكنبض العروق، لا اختيار له فيها ولا أثر.

    فهم أنكروا الاستطاعة السابقة للفعل، والذي أقر بها من؟ القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه.

    النوع الثاني من الاستطاعة هو الاستطاعة المقارنة للفعل، وهي بمعنى القدرة عليه، وهٰذا النوع يثبته الجبرية، وينفيه القدرية، فعندهم أن هٰذه القدرة لا تدخل في تقدير الله جل وعلا ولم يعلق الله بها شيئاً عند القدرية.

    وأما الجبرية فإنهم يثبتون هٰذا النوع من الاستطاعة.

    والذي عليه جمهور السلف والخلف ممن تبع الكتاب والسنة إثبات النوعين من القدرة:

    إثبات القدرة السابقة للفعل، وهي المصحّحة للأمر والنهي، وهي التي يتعلق بها الخطاب أمراً ونهياً.

    والاستطاعة المقارنة للفعل.

    وبهٰذا تجتمع النصوص، ويبطل قول القدرية نفاة خلق الله لأفعال العباد، وقول الجبرية الذين قالوا: لا فعل للعبد ولا قدرة ولا مشيئة، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، لا اختيار له ولا قدرة.

    قول الله تعالىٰ:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ }سورة : هود (20).، وقوله تعالى:  {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا}سورة : الكهف (101) في سورة الكهف، فهٰذه الآية والتي قبلها نفى الله جل وعلا فيهما الاستطاعة، فما هي الاستطاعة المنفية؟ هل الاستطاعة المنفية هي التي بمعنى القدرة على الفعل السابقة لوجوده؟ الجواب: لا، على قول من فصل القدرة بالسابقة والقدرة المقارنة، فتكون الاستطاعة المنفية هنا هي القدرة المقارنة للفعل:  {وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا}سورة : الكهف (101). . والآية الأخرى:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}سورة : هود(20). فالاستطاعة المنفية هي القدرة، يعني: ما كانوا يقدرون سمعاً وقت وجوب الاستماع، وما كانوا يستطيعون سمعاً أيضاً وقت الاستماع، فنفى القدرة، لا القدرة التي يحصل بها التكليف، هٰذا على قول من فصّل في القدرة.

    وأما قول جمهور السلف، وهو التفسير المشهور عند الأئمة أنّ النفي في الآيتين هو نفي.. ليست القدرة التي يحصل بها التكليف ولا القدرة المقارنة، إنما فيه إثبات مشقة ذلك عليهم؛ لفساد قصودهم وإراداتهم، وانحراف قلوبهم، فأصبحوا -لما في نفوسهم من الفساد، ولما في إراداتهم من الانحراف- لا يستطيعون سماع الحق ولا إبصاره ولا الأخذ به.

    أما على قول من يقول بالقدرة المقارنة فإنه يُفسِّر بها قوله تعالىٰ:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}سورة : هود(20). .

    ثم اعلم -بارك الله فيك- أن الأدلة دلت على إثبات هذين النوعين من الاستطاعة، وأن الاستطاعة التي تسبق الفعل هي التي يقترن بها التكليف، وهي مناطه، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ) أي التكليف.

    نرجع ونقرأ الكلام يقول: (وَالاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ) لأنها ليست منه، إنما من الله  عزوجل  الذي وفقه إليها (فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ) يعني مقارنة له، وهي المنفية في قوله:  {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}سورة : هود (20). .

    (وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ) يعني والقدرة (وَالتَّمَكُّنِ وَسَلامَةِ الآلاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ). وأهل السنة والجماعة يثبتون هٰذا وهٰذا.

    ثم قال: (وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:  {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(286). ). أي إلا ما تسعه وتقدره، وتطيقه، فالتكليف المنفي هنا هو التكليف السابق للفعل، وليس المقارن له.نعم.

    ثم قال:

    (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ.وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلاَّ مَا يُطِيقُونَ، وَلا يُطِيقُونَ إِلاَّ مَا كَلَّفَهُمْ).

    طيب. (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ). تقدمت أدلة هٰذا، وأن أفعال العباد خلق له جل وعلا، لا يخرج عن خلقه شيء، ومع كونها خلقه  سبحانه وتعالى  فهي كسب العباد، أي مضافة إليهم، وقد أضاف الله جل وعلا الأفعال إلى فاعليها:  {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}سورة : السجدة (17)، والأحقاف (14)، والواقعة(24). وما إلى ذلك من الآيات الكثيرة في القرآن التي يضيف الله جل وعلا فيها الفعل للعبد، فالفعل خلق الله جل وعلا وهو كسب للعبد، له عليه قدرة وله مشيئة، فالعباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وخالقون لأفعالهم حقيقة، وهم وأفعالهم خلق الله جل وعلا، فالعبد ذاته وفعله وصفته كلها خلق لله جل وعلا، وأفعال العبد كسبه، فهو الذي خلقها؛ أي هو الذي فعلها وباشرها بمشيئته وإرادته، تضاف إليه وتنسب حقيقة.

    فالعباد فاعلون لأفعالهم حقيقة تُضاف إليهم، لا على وجه المجاز كما يقوله من يقوله، وهي خلق الله جل وعلا لا تخرج عن خلقه، كما قال الله جل وعلا:  {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}سورة : التكوير(28-29). . فأثبت في هٰذه الآية للعبد مشيئةً وفعلاً، فقال:  {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}سورة : التكوير (28). فأثبت مشيئة للعبد وفعلاً للعبد، ثم أخبر أن مشيئة العبد لا تخرج عن إرادة الله  عزوجل، بل مشيئته  سبحانه وتعالى  محيطة بفعل العبد ومشيئته، لا خروج للعبد عن مشيئة الله عز وجل كما قال  سبحانه وتعالى :  {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}سورة : الإنسان (30) .

     وقوله رحمه الله: (وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) رد على الأشاعرة وعلى الجبرية.

    الأشاعرة يقولون قولاً عجيباً في هٰذا الأمر، يقولون: الأفعال خلق للرب كسب للعبد، قيل لهم: ما معنى الكسب؟ قالوا:معنى الكسب أنها  تضاف إليه مجازاً، وإلا فإن العبد لا قدرة له على فعله. فهم أثبتوا أنها كسب العبد، ونفوا قدرة العبد على فعل نفسه، فأتوا بقول من أعجب الأقوال.

    ولذلك عُدّ هٰذا القول من محالات الأقوال، التي تحيلها العقول، وهي ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم.

    ثم قال رحمه الله: (وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلاَّ مَا يُطِيقُونَ). أي:لم يكلف الله جل وعلا الخلق إلا ما يستطيعون، كما قال الله جل وعلا:  {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(286). ، وكما قال:  {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(233). . فأخبر الله جل وعلا بأنه لا يكلف الناس ما لا يطيقون، كما قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ:  {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}سورة : البقرة(286). ((قال الله جل وعلا: قد فعلت)). كما في صحيح مسلممسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث رقم (125).. فإن الله فعل ما دعا به المؤمنون:  {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . فدل ذلك على أن الله جل وعلالم يكلف عباده إلا ما يطيقون، يعني إلا ما يستطيعونه ويطيقون حمله.

    قال: (وَلا يُطِيقُونَ إِلاَّ مَا كَلَّفَهُمْ). هٰذه الجملة فيها إشكال؛ لأن مفهومها أنهم لا يطيقون إلا ما جرى به التكليف، فالتكليف مساوٍ وموازٍ وقد بلغ المنتهى في الطاقة، وهٰذا ليس بصحيح، بل التكليف دون الطاقة، ويدل لذلك قول الله تعالىٰ:  {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(286). . انظر في قوله تعالى:  {إِلاَّ وُسْعَهَا} . وهٰذا يفيد معنى السَّعة، وأنه ليس في التكليف ما يحصل به على الإنسان ضيق أو حرج، بل التكليف فيه سعة وانشراح، ولا يلحق المكلَّف به ضيق أو حرج، ولذلك نفى الله جل وعلا الحرج في الدين فقال سبحانه وتعالى:  {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}سورة : الحج(78). . فنفى الله جل وعلا الحرج، بل أثبت التخفيف في قوله تعالى:  {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} سورة : النساء(28).،  {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}سورة : البقرة(185).  {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}سورة : الحج(78). . والأدلة في هٰذا كثيرة، بل من أصول الدين نفي الحرج.

    ولا يمكن مع هٰذا أن نقول: (وَلا يُطِيقُونَ إِلاَّ مَا كَلَّفَهُمْ). بمعنى أنه لو زاد قليلاً لخرج عن الطاقة، ثم إنه في الواقع أن الإنسان يكلف ما يطيقه، لكن يلحقه به مشقة وهٰذا ليس في الشريعة منه شيء، فمثلاً لو قيل لك: احمل هٰذا الدولاب، تطيق أن تحمله، لكن فيه عليك مشقة وحرج، فهٰذا لا يخرج عن الطاقة، وتكاليف الشريعة في الجملة ليست كهٰذا، إنما تكاليف الشريعة في الجملة هي مما يطيقه الإنسان ولا يلحقه بفعله حرج أو ضيق. وانتبه للسر في قوله تعالىٰ:  {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}سورة : البقرة(286).. والوُسع يقتضي السعة والراحة والانشراح.

    فهٰذه الجملة المؤلف رحمه الله لعله أراد تأكيد معنى (وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلاَّ مَا يُطِيقُونَ)، لكنه لم يحرّر العبارة، فالعبارة فيها إشكال.

    على أن بعضهم قال: (وَلا يُطِيقُونَ إِلاَّ مَا كَلَّفَهُمْ) فسر الطاقة هنا بالقدرة المقارنة للفعل، لكن هٰذا فيه تكلف.

    وقد علق شيخنا الشيخ عبد العزيز رحمه الله على هٰذه العبارة بأن فيها نظراً، والنظر ما بيناه وفسرناه.

    ثم قال رحمه الله: (وَهُوَ تَفْسِيرُ: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ". نَقُولُ: لا حِيلَةَ لأَحَدٍ، وَلا حَرَكَةَ لأَحَدٍ، وَلا تَحَوُّلَ لأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلا قُوَّةَ لأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلاَّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى).

    قال رحمه الله: (وَهُوَ تَفْسِيرُ: "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"). المشار إليه ما تقدم من تقرير مسائل القدر، ولا شك أن قول: (لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) من أعظم الأدلة على إثبات القدر، ومن أعظم الأدلة في الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه.

    لأن معنى قوله: (لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) ما قاله المؤلف: (نَقُولُ: لا حِيلَةَ لأَحَدٍ). فالحول اسم للتحوّل وهو الانتقال من حال إلى حال، وهٰذا يشمل كل الأحوال: الظاهرة، الباطنة، العامة، الخاصة، لا تحوّل لأحد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك التحول إلا بالله العلي العظيم، فكل حركة وسكون، كل انتقال وتغيّر، كل تحول فإنه بمشيئة الله وقدرته. لا قدرة للعبد على ذلك مهما أُوتي من القدرة والمكنة والاستطاعة إلا بتقدير الله جل وعلا، لا حيلة لأحد.

    يقول: (وَلا حَرَكَةَ لأَحَدٍ، وَلا تَحَوُّلَ لأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلا قُوَّةَ لأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلاَّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ). وهٰذا فيه كمال التفويض لله جل وعلا، وهٰذه الجملة من الجمل التي لا تخصيص لها، العموم فيها على إطلاقه، لا مخصص له. وقد جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم في فضلها أنها كنز من كنوز الجنة، وذلك لما تتضمنه من تمام الإخلاص والتفويض والإيمان بالله جل وعلا، ولما فيها من الخير العظيم لمن اعتقد معناها، وقرّ في قلبه مقتضاها ومفادُها.

    فإنه مما يعين الإنسان على الانتقال من حال إلى حال استحضار هٰذا، ولذلك لها تأثير عجيب في تحمل المشاق، وفي ركوب الأهوال، وفي تحصيل المطالب، ومن لزمها وفِّق إلىٰ خير كثير، ويكفي في فضلها أن النبي  صلى الله عليه وسلم سماها كنزاً، فقال لأبي موسى: ((ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟)) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، حديث رقم (4205) مسلم: كتاب الذكر والدعاء التوبة، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم (2704).

    والكنز اسم لنفيس المال الذي يخفى على الناس نفعه، وهٰذا هو المطابق لهٰذه الكلمة، فإنّ الكنز لا يطلق على المال الظاهر الذي يدركه كل أحد، إنما ما خفي من المال وليس فقط ما خفي، ما خفي وكان نفيساً، فملازمة هٰذه الكلمة من أنفع ما يكون للعبد.

    والمقصود من سياق المؤلف رحمه الله لهٰذه الكلمة في هٰذا الموضع هو بيان ما يدل على قوله رحمه الله: (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ). فهي مقررة لإثبات القدر.

     ثم يقول رحمه الله: (وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا، وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا، تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ،  {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}سورة : الأنبياء(23). ).

     هٰذا فيه تقرير ما تقدم من الإيمان بالقدر، قال رحمه الله: (وَكُلُّ شَيْءٍ) في الكون (يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ). ولا يؤمن أحد بالقدر إلا بذلك: أن يؤمن بأن كل شيء بعلم الله وكتابته وخلقه ومشيئته، فلا شيء خارج عن هٰذا.

    (غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا). ولا إشكال، قال الله جل وعلا:  {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ}سورة : الإنسان (30)، التكوير (29).        . فمشيئة الله محيطة بمشيئة الخلق.

    (وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا). فإذا لم يقض الله جل وعلا الأمر فمهما احتال عليه المرء فإنه لا يحصّله، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالىٰ، تقدست أسماؤه (وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا):  {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}سورة : يونس (44).، ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً))مسلم:  كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (2577).

    (تَقَدَّسَ) أي تنزه وتطهر وتعالى جل وعلا (عَنْ كُلِّ سُوءٍ) أي عن كل عيب، وعن كل شر (وَحَيْنٍ) وهو في معنى السوء والشر والعيب والظلم.

    (وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ) فلا شيء مثله تقدست أسماؤه، سبحانه وبحمده،  {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} . بل من سأل الله: لم فعلت كذا؟ فقد اعترض على الرب جل وعلا:  {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .

    وإذا اجتمع في قلب العبد هٰذه المعاني سَلِم من كل ما يمكن أن يعرض له في باب القدر، وأحسن المؤلف رحمه الله حيث ختم ما يتعلق بمسائل القدر في هٰذا المقطع بنفي الظلم عن الرّب جل وعلا، ونفي لحوق العيب والسوء والشين والحين له سبحانه وتعالى، ثم قال:  {لا يُسْأَلُ}  حتى يقطع اعتراض المعترضين  {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .

    وقد جاء رجل إلى أبيّ بن كعب  رضي الله عنه  فقال: في نفسي شيء من القدر، فحدثني حديثاً يذهب الله به عني ذلك. فقال  رضي الله عنه  مقولة عظيمة تبين عظيم فقه الصحابة  رضي الله عنهم  ، قال له: إن الله لو عذّب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، واعلم أنه لو كان لك مثل أحد ذهباً فأنفقته في سبيل الله لم ينفعك حتى تؤمن بالقدر، وأنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك . قال ابن الديلمي -وهو الذي سأل أبي بن كعب-: فسألت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، كلهم أجابني بمثل ما أجابني أبيّ. وهٰذا الأثر حسن كما قال شيخ الإسلام رحمه اللهسنن أبي داوود: كتاب السنة، باب في القدر حديث رقم (4699) سنن ابن ماجه: المقدمة، باب في القدر، حديث قم (77). قال الشيخ الألباني: صحيح..

    يدلّ على عظيم فقه الصحابة، وأنه لا سلامة للعبد من لوثات ما يعْلق في قلبه ويلقيه الشيطان مما يتعلق بالقدر إلا باعتقاد كمال عدل الله جل وعلا، وأنه سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً.

    ومع هٰذا يؤمن بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه جل وعلا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    ويكفي في هٰذا ما قاله رحمه الله في أول كلامه في القدر: (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ).

    نقف على هٰذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    التفاصيل
    0
    491
  • الدرس(17) من شرح العقيدة الطحاوية
  • بسم الله الرحمـٰن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

    (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً، وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجمعين.

    وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ).

    التعليق:

     الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله: (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً) هٰذه معطوفة على قوله: (وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ). وهٰذا المقطع من هٰذه الرسالة فيه ذكر ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيما يتعلق باليوم الآخر، وتقدم لنا أن اليوم الآخر هو كل ما أخبر الله سبحانه وتعالى به ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون بعد الموت، ومن أول ما يكون بعد الموت ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العذاب والنعيم الذي يكون للناس في قبورهم، فإن الناس في قبورهم معذبون أو منعمون.

    يقول رحمه الله: (وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً). أي نؤمن بعذاب القبر، (لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلاً) أي لمن كان له مستحقّاً، واكتفى بذكر عذاب القبر؛ لأنه محلّ إنكار من أنكر من المعتزلة وأشباههم الذين أنكروا عذاب القبر، وعذاب القبر ثابت ثبوتاً لا مرية فيه، والكلام في العذاب والنعيم.

    وقد دلت الأدلة على عذاب القبر ونعيمه.

    أما الكتاب ففيه من الأدلة ما تقدم ذكر بعضها، من ذلك قول الله جل وعلا:  {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}  ثم قال:  {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}  فهم أنّ ما قبل وهو العرض قبل قيام الساعة  {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}سورة : غافر (45-46). . وأما السنة فإن الأحاديث في عذاب القبر متواترة لا ينكرها إلا منكر، فأدلة ثبوت عذاب القبر في السنة مستفيضة، قد بلغت حد التواتر، واشتهر ذلك عند الصحابة اشتهاراً لا يمكن إنكاره، ففي كلامهم مما يدل على إيمانهم بأن القبر محل للعذاب والنعيم ما لا يمكن دفعه، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم، وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ). فقول المؤلف رحمه الله: (وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ليس فيه أن ثبوت ذلك إنما كان عن طريق الصحابة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كسائر الأمة يتلقون عن النبي  صلى الله عليه وسلم، وليس قولهم حجة، لكن إجماعهم حجة، أي ليس قول أحدهم حجة، إلا من جعل النبي  صلى الله عليه وسلم قوله متبعاً وجعل له سنة متبعة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الخلفاء الراشدين المهديين، فإن لهم من الخصوصية ما ليس لغيرهم، لكن قوله رحمه الله: (وَعَنِ الصَّحَابَةِ) أي إن هٰذا الأمر تُلُقِّيَ عن الصحابة تلقياً مستفيضاً حتى صار مجمعاً عليه عندهم، فهو كما لو قال: على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم وأجمعت عليه الأمة، فإنه قد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على نعيم القبر وعذابه.

    ومن ينكره إنما ينكره بعقله، ليس له دليل، وليس له مستند يعتمد عليه في نفي العذاب والنعيم في القبر.

    واعلم أن العذاب والنعيم في القبر غالبه على الروح، وقد ينال البدن من ذلك شيء، دليل أن البدن يناله من التعذيب والتنعيم شيء ما جاء في ضمة القبر، وأن القبر ينضم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه، فدلّ ذلك على أن البدن يناله مما ذُكر في القبر من نعيم وعذاب، وهٰذه الضمة كتبها الله على كل أحد: ((لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ))أورده الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1695)، وقال: رواه البغوي والطحاوي وأخرجه أحمد، ورجال إسناده ثقات غير امرأة ابن عمر لم أعرفها والظن بها حسن. وقال بعد أن سرد الطرق والشواهد: وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تَعَالىٰ أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    والعذاب في القبر ينقسم إلى قسمين: عذاب دائم لا انقطاع له، وهٰذا عذاب أهل الكفر والشرك، وقد يكون لبعض أهل المعاصي، وهم من عظمت ذنوبهم واشتدت خطاياهم، أما دليل دوامه فقول الله جل وعلا:  {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}  إلى متى؟  {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}سورة : غافر (45-46). . فدل ذلك على أن هٰذا العرض وهٰذا العذاب مستمر بهم، ويدل له أيضاً حديث ابن عباس في الصحيحين في القبرين اللذين مر النبي  صلى الله عليه وسلم عليهما ثم قال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه -في رواية:-لا يستتر من البول)) البخاري: كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول، حديث رقم (218). . وهٰذا في عقوبة أهل المعاصي، لأنه إنما ذكر معصيتين، ولو كان عندهما شرك أو كفر لاستقل بالذكر، ولما كانت هٰذه المعاصي موجبة لهٰذا العذاب الدائم، لكن فيما يظهر أنهما قبرا رجلين مسلمين. على كل حال الشاهد في الحديث أن النبي  صلى الله عليه وسلم أخذ جريدة رطبة فوضعها على القبر، ثم لما سئل عن ذلك قال: ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)). فدل ذلك على استمرار العذاب، وأن ما جرى ببركة وضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هٰذه الجريدة الرطبة هو مجرد تخفيف لا رفع.

    وأما القسم الثاني من العذاب فهو العذاب المنقطع الذي يكون لأهل السيئات والمعاصي، فيعذبون بقدر ما يكون معهم من السيئات.

    ثم هٰذا التعذيب الذي يكون في القبر -نسأل الله السلامة منه- يخفف به عن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فلا يؤاخذون بسيئاتهم يوم القيامة، ويكون ما نالهم من عذاب القبر مكفراً لهم حاطّاً لسيئاتهم وخطاياهم، كما أن التنعيم والتعذيب في القبر متفاوت تفاوتاً عظيماً لا يدرك حَدُّهُ، وذلك بتفاوت أعمال الناس في الصلاح والفساد، في الحسنة والسيئة.

    ثم قال رحمه الله: (وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ). نؤمن بسؤال منكر ونكير، وهٰذه هي الفتنة التي تكون لأهل القبور، وهي فتنة عظيمة، ليست في السهولة كسهولة قراءتها ومطالعتها وسماعها، إنما هي فتنة عظيمة، ولذلك كان من السؤال المتردد: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر))البخاري: كتاب الدعوات، باب الاستعاذة من فتنة الغنى، حديث رقم (6376). فمن فتنة القبر ما يكون من سؤال منكر ونكير، وقد جاء ذلك -أي الدلالة على هٰذا السؤال- جاء في السنة مستفيضاً متواتراً، فسؤال منكر ونكير لصاحب القبر جاءت به السنة وبلغ حد التواتر، فلا سبيل لإنكاره، ومن ينكر عذاب القبر ينكر السؤال، وسؤال منكر ونكير بينه المؤلف رحمه الله: (عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيِّهِ). فالسؤال والفتنة مدارها على هٰذه الأشياء الثلاثة: يسأل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه.

    وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هٰذه الفتنة: هل هي لكل الأمم، أو لهٰذه الأمة؟ والظاهر أنها لكل الأمم، وكل أمة تسأل عن نبيها.

    واختلفوا في الأنبياء: هل تنالهم هٰذه الفتنة أو لا؟ والصحيح أنهم لا يسألون؛ لأنهم هم المسؤول عنهم.

    واختلفوا فيمن لا عقل له، أو من لم يكلف كالصغار والمجانين: هل يسألون أو لا؟ على قولين لأهل العلم.

    المراد أنه وقع الخلاف في بعض الناس، ولكن ثبوتها للمكلفين من غير الأنبياء والشهداء أمر متفق عليه.

     ومما اختلف فيه أهل العلم تسمية الملكين، فالمؤلف رحمه الله ذكر اسمين لملكين كريمين: منكر ونكير، وقد اختلف العلماء في ثبوت هٰذه التسمية، مع اتفاقهم على الفتنة، وأن الذي يتولاها ملكان، والأمر في هٰذا سهل.

    فمن العلماء من قال: إنه لم يثبت حديث يستند إليه في تسمية الملكين، فنؤمن بأنهما ملكان تجري على أيديهما الفتنة دون تعيين لاسميهما.

    والصحيح أن هذين الاسمين ثابتان كما في الترمذي وفي صحيح ابن حبان بسند لا بأس به، فهٰذه التسمية ثابتة لهذين الملكين: منكر ونكير، ولا غرابة في هذين الاسمين، فهٰذان الاسمان لا يتضمنان قدحاً في الملكين؛لأن منكر ونكير باعتبار ما يفجأ الإنسان في قبره، فلهما من المنظر ولهما من المخبر في السؤال ما ينكره الإنسان ويزعج قلبه ويفزعه، فلذلك سميا بهذين الاسمين، وليس قدحاً لهما، ولا يتضمن هٰذا الاسم ذمّاً لهذين الملكين الكريمين.

    وقوله رحمه الله: (وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ) كقوله: (بِعَذَابِ الْقَبْرِ) لا يختص هٰذا بالقبر، ولكن لما كان غالب ما يجري من سؤال منكر ونكير والعذاب في القبور التي هي مدافن الموتى أضيف العذاب والسؤال إليهما، لكن من لم يدفن أو من احترق أو من أكلته السباع أو من غرق في البحار، هل يجري له ما ذكر؟ الجواب: نعم، يجري له ما ذكر من العذاب إن كان مستحقّاً للعذاب، ومن النعيم إن كان مستحقّاً للنعيم، كذا يجري له ما ذكر من سؤال منكر ونكير.

    ثم قال رحمه الله: (وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ). هٰذا فيه انقسام الناس في القبور إلى منعم ومعذب، القبر أي مدفن الموتى (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) والروضة تطلق في لغة العرب على ما كثر ماؤه وحسنت خضرته واتسع مكانه، فالمكان الفسيح المتسع الذي يكثر ماؤه وخضرته يسمى في كلام العرب روضة، والقبر لا إشكال أنه منزل من منازل الآخرة، يكون فيه من التنعيم ما يصدق عليه أنه روضة من رياض الجنة؛ لأنه إذا مات الإنسان ودفن يرى مقعده من الجنة إن كان من أهل الجنة، ويرى مقعده من أهل النار إن كان من أهل النار، فلذلك كان ما يكون في القبر من التنعيم هو شيئاً مما وعده أهل الإيمان؛ لأنه يعرض له مكانه، وليس في هٰذا أن الجنة تكون في القبر، لكنه يعرض له ما يكون في الجنة من النعيم.

    ثم إن الروح ليست ملازمة للبدن، بل هي في الجنة إن كانت من أرواح المؤمنين، وفي سجين إن كانت من أرواح أهل الجحيم نعوذ بالله من الخسران.

     وكذلك (أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ) والنار فيها حفر؛ ولذلك قال الله جل وعلا:  {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ}سورة : آل عمران (103). .فالنار فيها حفر، وهٰذا يدلك على أنها ليست مستوية، بل فيها من التنكيل والتنغيص وسوء المآل ما الله به عليم، فإن الطريق في الدنيا الطريق الذي فيه حفر يعافه الإنسان ويكرهه؛ لما فيه من المضار والمشاق، فكيف إذا كانت هٰذه الحفر تلتهب على أهلها؟ نعوذ بالله من الخسران.

    والإنسان إذا نظر إلى ما أخبر الله به ورسوله مما يكون بعد الموت من النعيم والعذاب حمله ذلك على الاستكثار من الطاعات والتخفف من السيئات؛ لأنه لا بد أن يرد هٰذا المورد، فهٰذا المورد كل سيرده، ولكن نسأل الله أن يكون وروداً مستقيماً وصدوراً إلى جنة عدن.

     ثم قال رحمه الله:

    (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَرْضِ وَالْحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ).

    يقول رحمه الله: (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). (نُؤْمِنُ) نعتقد مقرين منقادين قابلين ما جاءت به النصوص من الخبر بالبعث، والبعث هو الإحياء بعد الإماتة، وهٰذا البعث لا ينكره مؤمن، بل من أنكره فهو كافر، وقد أقام الله جل وعلا من الأدلة في كتابه وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يدل عليه دلالة واضحة، وكل من أنكر البعث فإنه كافر بالله رب العالمين، ولم يذكره المؤلف رحمه الله، هٰذه العقائد ليست لتمييز عقائد أهل الإسلام عن أهل الكفر، فلماذا ذكر المؤلف رحمه الله البعث في جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة؟ ذكر ذلك ليرد على المنحرفين من الفلاسفة المنتسبين للإسلام الذين يقولون: إن  البعث ليس بعثاً للأجساد، إنما هو بعث للأرواح فقط، وأما بعث الأجساد فليس كائناً ولا واقعاً.

    إذاً ذكر البعث في جملة اعتقاد أهل السنة والجماعة ليرد على من أنكر بعث الأجساد وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن ما أخبرت به الأنبياء إنما هو تخييل. يعني وهْم ليس له حقيقة، خيال، وإلا فالبعث لا يكون للأبدان، إنما يكون للأرواح، وعلى هٰذا ابن سينا ومن سار في طريقه من المتفلسفة المنتسبين للإسلام، فإنهم ينكرون البعث الذي أخبرت به الرسل من بعث الأرواح والأبدان، والذي تعاد فيه الأرواح إلى الأجسام، ويقوم فيه الناس لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً، وهٰذا يدل على أن البعث للجسد والروح، وبهٰذا البعث يكتمل اقتران الأرواح بالأبدان؛ لأن اقتران الأرواح بالأبدان متفاوت:

    ففي الدنيا الحكم للبدن، والروح تابع.

    وفي البرزخ الحكم للروح، والبدن تابع.

    وفي الآخرة يكمل اقتران الروح بالبدن: فما يكون من نعيم للبدن ينال الروح منه نفس النصيب، وكذلك العكس؛ لكمال الاقتران بين الأرواح والأبدان يوم القيامة.

    يقول: (وَنُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ) هٰذا البعث ما حكمته؟ ما غايته؟ ما المراد منه؟ ما ذكره رحمه الله في قوله: (وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). أي ونؤمن بجزاء الأعمال؛ لأن البعث ليس لمجرد البعث، بل هو للجزاء؛ ليلقى الإنسان مقابل عمله، فقول المؤلف رحمه الله: (وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). الجزاء في اللغة هو الغنى والكفاية، وهو ما يكون مقابل العمل، وقوله رحمه الله: (الأَعْمَالِ) جمع عمل، والعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ:  {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}سورة : النساء (123).،  {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}سورة : طه (112)..فالعمل يطلق على العمل الصالح والعمل السيئ، والغالب في العمل أن يكون مقترناً بنية، خلافاً للفعل، فالفعل قد لا يكون بنية، ولذلك لم يذكر الله جل وعلا في كتابه الإثابة على الأفعال، إنما الإثابة للأعمال، والعمل يصدق على العمل الظاهر والعمل الباطن والقول وعمل الجوارح، كل هٰذا يصدق عليه أنه عمل. جزاء الأعمال أي ثوابها ومقابلها:الإساءة بمثلها،والإحسان بفضل الله الواسع العظيم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يعني يوم يقوم الناس لرب العالمين، سمي يوم القيامة بهٰذا الاسم لماذا؟ لأنه تقوم فيه الأبدان لرب العالمين، قال الله جل وعلا:  {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}سورة : المطففين (6). .وأيضاً سمي بيوم القيامة لأنه يقوم فيه الأشهاد، فالأشهاد يقامون ويشهدون، ولأنه أيضاً تقام فيه الموازين، فيوزن فيها الأعمال والعمّال كما سيأتي.

    إذاً (جَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ثم قال: (وَالْعَرْضِ). أي ونؤمن بالعرض، والعرض هنا فسره بعض العلماء بالعرض على رب العالمين، كما قال الله جل وعلا:  {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}سورة : الحاقة (18). . وكقوله تعالىٰ:  {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}سورة : الكهف (48).. فالناس يعرضون على الله جل وعلا؛ بل الخلق كلهم يعرضون يحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم ما يشاء.

    وقيل: العرض هنا هو ما يكون لأهل الإيمان من عرض أعمالهم عليه دون محاسبتهم عليها، فيعرض على المؤمن ما يكون من عمله، ولا يؤاخذ على السيئات، بل يقرر بما كان منه من عمل دون مؤاخذة، ومنه قول النبي  صلى الله عليه وسلم: ((من نوقش الحساب عذب)). فقالت عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها مستشكلة قوله تعالىٰ:  {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}سورة : الانشقاق (8).: كيف هٰذا وقد قلت: من نوقش الحساب عُذب؟ فقال لها النبي  صلى الله عليه وسلم : ((إنما ذلك العرض))البخاري: كتاب العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه، حديث رقم (103)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إثبات الحساب، حديث رقم (2876). يعني يعرض عليه عمله الصالح فيسر به، ويعرض عليه عمله السيئ الذي لم يتب منه، أما ما تاب منه فإن التوبة تهدم ما كان قبلها -وهٰذا من فضل الله ورحمته-؛ لأنه إذا وقع الإنسان في سيئة ثم تاب منها لم تعرض عليه وكأنه لم يفعلها، تمحى من كتابه، فضل الله واسع، لكن ما لم يتب منه من الذنوب يعرض عليه، فيقول له الرب جل وعلا، والعرض عرض خفي، ليس عرضاً معلناً، بل ((يدنيه الله جل وعلا)) كما في صحيح مسلم ((ويضع عليه كنفه -أي ستره- ويقرره بذنوبه، ثم يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم))البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: {ويقول الأشهاد هٰؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الكاذبين} ، حديث رقم (4685)، مسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، حديث رقم (2768). وهٰذا فضل الله، نسأل الله من فضله.

    يقابل هـٰذا حال الكافر الذي يشاد بعمله، يشاد أي يعلن وينادى بعمله السيئ على رؤوس الخلائق، فقوله: العرض يحتمل هٰذا ويحتمل هٰذا. ثم قال: (وَالْحِسَابِ). يعني ونؤمن بالحساب، والحساب هو المحاسبة مأخوذ من المحاسبة، والمحاسبة أصلها مأخوذ من العد والإحصاء، والمراد بالمحاسبة ما يكون من المناقشة وما يكون من العرض، فإن العرض يطلق عليه الحساب ،كما قال الله جل وعلا:  {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا }سورة : الانشقاق (8). فإذا قلنا: نؤمن بالعرض أي العرض الذي يكون لجميع الخلائق على رب العالمين:  {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}سورة : الكهف (48). وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عرض الخلق على الله عز وجل.

    فيكون الحساب هنا شاملاًُ لنوعين:

    الحساب الذي هو الموازنة بين الحسنات والسيئات.

    والحساب الذي هو العرض للسيئات دون المؤاخذة بها.

    والحساب الذي بمعنى الموازنة لا يكون إلا لأهل الإسلام،أما أهل الكفر فإنه لا توزن حسناتهم، بمعنى أنها لا توزن أعمالهم كموازنة الأعمال التي فيها حسن وسيئ؛ لأنه لا حسنات لهم. قال الله جل وعلا:  {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}سورة : الفرقان (23. وإنما الحساب المضاف إلى أهل الكفر حساب العرض لأعمالهم السيئة وتوبيخهم عليها وتقريرهم بها وتقريعهم بها، هٰذا الذي يكون من الحساب للكفار.

    أما حساب الموازنة بين الحسنات والسيئات فلا يكون لأهل الكفر؛ لأنه لا حسنات لهم فتوزن، بل قال الله جل وعلا:  {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}سورة : الفرقان (23).

    الحساب نؤمن به بمعنى الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهٰذا لأهل الإسلام، ونؤمن به أيضاً بمعنى العرض، وهٰذا يكون لأهل الإحسان، وبمعنى عرض التوبيخ والتقريع، وهٰذا لأهل الكفر.

    ثم قال رحمه الله: (وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ). أي نؤمن بقراءة الكتاب، فكل إنسان يقرأ كتابه يوم القيامة، قال الله جل وعلا:  {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}سورة : الإسراء (13-14).. وقد ذكر الله جل وعلا انقسام الناس في قراءة الكتاب:  {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيهْ}سورة : الحاقة (19).  {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ}سورة : الحاقة (25-26). لما فيه من السوء والعذاب الذي يسوؤه يوم القيامة، نسأل الله السلامة.

    نؤمن بقراءة الكتاب؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك.

    قال: (وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ). وهٰذا يعقب ما تقدم، الثواب والعقاب مرتب على العرض والحساب وقراءة الكتاب، ولذلك أهل اليمين -نسأل الله أن نكون منهم- إذا أخذوا كتبهم فرحوا بذلك فرحاً عظيماً حتى أن أحدهم يقول:  {هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيهْ}سورة : الحاقة (19).. أي خذوا أو هلموا اقرؤوا كتابي، وهٰذا يا إخواني له نظير في الدنيا: ما يحصله الناس من الشهادات على دراساتهم وأعمالهم، إذا كانت الشهادة حسنة والتفوق فيها ظاهراً تجده يبرزها عند كل أحد، يرغب أن يقرأ كتابه، وإذا كانت الأخرى أخفاها وسترها، نسأل الله فوز الآخرة.

    (وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ). أي يوم القيامة، ويكمل الثواب والعقاب بالاستقرار في الجنة أو النار.

    ثم قال رحمه الله: (وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ). أي نؤمن بالصراط والميزان، والصراط فِعال كَكِتاب، فعال بمعنى مفعول، وهو ما ضربه الله جل وعلا من الجسر على جهنم، فالصراط هو الجسر المضروب على متن جهنم، متن جهنم يعني ظهرها، ومن هٰذا نعلم أن المرور على الصراط لا يلزم منه دخول النار، بل هو ورود كما قال الله جل وعلا في قوله:  {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} سورة : مريم (71). لكن الورود لا يلزم منه الدخول.

     وهٰذا الصراط ورد في وصفه أنه أدق من الشعر وأحد من السيف وأحر من الجمر، وورد في وصفه أنه دحض مزلّة.

    والأصل في الصراط أنه الطريق المتّسع، وعلى كل حال هو جسر على متن جهنم لا يضرّ دقته وحِدَّتُه أهل الإيمان، كما أنه لا ينفع سعته -إذا قيل بسعته- أهل العصيان؛ لأن الناس سيرهم في ذلك الموقف وفي هٰذا الاجتياز على حسب الأعمال، ليس على حسب سعة الطريق وضيقه.

    والناس متفاوتون في اجتيازهم هٰذا الصراط: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح الشديدة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً،ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من تخطفه الكلاليب، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهٰذا التفاوت العظيم في السير هو بتفاوت الناس في سيرهم إلى الله جل وعلا في هٰذه الدنيا، فبقدر ما مع الإنسان من العلم النافع والعمل الصالح بقدر ما يحصل له من السرعة، فمطايا الناس يوم القيامة أعمالهم: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه))مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، حديث رقم (2699 فمن أخره عمله لم ينفعه شيء، وإنما ذكر النسب لأن النسب يمشي مع الإنسان،يكون معه يوم القيامة، فإنه ينسب إلى أبيه حتى في القيامة، أما المال والمنصب والجاه فكله يزول، فذكر النسب في الحديث: ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه))؛ لأن النسب باقٍ مع الإنسان حتى وهو في النار-نسأل الله السلامة والعافية- بمعنى أنه ينسب إلى أبيه، فهٰذا الذي بقي معه يوم القيامة وهو نسبته إلى قبيلته أو إلى أهله أو إلى أبيه أو إلى عشيرته لا تنفعه يوم القيامة، إذا لم يكن له عمل صالح يجوز به. ثم قال: (وَالْمِيزَانِ). أي ونؤمن بالميزان، والميزان اختلف العلماء -رحمهم الله- هل هو واحد أو متعدد؟ بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الميزان ميزان حقيقي له كفتان يزن الله بهما الأعمال، ودلت الأدلة أنه توزن السجلات، وأنه يوزن العمال، فالوزن ورد أنه للعمل وهٰذا هو الأصل، وورد أنه للسجلات الحاوية للأعمال، وورد أنه للعمال أي للعاملين، كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم في ابن مسعود لما ضحك الصحابة من دقة ساقيه، قال: ((إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد))مسند أحمد (تحقيق أحمد شاكر): مسند عبد الله بن مسعود، حديث رقم (3991). قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.  وهٰذا الثقل ثقل الأعمال، وأما الكفار فقال الله جل وعلا عنهم:  {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا }سورة : الكهف (105). فيأتي الرجل العظيم من أهل الكفر وزناً وثقلاً في الدنيا لا يقيم الله له وزناً في ذلك الموقف؛ لأن الوزن في حقيقته للعمل.

    وقد أنكر الميزان المعتزلة وأشباههم حيث قالوا: الميزان كناية عن العدل، فالمراد بالميزان في قوله تعالىٰ:  {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}سورة : الأنبياء (47). الميزان هو العدل، وهم في هٰذا كاذبون محرفون للقرآن.

    نقف على هٰذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    468
مقالات
  • أهمية الاستعداد لاستقبال مواسم الطاعات
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمن المهم لكل مؤمن ومؤمنة، لكل فرد في هذا الكون أن يعلم أنه إنما خلق لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، الله جل وعلا يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات:56، ويقول سبحانه وبحمده: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}الملك:2، فهذه الدنيا هي دار عبادة وابتلاء واختبار، وقد كلف الله تعالى العباد فيها بألوان وأنواع من التكاليف، ونحن لم نُخلق إلا لغايةٍ عظمى ومقصد أسمى، ألا وهو تحقيق العبودية لله تعالى، فلا تقرُّ حياة الناس ولا تستقيم دنياهم ولا تصلح آخرتهم، ولا تسعد قلوبهم ولا يدركون شيئاً من الطمأنينة والانشراح في هذه الدنيا إلا إذا حققوا هذه الغاية؛ ألا وهي عبادة الله تعالى، فعبادة الله جل وعلا هي مشروع حياة، ليست مشروع حياة فردي، بل هو مشروع حياة للناس كافة، فالله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، بالهدى الذي هو العلم النافع، ودين الحق الذي هو العمل الصالح.

    فمهمة كل إنسان هو تحقيق العبودية لله تعالى، وهذه العبودية هي في الأصل عبودية القلوب؛ لأنه إذا لم تدن هذه القلوب وتذل وتخضع لله تعالى فلا فائدة في أن يقوم الإنسان ويقعد ويذهب ويجيء ويفعل ويترك لأنه عمل لا روح له، فروح العبادة هو عبودية القلب لله تعالى، ومن رحمة الله جل وعلا بعباده أن يسر لهم من الشرائع ما يحقق هذه الغاية، فنحن إذا نظرنا إلى هذا المقصد الكبير والهدف العظيم؛ فإن هناك وسائل لتحقيق هذا الهدف، هناك آلات وأدوات لتحقيق هذا الهدف، إن آلات وأدوات تحقيق هذه الغاية -وهي تحقيق العبودية القلبية والعبودية التامة لله تعالى في الجوهر والمظهر، في الباطن والظاهر- هو ما جاء في شرائع هذا الدين الكريم الذي شرع الله تعالى فيه ألواناً من العبادات الظاهرة والباطنة، التي بها يتحقق المقصود الرباني من هذا الكون وهو تحقيق العبودية لله تعالى.

    فعلى سبيل المثال: العبودية الظاهرة رأسها الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، وكذلك الزكاة والصيام والحج، فهذه أصول وأركان تبنى عليها سائر ألوان وأنواع العبادات، فنحن إذا اشتغلنا بهذه العبادات فإنه ينبغي أن نعلم أننا نحقق غاية ألا وهي عبودية القلب، ولذلك لو أن الإنسان عجز مثلاً عن الصلاة، أو عجز عن الزكاة، أو عجز عن الصيام، أو عجز عن الحج، هل هذا يعني أنه ليس عبداً لله تعالى؟ الجواب: لا هو عبد لله سبحانه وبحمده؛ لأن هذه وسائل، وإذا كانت وسائل فتخلفت، فلا يعني هذا أن الغاية مَلغيَّة أو غير موجودة، فلذلك ينبغي أن ننظر إلى هذه العبادات وهذه الشرائع بهذا المنظار: أنها وسائل لتحقيق غاية عظمى ومقصد كبير ألا وهو عبودية القلب لله تعالى، الذل الذي هو مفتاح العبودية، والمحبة التي هي عنوانها الأكبر، فالعبادة تقوم على هذين الركنين القلبيين: غاية المحبة مع غاية الذل.

    ولا شك أن من رحمة الله بنا أن نوَّع الطرق الموصلة إليه، فلم يجعل الطريق الموصل لتحقيق هذه الغاية صلاة أو زكاة أو صياماً، بل هي منوعة، فمنها ما يتصل بالبدن، ومنها ما يتصل بالمال، ومنها ما يتعلق بين العبد وربه، ومنها ما يتعلق بحقوق الخلق، ألوان وأصناف من العبادات تندرج تحت هذه التقسيمات.

    فنحن نستقبل هذا الشهر المبارك، شهر رمضان الذي فيه من ألوان العبادة والطاعة ما تنشط له النفوس، ويجد فيه الإنسان لذة وروحاً وطمأنينة وسكناً، وهذا الموسم الكريم يحتاج إلى شيء من التهيئة، فالتهيئة نوعان: تهيئة قلبية بالاستعداد، وهذا ما كان عليه سلف الأمة، لما كانوا كما قال المعلى بن الفضل: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان. هذه تهيئة قلبية. وهناك تهيئة عملية، وهي أن يتمرن الإنسان على العمل الصالح قبل مجيء الشهر، حتى إذا جاء الشهر يكون قد مَرِن جسمُه وتدرب بدنه على القيام بالطاعات، ولهذا كان السلف يكثرون من قراءة القرآن في هذا الشهر، وكان بعضهم يغلق حوانيته حتى يتفرغ لقراءة القرآن في شهر شعبان، حتى إذا جاء رمضان وقد تهيأت نفسه ونشطت للأعمال الصالحة بأنواعها وألوانها.

    ولذلك شرع النبي صلى الله عليه وسلم الصوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر قط.. تقول عائشة كما في الصحيحين: «ولم أره في شهر أكثر صياماً منه في شعبان»، والعلة في هذا هي تهيئة النفس لاستقبال هذه الفريضة.

    نحن نحتاج إلى أن نأخذ بهذه السنن وأن ندرك معانيها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم رمضان هكذا بلا غاية ولا علة، بل هو نوع من التهيئة التي تتهيأ بها النفوس.

    وأيضاً السنن الراتبة مثلاً، التي تكون قبل الفجر، وتكون قبل الظهر، وتكون بعد العشاء، كل هذا نوع من التهيئة أو التكميل، نوع من التهيئة هذا في السنة القبلية، ونوع من التكميل هذا في السنن البعدية، فينبغي أن نشتغل بالعبادات، وأن نهيئ لهذا الشهر نفساً قد تروضت على الطاعة، وأقبلت على الله تعالى واستعدت للعمل الصالح.

    وأسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم، وأن يبلغنا وإياكم رمضان، وأن يرزقنا فيه صالح الأعمال.

    التفاصيل
    0
    353
  • يوم صومك مختلف عن يوم فطرك
  • الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    فالصومغرضه وغايته هو تحقيق التقوى لله جل وعلا، هذا هو الغرض والمقصود منالصوم، ولذلك قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُالصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْتَتَّقُونَ} البقرة:183.

    وقديقول قائل: ما معنى التقوى؟ التقوى: هي الاشتغال بالطاعة والبعد عنالمعصية، رغبة في ثواب الله تعالى وخوفاً من عقابه. هذا التعريف الميسورالمختصر للتقوى، فالتَّقيُّ هو ذاك الذي يفعل الطاعات ويجتنب المحرمات، وهوفي الفعل والترك بين خوف ورجاء، رغبة ورهبة، لا يتركه عادة ولا يأتيهعادة، لا يترك المحرم عادة وحياءً من الناس، ولا يأتي الواجب عادة وموافقةللناس، بل يأتيه رغبة ورهبة، رغبة فيما عند الله تعالى ورهبة منه. وهذا هوالمعنى العام الذي من أجله شرع الله تعالى الصيام، ولهذا ينبغي للصائم أنيفتش عن هذه الحكمة في نفسه وفي خلقه وفي عمله، حتى يفوز بأعظم الأجر.

    فالصوام-وهم الممسكون عن الطعام والشراب- كُثر، لكن بين أجر صائم وصائم كما بينالسماء والأرض، وذلك باختلاف ما يقوم في قلوبهم من الإخبات والإخلاص وصدقالإيمان والبرهان، ولاختلاف ما تترجم ممَّا في القلوب من الأعمال، وهذاالذي قام في القلب ينبغي أن يترجم إلى الجوارح صلاحاً في المسلك، وصدقاً فيالعمل، وبعداً عن السوء والشر، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرةرضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جنة»، ومعنى جنة: أنه وقاية يقي به الإنسان نفسه الشرور والفساد، وهذا يفيد أنه ينبغي أنيكون الصوم على هذه الصورة وقاية، كما لو كان الإنسان داخلاً في حصن يمنعهمن السوء والفساد والشر وسيء الأخلاق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن امرؤ سابه أوشاتمه فليقل: إني امرؤ صائم»، أي: ممتنع عن مبادلتك بالإساءة لأني صائم،وهذا يبين أن الصوم سلوك في القلب يترجم إلى العمل وهو بأن يكف الإنساننفسه عن كل سيء من الأخلاق ولو كان ذلك في مقام الانتصاف للنفس، فاللهتعالى يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْبِهِ} النحل:126، ويقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌمِثْلُهَا} الشورى:40، ومع هذا فالصائم مأمور بالترفع والاعتلاء على هذهالنوازع، وهذه الرغبةُ في المجازاة بالمثل، بأن يقول: إني امرؤٌ صائم،فيكفّ لسانه عن مجاراة السفهاء، ويكفَّ عمله عن الوقيعة في السوء، ينبغي أنيكون صوم أحدنا ترجمة لإيمانه وصدق يقينه بثواب الله تعالى، ولهذا قالالنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «من صامرمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا ما أشرت إليه قبلقليل أن الناس تتفاوت أجورهم بحسب ما قام في قلوبهم من التصديق والبرهان،ولهذا من الضروري أن نفتش عن هاتين الخصلتين في صيامنا: الإيمان والاحتساب.

    والإيمانيتحقق بالإقرار، فإذا أقر الإنسان بوجوب الصيام فقد آمن بشرعيته،والاحتساب هو أن يأمل العقبى عند رب العالمين، فإن عاقبة الصوم عظيمةجليلة، فهي مما يدخل في قول الله جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّىالصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر:10، ويكفي فيه ما جاءفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عملابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

    ومماينبغي أن يتنبه إليه الصائم، ما ذكره جماعات من السلف: ينبغي أن يكون يومصومك مختلفاً عن يوم فطرك، وهذا الاختلاف ليس في الكسل والضعف والتواني عنالأعمال والتأخر عن الواجبات وسوء الأخلاق، كما هو شأن كثير ممن يُتبع نفسههواها، ويجعل الصيام فرصة للتنفيس عن العادات الرديئة؛ احتجاجاً بأنهصائم، وأنه منهك وأنه مرهق، فهذا غلط، بل ينبغي أن يكون الصوم حاملاًللإنسان على طيب الأخلاق وزكيها، وعلى النشاط، وعلى القيام بالواجبات وأداءالحقوق، وهو بطاعته لله تعالى في صيامه أعظم أجراً من طاعته لله تعالى فيغير الصيام، وذلك أن مشقة الصوم تؤثر على الإنسان ضعفاً، فإذا حمل نفسه علىطاعة الله تعالى كان ذلك من أسباب الأجر، كما في الصحيح من حديث عائشة رضيالله عنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «أجرُكِ على قدر نفقتكِونصبكِ» يعني: على قدر ما تنفقين من المال، وعلى قدر نصبه، وهو الجهدوالتعب الذي يبذل في تحقيق طاعة الله جل وعلا.

    فهذهجملة من الخصال التي ينبغي أن لا تغيب عن الإنسان في يوم صومه، وخلاصته: ينبغي أن يكون يوم الصوم مختلفاً عن يوم الفطر، لا اختلاف نزول، بل اختلافزكاء ونماء وصلاح وتقوى وإيمان.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    التفاصيل
    0
    509
  • حول شهر رمضان
  • الحمدلله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينامحمد وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فلاريب أن المؤمن تتوق نفسه إلى مواطن البر ومواقع الخير وأزمنة المغفرةوالرحمة، الله تعالى يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْوَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} آل عمران:133، ويقول جلوعلا: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} الحديد:21، ورمضان هومن الأشهر التي تتنوع فيها أسباب المغفرة، وتتلوَّن فيها أسباب العطاياوالهبات والمنِّ، من رب عظيم كريم يجزي بالعطاء على القليل الكثير.

    وحقهذا الشهر لاشك أن النفوس تتوق إليه؛ لأنه شهر فيه حط الخطايا، فالنبي صلىالله عليه وسلم يقول: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم منذنبه»، هذا عمل النهار، «ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدممن ذنبه»، وهذا عمل الليل، ثم يكمل الفضل ويزداد الجود فيقول صلى الله عليهوسلم: «من قام ليلة القدر»، ليلة واحدة من هذا الشهر، «إيماناً واحتساباًغفر له ما تقدم من ذنبه»، فلاشك أن النفوس تتوق لمثل هذا الموسم المباركالذي يجزل الله تعالى فيه العطاء، ولو لم يكن في الصيام إلا أن النبي صلىالله عليه وسلم يقول فيما يخبر عن الرب جل وعلا: «يقول الله سبحانه وبحمده: الصيام لي وأنا أجزي به» لكان ذلك كافياً، فإنه ما من عمل ذكر الله تعالىفيه أجراً كهذا الأجر، وهو أنه أضافه إليه سبحانه وبحمده.

    وإذاقيل لك: هذا للملك، كان هذا مدعاة لرفعة شأنه وعلو مكانته، فكيف والذيأضافه إليه هو ملك الملوك جل وعلا سبحانه وبحمده، فلا شك أنه موسم كبيرمبارك، ولو لم يكن فيه إلا هذه الفضائل لكان كافياً في أن تتلهف النفوس إلىلقياه وإلى الاجتماع به، والله يعطي على القليل الكثير، وبه نفهم السرالذي جاء في قول المعلى بن الفضل: كان سلف الأمة يدعون الله ستة أشهر حتىيبلغهم رمضان، ويدعون الله ستة أشهر حتى يتقبل منهم.

    إذاً: هم في ارتباط عام ودائم بهذا الشهر، في استقباله وفي تخليفه والذهاب عنه.

    التفاصيل
    0
    486
  • مقال شبكات التواصل تحاصرنا
  • الإنسان مدنيٌّ بطبعه فلا حياة له إلا بالتواصل مع بني جنسه، وخلافُ هذا هو خروج عن الطبيعة البشرية، وقد عهد الناس عبر تاريخهم البشري أوجهاً من التواصل بينهم عبر قنواتٍ عدَّة، غالبها يعتمد على المباشرة والمعرفة الشخصية التي لها أسبابها المعهودة  من الاشتراك في بلد أو قبيلة أو عرق أو عمل أو حرفة، أو غير ذلك ، وفي كثير من الأحيان قد يفرضُ ذلك ألواناً من التواصل الاضطراريِّ الذي لا يتمكن المرء من تفاديه والنأي عنه حتى قيل في هذا النوع من التواصل المكروه المفروض:

    ومن نكد الدُّنيا على الحرِّ أن يرى***عدوَّاً له ما من صداقته بدٌّ من شعر المتنبي  انظر "دواوين الشعر العربي على مر العصور

    وقد أتاحت التقنية الحديثة وثورة الاتصالات أنماطاً من التَّواصل لم يكن للناس بها عهد ولا معرفة، أتاحت  لكلِّ راغب أن يُشَّكل ما يشاء من الصلات في عالم افتراضيٍّ متنوِّع، لا يحدُّه مكان ولا زمان ولا جنس ولا سن،  في تواصل عالميٍّ واسع الانتشار، استوعب العالم بكل ما فيه، كما استوعب جميع أوجه التواصل، سواءٌ  أمان عبر الكلمة كما في تويتر والفيس بوك، أمعبر الصوت والصورة كما في برنامج الكيك، أوعبر الصور الفوتغرافية التي ينتقيها المشاركون أو يلتقطونها  كما في برنامج إنستقرام ، وبهذا تكون شبكات التواصل الاجتماعيُّ  قد استوعبت كل أوجه التواصل الممكنة بين الناس .

    وكل هذه الأنواع من التواصل الاجتماعي، أحدثت نُقلة في حياة كثير من الناس، فصار الاشتغال بهذه الشبكات بأنواعها في الحياة اليومية لكثير من الناس على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم ومستوياتهم التعليمية .

    بل إنك ترى هذا العالم الافتراضيَّ يحاصر العالم الحقيقيَّ، حتى يخنقه أو يكاد.

    وقد توالت الدراسات والتوصيات في ترشيد هذا التواصل لجني ثماره وتوقِّي عِثاره، فبقدر ما يحصل فيه من خير ومنافع للناس، بقدر ما تتهاوى فيه قيم وتزلُّ فيه أقدام، ليس في مزالق الشهوات فحسب بل فيما هو أخطر، من مهاوي الشبهات والانحرافات الفكرية المتنوعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبالتأكيد  إنَّ كثيرين  يتواصلون عبر هذه الشبكات دون هدف أو رؤية أو رسالة، بل متعة أو محاكاة أو تجربة أو استطلاعاً، لذا كان من المهم إشاعة أدبيات التعامل مع هذه الشبكات وإدراك منافعها ومعرفة مخاطرها، فإنَّ من يدخلها دون ذلك كالذي يبحر في محيط متلاطم الأمواج بقارب صغير فهو بين غرق وعطب، ويتأكد ضرورة العناية بتوعية المستخدمين لهذه الصفحات المتنوعة حداثة سن أكثرهم، وقلة تجربتهم الحياتية، وكثرة المتربصين الذين وجدوا في هذه الصفحات منفذا وطريقاً للوصول إلى شرائح وأذهان يصعب عليهم التواصل المباشر معهم، مما يتطلب رفع مستوى المناعة الفكرية والأخلاقية، والرقابة الذاتية والقدرة على الفرز والتمييز بين الصواب والخطأ ، والخير والشر، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

    كتبه

    أ.د خالد المصلح

    أستاذ الفقه بجامعة القصيم

    11 / 2 / 1435هـ

    التفاصيل
    0
    6660
  • مقال الشهر: اليوم الصالح عاشوراء
  • عاشوراء يوم صالح هكذا وصفه بنو إسرائيل عندما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم لماذا تصومونه، قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال صلى الله عليه وسلم:«فأنا أحق  بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه أخرجه البخاري(2004).

     عاشوراء يوم صالح أظهر الله تعالى فيه الحق وأزهق الباطل، كما قال تعالى:{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة الأعراف:118، كيف لا يكون يوما صالحا، وظهور الحق به صلاحُ العالم وسعادة البشرية.

     عاشوراء يوم صالح نصر الله أولياءَه وأنجاهم، نَجَّى الله فيه كليمه موسى وقومه وخذل أعداءه وأخزاهم، فأغرق فرعون وجنده، كما قال تعالى :{فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} سورة غافر:45

     عاشوراء يوم صالح يتذكر فيه أهل الإيمان فضل الله عليهم بنصر إخوانهم المؤمنين وصنعه لهم، فأخوة الإيمان تتجاوز كلَّ حدود الزمان والمكان، فتجمع أهل الإيمان على اختلاف أممهم وأنبيائهم وأنسابهم وأزمانهم، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} سورة الأنبياء:92 ، فيفرح المؤمن بنصر إخوانه ولو تباعد ما بينهما من زمان فهو أحق بهم من أي أحد فرابطة الإيمان فوق كل رابطة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبني إسرائيل لما قالوا له هذا يوم صالح نجى الله فيه موسى:« فأنا أحق بموسى منكم» نعم هو بأبي وأمي أحقُّ بموسى من اليهود. عاشوراء يوم صالح من صامه كَفَّرَ ذنوب السنة التي قبله، ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»"صحيح مسلم"(1162). .

     عاشوراء يوم صالح تدرك فضيلته بصوم اليوم العاشر من محرم ولو بصيامه منفرداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قَدِمَ المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم وقال:«ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»، فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فنحن أحق وأولى  بموسى  منكم» أخرجه مسلم(1130) ، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.

    عاشوراء يوم صالح كان صلى الله عليه وسلم يصومه قبل هجرته موافقة لقومه حيث كان يوماً تعظمه قريش فيكسون فيه الكعبة ويصومونه. عاشوراء يوم صالح أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم على صومه، فكان الصحابة رضي الله عنهم يصومونه ويصوّمون صبيانهم وصغارهم المطيقين للصيام، كما جاء ذلك في "صحيح البخاري" من طريق خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوّذ قالت أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار «من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم» قالت: فكنا نصومه بعد، ونُصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار. عاشوراء يوم صالح قضاءً وقدراً بما أجراه الله تعالى فيه من نجاة موسى وقومه وهلاك فرعون وجنوده، وهو يوم صالح ديانة وشرعاً من صيامه وبما تفضَّل فيه على صُوَّامه من حطِّ ذنوب عامٍ قبله. أصلح الله لي ولكم الأيام والأعمال.. آمين.

    التفاصيل
    0
    7711
  • أفضل الأعمال في أيام العشر
  • أيام العشر خير أيام الزمان لذلك كان للعمل الصالح فيها منزلة عظيمة عند الله تعالى، فالعمل فيها أفضل عند الله وأعظم وأحب منه في غيرها، روى الإمام البخاري في "صحيحه" من حديث سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ قَالُوا ، وَلاَ الْجِهَادُ قَالَ ، وَلاَ الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» صحيح البخاري (969). وهذا فيه الندب إلى كلِّ عملٍ صالح، ظاهرٍ أو باطن، واجب أو مستحب . ولا يخفى أن العمل الصالح مراتب ودرجات، فالبحث عن الأفضل همة الألباب، وقد بيَّنت السنة أن أفضل ما يتقرب به المؤمن إلى الله تعالى في هذه الأيام وغيرها، هو اشتغاله بما افترضه الله عليه ففي الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الإلهي:((وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه)) صحيح البخاري (650).، فكلُّ واجب يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى في هذه الأيام هو عند الله أفضل وأحب وأعظم من التقرب إليه بنفس الواجب في غيرها، لذا كان أول ما ينبغي أن يشتغل به المؤمن في هذه الأيام المباركة من الأعمال الصالحة: الفرائض والواجبات، ابتداءً بأركان الإسلام الخمسة، وأوّلها الشَّهادتان المتضمنتان الإخلاص لله تعالى ومحبته، وتعظيمه، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته ومحبّة كلّ ما يحبّه الله ورسوله، ثم يلي ذلك بقيّة أركان الإسلام، من صلاةٍ وزكاة وصوم وحجٍّ، وكذلك الاجتهاد في أداء حقوقِ الخلق، من بر الوالدين،وصلة الأرحام، وسائر ضروب البرّ والصّلة،وينضم إلى ذلك كف نفسه عما نهى الله ورسوله من المحرمات،في هذه الأيام، فإن اجتناب المحرمات في هذه الأيام أعظمَ أجراً وأجزل ثواباً عند الله تعالى، من اجتنابها في غيرها من الأيام. ثم بعد القيام بما فرض الله والكف عما حرم الله، فليسارع إلى كل بر وصالح من العمل، فقد قال النبي في الحديث الإلهي «... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ...» الحديث أخرجه البخاري(6502). ومن الجدير بالعلم أن أفضل أنواع العمل الصالح في أيام العشر وأيام التشريق ذكر الله عزّ وجلّ، بل هو سمة هذه الأيام وشعارها، فهي الأيام المعلومات وهي الأيام المعدودات التي ندب الله تعالى فيها إلى ذكره فقال:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} سورة الحج: الآية (28).، وقال أيضاً: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: واذكروا الله في أيام معلومات أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق صحيح البخاري (2/ 20).، وبهذا التفسير قال جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم بل قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة.. ومما يؤيد أن أفضل العمل في هذه الأيام ذكر الله تعالى ما رواه أحمد من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منْ أيامٍ أعظمُ عند الله، ولا أحب إليه من العمل فيهنَّ، من هذه الأيام العَشْر، فأكْثِروا فيهنَّ من التهليل والتكبير والتحميد». وكذلك ما رواه أحمد وغيره من حديث نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:«إِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ» مسند أحمد (9/323)(5446)، وأصله عند مسلم. لهذا كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم يخرجان في أيام العشر إلى أسواق النَّاس وأماكن اجتماعهم يُكبِّران، ليس لهما من غرض إلا التَّكبير: «يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» صحيح البخاري قبل حديث(969).

    فالتكبير والتهليل والتحميد وسائر الذكر من أفضل ما يتقرب به إلى الله في هذه الأيام،زيادة على الذكر الذي يشرع للإنسان في كل أيامه، من أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار دخول المسجد والخروج منه، وأذكار أدبار الصلوات، وأذكار دخول الخلاء والخروج منه ونحو ذلك. فالذكر والتكبير مشروع بالاتفاق في هذه الأيام وهو من خير الأعمال، بل هو أفضل من الجهاد غير المتعين، لما في "الصحيح" من حديث ابن عباس حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» صحيح البخاري (916)..

    وأفضل الذكر المشروع في هذه الأيام التكبير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر «فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»،ولما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، ومن أصح ما ورد ما جاء عن سلمان رضي الله عنه أنه قال:« كبروا الله، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً» مصنف عبد الرزاق(11/295).

     ومنها ما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ) أخرجه ابن أبي شيبة (2/167).

    وقد جاء غير ذلك، لكن لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير صيغة معينة فبأي صيغة كبر حقق المندوب. والذكر المشروع في هذه الأيام على نحوين: الأول ذكر مطلق، وهذا يكون من دخول شهر ذي الحجة، إلى غروب شمس يوم الثالث عشر من ذي الحجّة آخر أيام التشريق، وسمي هذا الذكر مطلقا لأنه لا يتقيد بشيء، بل يكون في كل حين، وفي كل حال، وفي كل زمان ومكان قائماً أو قاعداً أو على جنب، في البيت أو في السوق أو في المسجد، روى البخاري عن عبد الله بن عمر أنه كان يكبر أيام منى على فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه تلك الأيام جميعاً. الثاني ذكر مقيد، وهذا يكون أدبار الصلوات، وللعلماء فيه أقوال: فمنهم من جعله عاما في أدبار الصلوات كلها، ومنهم من خصه بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، ومنهم من خصه بالجماعة دون المنفرد، أو بالمقيم دون المسافر. والظاهر أنه مشروع في أعقاب الصلوات مطلقاً المكتوبة وغيرها في الجماعة وغيرها، للرجال وغيرهم، في حال الإقامة وغيرها، هذا ما أفاده مجموع ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو ظاهر اختيار البخاري انظر "الفتح" (2/462).

    أما وقت التكبير المقيد فيبتدئ على الصحيح من فجر يوم عرفة، لغير الحاج وينتهي بعصر يوم الثالث عشر من ذي الحجّة آخر أيام التشريق. وقد ورد ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وقد رجح ذلك جماعة من المحققين من أهل العلم قديما وحديثاً. أما الحاج فيبتدئ من ظهر يوم النحر لاشتغاله بالمناسك. وبهذا يتبين أن التكبير من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق يجتمع فيه التكبير المطلق والمقيد لغير الحاج، وأما الحاج فمن ظهر يوم النحر إلى آخر يوم من أيام التشريق. فلنملأ الدنيا تكبيراً ، لتمتلئَ قلوبنا لله محبة ، وله تعظيماً، وبه ثقة، وعليه توكلاً، فما أعذبه من هتاف، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً.

    4/12/1434هـ.

     

    التفاصيل
    0
    6913
المحاضرات
  • ابن عثيمين سيرة ومسيرة.
  • الحمد لله حمداً كثيراً، طيباً مباركاً فيه، كما يحبُّ ربنا و يرضى، أحمده حقَّ حمده، لا أحصي ثناء عليه، هو كما أثنى علي نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

     أما بعد.

     في هذه الليلة ليلة السَّابع عشر من شهر شعبان عام ألف وأربعمائة وأربعة وثلاثين للهجرة النبوية، يسرُّني الالتقاءُ بكم في هذه الصالة، في هذا المكان، في مؤسسة شيخنا محمد بن صالح العثيمين الخيرية.

     حديثنا في هذه الليلة، حديث حرت في كيفية التعاطي معه، ذاك أني سأتكلم عن علم من أعلام الأمة، وهو شيخنا؛ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وعندما تتحدث عن شخص بهذه القامة، يمثل تاريخاً يمتدُّ أكثر من نصف قرن في العطاء، والبذل والتعلم والتعليم والنفع والخير، تُوقن وتجزم يقيناً، إنك لن تستطيع أن تستوعب جوانبَ هذه الشخصية، في محاضرة، أو في كلمةٍ في دقائق تنقضي، فتأملت في كيفية التناول لهذه المحاضرة، سبق أن ألقيت محاضرة قريبة من هذا الموضوع، لكنها من زاوية أخرى، وهي شيخنا ابن عثيمين، كما عرفته، اليوم لست متحدثاً عن معرفتي الشخصية به( رحمه الله)، إنما أتحدث عن علم من أعلام الأمة، في هذه القرون المظلمة، التي يفتقر الناس فيها إلى الهدايات، وإلى أنوار النبوة، الحديث عن شيخنا محمد بن صالح العثيمين حديث صعب حقيقة، ذاك أنه عالم جليل امتد عمره في حقبة زمنية امتازت بجملة من المميزات، لذلك قبل أن أخوض في الحديث عن شيخنا( رحمه الله)، أحبُّ أن أعرض المحاور التي من خلالها سأتناول سيرة شيخنا رحمه الله، وهي محاور معدودة لكنها تمثل إضاءات في سيرة هذا العَلم من خلالها نستجلي مسيرته، من خلالها نستطيع أن نعرف شيئاً من شخصية هذا العالم، لاسيما وأن شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، لم تحظ سيرته بتأليف يستوعب ذكر الجوانب المهمة في حياته، ما يتعلق بكثير من المقدمات وكثير من العرض الذي يًكتب عن سير العلماء، هو في الحقيقة ترجمة للمتكلم أكثر منها للشخص المترجم له: فيقول الشخص: رأيت الشيخ وجلست معه وقلت له وقال لي، فهي جوانب شخصية في الحقيقة، لا تُبيِّن المنهج والمسيرة والطريقة التي انتهجها هذا العالم، لهذا حريٌّ بشيخنا رحمه الله أن يُعنى طلابه ومحبوه، والمؤسسة علي وجه الخصوص، بدراسة تبرز جوانب شخصية الشيخ محمد بن صالح العثيمين، لا في الجانب الشخصي فقط بل في المسيرة ككل، سأتناول سيرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله من خلال النقاط التالية:

    النقطة الأولى: النشأة والبيئة.

    والنقطة الثانية: ابن عثيمين متعلماً وعالماً ومعلماً.

    النقطة الثالثة: مسيرته الحياتية (يومياته رحمه الله وحياته اليومية).

    النقطة الرابعة: حياته الأسرية والاجتماعية.

    والنقطة الخامسة: ابن عثيمين إماماً. ثم بعد ذلك وفاته رحمه الله.

    هذه نقاط رئيسة، تحتها العديد من القضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتجلية، ابتداءً: لماذا نقرأ سير العلماء؟

    سير العلماء هي حياة الأرواح، هي طيب القلوب، هي البهجة التي تعمر نفس القارئ، لما يراه من نماذج نيرة، التي من خلالها تشرق نفسه، ويستفيد منها عبرة وعظة، ولهذا كان السلف رحمهم الله يحرصون على قراءة السير، بل الله جلَّ في علاه في محكم كتابه وهو أطيب كلام وأصدق حديث يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ سورة يوسف، الآية:111، قراءة سير العلماء والصالحين والأئمة، تبعث النفوس على العمل الصالح، وعلى العمل الجادّ، وعلي التشبه بأهل الخير، وعلى الاهتداء بهديهم، كما قال الله تعالى بعد أن قصَّ خبر من قصَّ من النبيين قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فبهادهم اقْتَدِهِ سورة الأنعام، الآية:90، فتشبَّهوا إن لم تكونوا منهم، إن التشبه بالكرام فلاح.

     إنَّ قراءة سير الصالحين هي الترجمة العملية، لما حوته صدورهم من المعارف والعلوم، ومن المعاني والخصالِ، ولذلك ينجذب الإنسان لقراءة السيرة، لما فيها من الترجمة العملية النظرية، قد تسمع من يُثني على الكرم بياناً واضحاً جلياً طويلاً، لكن عندما تقرأ قصة في الكرم سيكون لها من الوقع في نفسك والتأثير عليك، أكبر بكثير من قراءتك لمدح الكرم والثناء عليه، ذاك أن الترجمة العملية لها من التأثير ما ليس لغيرها، ولهذا امتاز الصحابة رضي الله عنهم عن بقية طبقات الأمة، لأنهم شهدوا التنزيل، وشهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتقوا به، وأخذوا عنه، فكان ذلك ميزةً لا تحصل لفئة ولا لطبقة من طبقات الأمة عبر القرون.

     شيخنا محمد ابن عثيمين رحمه الله، ولد في السابع والعشرين من شهر رمضان، عام سبعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة النبوية، ووُلد الشيخ رحمه الله ببيتٍ من أهل هذه البلدة "عنيزة" بيتٍ متواضعٍ من أبوين نحسبهما صالحين، فترعرع ونشأ في كنف والديه، في صلاحٍ وخيرٍ.

    قبل أن نتكلم عن مراحله التعليمية رحمه الله، وما مرَّ به من أطوار في التعلم، الوقت الذي وُلد فيه الشيخ تميز بسمات، ذاك أنه ولد رحمه الله في عام سبعة وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، ثم بعد ذلك توالت أحداث إبّان حياته أبرز ذلك: احتلال فلسطين، إعلان المملكة العربية السعودية دولة بهذا المسمى، واجتماع الناس على الملك عبد العزيز رحمه الله، بعد أنواع من الاضطرابات والخلافات، التي كانت نهايتها في سنة ولادته رحمه الله، حصول عدة انتكاسات للعرب في قتالهم ومحاربتهم لليهود، وجود متغيِّرات كثيرة في حياة الناس، من أبزرها فيما يتعلق بالشيء المباشر لحياة شيخنا رحمه الله، هو التطور الذي شهدته البلاد، فتزامنت نشأته باكتشاف البترول، الذي كان سبباً لانفتاح الدنيا على الناس، وتغير أحوال الناس، ولاحظ أن هذا التغير له تأثير، الشيخ رحمه الله أول حج حجه في حج الفريضة، كان على سيارات اللواري القديمة، التي كان يركب فيها الناس في العراء ويتكبدون المشاق في الوصول إلي مكة، وليس هناك طرق معبدة، فهي نشأة في بدايتها شهدت الحال الأولى التي كان عليها الناس في وسط الجزيرة العربية، التي يقول بعض العارفين بالتاريخ أنها تشبه المجتمع المدني في كثير من النواحي، من حيث المدنية، فالناس يسكنون في بيوت من طين، يشتغلون ويمتهنون الزراعة، وأرزاقهم محدودة بالتجارة وبالرعي، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانت معهودةً في زمان النبوة، فلم يكن هناك نقلة كبيرة بين ذلك الحال التي كان عليها الناس في حاضرة وسط الجزيرة العربية "نجد"، وبين ما كان عليه الحال زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حصل التغير بانفتاح كنوز الأرض على الناس، واكب الشيخ هذا التغير، فشهد الشيخ مجيء المخترعات بشتى صورها في بداياتها، طبعا هذا التغير الذي كان في أول الوقت، كانت له تبعات من حيث القبول والرفض، فمن الناس من لم يقبل، وعدَّ ذلك نوعاً من الإحداث والخروج عما كان عليه السلف، وبعضهم تقبَّل، وأخذ من هذه المنتجات والمخترعات والمبتكرات ما يناسب العصر، وما يناسب الحياة، وما يخدم الدين.

     والحوادث في هذا كثيرة فمثلاً: المكبرات، لواقط الصوت في المساجد، التكييف، أشياء عديدة، الراديو، السيارات، أشياءٌ كثيرةٌ كانت في أول فترة في حياة الشيخ رحمه الله، حادثة جديدة على الناس، هذا بالتأكيد سيلقي نوعاً من التأثير، على من يعيش في هذا العصر، من حيث تقبل التغير، هذا ما يتصل بالحالة الاجتماعية والمدنية في زمانه رحمه الله، إذا نظرنا أيضاً إلى الجانب الفكري والمذاهب والأفكار، كانت مرحلة عاصفة، حيث شاعت الأفكار بشتى صورها المنحرفة (اشتراكية، شيوعية، وجودية، رأسمالية)، وكان لها حضورٌ وتأثيرٌ على الشباب، والشيخ رحمه الله كان من الشباب في تلك الفترة، فعصمه الله تعالى من تلك النوازع المتعددة، لكنه عايشها ورآها، وكان مهتماً بالإجابة عن كثيرٍ من الإشكاليات التي أفرزتها تلك الأفكار في أذهان الشباب، هذا ما يتصل بالبيئة والنشأة البدائية التي كان عليها رحمه الله.

    الشيخ رحمه الله في مسيرته العلمية، بدأ تلقي العلم بالقراءة، كسائر أهل بلده والمشتغلين بالعلم في زمانه، يبدؤون بالكتاتيب وقراءة القرآن، فقرأ على جده الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، فحفظ عليه ما تيسر من القرآن، وتلقى شيئاً من علوم الحساب، وطالع بعض النصوص الأدبية في مدرسة عبد العزيز بن صالح الدامغ، ثم التحق بالشيخ عليّ بن عبد الله الشحيتان، وكان إماماً لمسجدٍ من مساجد عنيزة، يشتغل بتعليم العلم وجُل اهتمامه في تحفيظ القرآن، لكنه ليس من العلماء، وقد حدثني عنه شيخنا الشيخ عبد الله البسام رحمه الله، أنه كان مهتماً بالتحفيظ فقط، ليس عنده شيء من المعرفة بالتفسير، وما إلى ذلك، لكن ذكر لي بعض الأمور التي تتعلق بهذا الأمر، المهم أنه كان معروفاً بتحفيظ القرآن وتجويده، ويقرأ عليه طلبةُ العلم، قرأ عليه شيخنا محمد بن صالح العثيمين، وقرأ عليه الشيخ عبد الله البسام، ومجموعة من طلبة العلم كانوا يقرؤون عليه القرآن، لحفظه وضبطه.

    هذه المرحلة الأولى، وهي مرحلة التأسيس والتكوين والتأصيل فيما يتعلق بالقرآن، أتم الشيخ رحمه الله حفظ القرآن وعمره أربعة عشر عاماً، ثم بعد ذلك انتقل إلى الدراسة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وهو من جعله الشيخ رحمه الله معلماً ومدرساً لصغار الطَّلبة، وذلك أن الشيخ عبد الرحمن السعدي كان في تعليمه مقسماً الطلبة إلى صغار وكبار، فصغار الطلبة وهم المبتدئون الذين أتموا حفظ القرآن، ولكن ليس عندهم حصيلة علمية يبدؤون بالقراءة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وكذلك على الشيخ علي الصالحي، فكان الشيخ شيخنا رحمه الله من نصيب الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فقرأ عليه في التوحيد والفقه والنحو، ثم ترقى به الحال إلى أن التحق بحلقة الشيخ عبد الرحمن السَّعدي رحمه الله، وقد سمعته رحمه الله يجيب من سأله متي بدأت القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي؟ قال: وعمري قريب من واحد وعشرين سنة، فترة بين حفظ القرآن وبين القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله سبع سنواتٍ تقريباً، هذه لم تكن منقطعة عن التعلم، إنما قرأ في خلالها على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فلما تمكن وترقَّى به الحال انتقل للقراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وكان من الملازمين للشيخ عبد الرحمن السعدي طوال حياته، لكنه انقطع مدة عامين للدراسة النظامية في الرياض، فقد أشار عليه الشيخ عليُّ الصالحي لما فتح المعهد العلمي بالرياض، أن يلتحق به، فذهب في سنة ألف وثلاثمائة وأثنين وسبعين للقراءة في الرياض، وكان رحمه الله مغتماَّ بتركه للشيخ عبد الرحمن السعدي، يحدثني الشيخ نفسه ويقول: عندما ذهبت للرياض وبدأت بالدراسة، وأصبح يأتي أنواعاً من المعلمين، وقد تركت عالماً جهبذاً كبير الشأن في المعارف والعلوم، وجاء إلى علماء وأفاضل ومشايخ لكن يقصرون كثيراً عمّن عهدهم وعرفهم في بلدته، فكان يتحسر، يقول: فدخل علينا شيخ رث الهيئة، فصغر في نفسي هذا الذي دخل، وما كان يعرفه الشيخ، فبدأ  بالتفسير يقول: فانبهرت من شدة استحضاره، وقوة علمه، ورسوخ قدمه في اللغة العربية، وفي الاستشهاد، فإذا هو الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان، فحمدت الله أن الله سكن ما في نفسي من حزن لفراق الشيخ، بأن وجدت من آخذ عنه العلم في الرياض مدة وقته فيها، فقرأ على الشيخ الشنقيطي رحمه الله في المعهد، وقرأ على مجموعة من المشايخ، إلا أن أبرز من قرأ عليه في أثناء إقامته بالرياض، شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد قرأ عليه في العقيدة، وفي الفقه، وقرأ عليه في جملة من الرسائل، وكان يقرأ عليه في أوقاتٍ خاصة، إضافة إلى القراءة العامة، بعد ذلك رجع الشيخ رحمه الله إلى "عنيزة"، وعاد إلي قراءته على شيخه، ويحدثنا الشيخ رحمه الله أنه في آخر الزمان؛ آخر زمن الشيخ عبد الرحمن السعدي، لم يبقَ من طلبة العلم إلا نذر يسير، ذاك أن طلبة العلم جاءت الوظائف والبلد في بدايتها، وفي أول تأسيسها، ونشأتها بحاجةٍ إلى التعليم، وقد اتسعت رقعة البلد، فكان المشايخ وطلبة العلم إذا آنسوا من الشخص ضبطاً للقرآن، ومعرفة للمهمات يبعثونه شيخاً إلى القرى، والهجر في شرق البلد، وجنوبها، وشمالها، وفي سائر جهاتها فلم يبقَ عند الشيخ عبد الرحمن السعدي إلا قليل، حتى قال رحمه الله: إني كنت أقرأ عليه في الضحى في قواعد ابن رجب ليس معه إلا أنا، أخرج أنا وإياه من المسجد ما معه إلا أنا، وهذا يفيدنا أن الشيخ رحمه الله استمر في التلقي على الشيخ عبد الرحمن السعدي، إلى أن توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو ملازم له، هذه المعلومة تفيدنا في مسألة ستأتي إن شاء الله تعالى في خصال الشيخ وصفاته، توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وتقلد مكانه الشيخ محمد بن صالح العثيمين، باتفاق من جماعة الجامع وأهل البلد، وتولى مهمتين: المهمة الأولى: التدريس، والمهمة الثانية: الإمامة في الفروض والجمع والأعياد، التدريس لم يكن مبتدئاً بوفاة الشيخ عبد الرحمن السعدي، بل الشيخ عبد الرحمن السعدي أوكل إليه التعليم أو ندبه إلى تعليم بعض الطلبة قبل وفاته، بقريب من ست سنوات حيث بدأ الشيخ رحمه الله يعلِّم عام ألف وثلاثمائة وسبعين للهجرة، وهذه مدة متقدمة وعمره قريب من ثلاثة وعشرين سنة أو نحواً من ذلك، هذه بداية الشيخ رحمه الله بالتعليم المباشر في الجامع "جامع ابن عثيمين، الجامع الذي كان يدرس فيه الشيخ عبد الرحمن السعدي والمعروف الآن باسم جامع ابن عثيمين، وهو الذي استمرّ يعلم فيه إلى أن توفي رحمه الله، إذا حسبت من عام ألف وثلاثمائة وخمسين إلى وفاته عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هذه كم سنة؟ واحد وخمسين سنة والشيخ رحمه الله يدرس في هذا الجامع، نسأل الله أن يعمره بالعلم النافع والعمل الصالح.

     نقف بعد هذه المرحلة التعليمية التي رأى الشيخ فيها جملة من الأكابر ومن علماء عصره، كالشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو أكبر من كان له أثرٌ على علم الشيخ، وسيرته، وسلوكه، وتكوينه العلمي، الشيخ عبد العزيز بن باز كذلك، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، جملة من المشايخ الذين اختلط بهم أخذ منهم الشيخ رحمه الله معارف حديدة، ومناهج رصينة، أثمرت تميزاً في منهجه رحمه الله، ولهذا من المهم أن نقف على عجل في إبراز أبرز سمات علم ابن عثيمين رحمه الله، ما الذي يميز علمه؟ ما الذي يميز ابن عثيمين عن غيره من العلماء فيما كان عليه من علم؟ أنت ممكن أن تقرأ أو تسمع لعلماء شتى، ثم تجد أنَّ هنا شيئًا مميزًا. فما الذي ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؟ من أبرز ما ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في علمه، سواء كان ذلك تعليماً في المساجد، أو كان ذلك تأليفاً، أو كان ذلك إفتاءً، أولاً: اعتماده على الدليل، تعظيمه للدليل الكتاب والسنة، فقد كان الشيخ رحمه الله معظماً للنصوص، مقدماً للدليل، ونحن هنا نحتاج إلى أن نلمح، إلى أن الشيخ نشأ في بيئةٍ مذهبية، إذ المذهب الشائع في البلد في عامة "نجد" هو المذهب الحنبلي، الخروج عنه من أشقِّ ما يكون، ومن أصعب ما يكون، لا سيما الخروج عنه في الإفتاء، وفي الرأي، وفي القول، ليس في الاختيار الشخصي، قد يخرج عنه في الاختيار الشخصي ولا نعلم به، لكن في الإفتاء والرأي كان من أشقِّ ما يكون، الخروج عمَّا ساد و انتشر، لشيوع الأخذ بقول أحمد رحمه الله، وقلة المجتهدين، أبرز من خرق هذا التعصب للمذهب، وعدم الخروج عنه، أول من بدأ ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي شيخ شيخنا رحمه الله، ثم الشيخ عبد العزيز بن باز أظهر ذلك وتبين بيانًا جليا في مسلكه وإفتائه وعلمه، ولقي في ذلك رحمه الله ما هو معروف في سيرته ما لا نحتاج إلى إشارة إليه، ثم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله جرى على هذه الطريقة من شيخيه، فكان معظماً للدليل حتى ولو خالف ما هو معهود وما هو سائد، وحتى يتضح لك عظيم تأثير المذهب والتعصب له في الزمن الذي نشأ فيه الشيخ، وكيف كان يلقى صعوبة في الخروج، يحدثني بعض زملاء الشيخ، ومن تلقَّوا العلم معه، وتلقوا العلم عنه، يقول لي: كيف الشيخ ابن عثيمين يخالف المذهب في هذه المسألة؟ قلت: يا أخي هو متَّبع للدليل، هكذا لاح له الدليل فأخذ به، قال: لو يأتي -قد يكون هذا غير دقيق، ولا يريده، ولكن هذا ما قاله لي بالحرف- "لو جاءني النص مثل الشمس يخالف المذهب، ما أخذت إلا بالمذهب" هذا يبين لنا كيف أن الخروج عن المألوف المذهبيّ الفقهيّ في ذلك الوقت في عسر ومشقة،  قد يقول قائل: الأمر سهل هو اختيار وليس بالأمر العسير، أنت لا تنظر إلى ابن عثيمين في نهايته لما صار إماماً يُقتدى به، انظر إلى ابن عثيمين يوم كان فرداً يقال قال الشيخ ابن عثيمين وخالف بذلك المشايخ والعلماء والأجلاء والكبراء من علماء وقته ومن العلماء المتقدمين، بالتأكيد أنه سيكون في ذلك مشقةٌ وصعوبة لا ندركها نحن، لكن يدركها من خرج عن المألوف باختياره، وضغط الواقع عليه، كيف يكون محتاجاً إلى قوة نفسية وعلمية وقناعة بصحة المسلك، حتى يثبت على هذا الطريق، وهذه سمة مشتركة في كلّ من كان لهم تأثير عبر القرون، فعلماء الأمة المميزون هم العلماء الذين يكون عندهم الحق مقدماً على كل مألوف، سواء  كان المألوف قولاً فقهياً شهيراً، كان المألوف عادةً، كان المألوف عرفاً، كان المألوف وضع سياسيًا معينًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، الخروج عن المألوف ليس معنى هذا انه مفروض أن يخرج الإنسان عن المألوف، لكن المفروض هو أن يعمل الإنسان بما دل عليه الدليل، المهم هذه القضية حتى لا يقول قائل: طيب هذا شيء معروف، كل العلماء يعظمون الكتاب والسنة، أردت أن أقف عندها حتى تتميز ويستفيد منها طلبة العلم، في أنّ تعظيم الكتاب والسنة هو الاستمساك بما دل عليه، مهما كان مخالفاً لما عهده الناس وعرفوه.

    ثاني ما يتميز به الشيخ رحمه الله في الجوانب العلمية عنايته بالحكمة والتعليل، فالشيخ رحمه الله كان ذا اهتمام بالحكِم والتعليل وأسرار الشريعة والغايات بشكل واضح، ولهذا كان يؤكد على ضرورة العناية بمعرفة أسرار الشريعة وإدراكها وإظهارها في الأحكام حتى يعرفها الناس ويتمرن عليها طلبة العلم، يقول شيخنا رحمه الله: "فما من حكم من أحكام الشريعة، إلا وله حكمة عند الله عز وجل، لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا أو تقصيرنا في طلب الحكمة".

     ثم يذكر الشيخ رحمه الله ثلاث فوائد للعناية بالحكمة:

     وهي تبين هذه الحفاوة التي تميَّز بها رحمه الله، لماذا كانت؟ قال في فوائد: التأكيد على الحكم والآثار والغايات في الأحكام أنها تزيد المسلم طمأنينة؟ أنها تبين سمو الشريعة، أنها تمكن العالم المجتهد من القياس.

    من سمات شيخنا رحمه الله في مسيرته العلمية، ومما ميَّز منهجه: الاحتفاء بالاستدلال العقلي، فكان رحمه الله كثيراً ما يردد الدليل السمعي، والدليل النظري، الدليل من الكتاب والسنة، والدليل العقلي، وهذا ليس خارجاً عن نسق الأئمة والعلماء، لكنَّه أكَّد عليه رحمه الله في تعليمه، وفي إفتائه، لضرورة الناس إليه، وأشار إلى أن القرآن احتفى بالتعليل وذكر الحكم للأحكام، حتى يُقبل الناس عليها، ويتأكد هذا الاهتمام في هذا الزمان. لماذا؟ لأن الناس في هذا الزمان عندهم من ضعف الإيمان ما يُحتاج معهم في إقناعهم، إلى أن تُبرز الأدلة العقلية ليكون ذلك عاضداً للدليل النصي.

    مما تميز به الشيخ رحمه الله ضبطه للعلم بالقواعد والأصول، علم الشيخ رحمه الله ليس علماً أفقياً،  كان علماً رأسياً علماً فيه رسوخ، وفرق بين العلم الأفقي هو العلم أن تأخذ من هذا العلم نتفة ومن هذا العلم نتفة ويكون عندك معارف شتى، لكن ليس لديك رسوخ، وهذا كثيرٌ في طلبة العلم، لكن الذي ميز الشيخ رحمه الله أنه كان علماً راسخاً، مبني على أصول وقواعد، فلذلك تميز رحمه الله عن غيره، وكان دقيقاً في رأيه واختياره وإفتائه ونقده، بسبب رسوخ علمه، على قلة المصادر التي كانت متوفرة في أيديهم، اليوم ما شاء الله الكتب تملأ كل مكان وفي يد طلبة العلم، والذي لا يستطيع أن يقتني الكتاب يستطيع أن يصل إليه من خلال وسائل الاتصال الحديث والإنترنت وما أشبه وذلك، يصل إلى مخطوطاتٍ في أقصى الدنيا، فتيسُّر المعلومة بالتأكيد أنه يُكسب ملكة، لكن في زمانه رحمه الله في أول سني تدريسه لم تكن الكتب مطبوعة، إنما طبعت الكتب لاحقا، فكان ذلك داعياً إلى أهمية التركيز والتأصيل في العلم حتي يتمكن من الإجابة عن كل ما يمكن أن يجد ويحدث، الشيخ رحمه الله كان طيب الصلة بزملائه، متعاوناً في تعليمه وفي صلته بالمشايخ بعد ذلك، وهذا جانب من الجوانب الذي يمثل أن مما ميز شيخنا في علمه سلامة الصدر، لم يكن الشيخ رحمه الله حريًا منافساً، لم يكن منافساً على منزلة عند الناس، أو منزلةٍ يسبق بها غيره، إنما كان رحمه الله حريصاً على بذل العلم بكل وسيلة ومن كل طريق ومن كل وجه، أرجو أن يكون ذلك ابتغاءَ ما عند الله عز وجل، فلم يكن رحمه الله ينافس أحداً، أنا أذكر مرة من المرات قلت له: زارنا أحد المشتغلين بعلم الحديث( أحد المشايخ وطلبة العلم) فكان يقول: هؤلاء الفقهاء ما عندهم علم والعلم عند المحدثين، ويذكر في هذا شيئاً كثيراً حول هذه النقطة بالذات، وهذا معروف في كلام العلماء مسألة خلاف المحدثين مع الفقهاء شيء معهود ومعروف، فقلت له يا شيخ ما رأيك في هذه المقولة : قال: لو أننا نستشعر أننا خدام للشريعة؛ لفرح كل واحد منا بعمل الآخر الذي فيه رفعة الشريعة ونشرها، وهذا المعنى يغيب عن طلاب العلم في كثير من الأحيان، وتجدهم يتنافسون على المنازل، وعلى اكتساب القبول عند الناس، في حين أن الشأن ليس فيما تكسب عند الناس، الشأن فيما تكسب عند الله عز وجل، الناس تضيق المنازل عندهم، فلا تتَّسع قلوبهم لكثيرين، لكن فضل الله ورحمته وعطاؤه ومنُّه، يتسع لكل من قصده جلَّ في علاه، فهذه النفسية لها تأثير كبير انعكست في طريقته في التعليم، في محبته لنشر العلم، في كراهيته للنيل من أحد من الناس في مجلسه من طلبة علم أو مشايخ، كان يكره أن يذكر أحداً حتى في نسبة الأقوال، لو قلت: ما رأيك في القول الفلاني؟ وما قال به فلان؟ قال: اترك فلان لا يعتني بالقائلين طلباً لسلامة الصدر؟ وتربية للنشء وطلبة العلم على الاعتناء بالأقوال دون القائلين، وبالأفكار دون أصحابها، وهنا تميز الشيخ رحمه الله، وكان له مسحةٌ ظاهرة في هذا الجانب.

    الشيخ رحمه الله هوى التعليم هوايةً، بمعنى أن التعليم كان يجري في دمه رحمه الله، وهذا من أسرار تميزه ذلك أنه منذ أن بدأ رحمه الله مسيرته وهو مشتغل بالتعليم، فبدأ متعلماً معلماً، وقد حدَّثني بعض خاصته رحمه الله أنَّ هذا رافقه منذ أن كان صغيراً، فكان وهو طفل يُمارس دور المعلم في الكتاب في وقت اللعب، فيصف الأشياء أو يلقي عليهم وما أشبه ذلك مما يتعلق بمهنة التعليم والتدريس، هكذا حدثني بعض خاصته رحمه الله وهو ما اتضح في طريقة تعليمه شرق الدنيا وغربها، إذا سألتهم أي شرح أيسر لكم لفهم العلم، قالوا: شرح الشيخ محمد العثيمين رغم أنه رحمه الله يشرح متوناً تفكك بأصعب ما يكون من وسائل التفكيك، وأدق وأصعب العبارات، لكن الله طوَّع له البيان، وكان من همه تقريب العلم فبلَّغه الله عز وجل ذلك، ولهذا الآن يتسابق الناس على مؤلفاته، الشرح الممتع لو ذكرت من ذكرت في الكتب والمؤلفات التي خدمت ذاد المستنقع لن تجد ما يشفي طلبة العلم ويقرب لهم المعلومة أكثر من هذا الكتاب، رغم أنه لم يكن تأليفاً، وهذه مسألة مهمة لأن التأليف يختلف عن التدريس، فالتأليف له نوع من التحرير والدقة ليست فيما يتعلق بالإلقاء والتدريس الذي يكون مشافهةً للطلبة، شيخنا ابن عثيمين رحمه الله بذل عبر نصف قرن جهداً مضنياً، وعملاً دءوباً في التعليم بشتى الصور، لم يترك سبيلاً ولا طريقاً إلا وسلكه في التعليم، وكان رحمه الله مبادراً، وهذه خصلة تخفى على بعض الناس، الشيخ لم يكن متوارياً أو متوانياً في تقديم العلم، كان يجيب السائلين عبر الكتابات والاستفتاءات التي تصل إليه، ويخصص لذلك وقتاً، وهذا ليس في آخر وقته فقط، بل من أوائل وقته، وقد وقفتُ علي تحريرات دقيقة بالغة في العمق العلمي من أوائل الثمانينات، هذا الذي رأيته قد يكون أمرًا قبل ذلك، لكن هذا ما رأيته، وهناك أشياء لم أشهدها، وهي محفوظة في بعض فتاوى الشيخ رحمه الله، كلها كانت إجابة سائلين، وأنت في هذا الحين تقرأ هذا التحرير العلمي وهذه الدقة، هل لأنها تنشر في صحيفة أو في مجلة؟ هي وسائل خاصة، إذاً هو منهج وليس أمراً لأجل أن ينشر، الآن عندما أقول لك: ألقِ كلمة في مسجد، وألقِ كلمة عبر موقع سينقل صوتاً وصورة إلى العالم، بالتأكيد بينهما فرق في الإعداد والتهيئة وطريقة العرض والاهتمام، لكن الشيخ رحمه الله كان لا يفرق فيما يكتبه بين أن يكتب لمستفتٍ متخصّص، وبين مستفتٍ يأنس فيه أنه طالب علم، طبعاً هناك أجوبة تناسب عامّة الناس، لكن ما شهدته من كتاباته تحريرات علمية دقيقة، لمن يتوقع أنه من طلبة العلم وبعضهم  كان ممن يدرس ويتلقى عنه رحمه الله، هذا من أوجه مبادرته في التعليم.

    ومن أوجه مبادراته وقفه نفسه للتدريس بصورة ليس لها نظير، لا أظن والله أعلم أنه في المشاهير، نحن لا نعلم عن الأخفياء، في المشاهير أن أحداً بلغ ما بلغه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في نصب نفسه بالتعليم، واهتمامه بالتدريس، وعنايته بطلبة العلم، على الرغم من انشغاله في آخر الوقت، لكن كان هذا جانباً بارزاً في حياته رحمه الله ومهماً، ويعطيه من الأولوية ما كان مرافقاً له تماما إلى آخر حياته، ولا ننسى أن نذكر هذا النموذج لعنايته رحمه الله: في يوم السادس عشر من شعبان في عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هو اليوم الذي دخل فيه رحمه الله إلى مستشفى التخصصي بالرياض، لإجراء بعض الفحوصات إثر تعبه رحمه الله وما ألمّ به من المرض، دخلت معه وكنت مرافقاً له في تلك اللحظة في دخول المستشفى، فكان والله ما أنسى يا أخواني ما إن وضع الشيخ ظهره علي السرير، وكنت بجواره وأشار بأصبعه رحمه الله قائلاً: ترى أنا رتبنا دروس الجامع، اهتموا بالطلبة وعليكم بالاتفاق، شخص في مثل هذا الظرف، وفي مثل هذه الحال، بالتأكيد أنه قد ينسى، لكن التعليم كان حاضراً معه رحمه الله في كل مراحل حياته، ولذلك رغب أن يعلم رغم مرضه، والذهاب إلي مكة ليس فقط لشهود صلاة، أو شهود بقعة مباركة إنما لتعليم العلم، وبذل كل ما يمكن إلى آخر رمق، إلى آخر ليلة من  رمضان، عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرون، وقد توفي بعدها بأربعة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً، كان رحمه الله يعلم، هذا نوع من المبالغة، هذا نوع من الحرص والشفقة في نشر العلم، وإيصال المعارف والخير إلى الناس.

    من مبادراته رحمه الله أنه لم يتردد في المشاركة في الراديو، رغم وجود عدم إلفة في مثل هذا في أول الوقت عند بعض من المشايخ والبيئة التي وصفتها لكم، حتى في المشاركة في التلفاز حضر رحمه الله، عُرض عليه برنامج إفتائي في التلفاز، وقبل وأراد أن يذهب، فجاءه من جاءه في ذلك الظرف الذي كان الناس هناك من يعارض مثل هذه الأمور، ولا يقبل مشاركة المشايخ في مثل هذا، فقال له ما قال، فرأى الشيخ أن من المصلحة أن يُنيب غيره في قراءة استفتاءات عُرضت عليه، وقال: وكان الأصل أن يقدم هو البرنامج، لكن لمراعاة ظروف معينة قبل الشيخ رحمه الله، ولم يضيع الفرصة أن يقوم بتقديم البرنامج أحد محبيه، وأحد من كلفهم بتقديم السؤال والجواب، وصدر في ثلاث مجلدات، ما كان يلقى من أسئلة وأجوبة ما كان يلقى فيما يُعرف بمنار الإسلام، ثلاث مجلدات لكتاب منار الإسلام، هي عبارة عن أسئلة ذلك البرنامج الذي شارك فيه الشيخ رحمه الله، بل عندما جاء الإنترنت وجاءت المواقع، الشيخ رحمه الله بادر إلى تأسيس موقع، وظل إلى الآن المؤسسة تبث الخير، وتنشر من علوم الشيخ من خلاله، وتمارس نشاطها من طريقه، إضافة إلى القناة العلمية، التي تبث دروس الشيخ رحمه الله، كل هذا يدل على أنه رحمه الله كان مبادراً، وهذا من سمات العالم: أن لا يتردد في باب من أبواب الخير، يطمع من خلاله أن يوصل المعارف ويوصل العلوم، هذا الجانب الأول من جوانب شيخنا رحمه الله فيما يتصل بجانب العلم والتعليم والتعلم.

     فيما يتصل بالجانب الثاني، مسيرته في حياته رحمه الله، شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله لم يكن علمه صورياً، ولم يكن علمه علم لسان، بل مما ميزه الله تعالى به أن كان علمه علماً ترجمه في عمله، وظهر على سلوكه، وقوله، وأخلاقه، ومعاملته، ولهذا عندما نتكلم عن مسيرته الحياتية سيظهر لنا جلياً، أثرُ العلم في سلوك الشيخ رحمه الله، فكان رحمه الله عظيمَ التعهد للقرآن، كان رحمه الله وغفر له، يعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «فو الذي نفس محمد بيده لهو أشدُّ تفلتاً من الإبل في عقلها» صحيح مسلم (1880).، كان يختم في الشهر مرتين في الأيام العادية، وكان في رمضان يختم في كل ثلاثة أيام، إلي أن شغل رحمه الله فاقتصر على الختم في رمضان في كل عشرة أيام، ليس الشاهد في القراءة فقط بل في التدبر، الشيخ رحمه الله كان عظيم التدبر في القرآن، ويلفت نظر من يعاشره ويخالطه في لفتاته واقتباساته من الآيات من القرآن، في مواقف حياتية عادية، فكم من مرة استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا سورة النساء، الآية:86، على سلام، مرة دخل رحمه الله على مجلس، وكان فيه أحد الطلاب، فقال الشيخ: السلام عليكم، فرد الأخ بصوت خافت: وعليكم السلام، فقال الشيخ: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، وهذا ترجمة للقرآن واستحضار لمعانيه في المعاملة، وفي الممارسة، مرة من المرات، في خروجه من المعهد العلمي من المحاضرة، وكان هناك من يحتفي بالشيخ من الحرس(حرس المعهد)، فكان فرحاً بالشيخ ويشير بيديه احتفاءا به، و كنت معه فلما التفت إذا بالشيخ يبادله نفس الطريقة في الإشارة، هكذا ثم التفت إليَّ الشيخ رحمه الله وكان يرى فيَّ استغراباً قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا سورة النساء، الآية:86

     هذه نماذج عملية لتدبر القرآن، وفهمه وترجمته لواقع عملي، وفي قراءته رحمه الله كان يعجبه في القراءة أن يقرأ قراءة تدبر، وقفات للمعاني ويحتفي بذلك سماعاً، وقد قال: إنما تعلمت هذا عن شيخنا عبد الرحمن السعدي، كنا نقرأ القرآن هزَّاً دون الوقوف على معانيه، فكنا نصلي خلف الشيخ عبد الرحمن السعدي فكنا نتعجَّب من وقفاته، فنسأل فيتبين لنا من خلال ذلك السؤال، أنها وقفات لتتمَّ المعاني بها، أو يبتدئ معنى جديداً، فارتكز ذلك في نفسي، قال وألقى الله في قلبي العناية بالقراءة التفسيرية، ولهذا كان الشيخ رحمه الله حفياً بأن يقرأ هذه القراءة.

    مما يظهر في سلوك الشيخ رحمه الله عنايته في تعليم القرآن، فقال وقد سمعت: وودت لو أن تعليمي كله في تفسير القرآن، ولكن الطلبة لا يطيعون، أي إن الطلاب يطلبون منه شرح، متون في الفقه، وفي الحديث، وفي سائر أبواب العلم، ولا أحد، كلمة العلماء على مر العصور، كلما رسخت قدم العالم نطق بمثل هذه الكلمات، وهي تمنّيه أن يكون القرآن جلّ اهتمامه، ولهذا ابن تيمية رحمه الله قال: تمنَّيت أن لا أشتغل بغير تفسير القرآن، وذلك لعظيم ما يجدونه من الكنز في هذا الكتاب الحكيم، ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ سورة العنكبوت الآية:49.، أما ما يتعلق بالسنة فالشيخ رحمه الله، لم تر عيني مثله رحمه الله في تعظيمه للسنة، وعمله بها، لا أقول ذلك عن ظن بل والله عن مشاهدة، في تفاصيل دقيقة وقد يقول قائل: هذه أمور عادية يفعلها الناس، وكونك تفعلها مرة إذا أردت أن تشرب جلست، هذا يحصل، لكن كونك في كل مرة تشرب على مرِّ مدة طويلة وسنوات متوالية، تحرص على تطبيق السنة في الشرب، تطبيق السنة في اللباس، تطبيق السنة في الصلاة، تطبيق السنة في المعاملة، هنا الاختبار والامتحان، ليس الشأن أن تنجح في تطبيق السنة في موضع أو موضعين أو فترة أو فترتين، إنما الدوام ولذلك  كان أحب العمل إلى الله أدومه، وكان رحمه الله دائم العمل بالسنة حريصاً، أنا أول موقف لفت نظري في حرص الشيخ على السنة، كنت طالباً في جامعة البترول والمعادن، وزار الشيخ رحمه الله الجامعة، وكنت مرافقاً له، فلما أردنا النوم فرشتُ للشيخ رحمه الله فراشاً جديداً ومهيأً، وكان معنا شخص ثالث، لما جلس الشيخ يريد النوم نزع غترته، وأخذ يمسح فراشه بالغترة، فقلت له يا شيخ أيش هذا؟ قال: هذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله إذا أوى إلى فراشه، تعهَّد فراشه بطرف إزاره ألا يكون قد خلفه شيء، هذا العمل المستمر الذي كان يديمه رحمه الله، هو حمل النفس على اكتساب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل الطرق، وفي كل الأحوال في الغيب و الشهادة، وهنا يكون سر القبول، هنا يكون سر أن يجعل الله تعالى للإنسان القبول في علمه، فكلما كان العلم الذي يتكلم به شيئا من الممارسة واليقين والإيمان، كان ذلك أمثل في قلوب الناس، وأرجى للتأثير عليهم. الشيخ رحمه الله منذ عرفته، لم يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أنا عرفته من عام ألف وأربعمائة وثلاثة تقريباً، وكان القرب الملازم في عام ألف وأربعمائة وثمانية، منذ هذا الوقت إلى وفاته كان يحرص على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ما أخلَّ بها في شهر، حتى في شعبان في ألف وأربعمائة وواحد وعشرين، هذا هو عام المرض رحمه الله إلا أنه صام، ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي كان الشيخ فيه صائماً رحمه الله، هذا العمل على هذا الامتداد يدل على أن الثبات والدوام من أسرار النجاح، من أسباب القبول، من دواعي التوفيق والتأثير في الآخرين، طبعاً في الأصل الأجر والثواب والرسوخ في الأصول، من ذلك أن يؤثر وأن يكون ذلك مؤثراً على الآخرين.

     الشيخ رحمه الله في صلاته، كان عظيم الاحتفاء بالسنة، وهو صلاته مميزة، في طولها، في مراعاتها للآداب النبوية في كل تفاصيلها، وهذا لم يكن فقط في صلاته في المسجد، بل حتى في صلاته في خلواته رحمه الله، شهدته مرات وهو يصلي النافلة، لا تفرقه عن صلاته في المسجد، من حيث الخشوع، والتأني، والهدوء، والطمأنينة، وهكذا يكون أهلُ العلم، سرهم إلا أن يكون أطيب من علانيتهم فهو كعلانيتهم.

    قيامه لليل رحمه الله كان لا يخل بقيام الليل، ويحرص على صلاة شيء من الليل، ولو يسيرا ولو ركعة، ومن الجوانب التي شهدتها فيه رحمه الله، وهي مما يتعلق بمسيرته لترجمة العلم، حرصه على الأذكار، كان رحمه الله شديد العناية بالأذكار، أذكار الصباح، وأذكار المساء، وأذكار بعد الصلوات، وهذا واضح، ومنوَّع، ولا يثبت على نوع واحد من الأذكار، بل كان ينوع، أذكر من عنايته بالذكر رحمه الله، كان يُدرس بالحرم المكي في رمضان، فكان الدرس يبدأ مباشرة بعد الصلاة، فيُسبح الشيخ رحمه الله تسبيحات يسيرة، بما تيسر من السنة من التسبيح أدبار الصلاة، ثم يقوم بالدرس لأن الناس يجتمعون، فيقدم الذكر التعليمي على الذكر من التسبيح والتحميد إلى آخره، حتى تشرق الشمس يدرس رحمه الله،  ويجلس في درسه إلى ما بعد الشروق قريب الساعة، ثم يذهب إلى بيته ليستريح، كان رحمه الله إذا ذهبنا إلى البيت، وآوى كل واحد إلى فراشه، جلس يذكر الله تعالى، أذكار الصباح التي لم يتمكن من القيام بها، سبحان الله وبحمده مائة مرة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة. والله ياإخواني!!!  كأنه الآن أمام عيني في الصالة يدور رحمه الله، يقضي ما انشغل عنه من الذكر بسبب التعليم، هذا نموذج من الترجمة العملية، وبه يحصل التميز، به يحصل الخير والصدق للإنسان.

    أما الجوانب الأخرى من ورعه رحمه الله، وتحريه فهذا يعرفه من خالطه، القصص في هذا كثيرة وظاهرة، زهده رحمه الله شيء بين وظاهر في سلوكه، وعمله، كل هذه سمات العلم، لكن السمات البارزة التي لا تخطئها في أخلاق الشيخ رحمه الله، ومعاملته: التواضع، لم يكن الشيخ رحمه الله بينه وبين الناس حاجز، يصل كل الناس القريب والبعيد العربي والعجمي الصغير والكبير الذكر والأنثى كان قريباً من الناس، قد تحدث حدة بعض الأحيان بسبب كثرة الناس عليه، لكن رحمه الله لم يكن بعيداً عن الناس، وكان رحمه الله من أوسع الناس صدراً في تعليم العلم، وفي تحمُّله، ومن شهد اكتظاظ الناس عليه في الحرمين، وفي مواسم الحج، وفي أواخر شهر رمضان، يقول: كيف يتحمل هذا شخص بلغ من السن قريب السبعين، لكن رحمه الله كان يصبر على الناس، فكان هذا من سمات الشيخ رحمه الله، أيضاً أنه كان صبوراً، وسآتي على الصبر في ناحيةٍ بعد قليل، في إبراز جانب من جوانب صبره رحمه الله، لكن نستكمل ما يتعلق بالتواضع، كان تواضعه سبباً لقرب الناس منه، كم من مرةٍ كان الشيخ رحمه الله شاهدته جالساً يكتب لأحد على الرصيف في الشارع! يكتب لامرأة، يكتب لرجل، أو يقضي حاجة أحد، وهذا ما يفعله بعض الناس الذين لم يبلغوا ولا عشر معشار ما بلغه رحمه الله، وهو إمام وعالم يأتيه الناس من كل حدبٍ وصوب، لكن تواضعه كان فطري جبلي، كان الشيخ رزقه الله تواضعاً فطرياً هذبه وجلاه نظره في فضيلة التواضع: فمن تواضع لله رفعه.

    فيما يتعلق بالصبر سمة من سمات شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله كان صبوراً، وصبره رحمه الله من أسرار تميزه، ولا شك أن الصبر خير ما يُعطى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره: «ومن يَستعفف يُعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله  ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» صحيح البخاري (1469). فهو خير عطاء لأنه الحامل على كل فضيلة، والزاجر عن كل رذيلة، كان رحمه الله صبوراً صبر في تعلمه، صبر على قله ذات اليد في أول الوقت، صبر على منافسيه الذين كانوا لا يُريدون تفوُّقه وتميزه وقبول الناس له، صبر على مخالفيه الذين خالفوه في مسائل العلم، وأغلظوا له القول حتى إن بعضهم بلغ به مبلغًا، أن قال فيه قولاً عظيماً، صبر رحمه الله على تعليم العلم، وبذله، في وقتٍ انفتحت الدنيا للناس، وكان الشيخ يمكن أن يصل إلى ما يريد من خير الدنيا، بما منحه الله تعالى من العلم والمعرفة، لكنه آثر التعليم فصبر على التعليم والبقاء في حلق العلم، فأعقبه الله خيراً بهذا القبول وهذه النتائج العظيمة التي خلفه، صبر رحمه الله على الطلبة، في ضعفهم وكسلهم، في وقت كان الذي يحضر الحلقة واحد، في بعض الأحيان وكان في بعض الأحيان قد لا يجد طالب عنده، وقد حدثني عبد الرحمن ابنه، وهو من درسه الشيخ في المعهد العلمي، أن الشيخ كان يقول لهم: تعالوا بعد العصر الجامع، أي شيء يشكل عليكم في أي مادة أدرسكم، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكرته قبل قليل، أن الشيخ رحمه الله كان راغباً في التعليم، جبلة وفطرة في حرصه على تعليم الناس، ونفعهم فيقول تعالوا في أي مادة جغرافيا تاريخ، أعلمكم ما تحتاجون، هذا صبر ليس باليسير ولا بالسهل، كان رحمه الله صبوراً على من يسئ إليه، ولا يقابل الإساءة بمثلها بل يتحمل، وأنا شهدت من هذا شيئاً كثيراً، سواء كان ذلك من طلابه، أو كان ذلك من عامة الناس، أو كان ذلك من أقرانه، أو من أهل العلم، كان رحمه الله سليم الصدر، واسع الخُلق في قبول الناس والإحسان إليهم والعفو عن أخطائهم، لا يعني أنه ملك، لكن نحن نبرز الجوانب البارزة، لا يعني أنه لم يكن هناك نوع من القصور والتقصير البشري، لا لكن في السير والتراجم نبرز الجوانب الإيجابية التي كانت غالبة، متواضع رحمه الله حتي أني أذكر زار الشيخ الألباني "جدة" في فترة كان الشيخ رحمه الله فيها، كان في "جدة" توافق أن كان الشيخ محمد بن عثيمين في "جدة" والشيخ الألباني في "جدة"، فحرص الشيخ غاية الحرص على أن يلتقي به، وطلب رحمه الله التنسيق له، فزار الشيخ الألباني في بيته، وكانت جلسة في غاية الأدب والجلالة والمهابة والحلاوة، قطبان من أعلام الأمة يجتمعان في مجلس يتبادلان الود والمحبة والتعاون، رغم ما بين الشيخين من افتراق في الاهتمام، الشيخ الألباني كان اهتمامه منصباً في الحديث، تصحيحاً ورواية، وشيخنا رحمه الله كان اهتمامه في فقه الحديث، وفهمه، ودرايته، مع هذا كان المجلس في غاية المهابة والجلالة، هذا نموذج مّما يتعلق بصبره رحمه الله، والشواهد والقصص كثيرة في هذا الجانب، لكن أحببتُ أن أشير إشارات لعلي لا أطيل عليكم.

    فيما يتعلق بحياته الأسرية شيخنا رحمه الله تعالى، رزقه الله تعالى زوجة صالحة، ومنَّ عليه بأبناء بررة، وبنات صالحات، فرزق شيخنا رحمه الله من زوجته أم عبد الله، خمسة من الأبناء، أكبرهم عبد الله، ثم عبد الرحمن، ثم إبراهيم، ثم عبد العزيز، ثم عبد الرحيم، و له من البنات ثلاثة من البنات، كلهم أهل خير وصلاح، نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيهم، وأن يجعلهم خلفاً مباركاً صالحاً لشيخنا الجليل.

     الشيخ رحمه الله كان مثالاً مميزاً في تعامله العام، وفي تعامله الخاص، فكان من خير الناس لأهله، في قضاء حوائجهم، وفي الإحسان إليهم، وفي القرب منهم، رغم كثرة انشغالاته، ورغم عظيم ما كان قد تبوأه في آخر عمره من مسؤوليات، إلا أنه رحمه الله كان في مهنة أهله، قريباً منهم يقضي حوائجهم، يتلمس حاجتهم، ويتعهد أبناءه وبناته في التعليم والدراسة والمتابعة على حسب ما يسَّر الله له رحمه الله من وقت، ومن مطالعة لأحوال الأسرة، فكان نموذجاً للأب الرحيم، والمربى المتابع، والناصح المشفق، وثمرة ذلك ما كان من تماسك الأسرة، وصلاحها وصلاح الأبناء صلاحاً مديماً، على الجميع الخير والبر والتوفيق.

    لاستكمال القراءة يمكنك تحميل الملفات المرفقة word  &  pdf

    التفاصيل
    0
    228
  • تأملات في السيرة النبوية
  • الحمد لله حمدًا كثيـرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده حقَّ حمده، أحقُّ من ذُكر وأعظم من حُمد، وأثني عليه، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنـى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمـدًا عبد الله ورسوله صفيّه وخليله، خيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين،
    أما بعد،
    فحيَّاكم الله أيها الأخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك في هذه البقعة الطاهرة المباركة في هذا اليوم العظيم، في ليلة عرفة من منى، أسأل الله عز وجل أن يبارك لي ولكم في حجنا وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا وإياكم على تحقيق الحج المبرور الذي به تبلغ الأماني وتدرك المطالب، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
    أيها الإخوة الكرام، عندما يتحدث الإنسان عن شخص له مكانة ومنزلة، تعجز الألفاظ وتضيقُ أوجه البيان في بيان مكانته ومنزلته. هذا فيما إذا كان يتحدث عن شخص ذي تأثير ومكانة في الأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالصحابة الكرام رضي الله عنهم، والأئمة العظام على تعاقب الليالي والأيام، في تاريخ الأمة المجيد.
    تعجز الألفاظ عن أن توفي أولئك الأبرار، أولئك الأعلام ما لهم من مكانة، أن توفي ما لهم من مزايا، أن توفي ما قدموه للأمة وما تركوه من بصمات مباركة في أمتهم، فكيف إذا كان الحديثُ عن سيّد ولد آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
    كيف إذا كان الحديث عن سيرة خير الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم؟
    كيف إذا كان الحديث عن صفوة الله من خلقه؟
    إنَّ الأمر يختلف تمامًا، فمهما أوتي الإنسان من البيان، وفُتح عليه في أوجه الفصاحة وقوة اللسان، فإنه سيقصر عن توضيح ما كان عليه خلق الأنام صلى الله عليه وسلم من المكانة والمنزلة.
    يكفيه فضلًا ومكانةً أن الله اصطفاه وشهد له بالكمال البشري وقال:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } سورة القلم الآية رقم 4، يكفيه منزلة ومكانة أن الله تعالى رفع قدره، وبلَّغه منزلة لم يبلغها أحد من الأولين والآخرين، ليس فقط في فضائله وشمائله وخصائصه وما كان عليه من طيب الأخلاق صلى الله عليه وسلم وحسن السجايا؛ بل الأمر يتعلق بما خصه به من عظيم المكانة والقرب منه جل في علاه، فقد أعلى الله منزلته ورفع مكانته وأدناه منه جل في علاه حتى بلغ مقامًا لم يبلغه أحدٌ من الأولين والآخرين؛ بلغ مقامًا في ليلة المعراج سمع فيه صرير الأقلام صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ الأقلام التي تجري بأقدار الكريم المنان جل في علاه، الأقلام التي يُستنسخ بها ما في اللوح المحفوظ، سمعه صلى الله عليه وسلم وهذه منزله لم يبلغها أحد قصر عنها كلُّ خلق الله عز وجل من الإنس والجن والملائكة وغيرهم ممن خصهم الله تعالي بالمزية والمكانة.
    أيها الإخوة عندما نتحدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن نتحدث عن الكمال البشري؛ عن الأسوة الذي جعل الله تعالى أخلاقه وشمائله وما كان عليه نجاةً للبشرية، ليس في عصر ولا في مصر ولا في مكان ولا في حقبة من الزمان، بل ذلك على تعاقب الليالي والأيام، بل ذلك على مر العصور والدهور.
    فمحمد بن عبد الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم هو أكمل البشر على مر العصور، لم يأتِ أحد قبله بمنزلته، كما أنه لا يبلغ أحد ممن بعده منزلته صلى الله عليه وسلم في العلم بالله، وتحقيق التقوى وكمال العبودية لله جل في علاه.
    «أما والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له» أخرجه البخاري (5063)، وأحمد(6/61) واللفظ له، ولفظ البخاري ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) هكذا أخبر صلى الله عليه وسلم، ليس فخرًا ولا خيلاء ولا علوًا على الخلق بل ذاك كان بيانًا لما حباه الله به وما خصه به من كمال العلم به وكمال تحقيق العبودية لله عز وجل.
    النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الأسوة والقدوة والخير للأمة في كل باب من الأبواب، لم يستثنِ في ذلك باب؛ فإذا نظرت في نفع الناس فهو الإمام المقدم،  في نصح الناس فهو السابق الأول، في الجهاد فهو الشجاع المقدام، في التعليم والبيان كذلك، في القيادة والريادة له السبق والتقدم، في حسن العشرة مع أهله وضعفاء الناس كان نموذجًا يُحتذي، لا يُشقُّ له غبار صلى الله عليه وسلم فكمّل الله به محاسن الأخلاق في تحقيق العبودية ما بين العبد وربه في صلته بالله وفي صلته بالخلق.
    عندما نتحدَّث عن سيرته، نتحدث عن حلقات من النور ومواقف من الهداية، إنَّنا لا نروى قصصًا تملأ به المجالس ولا حكايات تُسلى بها النفوس، إننا نقصُّ حياة من جعله الله قدوة للأمة عبر الليالي والأيام على اختلاف العصور والدهور، وعلى اختلاف الأحوال والمواقف، قدوة للصغير والكبير، للذكر والأنثى، للحاكم والمحكوم، في حال السَّعة والضيق، في حال المنشط والمكره، في حال الفتنة وفي حال السعة والأمن.
    إنه إمام الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس هذا تمجيدًا له فحسب؛ هذا بيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم حتى نعرف أهمية ما نقرأه، أهمية ما نسمعه، أهمية ما نطالعه من أخباره صلى الله عليه وسلم. أخباره ليست قصصًا تُروى وتُملأ بها المجالس وتشنف بها الأسماع وتعطر بها الاجتماعات، إنها مدرسة، إنها منهج حياة، إنها مخرج من كل ضيق إلى كل سعة، إنها هداية، إنها أسوة كما قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} سورة الأحزاب الآية رقم 21
    إذًا عندما نتعامل مع سيرته صلى الله عليه وسلم على هذا النحو؛ إن نظرتنا ستختلف، لن نقرأ سيرته على إنها نموذج من نماذج الإنجاز البشري، كغيره من سير البشر، وكغيره من سير الناس، يُنتقى منها بعض ما فيها من إضاءات ليكمل ما في النفس من نقص!
    لا؛ إنه أسوة في كل لحظة، في كل دقيق وجليل، في عبادته وصلته بربه، وفي معاملته للناس وصلته بالخلق، هذا المعني ينبغي أن يركّز في نفوسنا حتى نعلم أن قراءة سيرته وسماع أخباره ليس للمتعة ولا للابتهاج ولا للتسلية، إنما هو للعلم والعمل.
    فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جعله الله قدوة للأمة، كما قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ} سورة الأحزاب الآية :21.
    أيها الإخوة، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أسوةً للأمة في حقبة دون حقبة، بل مرَّ صلى الله عليه وسلم بأطوار عديدة؛ مرَّ بهزيمة ونصر، ضعف وقوة، منشط ومكره، إقبال من الناس وإدبار. كلَّ ذلك كان مدرسة للأمة لتعرف كيف تتناول وتتعامل مع الأحداث على اختلافها وتنوعها، فإنَّه لا دوام لحال؛ بل الأمة على مر العصور تتقلب في أحوالها بين حال إلى حال.
    إن التأملات في السيرة ليست موقفًا تُقرأ فوائده، وتستنبط عظاته وعبره، إنه أكبر من ذلك؛ إننا نحتاج في البداية قبل أن نلج إلى تفاصيل الأحداث وموقف النبي صلى الله عليه وسلم هنا أو هناك، نحتاج إلى أن نعرف كيف نتعامل مع السيرة، ما هي أهمية التأمل في السيرة؟
    إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من المهمَّ لكل مؤمن: أن يعلم أنها مفتاح تحقيق الإيمان به صلى الله عليه وسلم، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله، وأني رسول الله»أخرجه البخاري(25)، ومسلم(20)، والشهادة له بالرسالة لا تكون عن جهل بحاله، ولا عن معرفة لما جاء به، لا تكون الشهادة كاملة ولا صادقة ولا وافيةً، إلا إذا كانت عن علم به صلى الله عليه وسلم؛ فالدراسة لسيرته والوقوف عند أخباره هو مما يتحقق الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ولهذا كانت سيرته دليلًا على نبوته، وقد قال ذلك جماعات من أهل العلم كما هو واضح من سير الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم أو الَّذين عاشروه.
    يقول شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله: "فسيرته وأخلاقه وأقواله وشريعته كلها من آياته"؛ أي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فما كان عليه من سيره، ما كان عليه من خلق، ما كان عليه من شمائل، ما كان عليه من أقوال، ما جاء به من تشريع، كل ذلك دليل على صحة نبوته ورسالته.
    إننا لم ندرك انشقاق القمر، ولم ندرك نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه على آله وسلم، ولم ندرك تسبيح الطعام بين يديه، لكنَّنا سمعنا من شمائله وأخباره وصدق ما دلَّ على نبوته، ما تنشرح به صدور أهل الإيمان ويعلمون صدق قول الرحمن: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} سورة فصلت الآية رقم 53 والضمير يعود على الرسول في أحد الأقوال التي ذكرها المفسرون، أنه الحق الذي جاء من الله، الحق الذي جاء بالحق من الله، الحق الذي دل على الحق الذي هو الله جلَّ في علاه.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى قوم في عماء، كما وصف ذلك بقوله:«إن الله نظر إلى أهل الأرض –ليس إلى العرب فقط إلى أهل الأرض- فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» هؤلاء البقايا هم من كانوا على أثرة من علم من النبوات السابقة، وأما عامَّة الخلق فكانوا في عماء، جاء فلم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه ما يسوؤه أو ما يُذم به، بل تولى الله عز وجل صناعته بعينه ورحمته حتى كان على أكمل ما يكون البشر دون رسالة؛ في شمائل الأخلاق، في البعد عن الرذائل، في الصدق وفي الأمانة، وفي سائر الخصال التي تكمل بها خصال الإنسان دون الرسالات؛ من مقتضيات الفطرة ومن مقتضيات ما اجتمعت عليه فطر البشر من قبل الخصال الحميدة والخلال الحسنة.
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم فبعثه الله عز وجل وأرسل إليه رسولًا، فبلغه ما بلغه من الهداية والنور والنبوة، فانتقل إلى السمو حيث انتقل إلى كمال بجهد بشري، إلى كمال بولاية رب العالمين ونوره وتوفيقه وتسديده ومعيته التي كانت في سمعه وبصره وقوله وعمله وسائر شأنه صلى الله عليه وسلم.
    فانتقل صلى الله عليه وسلم إلى كمالٍ آخر، هذا الكمال الآخر ذاع في الآفاق وسمع به الناس فجاء الناس يتحسسون ما عنده، رغم عظم الدعاية المضادة لما كان يدعو إليه من عبادة الله وحده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جاء من يتلمس أخباره، ليعرف حقيقةَ ما يدعو إليه فجاء العرب يعرفون من أحواله وأقواله ما دعاهم إلى الإيمان به دون مرغبات. فلم يكن عنده في أوائل دعوته ما يدعو الناس إلى الإيمان به رغبة في دنيا أو طمعًا في تحصيل منفعة، إنما كان القائد لإيمان أولئك الذين آمنوا  به قبل هجرته ما كان عليه من الصدق، ما كان عليه من الهداية، ما جاء به من الهدي ودين الحق صلى الله عليه وسلم.
    تسامع به الناس فخرج صلى الله عليه وسلم بعد الأذى الشديد إلى المدينة، وكان ما كان بينه وبين قومه من مناوشات بدئت في بدر ثم عقبتها أحد ثم الأحزاب، ثم كان ما كان من الصلح بينه وبين قومه. في هذه الأثناء ذاع صيته صلى الله عليه وسلم، بل كتب بنفسه صلى الله عليه وسلم إلى الآفاق يدعو العالم للإيمان به وسماع رسالته، فكان ممن بلغهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم هرقل؛ وهو عظيم الروم أكبر دولة في ذلك الزمان، كتب إليه صلى الله عليه وسلم كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وإنما أقصُّ هذا الخبر لنعرف أن العلم بسيرته من أعظم أسباب الإيمان به، ومن أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، هرقل لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، لم يصل إليه، لم يعاشره، لم يخالِطه كان بعيدًا عنه، وملكه ومكانته تحول دون أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ليستمعَ منه مباشرة.
    فلما جاءه الكتاب وكان ذا عقلٍ راجح، دعا من يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك من قومه، فجاء أبو سفيان وهو أقرب الناس من الوفد الذي حضر هرقل، فجعله بين يديه والقوم خلفه، فقال: ( إن كذب فأعلموني)، فسأل هرقل أبا سفيان جملة من المسائل، هذه المسائل مجملها يعود إلى حقيقة ما جاء به النبي، ما هي سيرته؟ ما هي أخباره؟ ما هو حاله؟ فسأله عنه صدقًا وكذبًا، هل عهدتم عليه كذبًا؟ هل له ملكٌ يبحث عنه لآبائه وأجداده ملكًا يريد إحياءه؟
    جملة من المسائل ذكرها البخاري وغيره في صحيحه في مسائل هرقل "صحيح البخاري" (7)، ومسلم (1773)، جملتها تعود إلى أسئلة لاستكشاف حال النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في سيرته وفي سيرة من آمن به، فماذا كانت النتيجة؟
    إنها المفاجأة أن قال هرقل لأبي سفيان ومن حوله: إنه نبي الله، وإن صدق ما قلت فسيملك ما تحت قدمي هاتين، ولو استطعت أن أخلص إليه لغسلت التراب عن قدميه، من الذي يقول هذا؟
    هرقل عظيم الروم، يقول هذه الجمل، من أين استخلص هذه النتيجة؟
    إنه من التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذًا التأمل في السيرة يقود إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يقود إلى تحقيق الإيمان به تكميلًا لأهل الإيمان وإيجادًا لمن لم يكن مؤمنًا به.
    ولذلك من أعظم وسائل الدعوة في العصر الحديث الذي غفل عنه كثير من المسلمين؛ من أعظم وسائل الدعوة أن يبين لهم سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، اسم محمد اسم معروف وشهير في العالم حتى أصبحت بعض الدول الكافرة في أوروبا وغيرها، الاسم الأول في البلد للمواليد محمد، أليس حريًا لأهل الإسلام أن يقدموا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا مبالغة ولا غلوَّ ولا زيادة؟ ففي سيرته من أنوار رسالته واصطفاء الله له ما يكفي عن أن يجتهد البشر زيادة في مقامه ورفعة في منزلته، فقد بلغه الله منزلة تقصر عنه كل الاجتهادات التي تسعي إلى رفعه صلى الله عليه وسلم.
    ومن رفعه الله فلا خافض له، وقد رفعه الله وأعلى ذكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن حقِّه أيها الإخوة، من حقه على أمته جماعات وأفراداً أن يبذلوا الجهد في بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، فسيرته تأسر القلوب، وعندما تقرأ ما كتبه وما تفوَّه به عظماء الزمان ممن طالعوا سيرة خير الأنام صلى الله عليه وسلم تعرف يقينًا أن إظهار سيرته على النحو الذي كان عليه دون مبالغة ودون تتبع لشواذ الأخبار وضعيفها، إنما ما صح وثبت من سيرة خير الأنام وما ذكره أصحاب السير عنه صلى الله عليه وسلم، كافٍ في بيان فضله وعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم.
    إن الإيمان به، إنَّ التأمل في سيرته هو الطريق الذي يحقق المؤمن به العبودية لله عز وجل، قد يقول قائل: هذه مبالغة!
    لا والله ليست مبالغة؛ إن تحقيق كمال العبودية لله عز وجل مرهون بكمال العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نعرف أنَّ السيرة ليست قصصًا تروى، ولا حكايات تُسرد، إنما هو بيان لما كان عليه قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، في سرِّه في منشطه ومكرهه صلى الله عليه وسلم، في خاصته وبين الناس؛ نعرف أنه لا يمكن أن يحقق الإنسان كمال العبودية لله عز وجل إلا من خلال سيرته صلى الله عليه وسلم.
    أتعلمون أصحَّ كتاب بعد كتاب الله، ما هو؟
    صحيح البخاري؛ صحيح البخاري ما حقيقته؟
    إنه الجامع لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وسيرته وأيامه، إنه جامع لسيرته صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله وغزواته وأيامه صلى الله عليه وسلم. هذا أصح كتاب؛ وهو كتاب من الكتب العلمية العظمى التي عكف العلماء على دراستها وشرحها وبيان ما فيها من العلوم والكنوز، هذا السِّفر المبارك هو سيرة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لأحد أن يحقق العبودية لله عز وجل إلا بمعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
    كيف كان يعبد ربه؟
    وكيف كان يعامل الخلق؟
    وكيف كان في عسره ويسره، منشطه ومكرهه، وفي سائر أحواله صلى الله عليه وسلم؟
    ولهذا كلما زاد نصيب الإنسان علمًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من طيب الأخلاق وكريم الشيم والخصال؛ زاد نصيبه من العلم بالله ومعرفة الطريق الموصل إلى الله جل وعلا.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تبليغ الأمة دقيق الأمر وجليلها، حتى لم يترك شيئًا تحتاج الأمة إلية إلا وقد بينه ووضحه، تركنا على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ليس فقط في شأن معاملة العبد لله عز وجل وفي شأن العبودية، بل في هذا الشأن وفي كل شأن.
    يقول الله عز وجل:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ}.
    ويقول جل في علا:{ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة الحشر آية رقم 7
     ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أخرجه البخاري(631)، ومسلم (674) ، وفي الحج يقول صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم» أخرجه مسلم(2877).
    فلا يمكن لأحد أن يحقق كمال العبودية لله إلا بتحقيق العلم بسيرته صلى الله عليه وسلم، وهنا نحتاج إلى أن نُشيع بين الناس أن السيرة ليست فقط سيرة بن هشام، وليست فقط سيرة بن كثير، وليست فقط الرحيق المختوم، وليست فقط ذاك أو ذاك من الكتب التي تناولت غزواته، إنها أوسع من ذلك.
    إن السيرة تشمل صحيح البخاري وصحيح مسلم ودواوين السنة جميعًا، بل وحتى المختصرات، كبلوغ المرام والأربعين النووية وغيرها من كتب الأحكام التي جمعت أصول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، هي من سيرته.
    وعندها تتسع الرؤية ويتسع الأفق في فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست قصصًا للترويح عن النفس والاستئناس بذكره صلى الله عليه وسلم، إنها أبعد من ذلك، إنها إيمان به، إنها دليل على نبوته، إنها الطريق الذي يحقق به المؤمن العبودية لله عز وجل.
    كلنا يرجو أن يبلغ ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري رقم(15) ومسلم رقم(44) من حديث أنس: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
    وفي حديث عمر لما قال:"والله يا رسول الله إنك أحب الناس إلي إلا من نفسي"، قال: «لا يا عمرو، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال:« الآن يا عمر» "صحيح البخاري"(6632).
     الآن كملت الإيمان، الآن حققت كمال الإيمان به صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى لا يمكن أن يتحقق لمن كان لا يعرف أخباره صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من كريم الخصال وطيب الأخلاق.
    إنَّ جزءًا من أسباب صلاح الأمة في عهدها الأول، هو قربها منه وشهودها له صلى الله عليه وسلم، وبالتالي كلما كانت الأمة قريبة من سيرته، عارفة بهديه، مطلعة على أخباره كان ذلك من علامات صحتها وسلامة منهجها وطريقها، وخروجها من الأزمات والمضايق.
    أيها الإخوة، إنَّ الحديث عن السيرة حديث ذو شجون، وهنا يقف الإنسان عند جفاة لا يعرفون من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلا نتفًا من أحاديث الأحكام، وغلاةٍ في محبته أهدروا سيرته المتعلقة بمنهج الحياة وعكفوا على أخبار ضعيفة يتناقلونها من كتب السير، والسيرة الحقيقية هي معرفة ما كان عليه في كل شأن؛ في علاقته بربه وفي علاقته بالخلق وفي سائر أيامه ولياليه صلى الله عليه وسلم، وإن لمحة موجزة في معرفة سيرته في حجه تدعو القلوب إلى محبته.
    إن الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أيام معدودة من خروجه من المدينة إلى رجوعه، إذا حرص المؤمن على مطالعة كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم بما أننا في أيام الحج وأعماله، ويمرُّ علينا كثير من أخباره صلى الله عليه وسلم في حجه، كيف كان في عرفة؟
    وكيف كان في المزدلفة؟
    وماذا صنع في منى، وكيف كان لما قدم إلى مكة، وماذا قال لأصحابه وكيف ردُّوا عليه؟
    ومعاملته العامة للأمة، ومعاملته الخاصة لأفرادها، في شأنه الخاص في زوجاته وسائر من احتكَّ به صلى الله عليه وسلم ممن نقل عنه خبر معايشته للنبي صلى الله عليه وسلم؛ يرى عجبًا، يرى في هذه البرهة المختصرة التي لا تتجاوز القريب من العشرين يوماً أو أقل من ذلك.
    يرى من دلائل نبوته وصدقه ومحبته وتحقيق العبودية لله عز وجل، ما يحقِّق تلك المعاني كلها. لذلك من المهم أن نستحضرَه في حجِّنا، ليس فقط في جانب من الأعمال والأحكام، بل في العمل القلبي قبل العمل الصوري.
    كيف كان قلبه صلى الله عليه وسلم؟ في حجه؛ هذا معنى يغيب عن كثير منا، إنه في غاية الذل لله عز وجل، في غاية الخضوع له، انعكس هذا الذل والخضوع القلبي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، فحج صلى الله عليه وسلم على رحل رثٍ وعلى قطيفة يقول الراوي: (لا تُساوي أربعة دراهم)، في غاية التواضع، في غاية الذل لله عز وجل، في غاية الحرص على نفع الناس لذلك طاف صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس ويتأسوا به.
    ولما وقف في عرفة في ذلك الموقف العظيم لم ينعزل عن الناس في زاوية، وكان قادرًا على أن تضرب له أفضل القباب، فهو سيد العرب، سيد الجزيرة في ذلك الوقت.
    كل الناس دانوا له صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم على راحلته التي كانت برحل رثٍ وهي زاملته –يعني التي عليها طعامه وشرابه صلى الله عليه وسلم- ما كان عنده رحل ثاني للعفش والمتاع، بل كان رحله ومتاعه على نفس البعير الذي حج عليه صلى الله عليه وسلم.
    كان واقفًا من بعد الزوال إلى غروب الشمس، وقد تربَّص بمكان يكون فيه بارزًا للناس، فجعل بطن راحلته إلى الصخرات وحبلُ الناس بين يديه صلى الله عليه وسلم لينفعهم وليأتسوا به، وليقتدوا بما كان عليه صلى الله عليه وسلم، وإن أشكل عليهم شيء أخذوا عنه ورجعوا إليه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} سورة النحل الآية رقم 43 .
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم في غاية الذل لله عز وجل والتواضع للخلق وإظهار العبودية لله عز وجل، قولًا وعملًا، وفي غاية الرأفة والرحمة، فكان يأمر الناس بالهدوء والسكينة: (( عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع)) "صحيحالبخاري"(1671).
    إنها كلمات يا إخوان تمثل منهج حياة؛ تختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أي إن الذين لم يشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم طوال السنوات الخالية حجُّوا معه فأدركوا ما كان عليه من الرحمة، من النصح، من الإخلاص لله عز وجل، من الإحسان للخلق، من تحقيق العبودية، من التواضع، من الذل لله جل في علاه، من حسن الصحبة للصغير والكبير، فكان لا يردف معه عظماء الناس بل يردف معه الصغار ترفُّقًا بهم، على خلاف حال الكبراء فإنهم لا يردفون معهم إلا من يُشار إليهم بالبنان.
    هكذا كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم تأمل، أنا أدعو نفسي وإياكم بما أننا في الحج أن نتأمل سيرته ونسجل أبرز معالم سيرته في حجه، وأجزم أن هذا الذي سنستخلصه من خلال مطالعتنا في سيرته سنجده ملخصاً لرسالته وبياناً لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من أخلاق امتدَّت عبر سنوات اختصرها في أيام معدودات.
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا نسألك باسمك العظيم أن ترزقنا حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم يا ربَّنا اسلك بنا سبيل الرشاد، وأعنَّا على الطاعة والإحسان، ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأعمال، اللهم اجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم بلغنا فيه الأماني يا حي يا قيوم بفضلك وإحسانك وكرمك وعظيم جودك، اللهم اجعلنا من أوفر عبادك نصيبًا من رحمتك وعطائك وإحسانك يا رب العالمين.
    اللهم تبعنا سنة نبينا محمد ظاهرًا وباطنًا، اللهم ارزقنا محبته واحشرنا في زمرته، واجعلنا من حزبه وأوليائه، اللهم يا رب العالمين، ارزقنا شفاعته وارزقنا الذبَّ عن سنته والقيام بحقه ظاهرًا وباطنًا.
    ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربَّنا إنك رؤوف رحيم.
    وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد. 

    التفاصيل
    0
    201
  • العناية بما يستقبل به رمضان
  • الحقيقة... حديثي... في هذه الدقائق، التي أتشرف بالحديث معكم فيها، حول: ما الذي ينبغي أن نعتني به، فيما يتعلق باستقبال هذا الشهر المبارك؟!

     أنتم لا يخفى عليكم؛ أننا بعد أيامٍ  قلائل، ثلاثة أيامٍ أو أربعة أيامٍ نبلغ الشهر المبارك، شهر رمضان" أسأل الله العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يُبلَّغنا إيَّاه في أحسن الأحوال، وأن يرزُقنا صيامه وقيامه، إيماناً واحتساباً".

    هذا الشهر المبارك له ميزة، فينبغي علينا أن ننطلق منه

     أن نعرف لماذا كان هذا الشهر، بهذه المكانة، في الدين الإسلامي، ما فيه أمر شرعه الله عزَّ وجلَّ، واصطفاه زماناً أو مكاناً أو تشريعاً، إلا والله تعالى له فيه حكمة، هناك سر، هناك علّة، هناك سبب لهذا الاصطفاء، الله جلَّ وعلا، يقول في محكم كتابه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} سورة القصص، الآية: 68 معناه؛" أن الله عزّ وجلَّ، يخلق ما يشاء ويختار من هذا الخلق ما يشاء"، لكن هذا الاختيار الذي يختاره الله جلَّ وعلا، ليس اختياراً لا سبب له، بل كل شيء في هذه الاختيارات الإلهية، تشريعية كانت أو زمانية أو مكانية، لله فيها حكمة.  اختار الله تعالى رمضان، فخصه بهذه الخِصاص الكثيرة، والمميزات العظيمة، لماذا؟

       نذكر منها .:               

    - أولاً أن النبي صل الله عليه وسلم، قال: (رمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينهما، إذا اجتنبت الكبائر)

    وقال صل الله عليه وسلم، (من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال (من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)

     قال النبي صل الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)

    والنبي صل الله عليه وسلم كان يشتدُّ في طاعة الله عزَّ وجلَّ، ويجد ويكد ويعمل عملاً في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور، حتى إنه صل الله عليه وسلم في آخر الشهر يعتزل في المسجد، وينفرد بربه جلَّ في علاه، ذاكراً وممجِّداً، وتالياً لكتابه.

     لمَ  كل هذا؟

    هذه الخصائص التشريعية، لابد لها من سبب، سببها يفسره ما ذكره الله جلَّ وعلا في ثنايا آيات الصيام، بل في مقدمة فرض الصيام، بعد أن كان الصيام خيارياً، بمعنى أن الصوم أول ما شرع شُرع على الاختيار، من شاء صام، ومن شاء أطعم عن صيام كل يوم، فالله تعالى يقول: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}سورة البقرة، الآية:184 ، أي: يستطيعون أن يصوموا، هذا في أول التشريع.

     {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}سورة البقرة، الآية:184 أي: فدية عن صيام ما شرع الله تعالى من صيامٍ واجب، لكن قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} سورة البقرة، الآية:184.

     ثم بعد ذلك جاء التشريع بفرض الصيام على الجميع، فقال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} سورة البقرة، الآية:185  انتبه!! {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} سورة البقرة، الآية:185.

     ثم قال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة، الآية:185 الفاء في قوله{فَمَنْ} تفيد التعقيب والترتيب في  ارتباط بين المقدمة والنتيجة، والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ يقول:" مِن شُكر نعمتي عليكم بإنزال القرآن، في هذا الشهر المبارك، شرعت لكم صيامه".

    {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فالأمة عبر القرون المتعاقبة في الدنيا كلها، وفي الزمان كله، وفي المكان كله، كلهم يشرع لهم صيام رمضان.

     لماذا؟

     لأنه الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن هذه ميزة وخاصية ينبغي أن نتنبه لها، وأن لا نغفل عنها، أن هذا الشهر له سمة، وخاصية ينبغي أن نعتني بها، وأن نستحضرها في سبب صيامنا، فصيامنا شكر للقرآن ولهذه النعمة وقيامنا كذلك شكر لهذه النعمة، تلاوتنا للقرآن  شكر أيضاً لهذه النعمة، فكل هذه النعم، التي أنعم الله تعالى بها علينا يا إخواني هي شكر لهذه النعمة العظيمة، التي هي أعظم نعمة، مَنّ الله بها على البشرية، بل بشّر الله تعالى بها الناس أجمعين، يقول الله جل في علاه، يا أيها الناس، الخطاب للناس كافة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} سورة يونس، الآية:58 الإنسان يا أحبابي، ويا إخواني، يحتاج إلى زاد، يحتاج إلى زاد يتزود به، تماماً كالذي يسير في طريق سفر، هذا الطريق الذي يسافر من خلاله، تتوقَّعون يا شباب، أنه يمكن أن يصل إلى هدفه وغايته، دون أن يكون معه وقودٌ في سيارته يوصله إلى غايته، فمثلاً الشخص في بلدته لا يحتاج لوقود كثير ليتحرك، فإذا ما سافر احتاج إلى إعادة تعبئة الوقود، حتى يتمكن من مواصلة السير، بل لابد من هذا، فلا يمكن أن يصل دون وقود، فالآخرة سفر، وهذا السفر ليس اختيارياً، كلنا إلى الله مسافرون، أنا وأنت والجميع، والذكر والأنثى، والحاضر والغائب، المسلم والكافر، كلنا مسافرون في هذا الطريق، ليس لنا فيه خيار، {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} سورة الانشقاق، الآية:6 فهذا السفر كلنا سنسافره شعرنا به أم لم نشعر ،نحن في رحلة ،نحن في انتقال، ولهذا فالدنيا ليست دار قرار، مطايا هذا السفر أي المراكب التي يركبها الناس، لوصولهم إلى آجالهم، وهو منتهى السفر، فالمراكب هي الليل والنهار فهما المطية التي نركبها لنصل إلى آجالنا وقد جعل الله لكل شيء قدرا وقد جعل الله تعالي  لكل أجل كتاباً، هذا الكتاب أي الأجل لا نعلمه لكننا  نعلم أننا مسافرون، وسنصل إلى غاية؛ فهذا السفر لا يمكن أن ينجح فيه الإنسان دون زاد، الزاد الحقيقي، وانتبه!! أخي الكريم انتبه معي!! الزاد الحقيقي الذي يبلغك النجاة في سفرك، هو التقوى، هذا ليس كلامي، ولا هو اجتهاد عالم، هذا كلام رب العالمين في كتابه العظيم، يقول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} سورة البقرة، الآية: 197 خير ما تحمله معك في سفرك هذا، لتبلغ الغاية وتصل إلى المقصود، تقوى الله.

    السؤال الكبير ما هي تقوى الله ؟

         تقوى الله ليست أمراً يكون فقط في المظهر، أو  في الصورة، أو  في اللسان، تقوى الله ابتداءً تكون في القلب، أي: أن يكون القلب صالحاً، ولذلك النبي صل الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة،  إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله) ثم يضع تعييناً وتبييناً لهذا الذي به الصلاح، والفساد فيقول: (ألا وهي القلب)  فقلبك هذا الذي ينبض، وبه يصلح جسدك، فلو تعطل القلب تعطل البدن، حياتك الحياة المادية، لو يتوقف قلب الإنسان لا يعيش، كذلك إذا توقفت حياته بالتقوى، مات الإنسان، لهذا يقول النبي، صلّى الله عليه وسلم، (مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه، كمثل الحي والميت)  ومعناه: لابد لنا أن نستشعر أننا بحاجة ماسة إلى حياة قلوبنا.

     حياة قلوبنا هي التي بها تتحقق لنا التقوى، وتصلح لنا بها الأعمال.

     لهذا يا إخواني، ويا أبنائي نحن بحاجة إلى اغتنام هذه الفرصة المباركة، هذا الشهر المبارك هو محطة تزود، وأقرب مثال لهذا الأمر كأن تكون مسافراً، وتمر على محطة لتزويد الوقود فهل تستقرّ في تلك المحطة وتضع فراشك وترحالك وتأخذ متسعاً من الوقت؟ بالطبع لا ، ولكن بعض الناس يفعلون ذلك، أما  غالب المسافرين لا يفعلون هذا، غالب المسافرين يجتهدون في أن يتزودواْ بكل ما يحتاجون ليستكملوا المسير، من وقود وماء وطعام وما إلى ذلك من الأشياء التي يتهيؤون بها لمواصلة السير، نحن في هذا الشهر المبارك، بحاجة إلى أن نتزود.

     التزود به ننجح، التزود به نفلح، التزود هو عنوان نجاحك في الدنيا، لذلك يا أخي في كل يوم، في كل ليلة، وفي كل لحظة، احرص على أن تتزود، فإن الزاد به تحصل النجاة،

    الزاد ما هو؟ ليس مأكلاً، ولا مشرباً، هذا طبيعيٌّ للأبدان، لا تقوم أبداننا إلا به، الزاد هو العمل الصالح، الذي هو تقوى الله تعالى، تقوى الله هي أن تكون صالح القلب، ممتثلاً أمر الله عزَّ وجلَّ، مجتنباً عما نهى الله تعالى عنه قدر طاقتك ،رمضان فرصة؛ لذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة، الآية:183، هذا هو السر، هذه هي الغاية، هذه هي الحكمة، من هذا السياق، أن نحقق التقوى لله عزَّ وجلَّ، في قلوبنا وفي أعمالنا، وجوارحنا وفي سائر أحوالنا، لذلك هي فرصة من خلالها، نستطيع أن نتقي الله تعالى، أنا أقول يا إخوان ولا أريد أن أطيل في الكلام، لكن استحضار هذا المعنى العام، يشرح لنا ما هو الصوم، هل الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وما إلى ذلك من مفطرات فقط؟ لا، هذا الإمساك له غاية، وله مقصد، إذا (ما) انتبهنا لهذه الغاية، وهذا المقصد سيكون صيامنا صورياً، أي سيمتنع الإنسان من الأكل من أول الفجر، إلى آخر النهار، وبعد ذلك يأكل ويشرب، لكن ليس له أثر على سلوكه، ولا على قلبه، ولا على أخلاقه، (الصيام جُنة) كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، جُنَّة يعني مثل الدرع يتوقى به الإنسان الشرور، ويتوقى به الإنسان الآفات، أول الآفات على قلبه، ثم على سلوكه، ثم على قوله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، لهذا من المهم أن ندرك معنى الصوم، وأن الصوم به تصلح أحوالنا، وتستقيم أعمالنا، إذا حققنا الغاية منه، وهو أن يكون صيامنا محققاً للتقوى، (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) هذه الغاية نتنبه لها ونستحضرها، في كل عبادتنا، لأن كل العبادات التي شرعها الله تعالى، إنما هي لتحقيق التقوى.

     

    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين، يا رب العالمين، هذه مقدمة مختصرة أو كلمات موجزة، حول مقصود الصيام، وغايته المقصود من الصوم، تحقيق التقوى في القلب، تحقيق التقوى في القول، تحقيق التقوى في العمل، اللهم اجعلنا من المتقين، ويسر لنا يا رب العالمين، خصال أوليائِك الصالحين، واحشرنا في زمرة الصدّيقين، يا رب العالمين، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.  

    التفاصيل
    0
    105
  • انظر إلى قلبك
  • محاضرة: اُنظر إلى قلبك

    الحمد لله رب العالمين، لا أحصي ثناءً عليه، له الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة، وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلها وجوهًا مسفرة ضاحكةً مستبشرة، يوم العرض عليه، يوم العطاء والجزاء، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

    أيها الأحباب أيها الإخوة أيها الأخوات الكريمات:

    الحج عبادة، جمع الله تعالى فيها أنواعاً من القربات، هي دورة تدريبية يلجها المؤمن يخرج منها بفوائد عديدة، والناس في هذا مختلفون، الله تعالى يقول: {وَتَزَوَّدُواٌْفَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} سورة البقرة، الآية:197 ، والناس في هذا الزاد متفاوتون، فمنهم من يغرف ويأخذ، ومنهم من يستقلّ في أخذه وفي كل خير، لكن السابقون السابقون، السابقون إلى التزود من خير زادٍ في هذه الدنيا، هم السابقون، يوم لا مال ولا بنون، يوم العرض والنشور، يوم الوقوف بلا درهم ولا دينار، ولا جاه ولا سلطان، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْأَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} سورة الأنعام، الآية:94، هذا شأننا الآن انظروا كيف نحن جالسون، في هذه الأسرة المتجاورة, منا الكبير ومنا الغني ومنا الفقير ومنا متوسط الحال، حال واحدة، وانظروهم في الأرصفة كيف يجلسون، وانظرهم في الأبراج كيف يجلسون كلهم سواء متقاربون مهما كان  هناك تفاوت في الترف والأخذ والمتع، هم متقاربون، كلهم تركوا أموالهم وأولادهم وأوطانهم، وتركوا كل نعيم خلف ظهورهم، وجاءوا إلى هذا المكان، يوم العرض ما في سرر ما في ثياب ما في ثياب ما في سلطان، {وتركتم ما خولناكم} كل ما ملكناكم {وراء ظهوركم}، ليس معنا شيء إلا شيءٌ واحد، أتدرون ما هو؟ إنه العمل الصالح، إنه حصائد أعمالنا.

     روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس أنَّ النَّبي صلّى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم تبعه ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، الذي يبقى هو العمل) يرجع الأهل والمال ويبقى العمل.

     العمل ما هو؟ العمل هو سعيي وسعيك، هو ما أقوم به وما أنت تقوم به، ما يرصده الحاسبون وما يكتبه الحافظون، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} سورة الطارق، الآية:4 يحفظ عملها ويحفظ ما يكون منها، الدقيق والجليل، لا يغيب ظاهر ولا باطن، هذا هو الذي ستلقاه يوم القيامة، وها هو الذي به تتفاوت الدرجات، ويعلو به الناس في المنازل يوم القيامة، إنما هي الأعمال، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة الزخرف، الآية:72 ، فلا تستقلّ شيئًا فإن الله يعطي عطاءً جزيلًا، على العمل القليل، فجد وأرِ الله من قلبك خيرًا، ومن عملك صالحًا وأبشر، فإن الله جلَّ وعلا، لا يضيع عمل عاملٍ منكم من ذكٍر أو أنثى، الشأن كل الشأن أن نستحضر من هذه الرحلة، ذلك الموقف العظيم الذي يجتمع فيه الخلق.

        أرأيتم الآن؟ لو أنه حصل أي نوع من أنواع المفزعات لهذا الجمع، كيف حال الناس ستكون؟ في أمر مريج، الكل يقول: نفسي نفسي، ذاك اليوم أعظم وقد يكون فيه أشدّ، تذكر هذه الجموع، واذكر أنك ستقف في مثلها يومًا ما، بين يدي الله جلَّ في علاه، لا ينفعك جاه، ولا سلطان، ولا مال، ولا نسب، ولا شيء من هذه الدنيا كلها، إلا ما يكون من العمل الصالح.

    فجود مركبك، فالسير إلى الله عزَّ وجلَّ، إنما هو سير القلوب الصالحة الصادقة، وليس بسير الصور والأشكال.

     قطع المسافة بالقلوب إليك، لا بالسير فوق مقاعد الرُّكبانِ.

     انتبه لقلبك!!!

    فإنه مطيتك، انتبه لقلبك!!!

    فإنه موضع نظر الله عزَّ وجلَّ.

    كم من بهيّ الصورة، جميل الشكل، حسن المنطق، لا يزن عند الله جناح بعوضة.

    وكم من إنسانٍ يتلعثم في قوله، ولا يجد من يقبله، إذا شفع لم يشفع، وإذا قال لن يسمع، لكنه عند الله بمنزلة عظيمة.

    الفارق ليس في الصور، الله عزَّ وجلَّ يقول في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتهمْ تُعْجِبُك أَجْسَامُهُمْوَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَع لِقَوْلِهِمْ} سورة المنافقون، الآية:4، جمال في الشكل والصورة، وإن يقولوا في المنطق تسمع لقولهم، لجمال ألفاظهم وكلماتهم، لكن كل هذا يطير يتبدل، ولا قيمة له، إذا كان القلب عن الله غافلاً. القلب عن الله صادّاً، أنتم جئتم إلى هذه البقعة لله لا لا لغيره، لذلك يقول الله جلَّ وعلاَّ، في أول آية فرض فيها الحج في مقدمة الآية، قبل أن يذكر العمل ذكر المقصود، قال جلَّ في علاه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِمَنِاسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} سورة آل عمران، الآية:97، لله ليس لغيره، فأخلصوا قصدكم لله، وأعلموا والله أن السبق بالقلوب إليه، وليس بشيء آخر، لكن القلب وعاء يحتاج إلى تطهير وتنظيف وتطييبٍ وعناية، الّذي يهمل وعاءه يتسخ، والذي يهمل لباسه وإن كان أجدَّ ما يكون، وأنظف ما يكون، وأجمل ما يكون، إذا لم يتعهده بالتنظيف يتسخ، كذلك القلوب إذا لم نتعاهدها بالتطييب والتطهير والرعاية والنَّظر فإنها تمرض، وإذا مرضت ولم تُتدارك تهلك وتموت.

    فأدركوا قلوبكم!!! وانتبهوا لها.

    وأعظمُ ما يحيي القلوب ذكر الله جلَّ في علاه، ولهذا كانت هذه الرحلة مقترنة بالذكر، فالذكر فيها شكل غير عادي، في أول ذكرها وفي ثنايا ذكرها، أول ما تدخل تقول: لبيك اللهم لبيك، وآخر ما تفعل، حتى تتحلَّل تقول: الله أكبر، تفرغ من ذكر وتبدأ بذكر، فتنقطع التلبية عند رمي الجمار، مع أول تكبير تشرع في الذكر، والله تعالى في مواضع عديدة من آيات الحج يذكر الذكر، ويقول جلَّ وعلا:

    {فَاذْكُرُوا اللَّهَعِنْدَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} سورة البقرة، الآية:189.

    {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} سورة البقرة، الآية:200

    ثم في النهاية ماذا يقول؟ يقول جلَّ في علاه:

    {وَاذكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعدُودَاتٍ} سورة البقرة، الآية:203.

    هي هذه الأيام التي نحن فيها أيها الإخوة والأخوات، هذه الأيام هي الأيام المعدودات، إنها أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر.

    فاذكروا الله فيها بقلوبكم، هذا أصل الذكر، هذا منبع الذكر، أن يكون القلب ذاكرًاً، كيف يكون القلب ذاكراً لله؟ أن يتأمل عظيم قدر هذا الرب جلَّ في علاه، فإذا سمع آياته وقرأ أسماءه وصفاته، تدبر عظمة هذا الإله، لا إله غيره، فإذا قرأ مثلًا:

    {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} سورة البقرة، الآية:255

    قف عند هذه الآيات، عند هذه المقاطع من هذه الآية، قف عند هذه المعاني لترَ عظيم الجلال وكبير البهاء وعالي الأسماء والصفات، لتقف على شيءٍ يسير من عظمة الرب الكبير جل في علاه، عند ذلك ستكون ذاكرًا، وسيكون قلبك لله محبًا، وله معظمًا وبهذا يتحقق التوحيد، تتحقق كلمة لا إله إلا الله، لأنها الكلمة القائمة على كمال الحب لله، وكمال التعظيم له جلَّ في علاه.

    تأملوا هذه المعاني، واذكروا الله بقلوبكم، تأمَّلوا بديع صنعه، واللهُ لفت أنظاركم إلى كل شيء حتى إلى أنفسكم ،قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} سورة الذاريات، الآية:21

    حتى الأعمى، يستطيع أن يتدبر وينظر في كفه، كيف أبدع اللهُ هذا الصنع بهذه الأصابع، كيف يجري الدم؟ ليس هناك أحدٌ لا يستطيع  أن ينظر ويتأمَّل، إلا من أغلق الله عليه الطرقَ وأغفل قلبه، قال تعالى:

    {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُالشَّيْطَانُفَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ الله} سورة المجادلة، الآية:19

    إنَّ المؤمن يرى في كل شيء عبرة، وفي كل شيء آية، تذكره بالله عزَّ وجلَّ، وتعكس على قلبه تعظيمًا لله، قلوبنا هي حالنا في الآخرة، فإذا كان قلبًا سليمًا فأبشر، فإن القيامة يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

    سلامة القلب محورها وأساسها توحيد الله وتعظيمه، حبه وإجلاله، هذا لا يأتي إلا بالعلم به، لذلك كان العلم بالله رأس العلم ويتبعه بعد ذلك العلم بالطريق الموصل إليه.

    فأقبلوا على الله إخواني!!!

    وأكثروا من ذكره بقلوبكم، تأملًا بما ذكرت، بأسمائه وصفاته، وأفعاله وآلائه، وآياته في السماوات والأرض، أبصر بقلبك يا أخي .....أبصر بقلبك وانظر إلى هذه الآيات، التي تحيط بك من كل جانب، وتذكر المدبر رب العالمين، وسيكون لذلك أثر كبير في قلبك.

    أما أن يكون الإنسان ذاكرًاً بلسانه: الله أكبر .. الله أكبر .. وما إلى ذلك من الأذكار وهو غافل، هذا على خير ويؤجر، لكن شتان بين من جمع بين ذكر اللسان و حياة القلب، وبين من أقتصر ذكره بربه على لسانه، فإنه وإن كان المنطق حسنًا، لكن القلب غافلٌ بعيدٌ.

    إخواني؛

    الحج فرصة أن نراجع أنفسنا، وأهم ما نراجع "قلوبنا،" لنرجع إلى أهلنا ودورنا بقلوب غير التي جئنا بها، والأمر يسير وليس بعسير، لمن صدق مع الله، وضرع بين يديه خالصًا.

    يا الله.. يا رب.. يا حيُّ يا قيوم.. أصلح قلبي، اُدع الله وألحَّ عليه أن يصلح قلبك، وأبشر فإنَّ الله لا يخيب من قصده، فما خاب من قصد الله وسأله، أبدًا والله ما يخيب.

    والذي يسأل الهداية سيوفق لها، لكن اسألها بصدق، وأَمّلْ عطاء الله فإن الله لا يخيب من قصده.

    هذه معاني يا إخواني.. يسيرة والباب واسع في تدبر معاني وفوائد هذا النسك العظيم، وأثر ذلك على السلوك، مبدأ الصلاح هو أن تصلح هذه المضغة، والعجيب أننا نهتم كثيرًا بأشكالنا ومظاهرنا. يمكن أن يكون عند الإنسان  أدنى خلل في الظاهر والشكل فتراه يسأل عنه، لكن القلب الذي هو مناط النجاح والفلاح، قِلةٌ من يعتنون به، نوادر من يهتمون به.

    هل في قلبك غل؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك حسد؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك عجب؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك كبر؟ طهر قلبك.

    واذكر أن آفة القلب خطيرة، قال فيها النبي صل الله عليه وسلم: (لا يَدْخُلُ الجنّةَمَنْكانَفيقَلْبِهِمِثْقَالُذَرَّةٍمِنْ كِبْرٍ) بمعنى وزن الذرة الصغير هذا، إذا كان في قلبك وزن أقل ما يكون من النمل من الكبر، هذا يحول بينك وبين دخول الجنة حتى يطهر قلبك، فطهر قلبك واعتنِ به واسأل الله صلاحه، وألحَّ عليه فهو الكريم جلَّ في علاه، يُعطي على القليل الكثير.

    اللهمَّ إنا نسألك باسمك العظيم، يا ذا الجلال والإكرام أن تصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أرزقنا قلوبًا سليمةً صالحة، اللهم أعنا على طاعتك واصرف عنا معصيتك، اللهم اجعلنا من حزبك وأوليائك، اللهم اجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، اللهم أحسن لنا المنقلب والعاقبة، اللهم أحسن لنا المنقلب والعاقبة، اللهم أعنا ولا تعن علينا، اللهم أنصرنا على من بغى علينا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين، لك راغبين راهبين إليك أواهين منيبين ، اللهم تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، واغفر زلتنا، وأقل عسرتنا، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سوريا، اللهم كن لهم معينًا وظهيراً، اللهم كن لهم معينًا وظهيراً، اللهم انصرهم نصرًا عزيزا، اللهم قيض لهم من لدنك ناصرًا ووليًا يا حي يا قيوم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، اللهم واحقن دماءهم، اللهم واستر عوراتهم، وآمن روعاتهم، اللهم اعطِ مثل ذلك لأهل السنة حيث كانوا، اللهم اكتب مثل ذلك لأهل الإسلام حيث كانوا، اللهم ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    جزى الله عنا شيخنا خير الجزاء، وجعل ما قدمه في موازين حسناته.. شيخنا الفاضل، هنا سائل يقول:

    لقد تعلمت في فريضة الحج، الصبر والصلاة في وقتها، وقراءة القرآن مع الناس، ولكن كيف أستمر على ذلك بعد الحج، وآخر يقول: كيف أبتعد عن أصدقاء السوء بعد الحج؟

    الحج بداية جديدة كصفحة جديدة بيضاء ،إذا امتلأت الصفحة بكتابات أو أي شيء، فأنت تبدأ صفحة جديدة، الحج أكبر من ذلك، الحج هدم ،أعظم هدم  في الدنيا هدم الحج لأنه هدم السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم (منحج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) وفي الصحيح من حديث عمرو بن العاص، قال النبي صل الله عليه وسلم، (ألم تعلم يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها،وأن الحج يهدم ما كان قبله)

    يهدم ماذا؟ يهدم بنيان السوء والشر، فاحرص على أن تبدأ صفحة جديدة، وأن يكون البناء صالحًا راشداً، أكثر من الاستغفار، وهذه الصالحات التي اعتدت عليها، وألفتها في هذه الأيام المباركة، الزمها فإن فيها الصلاح.

    الصحبة الطيبة، الصلاة، ذكر الله عزَّ وجلَّ، هي مفاتيح نجاة، سفن قوارب يخرج بها الإنسان، من أمواج السوء والشر والفساد، فاستمسك بها، واعلم أنك غريق، إن لم يتداركك الله برحمته، ويشملك بلطفه، فإنك ستغرق في هذا البحر، المتلاطم من الفتن من الشهوات والشبهات، طوق النجاة هو صلاتك، طوق النجاة هو ذكرك لربك، طوق النجاة هو لزومك للصحبة الطيبة، التي تعينك على الخير، وتبعدك عن الشر.

    وأبشر فإن من صدق الرغبة، فيما عند الله، لا يخيبه الله، لكن الإشكالية أننا نحن قد ننشط في فترة، ثم نكسل ونظن أن الكسل هذا أمر طبيعي، وهو جزء منه طبيعي، لكن عندما يكون الكسل حاملًا على الوقوع في السيئات والتورط في ترك الواجبات، هنا الخطر، فليس هذا طبيعيًا، إذا كان كسلك يحملك على ترك الصلوات، على التورط في ألوان السيئات، فهذا جرس إنذار، إن لم تتداركه بالتوبة والاستغفار، فإنك على خطر، ويوشك أن يحاط بك فتهلك، فلذلك احرص على الصحبة الطيبة، حافظ على الصلوات، الصلاة خط أحمر، من أضاعها أضاع الصلة بالله، الصلاة نور.

    أرأيتم يا إخواني، لو أغلقت الأنوار من يستطيع أن  يتحرك من مكانه، فالذي يترك الصلاة كما لو أطفئت أنوار هذه القاعة، لا يستطيع الحركة، ولا يستطيع الوصول إلى ما يريد، هذا ليس كلامي، بل هو  كلام من لا ينطق عن الهوى، قال صل الله عليه وسلم: ((الصلاة نور)) وهذا النور مبدؤه في القلب، فإذا أشرق النور في القلب، انعكس الضياء على الجوارح، ولذلك كان من دعاء النبي في خروجه لصلاته، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وبصري نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، ومن تحتي نوراً، ومن فوقي نوراً، وفي بشري نوراً وفي لساني نوراً، وفي عصبي نوراً ثم يقول وأعظم لي نوراً، أي أعطني نورًا عظيمًا، ما أفقرنا إلى هذا النور، لولا النور ما أدركنا خيرًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا النور ليس مصباحاً ولا مشكاة، هذا النور هو نور النبوة، نور القرآن، وأول ما يشرق في القلوب فينعكس على الجوارح ولهذا ترى الذين يداومون على الطاعة والإحسان تضيء جوههم، ليس ضياء الوجوه من جمال البشرة وما إلى ذلك.. مما تعالج به البشرة، بل هو أمر آخر غير التحسينات، يذهب الواحد ليستخدم أنواعاً من معالجات البشرة حتى تطيب، إنه نورٌ إلهي يكون في أكثر الناس دمامة  في خلقته، ترى في وجهه النور.

     يقول شيخ الإسلام -ابن تيمية- [وكلما طال عهد الإنسان بالطاعة أشرق وجهه ولو كان أقبح الخلق منظرًا وشكلاً، وإذا كان أبهى الناس صورةً في شبابه، فأسرف على نفسه ظهر عليه من القبح والدمامة، ما لا يرى نظيره في أمثاله، بسبب السيئات والظلمة]، هذا النور الذي في القلب، ينعكس على الجوارح، فاحرص على أن  تنير قلبك بطاعة ربك، وأهم ذلك الصلاة، ولزوم أمر الله، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، لا يعني هذا أن لا نخطئ، كل ابن آدم خطاء، لا يعني هذا أن لا نخفق في طاعة، لكن يعني هذا أن نجاهد ونبذل الطاقة في البعد عن السيئ والخطأ، وإذا وقعنا في خطأ أو سيئ قلنا كما قال ذاك الرجل: ربِّ أني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، بصدق وتضرع وانكسار بين يدي الله، أن تخاطب الله تقول: يا ربي أذنبت ذنبًا فاغفره لي، صادقًا في مناجاتك لله، وأبشر فإن الله عز وجل سمع عبدًا يقول: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله رب العالمين كما في صحيح مسلم في حديث أبى هريرة قال: اغفروا لعبدي، فوقع الرجل في سيئة أخرى فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، قال في الثالثة: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، وجاءت البشارة ولعبدي ما فعل، إذا كانت هذه سيرته، إذا أخطأ استغفر وإذا أخفق تاب، فإنه لا خطر عليه، لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقومٍ يذنبون ويستغفرون، فليست الإشكالية في الخطيئة فقط، الإشكالية في الإصرار عليها، والاستمرار والتسويف في الرجوع إلى الله عزَّ وجلَّ.

    بادر بالتوبة واستغفر، وما دمت على هذه الحال، فأبشر فأنك على خير.   

    التفاصيل
    0
    180
  • المودة في الحياة الزوجية
  • بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، نحمده حقَّ حمده، لا أحصى ثناءً عليه، أحقُّ من حمد، وأجلُّ من ذكر، له الحمد كله، أوله وآخره، وأشهد أن لا اله  إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ  على محمد، وعلى  آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

        أما بعد... فحياكم الله أيها الأخوة والأخوات، في هذا اللقاء، الذي تنظمه جمعية الزواج والتنمية الأسرية بمحافظة "رياض الخَبراء"، وعنوان هذا اللقاء متصل بموضوع هذه الجمعية وعملها، إنه المودة في الحياة الزوجية، الله جلَّ في علاه، جعل من آياته الدالة، على عظيم صنعه وبديع حكمته، وتمام إتقانه لخلقه آيات كثيرة مسموعة ومرئية ومشاهدة، ومن رحمته أن نوَّع هذه الآيات، فليست هي آية واحدة، إنما هي آيات في السماء والأرض، وفي الأنفس، وفيما يشاهده الإنسان من حوله، بل حتى في حياته الخاصة، والله تعالى بلغ الغاية، في إقامة الحُجة على خلقه، في الدلالة عليه، وبيان عظيم ماله من الصفات، فنوَّع الآيات، ثم قال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}، والنفس هنا ليست فقط النفس البشرية المنفردة، بل إنها تشمل كل أحوال الناس في معاشهم وتصرفاتهم، وما أقام الله تعالى من دلائل إتقانٍه، وعظيم آياته الدالة عليه، ومن ذلك هذه الصلات التي تكون بين الناس.

    هناك صلات معقولة ومعروفة، صلة الوالد بولده، فطر الله تعالى عليها القلوب، ودلت عليها العقول، فالصلة بين الوالد والولد من أوثق الصلات، إذ إن الولد فرع عن والده، وهو بضعةٌ منه وجزء منه، فما يكون بينهما من العلاقة مبرّر، ومفهوم ومُدرك، ولذلك تجد هذه العلاقة، حتى في غير العاقل من الخلق، في الحيوان،  تجد من حُنّو الوالد على ولده، وقيامه عليه ورعايته له، وسعيه لمصالحه، ما يشهد على عظيم صنع الخالق سبحانه وبحمده، وأن المدبّر لذلك، هو الله جلَّ في علاه، لأن هذا الخلق جميعه،  يجتمع على هذه الفطرة، التي بها يحفظ الجنس، بها يستمر الخلق، فرعاية الوالد لولده، سبب من أسباب بقاء الجنس، فلو أن كل والد بعد ولادة ولده، انقطعت صلته عنه، وبُتر وصله به، لكان ذلك مؤذناً بهلاك العالم، ولكن من رحمة الله، أن جعل هذا التواصل الفطري، الذي لا ينفك منه الإنسان، لا يدعو إليه دين في الأصل، ولا يدعو إليه خلق إنما يدعو إليه سنة أجرى الله عليها الكون وفطره، فطر الله تعالى الخلق عليها، {لا تبديل لخلق الله}.

    إن الصلات متنوعة، لكن من أعجبها صلة الرجل بالمرأة، وتقارب هذين الجنسين، دليل على عظيم صنع الله عزَّ وجلَّ، ولذلك يقول الله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:.

     وقفة عند هذه الآية: الله تعالى جعل من الآيات الدالة عليه، هذه الصلة بين الزوجين، ولقائل أن يقول: أين مظاهر الآية في هذه الصلة،  كيف كانت الصلة بين الزوجين على هذا النحو، آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، استمع إلى ما ذكره بعض أهل العلم، عندما تكلم عن هذه الآية، في بيان وجه كون  هذه الصلة من آيات الله عزَّ وجلَّ، الدَّالّة على عظيم صنعه وبديع إتقانه لخلقه، جلَّ في علاه. 

    إن الله عزَّ وجلَّ فطر القلوب على استنكار الغريب، ولذلك إذا استغرب الإنسان شيئاً ممن حوله لفت نظره، لكن في هذه الصلة تتلاشى كل تلك الغرائب، التي ألفها الناس فيما يتعلق بالصلات بينهم،  فتجد المرأة في بيت أبويها تنشأ بين إخوانها وأهلها، لا ترضى بهم بدلاً، ثم يأتي رجل غريب لا تعرفه، ولا تربطها به صلة في غالب الأحوال، من قريب أو بعيد، هو في كل الأحوال يحمل نوعاً من الغرابة عنها، ليس ممن تألفهم وتعرفهم من صغرها، هذا غالب أحوال الأزواج، ثم إن هذه المرأة تقبل الارتباط بهذا الرجل، وتترك أعز الناس صلهً بها، وأوثق الناس علاقهً بها، تترك أمها وأباها، وإخوانها وأخواتها وأهلها، وترضى أن تنتقل مع هذا الرجل الغريب، في اتصال غير معتاد، لا يكتفي فقط بالوصل المعتاد، الذي ألفته؛ في صلتها مع أبيها وأخيها وأمها، ومن حولها، إنها أوثق صلة {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} سورة البقرة، الآية:187فقربها من الرجل الغريب الذي جاءها، قرب كقرب اللباس من البدن، وليس ثمة فاصل بين البدن واللباس، هذا الاتصال هو من آيات الله عزَّ وجلَّ. كيف قبلت المرأة بهذا، ثم كيف قبل الرجل بهذا الوصل، ولماذا كانت هذه العلاقة على هذا النحو من الخصوصية، كل ذلك من آيات الله عزَّ وجلَّ،  إنها الفطرة التي ركزها الله تعالى في نفوس الناس، ولذلك تجد أن الزواج لا يختص بدين من الأديان، ولا بفئة من البشر، بل كلُّ البشر، على اختلاف أجناسهم، وتفنُّن أصولهم واختلاف أديانهم يجتمعون على هذا النوع من الارتباط، وله من القدسية والمكانة والاحترام، ما ليس لغيره من العلاقات، كلُّ ذلك من آيات الله، {فطرة الله التي فطر الناس عليها}، إن صلة الرجل بالمرأة آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، وأحد البراهين الدالة على عظيم إتقان الرب، جلَّ في علاه لخلقه، وبديع صنعه في  كونه سبحانه وبحمده.

       ومن تأمل وتفكر في هذه الصلة، وهذه العلاقة وقف على ألوان كثيرة، وصنوف عديدة من الدلائل والبراهين؛ التي تصدق قول الله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} سورة الروم، الآية:21 والزوج هو القرين، هو الشفيع وهو الملاصق للشيء، لكن ذلك لا يكفي في استمرار الصلة، بل جعل الله تعالى، من أسباب استمرار الصلة وديمومتها، ما يبقي هذه العلاقة، ويحافظ عليها، ولذلك قال جلَّ وعلا: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:21 هذان هما عنصرا أي علاقه زوجية صحيحة سليمة، لا يمكن أن يُبنى بيت زوجي، وعلاقة بين رجل وامرأة، في ظل الزوجية، على وجه تتحقق به السعادة للأطراف، وتستقيم به الحياة لهذا المكون وهذه النواة، التي يتكون منها المجتمع، إلا بهذين الركنين، فمتى نقصا، نقص الخير في الأسرة، نقص الاستقرار، نقصت الطمأنينة وإذا زالا تهدم البنيان، حتى لو كان في الظاهر قائماً، فإنه سيتهدم في الحقيقة، وفى المعنى وفى الجوهر، ولو حوفظ على الصلات ظاهرياً، مآلها إلى أن تزول كشجرة قطع عنها الماء، تقوم فترة من الزمن وتقاوم عوامل التعرية، والمتغيرات  المناخية، من ريح وغيرها. لكن في النهاية، تجف أغصانها وييبس ساقها، وتجعفها أدنى ريح، يمكن أن تصادفها، هكذا هي الصلة بين الزوجين، إذا جفّ هذان الأمران المودة والرحمة.

     فما هي المودة وما هي الرحمة؟  التي عليهما ترام الحياة الزوجية.   

    المودة هي خالص الحب، المودة هي مشاعر فياضة، بالانجذاب والميل إلى الطرف الآخر. ولذلك  قال بعض أهل العلم: إن المودة خلاصة الحب، وغايته، ولهذا لا يُعاب حب الرجل لامرأته، كثير منا يستحى أن يقول: أنا أحب زوجتي، أحبُّ امرأتي، و كذلك المرأة قد تستحي أن تقول: أنا أحبُّ زوجي، وفي الرجال الحياء من هذا الأمر أكثر، لكن الواقع أنَّ الحياة المستقيمة، لا تتوانى ولا تتردَّد في الإخبار عن هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أكملُ الناس خلقاً، وأعظمُ الناس مسلكاً، في تحقيق المروءة، والسلامة من كل آفة وعيب ونقص، كان يقول صلَّى الله عليه وسلم، لما سُئل عن أحب الناس إليه؟ قال: عائشة، ثم قال في خديجة وهي أول زوجاته، صلى الله عليه وسلم: (إني رُزقت حبها)، وإن النبي صلى الله عليه وسلم، بيَّن أن حب الأزواج لزوجاتهم فطرة، ولذلك قال: (حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء)  ليس هذا دعوة إلى فتح المجال لعلاقات محرمة، أو تسويغ صلات منحرفة، إنما هذا بيان لفطرة فطر الله تعالى عليها  قلوب الرجال تجاه النساء، لابد من مراعاتها، ومعرفة المساقات و المسارات الشرعية، التي من خلالها نعبر عن هذا الحب، ويترجم هذا الحب حينما تغلق تلك الطرق وتوصد تلك الأبواب، ثق تماماً أن هذه العاطفة ستكون كالماء، ستتسرب من هنا أو من هناك، لتجد لها مسلكاً، إن لم توجد مسارات ومجارٍ لتنفيس النفوس عن هذا الشعور الفطري، فإنها ستنحرف بلا شك، إلا أن يعصم من ذلك عاصم التقوى، وقلّ أن يكون في كثير من الناس.  

    إن النبي صلى الله عليه وسلم، بيّن لنا كيف تتحقق المودة، ترجمةً عملية  في سلوكه وخلقه، صلى الله عليه وسلم، لم يكن ذلك بقول دون عمل، بل كان ذلك بالقول المشفوع بالعمل، أو المقترن بالسلوك المستقيم، الذي نقله أزواجه رضي الله عنهن، في بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، من تمام المراعاة لحقوق الزوجية، وتحقيق المودة بين الأزواج، إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعبر عن مشاعره بصدق، فيخبر بمحبة أزواجه،صلّى  الله عليه وعلى آله وسلم، وهنا نعرف مفتاحاً من مفاتيح تحقيق المودة: أن لا تكون شحيحاً في التعبير عن مشاعرك، لا بالنسبة للرجل، ولا بالنسبة للمرأة، عندما يفيض في قلبك مشاعر إيجابية تجاه أحد من الناس، فبادر إلى إخباره، وأحقُّ الناس بذلك من تصبح، وتمسي بين أيديهم، من يكونون ألصق الناس بك، فإن صحبة هؤلاء أولى بالبر والاستقامة و الإحسان، من البعداء، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) وفى رواية أبي داوود: (قال: ثم أختك وأخاك ثم أدناك وأدناك) لما سأله الرجل عن من أبر يا رسول الله، قال: (أمك وأباك ثم أختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك).

    إن التعبير عن المشاعر، ضرورة لاسيما في زمن أصبح اصطياد الناس، من خلال الكلمات المعسولة، المحبوبة للنفوس مصيدة؛ لكثير من الرجال والنساء، أنا لا أتكلم عن جانب الرجال فقط، بل حتى النساء أحياناً، في عرف اجتماعي في وضع معين، تشح بكلمات تعبر بها عن مشاعرها لزوجها، وكذلك الرجل فيكون هناك جفاف في الصلة والعلاقة، إذا جفت الصلة والعلاقة  فمهما كان الإنسان على محبةٍ في قلبه، سيجد أن هذا الجفاف مؤثرٌ في علاقته بزوجه، ولذلك الكلمة الطيبة، أو القول الحسن، هو مفتاح للتعبير عن المشاعر، والله تعالى يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}سورة البقرة، الآية:83 وهذا يتفاوت بتفاوت الناس؛ فالقريب له من  الحسن, ما ليس للبعيد, وكذلك  له من الحق للتعبير، عن المشاعر ما يستحقه، مما يديم الصلة بين الناس،  ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، لما أخبره رجل، من أصحابه فقال إني أحب فلاناً، قال: هلا أخبرته؟ قال: لا فذهب إليه فأخبره، فقال: إني أحبك في الله، فقال الرجل له: أحبك الله الذي أحببتني فيه. فالنبي صلّى  الله عليه وسلم، أمرنا ووجهنا إلى أن نبدي المشاعر الحسنة، تجاه إخواننا ، فكيف بمن هم البعداء، الذين لا تربطنا بهم صله قرابة، ولا صله غير حب شخصٍ في الله، لطاعته وإحسانه، وصلاحه، وما تراه فيه من خير، فتخبره  وإخبارك له سنه تديم الود بين المؤمنين. وتحقق معنى إنما المؤمنين اخوة، فإن ما يحقق المودة بين الزوجين، عدم البخل بالمشاعر، الإخبار بحقيقة ما تجده في نفسك، إذا كنت تحب، وإن لم تكن تحب، لا مانع أن تقول مشاعر طيبة، لا تخالف الواقع، مما يترتب عليها تقريب، وشحن هذه العلاقة، بما يكون سبباً لاستصلاحها، ودوامها واستقامتها، إنَّ من فوائد الإخبار بالمشاعر الطيبة، إضافة إلى تحقيق المودة، الإشباع العاطفي، وأنا أقول يا إخوة، و يا أخوات ،إشكالية  كبرى يعاني منها كثير من الناس، الفراغ العاطفي، تجد الرجل مع زوجته، والمرأة مع زوجها، يأكلان ويشربان، ليس عليهم قاصر، لا في مسكن لا في مشرب، ولا في ملبس،  لكن هناك أمر غائب بينهما، وهو الإشباع العاطفي، بمعنى أن المرأة تشعر بأن زوجها لا يعطيها كل ما تحتاج اليه من المشاعر، في المقابل الرجل يجد أن امرأته تهتم بملبسه، تهتم  بمشربه تهتم بمأكله، لكن لا تعطيه ما يحتاجه نفسياً، الحاجة للإشباع العاطفة أمر نفسي، لا يتعلق بالملبس والمأكل والمشرب، هو يتعلق بأن يشعر الرجل بالسكن، الذي قال فيه الله جلَّ وعلا {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} سورة الروم، الآية:21، فلا بد من السكن من الطرفين، والسكن طمأنينة، السكن انشراح، السكن كفاية، ولا يتحقق هذا  إلا ببذل كل سبب، من الأسباب  من الطرفين، في  تحقيق الإشباع العاطفي، وهذا الكلام بعض الناس يقول ما عهدناه في آبائنا،  ما سمعناه في أهلنا، غير صحيح إن نحاكم النصوص الشرعية، بما نعرفه وبما عشناه، وبما أدركنا عليه آباءنا، قد يكون هناك خطأ ناتج عن طبيعة معينة، قد يكون هناك ما جدَّ في حياة الناس، مما يستوجب أن يعيد النّاس، النظر في طريقة تعاملهم، وفي طريقة تعاطيهم  مع أهليهم، وأزواجهم وزوجاتهم لتحسين العلاقة، لاسيما أن اليوم مليء بالمصائب، التي تُختطف فيها مشاعر الناس من الرجال ومن النساء، فشبكات التواصل على سيبل المثال، وهي نموذج من النماذج، التي لا يخلو منها الإنسان في الغالب، هي من البيئة الخصبة ، التي يجد فيها بعض الناس، إشباعاً عاطفياً، من خلال علاقات محرمة، تكون ناتجة عن فراغ عند الرجل، وعدم إشباع عند المرأة في الجانب العاطفي، يسبب هذا الإشكال، وأنا أقول بالتجربة،  وكلام المختصين من الخبراء، أن 90 %من المشاكل الزوجية، ترجع إلى هذه القضية، قضية عدم الإشباع العاطفي، ولكن لما كان الأمر يصعب التعبير عنه؛ عند كثير من الرجال والنساء، وقد لا يستطيعون تشخيص المشكلة، وقد لا يستطيعون التحديد الصحيح لما يعانونه ، تذهب المشاكل في فروع وظواهر  وأعراض، وتغفل عن الجوهر والأساس، فتجد المرأة تشكو من زوجها، أنه كثير الخروج، تجد الرجل يشكو من زوجته، أنها لا تهتم به، الذي يشغلها  الذهاب والمجيء، وكثير من المشاكل التي هي في الحقيقة، أعراض وليست مشاكل أساسية.            

       واذا فتشت وجدت أن ثَمة إشكال في العلاقة الخاصة، بين الزوجين، لكن لمّا  كان الناس يستحيون، أن يترجموا وأن يفصحوا عن تلك الإشكالات، تذهب تلك التفسيرات والتبريرات، إلى  المشاكل بالأولاد بالأهل، بالوالدين، لتقصير الزوج في نفقة، وما إلى ذلك مما تعتبر مشاكل حقيقية، أو قد تكون معاناة حقيقية، لكن يمكن أن يتلافاها الزوجان، إذا أقاما بينهما المودة والرحمة، إذا قامت المودة والرحمة، استطاع الزوجان أن يختصرا كثيراً من الإشكالات، وأن يتجاوزا كثيراً من المعاناة، التي تعانيها أكثر الأسر، التي قد يظهر أنه ليس عندهم مشكلة،  وهي تعج  بأنواع من المشاكل،  وتعصف بها أنواع من الاضطرابات، التي تنعكس على الأطفال، وعلى الأسرة، وبالتالي على المجتمع ككل.

     إن من أسباب تحقيق المودة بين الزوجين، تقوى الله جلَّ وعلا، وهذا قد يقول قائل: ما صلته بتحقيق المودة بين الزوجين؟ التقوى، من أعظم ما يحقق المودة بين الزوجين.                   

    لأن تقوى الله تعالى مفتاحُ صلاح الدنيا، واستقامة الآخرة،  ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم، بل الله عزَّ وجلَّ ذكر التقوى، في أول آية في سورة النساء، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء، الآية:1، ثم قال: واتقوا؛ أعاد الأمر بالتقوى، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}سورة النساء، الآية:1، ثم قال واتقوا الله لضروريته وأهميته في الآية الأولى مرتين {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } سورة النساء، الآية:1.

       إنَّ العلاقة بين الزوجين، لا يمكن أن تستقيم لوجود مراقب خارجي، شُرطي يتابع أو أب يراقب، أو أم تتابع وتنظر وتشاهد، إن العلاقة بين الزوجين تستقيم؛ بأن يستشعر كل طرف من هذه العلاقة؛ برقابة الله عليه، ولذلك ختم الله تعالى، هذه الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء، الآية:1،ورقابة الله جلَّ وعلا، تُوجب التقوى، ولذلك انظروا إلى الآيات التي ذكر الله تعالى فيها الطلاق، ما في آية ذكر الله فيها الطلاق، إلا ذكر فيها من أسمائه وصفاته، ما يوجب خوفه وخشيته ومراقبته، في شأن الصلة بين الزوجين، ولذلك يا إخوتي تقوى الله تعالى سبب لاستقامة العلاقة بين الزوجين، إذا اتقى الزوجان الله عزَّ وجلَّ، فُتحت لهم أبواب الصلاح، ولهذا النبي صلّى  الله عليه وسلم، في خطبة في صحيح الإمام مسلم، عن جابر، في خطبة الوداع، قال: (اتقوا الله في النساء فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله) يذكر أنَّ كل هذه الصلة ابتداؤها وانتهاؤها ودوامها هو في مراقبة الله عزَّ وجلَّ، فيجب أن يراقب الله جلَّ وعلا في الصلة بين الزوجين؛ لتستقيم الحال، النبي صلّى  الله عليه وسلم أكد هذا المعنى، أكده القرآن، ولذلك تقوى الله سببٌ للسعادة {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}  سورة الأعراف، الآية:96،كما أن هذا في صلاح الأمة ومجموعها، كذلك هو في صلاح الأفراد، فلو أن الناس اتقوا الله حق تقواه، لاستقامت الصلة بينهم، لا تجد معاناة، لا تجد إسرافاً، لا تجد أذى، لا تجد بغياً، لا تجد عدواناً، تجد إما إمساكاً بمعروف، أو تسريحاً بإحسان، هكذا تدور الصلة يبن الزوجين إذا اتَّقيا الله عز وجل.

    من أسباب المودة بين الزَّوجين، ذكر وصية النبي صلّى  الله عليه وسلم للنساء، وهذا الخطاب موجَّه للرجال، ابتداءً لأنهم الذين يملكون زمام المبادرة في الإصلاح، وهم الذين بيدهم حلُّ العقدِ، أو إبقاؤه، وهم الذين جعل الله لهم القوامة، على هذه الرابطة لإصلاحها، ولذلك جاءت توجيهات في أكثر الآيات إلى الرجال، فقال النبي صلّى  الله عليه وسلم: ((اتقوا الله في النساء))، وقال صلى الله عليه وسلم، في خطبته أيضا في يوم عرفة: ((واستوصوا بالنساء خيراً، فأنهنَّ عوانٍ عندكم، كلُّ ذلك لكون الرجل عليه مسؤولية زائدة عن المرأة في إصلاح الأسرة وإقامتها، والمحافظة عليها، وتحقيق الود والصلاح الحالي بين الزوجين، النبي صلّى  الله عليه وسلم، جعل خيرية الرجل، مقرونة بخيريّته لأهله، وهذا من وصيته، صلى الله عليه وسلم بالنساء، من وصيته بما يحقق المودة، أن جعل المعيار الذي يقاس به فلان، ونِعمَ فلان، فلان جيد، فلان طيب، هو بالنَّظر إلى علاقته بأهله، أنا أسالك الآن نحن في ميزان الثناء على الناس، هل يحضر في أذهاننا صلة الرجل بأهله، كمعيار من معايير تقييم الناس، ما يحضر في أكثر أذهان الناس، علاقة الرجل بأهله غائبة تماماً، عن أن تكون حاضرة، ولو بنسبة يسيره في معيار الخيرية فالمعمول به عند كثير من الناس أن معيار الخيرية بالأشياء الظاهرة مثل الصلاة، وهذه كلها معايير، لكن ليست هي المعايير الكافية، التي ينبغي أن ينظر إليها، في التقويم الإجمالي، النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً) ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً) إذا كان الرجل خلوقاً مع المرأة، حسن الصلة بها يراعيها، قد يكون محل للهزء أو التهكم أو النيل من بعض الناس بقولهم امرأته مسيطرة عليه، أو ما إلى ذلك، مما ينفّر كثيراُ من الناس، عن أن تكون العلاقة على نحو من الخيرية،  الخيرية لا تعني أن يترك الحبل على غاربه، الخيرية  لا تعني أن تهمل المرأة، الخيرية لا تعني ألا تقي أولادك وزوجك وأهلك النار، لا أبداً هذا مفهوم غلط، الخيرية معناها أن تكون لهم على أحسن ما تستطيع، من خلق ومن معاملة ومن رعاية، وصيانة وقيام بما أوجب الله تعالى عليك تجاههم، هذه هي الخيرية، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: (وخياركم خياركم  لنسائهم) إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى هذا المعيار حثّاً للرجال على بذل كل سبب  من أسباب العشرة والمودة، النبي صلّى  الله عليه وسلم، كان يتلطف مع أزواجه بكلامه وبفعاله، وبمعاملته، وبسائر ما يكون منه،  صلى الله عليه وسلم، على وجه تعجب أن يكون من رجل في درجة النبي صلى الله عليه وسلم في المهام والانشغال والوصاية، فعائشة رضي الله عنها لما سُئلت، عن النبي صلّى  الله عليه وسلم، كيف كان في بيتك؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، يعنى في أعمال البيت، من غسل، وتهيئة ما يحتاج إلى  تهيئة، ورقع ما يحتاج إلى رقع، وتنظيف ما يحتاج إلى تنظيف،  هكذا  كان سيد ولد آدم، سيدنا النبي صلّى  الله عليه وسلم، أنا أقول: من منا يحرص على أن يكون في مهنة أهله، هناك ولاشك هناك رجال أخيار، تجدهم في مهنة أهلهم، يباشرون العمل ويكونون قدوة حسنة لأهلهم، وأولادهم لكن الغالب العام، أن كثيراً من الرجال، يرى اشتغال الرجل بمثل هذه الأعمال الطبيعية  العادية، التي يقترب بها من أهله ويعايشهم ويعاشرهم،  يرى أنها منقصة، أو نوعٌ من النزول عما ينبغي، وعما يؤمل أن تكون عليه الصلة بين الرجل والمرأة.

    إن من أسباب حسن الصلة بين الزوجين، التواصي على الطاعة والعبادة، الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} سورة المائدة، الآية:2 ،ويقول جلَّ وعلا: {والمؤمنون والمؤمناتبعضُهم أولياء بعض}، فهذه في الصلة العامة بين جنس المؤمنين، وجنس المؤمنات، وفيما بين المؤمنين بعضهم مع بعض، وفيما بين المؤمنات بعضهن مع بعض، وفيما بين المؤمنين والمؤمنات، يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يعنى بعضهم يحب بعضاً، وبعضهم ينصر بعضاً، {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} التوبة: 71 ولذلك لما ذكر قال: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}سورة الروم، الآية:21 قال: ورحمة، الرحمة ثمرة المودة، وهنا لما  ذكر الله تعالى الولاية بين الرجل والمرأة، بين المؤمنين والمؤمنات، في صورةٍ من صور الولاية بين أهل الإيمان، قال: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} فالمودة تُثمر الرحمة بين الزوجين، وتظهر صلاحَ الصلة بين الأزواج إذا اتقوا الله تعالى، وحققوا أمر الله عزَّ وجلَّ، إن النبي صلّى  الله عليه وسلم، ساوى بين الرجل والمرأة في التواصي بالبر، والتواصي على الخير،  وإليك هذا الحديث، الذي رواه أصحاب السنن، من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه  يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها)) النَّضح هو الرش اليسير، النضح الرش اليسير، الذي يحصل به التنبيه،  ورحم الله، هذا بالنسبة للرجل، (ورحم الله امرأة، قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) هذا تعاون على البر والتقوى، وهذه الرحمة هي من ثمار المودة، وهي ما يوطد الصلة بين الزوجين، الآن بعض الأزواج توقظه امرأته للفرض الواجب، في صلاه الفجر، أو في غيرها من الصلوات، يقول ما عليك مني، فارقي، ترى إن فعلتِ أو أمرتِ، أو أيقظتني، أو أزعجتني، طالق، أو ما أشبه ذلك. كيف تستقيم المودة بين الزوجين على هذا النحو؟ إنَّ كلَّ نقص في صلة العبد بربه ، لابد أن ينعكس على صلته بأهله وبمن حوله، ولهذا كان السلف يرون ثمار معاصيهم، في علاقاتهم بزوجاتهم، وفي علاقاتهم العامة، فيما يجري عليهم من حياة، حتى إن أحدهم يقول؛ إني لأرى أثر معصيتي، في عثرة دابتي وسوء خلق زوجتي، إذاً التقوى وتحقيق العبودية، والتعاون على البر والتقوى، الاجتماع على الخير، هو مما يُصلح الصلة بين الناس، ومتى ما حصل معصية، واجتمع الناس على معصية، فإنَّ الله تعالى يوقع بينهم من البغضاء، والسوء والنَّكد والشر، ما يُفرق جمعهم، ولكن هذا قد يتأخر في الدنيا، لكنه يظهر جلياً في الآخرة، يقول الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}سورة الزخرف، الآية 67،  الأخلاء هم الذين كانت بينهم وشائج الحب، والخلة والمودة بعضهم لبعض عدو، هذا في يوم القيامة، إلا المتقين، إذاً التقوى سبب دوام المودة، التقوى سبب استمرار صلاح الحال بين الناس، فكلما ازدادت العلاقة  تحقيقاً للتقوى، كانت سبباً لدوام الصلة بين الأزواج وصلاحها.

    إن مما ينبغي أن يعرفه الرجال، أن من أسباب المودة -وأيضاً النساء- أن يدرك كل واحد من الطرفين طبيعة الآخر، لكن الرجل ينبغي له أن يعتني بهذا الجانب، لأن النبي صلّى  الله عليه وسلم أبرزه في صلة الرجل بامرأته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((استوصوا بالنساء))، ثم قال: ((فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه))الضلع هو الضلع كالأضلاع التي في الصدر، خُلقت من ضلع آدم عليه السلام، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه))، ثم ذكر كيف تعامل الناس مع الضلع، إذا أردت أن تقيمه، فلابد لك أن تكسره  ما يمكن، أن يستقيم ضلع إلا بالكسر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء) شوف ابتدأ بالوصية بالنساء، وختم بالوصية بالنساء، ونبه إلى طبيعة المرأة، أن ما يجده الرجل، من تغير في حال المرأة، من نقص في حال المرأة، هو بطبيعتها، فالآن حينما يتكلم الناس عن المرأة، بقولهم: المرأة خلقت من ضلع أعوج، فعلى أي أساس يذكرون هذا الكلام، التنقص بالمرأة، الهُزء بها من منطلق استنقاصها، فتجد الرجل يقول: ناقصات عقل ودين، هذا كلام حق جاء في سياق باطل، النبي لم يذكر هذا لتنقص المرأة مطلقاً، حاشاه أن يتنقص أحداً من الخلق، إنما ذكر ذلك في سياق الاعتذار للمرأة، عمَّا يكون من قصور، أو نقص، فشتان بين من يقول هذا الكلام، ويستحضره لأجل أن يتنقص المرأة، هذا جاء بخلاف مقصود النبي صلّى  الله عليه وسلم، هذا من وضع الكلم، وتحريف الكلم في غير موضعه، أما ذاك الذي يقول هذا الكلام ليذكر بضرورة، رعاية المرأة والصبر عليها، ومراعاة ما جبلت عليه، فذلك موافق للمقصود النبوي فتأمل قوله (استوصوا بالنساء، فان المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، ثم قال واستوصوا  بالنساء) كل هذا التأكيد للمعنى الذي أراده صلّى  الله عليه وسلم، من هذا التوصيف للمرأة، ولذلك من الضرورات، التي يجب أن يعيها الرجال، إن حق القوامة الذي جعله الله لهم، هو في حسن إدارة هذه الرابطة، في حسن إدارة هذه الصلة، لتُحفظ من الخلل، أو ما يكون سبباً  لانفصامها، وعدم قيامها، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم، حرّج الرجال في حق المرأة، فقال (اللهم إني أحرج حق الضعيفين، اليتيم والمرأة) والتحريج هو إلحاق الإثم والتذكير بخطورة ما يقع فيه الإنسان، من ضيق إذا أضاع هذا الحق،  فإن الله عزَّ وجلَّ ذكر بالميثاق، وهذا من دواعي إقامة الود بين الزوجين، أن يتذكر كل واحد منهما، أن هذا الميثاق الذي بينهما، ميثاقٌ غليظ، وقال تعالى:{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}سورة النساء، الآية:21، وهو ما أمر الله تعالى به من العشرة بالمعروف، ولذا يجب على الرجل والمرأة، أن يُراعيا هذا الميثاق، وأن يحفظاه بإقامة الحقوق التي بها تصلح الأحوال بين الزوجين، وقد قال النبي صلّى  الله عليه وسلم، (واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله).

    إن مما يقيم الود بين الناس عموماً، وبين الأزواج على وجه الخصوص، أن تبنى العلاقة بين الزوجين، على التسامح، على التغافل، على التصافح، على العفو، على التنازل عن الحقوق، التي يمكن أن تكون سبباً لتجاوز العثرة، وتجاوز المشكلة، وذاك به تستقيم الصلات، وقد ذكر النبي صلّى  الله عليه وسلم،  بعدم حث النظر على السلبيات واستحضار معنى، وهذا أيضا يمكن أن يجعله سبباً، من أسباب حصول المودة بين الزوجين، أن يتذكر كل واحد منهما، الإيجابيات في الشخص الآخر، ولذلك قال صلّى  الله عليه وسلم، فيما رواه موسى، في حديث أبي هريرة، (لا يفرك مؤمن مؤمنة) أي لا يكره الرجل المرأة، ولا المؤمن المؤمنة، لا يكره الرجل المؤمنة، ولا تكره المؤمنة زوجها المؤمن إن كره منها خلقا رضي منها آخر، وهذا التوازن في الصلات،  لا يوجد إنسان كامل كل ابن آدم خطاء، ولابد من نقص في السلوك والمعاملة، لاسيما الشيء الدائم، وعلى قول العوام: الدائم شديد صعب، دوام الصلة بين الزوجين يقتضي نوعاً من وجود الهفوات، وعدم التحفظ أحياناً، مرور بظروف قد يخرج بها الإنسان عن حال الاستقامة، هنا يقال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة)  أي: لا يكره مؤمن مؤمنة، أي إن كره منها خلقاً، رضي آخر، بناء العلاقات على بذل الحقوق، مما يعين على استقامة الحال بين الزوجين، إذا بنيت علاقتي مع زوجتي، وبنت زوجتي علاقتها معي، على المطالبة بالحقوق حصل التَّشاحُّ، والإنسان بطبيعته يغلب عليه الشح، لكن إذا بُنيت العلاقة على الإحسان، وما الذي يجب عليّ؟ أن أنظر إلى ما الذي يجب عليّ، قبل أن أنظر ما الذي يجب لي، عند ذلك تصلح العلاقة، ولهذا لما ذكر الله تعالى حق المرأة، لم يبدأ بذكر الحق الذي للرجل، إنما بدأ بذكر الحق الذي عليه، فقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} سورة البقرة، الآية:288، وهذا تذكير للرجل، لأن الرجل له أثر بالغ في إقامة المقصود من الزواج، وإصلاح الحال بين الزوجين، قال: {ولهنَّ} بدأ بالحق الذي يجب للطرف الآخر، قبل الحق الذي يجب لك، {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}   سورة البقرة، الآية:288، وقد كان سلفنا الصالح على وعيٍ بهذا الأمر، حتى فيما يتعلق بقضايا العناية بالمظهر والشكل، يقول ابن عباس، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن: ((إني لأتزين لامرأتي، كما تتزين لي، وما أحب أن أستوفي كل حقي الذي عليها لي، فتستوفي كل حقها الذي لها عليَّ))،  هكذا تُبنى العلاقات، على التغاضي والتسامح، وعلى أن أبادر بما يجب عليّ، يعني أنا أسأل: لو نظرنا إلى وضع التجمل في الرجال، بالنسبة للنساء، قلَّ من يعتنى بهذا الجانب لزوجته، إنما يتجمل ليتواصل، إذا جاء يطلع، إذا جاء يلتقي بأصحابه ، إذا جاء.. كل هذا طبيعي، لكن هي تستحق أن تعتني بنفسك، كما هي تعتني لك، لاسيما في زمنٍ الصورة أصبحت متاحة، وتظهر خلاف الواقع، لا بالنسبة للرجل، ولا بالنسبة للمرأة، بمعنى أنه المرأة تشاهد من صور في التلفاز، وفى وسائل الاتصال، ما يمكن أن يكون فتنة لها، فترى بهاءً وجمالاً وحسناً، في حين ترى نوعاً من التفريط، نوعاً من القبح بل عدم الاهتمام، بل الدمامة أحيانا، بل الطمالة أحياناً في الرجل، بسبب أنه يقول إنها زوجتي لماذا أتجمل لها، ويبلغنا من القصص وشكوى بعض النساء، في أمور يستحي الإنسان أن يتكلم بها، ولذلك من الضروري أن يعي الرجل، أن للمرأة من الحقوق، كما للرجل عليها، وأن يعتني بالحق الذي عليه، كما يعتني بالحق الذي له، بل يقدم الحق الذي لها أكثر من الحق الذي له، هذه جملة من القضايا أو الوقفات، الوقت ضاق، وكان بودي أن أستعرض بعض القصص، في سير الصالحين، ابتداءً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسير أصحابه في معاملاتهم لأزواجهم، لعلَّ ذلك يكون في لقاء آخر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد!

    التفاصيل
    0
    208
  • محاضرة تعوذوا بالله من الفتن
  • الحمد لله رب العالمين أحمده حق حمده لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسانه إلى يوم الدين. أما بعد:-  فأعوذ بالله من الفتن، وأسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يقبضنا إليه غير مفتونين. (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في طائفة من أصحابه في مسير معتاد، فجالت به راحلته أثناء السير حتى كاد أن يسقط من راحلته، ثم دار بعض القبور فقال: قبور من؟ أفي الإسلام أم في الشرك ماتوا؟ فأخبر عنهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تعوذوا بالله من الفتن، فقالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ثم قال: تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال). Å  هذا الأمر النبوي المتكرر لأصحابه وهم في دار هجرته في المدينة حيث أمنوا على أنفسهم ودينهم يُشعر بخطورة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن يتعوذوا بالله منه، فإن استعاذة المؤمن من شيئ لا تكون إلا من مرهوب، لا تكون الاستعاذة إلا من مَخُوف، لا تكون الاستعاذة إلا من شيئ يخاف؛ لأنها طلب الحماية، لمَّا تقول: أعوذ بالله أي اعتصم بالله، احتمي بالله، التجئ إلى الله، اطلب العون والوقاية من الله، وهذا لا يكون في الغالب إلا فيما لا حيلة للإنسان في دفعه، فإن الإنسان يسعى إلى توقي الأضرار والسلامة من الشرور والآفات، قد يوفق إلى ذلك، لكنه عندما يعتصم بالله عز وجل؛ ينال من الوقاية من الأضرار والشرور مالا يدرك بجهده وقوته وعمله، فإن ما يدفعه الله تعالى عن العبد بإيمانه وتقواه أعظم مما يدفعه بحوله وقوته، لا حول ولا قوة إلا بالله. الفتنأيها الإخوة شيئ يصرف الإنسان عن الحق إلى الضلال، شيئ يُنقص دين الإنسان، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من الفتن، فقال: تعوذوا بالله من الفتن، وقد يقول قائل: إن الناس كلهم مفتونون، نعم قال تعالى: {الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{. فما من أحد إلا وهو جار عليه فتنة، فليس منا إلا وهومختبر، إلا وهو ممتحن، إلا وهو مبتلى، فمادة الحياة وموضوعها هو البلاء  }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور{. }وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً{.  فما من أحد إلا وهو في ابتلاء واختبار وامتحان وفتنة، لكنَّ هذا الذي قضى الله تعالى سَنَن الكون عليه، وأجرى عليه حال الناس؛ ليس هو المطلوب في قوله تعوذوا بالله من الفتن؛ يعني لما نقول: نعوذ بالله من الفتن فنحن لا نسأل الله عز وجل أن لايختبرنا فما منا إلا وهو مختبر، لكننا نسأل الله عز وجل أن يقينا الصوارف التي تصرفنا عن الحق ؛ نسأل الله عز وجل لمَّا نقول: نعوذ بالله من الفتن أن لا نسقط فيما نختبر به سواء كان اختبارا خاصاً أوعاماً ، ومن هنا نصل لمعنى الفتنة.  فما معنى الفتن وما معنى الفتنة التي ترد في كلام الله، وفي كلام رسوله، وفي كلام أهل العلم؟ الفتنة: هي الاختبار، وقد جرت على كل إنسان، فما من إنسان إلا وهو مختبر، وكلنا سنُفتن ونخُتبر في معاشنا وفي مماتنا، ولذلك نحن نتعوذ بالله من فتنة المحيا ومن فتنة الممات، ليس التعوذ هنا بأن لا نختبر؛ إنما التعوذ أن لا نسقط في الاختبار، هذا أمر لابد أن يتضح، لأن بعض الناس يقول كيف نستعيذ بالله من الفتن ونحن مختبرون.. على كل حال، فما منا إلا مختبر، كل لحظة في حياة الإنسان هي اختبار له، كل موقف هو اختبارله، إما أن يوفَّق إلى هدى وينجح، وإما أن يخذل فلا يوفق إلى ما يجب عليه في ذلك الموقف فيُفتن.  إذا الفتنةتطلق على الاختبار وهذا لا سلامة لأحد منه، فموضوع الحياة هو الابتلاء والاختبار، لكن الفتنة تطلق أيضا ويراد بها نتيجة الاختبار، وهو إما السقوط في تلك الاختبارات، أو عدم التجاوز لما امتُحن فيه الإنسان، وهذا هو الذي يستعيذمنه المؤمن عندما يقول: نعوذ بالله من الفتن، وهذا هو الذي يستعيذ منه المؤمن حين يقول في صلاته أعوذ بالله من فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، فتنة المسيح الدجال إذا خرج لن تستثني أحدا، فكل أحد يبتلى به إلا من يعصمه الله عز وجل، وابتلاء الناس به نتيجته إما سلامة ووقاية ونجاة، وإما خذلان و انصياع واتباع لفتنته وشره.   لذلك  لنفهم عندما نقول: نعوذ بالله من الفتن ما الذي نستعيذ بالله منه؟  إننا نستعيذ بالله عز وجل -أيها الأحباب أيها الإخوة- نستعيذ بالله من السقوط في الفتنة، من الفشل، من أن يكلنا الله تعالى إلى أنفسنا، من أن لا نوفق إلى ما يحب الله تعالى ويرضى في تلك الاختبارات. إن النبي صلى الله عليه وسلم نصح الأمة نصحاً بيناً ظاهرًا في كل ما يخشاه عليها، ومما كان يؤكد عليه صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من الفتن كما تقدم في حديث زيد بن أرقم في القصة التي ذكرت في مسير النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم الاستعاذة بالله من الفتن كما يعلمهم السورة من القرآن.  ففي الصحيح من حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في زمن كان بين أصحابه، وكان عصمة  لأصحابه رضي الله عنهم، فإن الله تعالى قال: {وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚوَمَا كَانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. وقد مضى صلى الله عليه وسلم، وبقيت الأمة بعده، فالعصمة بعده في التزام هديه والسير على طريقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن الفتنةفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن واسعة وعريضة رغم كل الشدائد التي مرت بالصحابة في أول المبعث، لكن ما يأتي من الفتن بعد ذلك شيئ عظيم مهول، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يحدث الأمة ويخبرها بحالها، قال صلى الله عليه وسلم: }إن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة  فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه{.  أي جعل سلامتها ووقاية الشرور فيها في أولها.  هذه هذه:أي هذه التي سيدركه الهلاك بها. إن أمر الفتنة أمر عظيم، استشفه العلماء واستفادوه من كتاب الله تعالى ومن سُنًّة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يخلو كتاب من كتب السُنًّة إلا وفيه باب أو كتاب مستقل عن الفتن وعن ما يتعلق بها وطريق الوقاية منها والسلامة.  إن الفتنةأيها الإخوة لا تُصيب الناس خط عشواء، بل لها أسباب ولها مقدمات، متى ما جاءت هذه الأسباب أدرك الإنسان من الفتنة ما يدركه، ذاك أن الفتن يختبر فيها الناس ليرى إيمانهم، ليرى ما معهم من الصدق، ليرى ما ما معهم من الإقبال على الله والصبر على دينه، ولذلك السعيد من جُنِّب الفتن، أي وُقي شرها، كما قال صلى الله عليه وسلم:  "إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ,وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ" ولذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم- يستشعرون الفتنة ويبادرون إلى المعالجة.  وإليك هذا النموذج في قصة أبي طلحة -رضي الله عنه- ( فإن أبا طلحة كان له بستان قبال مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من أطيب بساتين المدينة ماءً، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل فيشرب منه، صلى أبو طلحة يوما في بستانه، فطار دِبْسِيّ ( طائر صغير) فأعجبه وهو في صلاته فطفق أبو طلحة يتبع الطائر وهو يصلي يتنقل الطائر بين نخيل بستانه وأشجاره، حتى رجع إلى صلاته فلم يدرِ كم صلى، أصلى ركعة أم ركعتين أم ثلاث، فقال مباشرة لقد أصابتني في مالي هذه الفتنة، هذا الطائر الذي أعجبه يتنقل بين مزرعته، أشجار ونخيل بستانه، عده فتنة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال: يارسول الله أصابتني في حائطي من الفتنة ما أصابني، ثم قال يارسول الله: هو صدقة لله فضعه حيث شئت).، تصدق بالبستان لأنه أشغله عن صلاته بتتبع طائر تنقل بين أغصانه وأشجاره. هذا الحس المرهف، هذا الاستشعار الدقيق، هذه المبادرة لمعالجة الفتنة من أوائل ظهور علائمها هي من توفيق الله عز وجل للعبد، فهذا الصحابي الكريم -رضي الله عنه- أشغله هذا النظر، وهذا الإعجاب بسعة مزرعته وتنقل الطير فيها حتى وقع في نفسه ما وقع، فانصرف عن صلاته فرأى أنه لا خروج له من هذه الفتنة إلا أن يتخلص مما فتنه وصرفه عن لقاء ربه- الله أكبر- .. ما أطيب تلك القلوب، إنها قلوب حية، قلوب ترجو ما عند الله عز وجل، قلوب نفذت ببصائرها إلى الدار الآخرة، فكان غاية مناها بلوغ ما عند الله عز وجل، فمهما خسروا قبل ذلك، ومهما تخلوا قبل ذلك، فهم فيه رابحون (-ربح البيع يا صهيب- بخٍ بخٍ )كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ذاك نظر لا يكون إلا لمن صدق إيمانه باليوم الآخر، فإنه من صدق إيمانه باليوم الآخر هانت عليه الدنيا كلها لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى. الفتن أيها الإخوةأول ما تعلق- تعلق بالقلوب، فإذا كانت القلوب سليمة صحيحة راشدة نقية طاهرة  طيبة سلمت من الفتن، وكانت كحال أبي طلحة في فتنته ومعالجة انصرافه، وإذا كانت القلوب غافلة مريضة أو حتى ميتة تمكنت منها الفتنة فزادتها هلاكا وفسادا، ولهذا محور النجاح، مفتاح النجاح في الفتن هو ما في صدرك، ما بين جنبيك من قلب، أصالح هو فأبشر بالنجاة، أم فاسد هو فتدارك نفسك قبل الهلاك، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث حذيفة: " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت له نكتة بيضاء ، حتى يصير على قلبين : أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض ، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه " ماذكر النبي صلى الله عليه وسلم عضوا آخر، ما ذكر سمع ولا بصر ولا بدن، إنما ذكر أول ماذكر المحور، المركز الذي تعرض عليه الفتن، فمتى كان مقدم الجيش قويا انصدت الفتنة وانخذلت، ومتى كان ضعيفا إذا أسر القلب أسر البدن، ولذلك يجب على المؤمن في مقابلة كل فتنة عامة أو خاصة، أن ينظر إلى قلبه، فإن كنت ذا قلب سليم فأبشر فالنجاة تلوح في الأفق، وإن كنت ذال قلب مريض أو قلب ميت فتدارك نفسك قبل أن تزداد هلاكا و موتا، فإن القلوب هي مراكب النجاة زمن الفتنة، هي المركب الذي يركبه الإنسان، أشبه ما يكون بالسفينة التي يخرق بها الإنسان عُبَاب أمواج الفتن المتلاطمة، فإذا كانت قوية متينة محكمة صالحة نجى، وإلا هلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، ثم ذكر انقسام القلوب في هذه الاختبارات، الفتن هنا هي الاختبارات والنتيجة واحدة من اثنين، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب ردها واستفاق من خطرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب مع توالي هذا الاختبار إلى قلبين على أسود مربادا كالكوز مجخيا أي كالكوب مقلوبا لو صببت فيه من اليوم إلى غد ماء لم يدخله شيئ، بمعنى أنه يختم عليه ويطبع، ولا ينتفع بشئ من الذكر ولا من الهدى ولا من الوحي، فالماء يشبه الوحي في حياة القلوب، بل هو كالماء في حياة الأبدان، أتحيا الأبدان بلا ماء؟ لا . كذلك القلوب لا تحيا بلا هدى، وإن كان الكوب مقلوب فإنه لن يدخله ماء، كذا القلب إذا كان منكوسا فإنه لن يقبل هدى، ولن ينتفع من وعظ، ولن يجري فيه خير، هذا هو القلب الأول الذي أشرب الفتن، لا يلزم هذا أن يكون من أول اختبار، إنما هذا من اختبارات متوالية متعاقبة يتلو بعضها بعضا، نهاية تلك الاختبارات هو أن يكون القلب على هذه الحال، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، أما القسم الثاني على أبيض مثل الصفا، أبيض مثل الصفا هذا لون وقوة، مثل الصفا مثل الحصاة في قوتها وردها للواردات وصدها للفتن القادمة عليها، لا تضره فتنة، هكذا تكون القلوب بعد عرض الفتن عليها، فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير، وهي في تواليها تشكل حال القلب من الاستقامة والانحراف. Å  إن الفتن ألوان وأشكال، وما يفتن زيدا قد لا يفتن عبيدا، وما يفشل فيه فلان قد لا يفشل فيه آخر، ولذلك ليست الفتنة واحدة في حال الناس كلهم بل مختلفة، فمن الناس من فتنته المال، ومنهم من فتنته النساء، ومنهم من فتنته الجاه، ومنهم من فتنته المناصب، ومنهم من فتنته الولد، ومنهم من فتنته العقار، ومنهم من فتنته الأسهم، أشكال وألوان في صور الفتن ونماذجها، فمن سلم من فتنة  قد لا يسلم من الأخرى، لذلك ينبغي أن يعرف أن الفتن لا تنحصر في لون واحد، في الجملة هي نوعان: o     فتن شبهات o     فتن شهوات لو أردنا الحصر الإجمالي للفتن وصنوفها وأنواعها وجدناها تندرج تحت مظلتين، فتن الشبهات، وفتن الشهوات، والفرق بينهما: ·    أن فتن الشبهات تتعلق بالعلم والمعرفة. ·    وأما فتن الشهوات تتعلق بالإرادة والقصد والرغبة.  كلاهما خطر على القلب، كلاهما مفسد للقلب إذا استسلم له الإنسان وبُلِي به، لكن فتن الشبهات أعظم خطرا وأشد إفسادا للقلب من فتن الشهوات، وكلاهما من أسباب هلاك القلب وفساده، يجب وقاية القلوب من هذا وذاك، اليوم حياة الناس مليئة بالنوعين من الفتن، فتن الشبهات بالأفكار المنحرفة، والآراء الصادة عن دين الله عز وجل من التشكيك والتشبيه والمعارضة لشرع الله تعالى والطعن في أحام الشريعة، والنيل من أولياء الله عز وجل، والاستهزاء بالصالحين، وما أِشبه ذلك من قائمة طويلة تتعلق بالشبهات، أما القسم الثاني من الفتن التي مُلئت بها حياة الناس اليوم، فتن الشهوات بشتى صورها، إن كان في مال، إن كان في نساء، إن كان في انحرافات عملية وسلوكية، كل ذلك مندرج تحت فتن الشهوات وهما مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم" تعوذوا بالله من الفتن" قولوا يا إخواني نعوذ بالله من الفتن فإنه لا نجاة الله لكم إن لم يعصمكم الله ويحميكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إن الوقوع في الفتنة ليس خطا عشوائيا، الوقوع في الفتنة له أسباب، لا يفتن الإنسان ويقع في فساد القلب وفساد العمل دون سبب، بل لابد من أسباب، خلق الله تعالى الخلق على الفطرة وهي محبة العبادة والإقابل عليها، قال صلى الله عليه وسلم : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فكل إنسان مجبول على محبة الله في أصل الخلقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من  حديث عياض بن حمار" خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين" حنفاء: أي على الجادة مائلين عن الشرك، عن الفساد عن الانحرف،  فاجتالتهم الشياطين: أي صرفتهم، أخذتهم يمينا وشمالا، أخرجتهم عن الصراط المستقيم، أي صرفتهم عن طريق الهدى إلى أنواع الانحرافات وسبل الغواية والضلال، خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين: أفادنا هذا أن الأصل في الناس الاستقامة، أن الأصل في الخلق الهداية، ثم الناس بعد ذلك ينشأون على أنواع من الصوارف تصرفهم عن طريق الاستقامة. Å  أعظم أسباب الانصراف عن الهدى:  قبول القلب للفساد:فإن القلب إذا كان مستعدا للفساد متهيئا لقبوله انصرف عن الحق والهدى، ولذك في حديث حذيفة الذي ذكرته قبل قليل في عرض الفتن على القلوب قال صلى الله عليه وسلم: "فأي قلب أشربها" أشربها تصور هذا المنديل إذا أحضرنا له هذا الماء ووضع فيه تبلل وشرب الماء، هكذا يكون القلب مع الفتنة، يشربها يتشرب، يسحب كل الماء على قدر حجم القلب على قدر حجم الاسفنجة أو المادة التي تتشرب الماء يجتمع فيه الماء، كذلك القلوب في الفتن إذا كانت متهيأة ليست متحصنة بالله عز وجل أشربت الفتن كما شرب هذا المنديل الماء، وتخلل جميع أجزاء القلب، أي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، هذه النكتة هي غلاف على القلب يتبعه آخر، يتبعه آخر، حتى يصبح القلب مغلفا بطبقة السواد التي تحيط به نتيجة المعاصي والسيئات، إذا الفتن لا تصيب القلوب بالفساد إلا إذا كانت القلوب متهيئة، إلا إذا كان في القلوب إقبال واستعداد لتشرب تلك الفتن، أما القلوب الحية فإنها ترد الفتنة، ولذلك أيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها ردها بصلابته وقوته نكتت فيه نكتة بيضاء، إذا الفتن لابد في عرضها على القلوب أن تترك أثرا، إما أثرا سيئا رديئا بأن يشربها القلب وتترك فيه نكتة سوداء، أو الأثر الآخر أثرا طيبا بما يكون في القلب من أثر طاعة الله عز وجل، لذة الإيمان التي تنعكس على القلب بياضا ونصاعة، هذا هو السبب الأول من أسباب الوقوع في الفتنة، استعداد القلوب.   الاستشراف لها: التعرض للفتنة، هنا سواء كانت فتنة خاصة أو فتنة عامة، فالذي مثلا يدخل إلى المواقع الإباحية يقول أرى هذا عرض نفسه للفتن، الذي يذهب لأماكن الشر والفساد العملي هذا عرض نفسه للفتنة، الذي يقرأ الكتب المنحرفة التي فيها الأفكار المعارضة للشريعة والمكذبة للدين هذا عرض نفسه للفتنة، هذه كلها أنواع من الاستشراف، واليوم يقال خلي الناس يطَّلعون دعهم يرون، دعهم يدرون، حسنا لا بأس أن يقرؤوا وأن يطلعوا لكن إذا كانوا ذوي قدرة وبصر، أما أن تدخل من لا يحسن السباحة في موج متلاطم وتقول له اسبح ودعه يتعلم السباحة، أنت تحكم عليه بالغرق، ليس صحيحا أن يفتح الباب للناس وأن يقال هيا ادخلوا خذوا ماشئتم أنتم الآن بلغتم عقلا ورشد تستطيعون أن تأخذوا النافع من الضار، هذه فرضية ليست صحيحة، هي تماما لو ذهبنا جميعا الآن منا من يعرف السباحة ومنا من لا يعرف السباحة، وذهبنا للبحر وركبنا السفينة فلما توسطنا قلنا الجميع يلقي بنفسه في البحر، من يعرف ومن لا يعرف السباحة، من لا يعرف السباحة يتعلم، ومن يعرف السباحة فالحمد لله سيقي نفسه، هل هذا من الحكمة في شيئ؟ هل هذا رشد؟ أليس هذا إلقاء بالنفس إلى التهلكة؟ كل أحد يقول نعم هذا إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لكن في موضوع الديانة أن نفتح للناس كل أبواب الفساد، وكل أبواب الشر، سواء كان الشر العملي السلوك الأخلاقي، أو الشر الفكري العقدي نقول لا هم يميزون ويعرفون دعهم يرون حتى يعرفون الخير من الشر، غير صحيح فتح أبواب الشر للناس بدعوى قدرتهم على التمييز، نحن في هذه الحال كمن أشعل النار في قش وتركه وقال سينطفئ من نفسه، أو سيتوقى الناس شره بكل سبيل من سبل التوقي، من الغلط أن تعرض نفسك للهلاك، عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسند أخبر عنه أنه كان في يده قطعة من التوراة، والتوراة من أشرف كتب الله عز وجل بعد القرآن، لم يأت ذكر كتاب في القرآم مثل ما جاء التوراة، ولذلك هو أعظم كتاب أنزله الله على رسول بعد القرآن، إلا أنه كتاب جرى فيه من التحريف والتعديل والتبديل والتغيير ماجرى مما أصبح لا يعرف فيه الحق من الباطل، رآه النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده قطعة من بالتوراة فقال صلى الله عليه وسلم : أمتهوكون فيها يابن الخطاب؟" أثقل الناس إيمانا بعد النبي في الأمة وبعد أبي بكر، عمر رضي الله عنه، ومع ذلك أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم مطالعته لهذه الكتب لما فيها من الانصراف عن الهدى الخالص، ولما فيها من التعريض للنفس بضلالات وانحرافات الإنسان فيها غني، ينبغي للمؤمن أن يبعد نفسه عن الفتن، سواء كانت فتن شهوات أو فتن الشبهات، ولذلك كان من علامات الآخرة ودلائل قرب الساعة أن يفر المؤمن بدينه من الفتن،  لما تكثر يطلب مفرا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أعظم فتنة في الدجال قال: " فمن سمع به فلينأ عنه" أي يبعد عنه فلا يقول آت وأريك أحاجه وأقيم عليه وأبطل قوله، فإن الرجل يأتيه وهو مؤمن ولايزال يبعث فيه من الشبهات حتى يتبعه، وهذا فيه الخوف على الإيمان، لذلك لا تعجب حين يأتي خبر عن سعيد بن المسيب حين يأتيه رجل يقول أقرأ عليك آية من أهل البدع فيقول ولا آية، حتى القرآن لا يسمعه منهم فلا يسمع القرآن من المبتدع خشية أن يكون في ذلك ضرر أو ضلال، ويأتي آخر لمالك بن أنس -رضي الله عنه- يقول: أريد أن أناظرك، قال: اذهب فابحث عن دينك فإني قد هديت، ويمتنع عن مناظرته، كل هذا لأجل النأي بالنفس عن الفتن. الآن نحن حصيلتنا ضحلة في غالب أمور الشريعة هذا هو المستوى العام، وتجد الواحد منا يقلب في القنوات مناظرة رافضي مع سني، ونصراني مع مسلم، ويقلب في الدنيا يقول أرى وأعرف، لا بأس إن كنت على حصيلة جيدة ومعرفة بالصواب من الخطأ وقواعد أن تعرف، لكن عندما تقدم وتدخل هذا البحر دون أن يكون عندك معرفة، ولا بصيرة ولا قواعد متينة تبني عليها أنت تعرض نفسك للهلاك. Å  أضرب مثالا كلنا يتفق عليه:الآن هل يدخل أحدنا الحجر الصحي الذي يحجر فيه على المرضى مرضا معديا ويقول ما يضر أن أدخل وأرى المرضى وأخالطهم مع أنهم محجورين صحيا ؟ لا.  فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " فر من المجذوم فرارك من الأسد" وهو مرض عضوي، إذا ابتلي به الانسان فصبر كان له من الأجر عند الله ما يكتبه للصابرين، الأمراض الإيمانية القلبية أعظم خطراً ولذلك كان الوقاية منها أكبر وأوجب وألزم لمن يحافظ على دينه وإيمانه، ولهذا جاء التحذير في كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرض للفتن قَالَ: "سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ"  مراتب التورط في الفتنة ( قعود - قيام – مشي – سعي) كلما كنت أبعد عن الفتنة كنت أسلم في دينك وكنت أقرب إلى الخير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر مراتب الناس : من تشرف له تستشرفه، أي من تعرض لها تستذله وتأخذ بقلبه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " فمن وجد منها ملجأً أو معاذا فليعذ به" ، وبهذا يصون الإنسان نفسه من الفتنة. الغفلة عن أسباب الهداية: فإنه من غفل عن أسباب الهداية كان ذلك موقعا له في الفتن، فالذي يقصر في أساب الهداية من الأذكار، قراءة القرآن، الصلاة، سائر الواجبات الشرعية، كل ذلك يجعل الإنسان ضعيف القلب، وإذا ضعف القلب تعرض للفتن وتوالت عليه أنواع الصوارف التي تصرفه عن الحق، لذلك كان من الضروري للمؤمن أن يأخذ بأساب الهداية وأن يستكثر من أصحاب الصلاح، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث معقل بن يسار: " العبادة في الهرج كهجرة إلي" يعني العبادة في زمن الفتنة كهجرة إليّ، يعني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اشتغل الإنسان بالعبادة زمن الفتن وكثر الفساد في الناس هو في الأجر كما لو هاجر إليه صلى الله عليه وسلم زمن الهجرة المشروعة هذا في الأجر، وهو في الصيانة والأمان على دينه كما لو هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالعبادة زمن الفتن والشرور ويقصد العبادة بمفهومها العام عبادة القلب.  وعبادة البدن: الاشتغال بالواجبات والاشتغال بالمستحبات والإقبال على الله تعالى وكثرة الدعاء وكثرة الذكر كلها مثبتات القلوب، إذا اشتغل بها الإنسان توقى شر الفتن وحُفِظ منها وصان الله  تعالى قلبه من الضلال، وإن ما ذكرته قبل قليل هو مجمل ما ترجع إليه أسباب الفتنة، فأسباب الفتنة إما أن تكون استعداد القلب، إما أن تكون الاستشراف،إما أن تكون للتقصير في أسباب الهداية، فإن التقصير في أسباب الهداية توقع في الانحراف والضلال. Å  أسباب الوقاية من الفتن: اللجوء إلى الله:وصدق الإقبال عليه والتضرع بين يديه، ولذلك كان الدعاء بالسلامة من الفتنة كثير في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يعلم أصحابه الدعاء الذي يسألون الله تعالى فيه الوقاية من الفتن كما يعلمهم السورة من القرآن، هذا يظهر لنا أهمية هذا الدعاء وضرورة الناس إليه وأن الناس في حاجة ماسة إلى  أن يسألوا لله تعالى أن يصونهم وأن يحفظهم وأن يقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. الإنابة إلى الله عز وجل:فالإنابة إلى الله عز وجل بكثرة التوبة وكثرة الاستغفار تكسب القلب قوة وتكسبه صلاحا واستقامة وبذلك يتوقى الفتن. المبادرة للأعمال الصالحة:  لذلك جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم"  أي الأعمال الصالحة، كقطع الليل البهيم الذي لا يرى فيه شيئ لأنه مظلم وبهيم شديد الظلمة فلا يرى الإنسان فيه شيئا، الذي يعينه على الرؤية في هذاالظرف هو صلاح عمله، فانظر إلى عملك وصلتك بالله عز وجل، بادر إلى الصلاح والاستقامة، حافظ على الصلوت فالصلاة نور، والله تعالى قد جعل هذا النور في اليوم خمس مرات زاد، تستزيد كماتور الكهرباء تقويه، الآن الجوالات إذا انتهى الشحن تزيد الشحن بوضعها في موضع الشحن، كذلك القلوب تحتاج إلى شحن حتى يكون نورها مضيئا يميز به الإنسان بين الحق والباطل، وتشحن القلوب بالطاعة والإحسان، هذه الصلوات محطات يقف فيها الإنسان ليتزود فكلما زادت صلاتك، وصلحت صلاتك إزداد نورك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الصلاة نور" فاستقل واستكثر، والنور يميز به الإنسان بين الحق والباطل، ويكشف الله تعالى به مواطن الضلال ويهديه به سبل السلام. استعمال التقوى:فإن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالتقوى فقال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً  }. ووعد المتقين بالمخرج من كل ضيق قال تعالى: " وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ "  وتقوى الله تجلب للإنسان الخير وتصرف عنه الشر. الاستجابة لله ولرسوله:من أسباب الوقاية من الفتن قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. لزوم السُّنة: من أسباب الوقاية من الفتن فكلما ازداد الإنسان لزوما للسنة وإقبالا عليها كان ذلك من دواعي سلامته من الفتن الظاهرة والباطنة. دعاء الله صادقا:بكل دعاء يهدى به إلى الرشد ويتوقى به من الشر يكون ذلك من أسباب وقايته من الفتن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "تعوذوا بالله من الفتن. الخوف من الفتنة وعدم الأمن من مكر الله:هو من أساب الوقاية من الفتن والهداية، ولذلك كان من دعاء الصالحين والنبيين الصادقين أن يتوفاهم الله تعالى على الإيمان، فهذا يوسف عليه السلام يقول: "تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ "، وإبراهيم عليه السلام يدعو الله أن يقيه شرالأصنام وعبادته ويوقوا " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ " لا تأمن على نفسك من الفتنة، فالخوف من الفتن سبيل عظيم للوقاية منها قال تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ ۚفَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}. Å  الأسباب التي يتوقى بها الإنسان الفتن بقي علينا شيئ يسير مما يتعلق بالأسباب التي يتوقى بها الإنسان الفتن، ذكرنا جملة من الأسباب ومن أبرزها: أن يدعو الإنسان الله عز وجل صادقا في أن يقيه من الفتن، أنت إذا قلت في آخر الصلاة "اللهم إني أعوذ بك من  عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال". قلها بقلب حاضر وأبشر بعطاء الله عز وجل فإن الله لا يخيب من اعتصم به والتجأ، كثير من الناس يقولون الأذكار والأدعية دون تأمل ولا فكر ولا اعتبار ولا حضور قلب فتكون ككلام يقوله دون أثر ولا يكون له نفع، قد يؤجر عليه أجر الذاكر بلسانه، لكن لا يتذوق طعمه ولا يعرف منزلته ولا يجني ثماره إذا لم يكن ذا قلب حاضر، لذلك تنبه وكن على فطنة أن كل ذكر تقوله أو كل دعاء تقوله دون حضور قلب أن أثره ضعيف، تماما مثل السهم الذي في يد ضعيف الرمي لا يصل إلا إلى مدى قريب، لكن إذا كان ذا رمي قوي وهو نفس السهم هذا وذاك كلاهما رميا بسهمٍ واحد، لكن منهم من وصل آخر المرمى، ومنهم من لم يتجازو السهم موضع قدميه، الفرق بين هذا وذاك في قوة الرامي، فإذا قلت أعوذ بالله من الفتن يتحرك قلبك قبل أن يتحرك لسانك، ليحضر قلبك في معنى هذا الدعاء قبل أن تنطق به وأنت غافل، فإن ذلك من دواعي حصول الإجابة والتوفيق إلى الهداية. أن يكثر المؤمن ذكر هادم اللذات:من أسباب توقي الفتن ذكر الموت، والنفاذ بالبصر إلى الآخرة، من أعظم أساب الوقاية من الفتن، لأنه يذكر أنه سيقف بين يدي الله تعالى وسيسأله عن الدقيق والجليل، وسيحاسبه على ماكان منه من عمل، فيكون ذلك حاملا له على الإستقامة، حاملا له على الهداية، معينا له على مراجعة المسار وتصويب الخطأ وتقويم المعوج والاستزادة في الخير. الإقبال على القرآن العظيم:من الأسباب العظيمة التي بها تحصل النجاة من الفتن، فبقدر ما يكون معك من الإقبال على كتاب الله عز وجل، بقدر ما تحيى روحك ويسلم قلبك، ويستنير فؤادك، وتبصر مواقع الهدى وتخرج من الظلمات إلى النور، يقول الله عز وجل في وصف رسوله: " يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " أخرجهم بهذا الكتاب المبين، هذا النور العظيم الذي جعله الله تعالى رسالة لكل واحد من البشر، فكل واحد منا بين يديه رسالة من الله جل في علاه، بقدر ما يقبل على القرآن تلاوة، وحفظا، وفهما، وتدبرا، وعملا، ودعوة، ينال من الهداية، ويتوقى سبل الردى والضلالة، ولذلك نعجب أن كثيرا من الناس يقرؤون القرآن لكنهم لا يجدون له أثرا في سلوكهم، بسبب أن إقبالهم محصور على حروفه دون معانيه، على قرائته ددون العمل به، فيكون القرآن ضعيف الأُثر، القرآن من عظيم تأثيره يقول في رب العالمين: " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗبَل لِّلَّـهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ" هذه الآية تبين عظيم تأثير القرآن، معنى الآية أنه لو أن هناك شيئا يقرأو يتلى، فتتحرك به الجبال أي تسير، أو تقطع به الأرض على عظيم صلابتها، أو يخاطب به الموتى فيقومون ويتكلمون، لو كان هناك شيئاً يفعل هذا التأثير لكان هذا القرآن، فالقرآن له من التأثير العظيم ما بينه رب العالمين في هذه الآية، وقال تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ  }. فكيف بقلوبنا أين أثر القرآن فيها؟  غائب في كثير من الأحيان، السبب أن القرآن مغفول عنه، ثم إذا قرِئ، تقرأ ألفاظه دون فهم معانيه، وإذا قُرِئ كان في اللسان دون أن يكون في القلب والجوراح، وبالتالي ضعف أثره، القرآن أعظم أسباب الهداية، ولذلك يقول الله لرسوله: " {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا}. فالقرآن تثبيت للقلوب، وجعل فيه من القصص والأخبار ما يجعل القلوب في غاية الحضور، قال تعالى: } وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} . يثبت الفؤاد، ويحفظه من المزلزلات والمزيغات والمضلات كل ذلك من فضل الله عز وجل، والمؤمنون الصادقون تتحرك قلوبهم عندما يستمعون إلى القرآن، قال تعالى: " {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}. وأعظم ذكر الله تلاوة آياته، هكذا يكون المؤمن مع القرآن في زيادة وخير، أما من يقرأه فلا يجد له أثرا في سلوكه ولا في عمله، فذاك المنقوص الذي يُصد عن القرآن إما غافلا أو خاسرا. التحلي بالصبر:من أسباب الوقاية من الفتن، ولذلك كان أعظم ما يعطاه العبد الصبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم " وما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر." فعطاء الصبر أعظم عطاء يعطيه الله تعالى العبد ويوفقه، لأن بالصبر يتوقى الشبهات، وبالصبر يتوقى الشهوات، وبالصبر يقوم بالطاعات، وبالصبر يتوقى السيئات، وبذلك يبلغ أعلى الدرجات،  فيكون من الذين قال فيهم جل في علاه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}. هذه جملة من المسائل التي تتعلق بالتعوذ بالله من الفتن. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا وإياكم من الفتن، وأن يرزقنا وإياكم قلوبا سليمة، وأن يحفظنا وإياكم فيما بقي من أعمالنا، وأن يغفر لنا ما كان من الخطأ والزلل، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.   التفاصيل
    0
    275
شرائد الفوائد
  • العلم ليس هو بكثرة الرواية
  • 31- قال الذهبي : " العلم ليس هو بكثرة الرواية , ولكنّه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الإتباع , والفرار من الهوى والإبتداع" السير ( 13/ 323) التفاصيل
    0
    581
  • أفضل الأعمال خلاف هوى النفس
  • 30- قال أبو سليمان الداراني: "أفضل الأعمال خلاف هوى النفس . السير (10/ 183) التفاصيل
    0
    591
  • ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين
  • 29- قال بشر الحافي: " ما أكثر الصالحين , وما أقل الصادقين ". السير (9/341) التفاصيل
    0
    567
  • إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به
  • 28- قال الإمام أحمد: " إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به ". السير(11/335) التفاصيل
    0
    465
  • أكره أن يدنّس دينك
  • 27- قال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب: مالك لا تستعملني؟قال : أكره أن يُدنّس دينك. السير(1/398) التفاصيل
    0
    415
  • لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب
  • 26- قال يحيى بن معاذ: " لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب ". السير(13/ 15) التفاصيل
    0
    498
برامج مفرغة
  • الحلقة(6)حكم الفوائد البنكية.
  • السؤال: ما حكم الفوائد البنكية؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمًة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد،

     فما جرى في حياة الناس اليوم مما يتعلق بالمعاملات المالية، هذه المصاريف التي هي بيوت مالٍ، يضع الناس فيها أموالهم، ومما يكثر السؤال عنه  ماذا ذكرت من سؤال كثير من الناس، عن حكم أخذ الفوائد البنكية التي تصرفها البنوك لأصحاب الحسابات، سواءً كانت حسابات ادخار، أو حسابات شهرية، أو غير ذلك من الحسابات التي تبتكرها البنوك،  لـتكثير ما يكون من إيداعات الناس في الحسابات التي ترجع إلى هذه المصارف.

     ما حكم هذه الفوائد؟

    الفوائد البنكية عامة علماء العصر على أنها نمط ونوع من أنواع ربا القروض التي جاءت الشريعة بتحريمها، قبل ما نخوض في هذه القضية ونجليها بصورة واضحة، ينبغي أن يعلم أن الربا متفقٌ على تحريمه بين علماء الأمة، وهو من الأمور الظاهرة، البينة، الجلية، التي دل على حكمها الكتاب والسنة.

    فالله تعالى في غير ما آية ذم الربا، وذم أكله الربا، ومثل الربا بصورة مفزعة {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} سورة: البقرة، الآية (275). وقد قال الله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} سورة: البقرة، الآية (275). وفي نصٍ ظاهرٍ جلي، وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} سورة: البقرة، الآية (278). فالنهي عن الربا بآيات كثيرة ظاهرة.

    فما هو الربا الذي حرمه القرآن، الربا الذي حرمه القرآن هو ربا الجاهلية, وهو ربا القروض, ما يجري في المصارف، وفي البنوك، هو من هذا النوع من الربا، وهو ربا القروض؛ لأن ربا القرض هو عبارة عن زيادة في المال، إذا جرى فيه عقد قرض، بمعنى أن يأتي شخص ويقرضك مبلغًا، ويشرط عليك زيادًة في رده، فيعطك  ألفًا، على أن ترده ألف ومائة، أو ألف ومائتين، أو ألف ونسبة، سواءً واحد في المائة، اثنين في المائة، ثلاثة في المائة، سواءً كانت الزيادة محددة بمبلغ مقطوع، أو كانت بنسبه من المبلغ.

    وبالتالي هذا الذي يجري في البنوك، هو من هذا النوع، فإنه لا فرق بين أن يكون القرض، سواء كان مالًا، أو ذهبًا، أو فضًة، أو من أي  أنواع المال؛ لأن القرض والربا فيه، لا يختص نوعًا من المال، وهذا الفرق بين ربا القروض وربا  البيوع، ربا البيوع فيه أصناف محددة من المال، جاء ذكرها في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» صحيح مسلم: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، حديث رقم (80-(1587)). هذه أصناف محددة.

    ألحق بها بعض أهل العلم أصنافًا من المال، لكن تبقى هذه أنواع من المال محددة, أما ربا القروض فإنه لا يختص بمال، ولذلك قالوا لو اقرض حفنًة من تراب، واشترط على المقترض أن يردها حفنتين، كان هذا من الربا، وكما جاء عن عبد الله بن مسعود "لو أقرضه لبنًة من التبن، على أن يردها بزيادة، كان ذلك من الربا".

    إذًا ربا القرض لا يختص بمال معين، بل يشمل كل الأموال، وبالتالي هذه الأوراق النقدية التي هي نقود الناس اليوم، ويجري بها التعامل، هي مما يدخل في هذا، فإذا أودع الشخص ألف ريال في البنك، على أن يردها البنك ألف زائد النسبة واحد في المائة، أو اثنين في المائة، أو ثلاثة في المائة، أو يردها بمبلغ مقطوع زائد، هذا من ربا القروض الذي يندرج في المحرم.

    وهذا يختلف عما يمكن أن يكون من أوجه الاستثمار، الذي يدخل فيه العميل مع البنك شريكًا في معاملات، ومتاجرات، وأنواع من الاستثمارات، التي يدخل فيها على واضح الأمر بربحٍ محدد، وخسارة محددة، يشترك الطرفان فيها في الربح والخسارة، هذا هو الشركة، أو المضاربة، المندرج فيما أحل الله تعالى.

    أما أن تكون هذه الزيادة مقابل الإيداع في البنك، أو الادخار في البنك، فهذه زيادة محرمة ربوية، وهذا عامة ما ذهب إليه علماء العصر، من أهل العلم من يقول إن هذه الزيادة التي تعود للمبالغ المالية المودعة هو نتيجة استثمار، لكن في الحقيقة هذا غير صحيح؛ لأن المبلغ مضمون من حيث الأصل، والزيادة مضمونة من حيث الاتفاق، فليس ذلك من المشاركات، بل هذا من الاقتراض المحرم الذي يندرج فيما حرمه الله تعالى من ربا القروض.

    ولذلك أقول لإخواني وأخواتي لنتق الله بترك هذا النوع من التعامل، لاسيما وقد فتحت أبواب المصرفية الإسلامية التي تتيح لك الاستثمار، والتكسب، والتربح، من طرق مباحة، تبعدك عن الربا وشره وشؤمه، يكفي في شؤمه أن الله أذن بالحرب لمن يتعامل به، وقد قال جل وعلا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} سورة: البقرة، الآية (276)

    اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    5
  • الحلقة(5) حكم التعزير بالمال
  • السؤال: حكم التعزير بالمال هل الأمر جائز؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذا السؤال وهو ما يتعلق بالتعزير بالمال, سؤالٌ مهم يلمسه الناس في حياتهم على وجه العموم، ما معنى التعزير بالمال، أي العقوبة بأخذ شيءٍ من المال على مخالفة، على خطأ، هذا قد يكون وفق التنظيم العام، كأنظمة المرور مثلًا، أنظمة الإقامة، أنظمة الجوازات, أنظمة البناء والبلديات، وما إلى ذلك من الأنظمة التي يكون من جملة الطرق الإلزام بها العقوبة على المخالف بالمال, التعزير بالمال هو هذا المعنى.

    طبعا أيضًا يدخل فيه ما يتفق عليه جماعة من الناس، سواءٌ كانوا في دائرة عمل، أو كانوا في دائرة لقاء، أو كانوا في اجتماع خاص، بأنه مثلًا على سبيل المثال ما يفعله بعض الناس، إذا تأخر أحدهم، ألزم بغرامة مالية خمس ريالات, عشر ريالات نحو ذلك.

    ما حكم التعزير بالمال؟

    بكل صوره، عقوبة مخالف بالمال ما حكمها؟

    هذه القضية للعلماء فيها قولان:

    القول الأول: هو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، أنه لا يجوز التعزير بالمال بكل صوره، ومن أراد أن يعزر فليعذر بغير المال، أما المال فإنه لا يجوز التعزير به، يستدلون بقوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} سورة: البقرة، الآية (188) وأيضًا بالآية الأخرى في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} سورة: النساء، الآية (29).

    فالله تعالى نهى عن أكل المال بالباطل، وهذا منع على أن يتسلط الإنسان على مال غيره بغير وجه حق.

    وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» صحيح مسلم: باب وضع الجوائح: حديث رقم (14- (1554)).

    هذا ما استدل به القائلون، واستدلوا أيضا بتحريم المال «كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» صحيح مسلم: باب تحريم المسلم، وخذله، واحتقاره، ودمه، وعرضه، وماله، حديث رقم (32-(2564)).

    وغير ذلك الآيات والأحاديث التي فيها تحريم المال.

    أما القائلون بالإباحة: فقالوا إن هذه الأحاديث والآيات هو فيما إذا أخذ المال بغير حق، لكن هنا المال أخذ بحق، والدليل على أن التعزير بالمال حق، أن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه, شرعه صلى الله عليه وسلم فيمن يصيد في المدينة، كما في الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه قال في الصائد في المدينة «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيْئًا فَلَهُ سَلَبُهُ» مسند أحمد حديث رقم (1460). أي يأخذ سلاحه وعدة صيده، هذا التعزير بالمال.

    أيضا استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الثمر المعلق، لما سئل عنه «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ» سنن أبي داود: باب ما لا قطع فيه، حديث رقم (4390).

    يعني على غير الصفة السابقة، وهو أخذه لحاجة، «فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ» سنن أبي داود: باب ما لا قطع فيه، حديث رقم (4390). فألزم النبي صلى الله عليه وسلم من أخرج من البستان ثمرًا لا حاجة له بأكله، فإنه يلزمه غرامة ما أخذ مضاعفة، وهذا نوع من التعزير بالمال.

    كذلك استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مانع الزكاة«هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا» صحيح البخاري: باب قول الله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}، حديث رقم (1468). كما قال صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث، وفي بعضها قال: «فإنا آخذوها منه وشطر ماله» مسند أحمد ط الرسالة: باب حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، حديث رقم (20041). شطر ماله يعني نصف أمواله «عزمة من عزمات ربنا» مسند أحمد ط الرسالة: باب حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، حديث رقم (20041).

    مجموع هذه الأحاديث، والأحاديث الأخرى، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم، قالوا يدل على جواز التعزير بالمال، كما أن المصلحة قد تقتضي التعزير بالمال ذاك أن الناس لا ينكف خطأهم، ولا يمتنع خروج المخالفة منهم، صدور المخالفة عنهم إلا بنظامٍ رادع، ومن الأنظمة التي أثبتت نجاحها في كبح جماح المخالفات في سائر الشأن ما يتعلق بالتعزير بالمال، الأخذ بالمال, العقوبة بالمال، فإنها وسيلة من وسائل الردع.

    وهذا هو الراجح من القولين: وهو الذي يرجع إلى السياسية الشرعية التي تحقق المصالح وتدرأ المفاسد، فالذي يظهر والله تعالى أعلم أنه لا حرج في التعزير بالمال، لكن ينبغي أن يكون تعزيرًا عادلًا، وأن يكون عامًا لا انتقائيًا؛ لأن هذا مما يتحقق به العدل.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    4
  • الحلقة (4)حكم استخدام العطورات الكحولية.
  • السؤال: ما حكم استخدام العطورات الكحولية ؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد ،

     فأهلا وسهلا، حياكم الله، وحيا الله الأخ السائل، وهذا السؤال حقيقة سؤال يسأل عنه كثيرون، وهو موضوع استعمال العطورات، أيضًا المعقمات التي تحتوي على مواد كحولية.

     المادة الكحولية هي عبارة عن مادة كيميائية تستعمل في الأطياب، وفي غيرها من المعقمات؛ لأجل غرضين في الغالب، الغرض الأول الإذابة، والثاني الحفظ، وبالتالي وجود هذه المواد الكحولية في الأطياب وفى المعقمات، أمر شائع في كثير من هذه المعقمات والأطياب.

     فما أثر وجود هذه المادة في حكم استعمال الأطياب والمعقمات؟

    نحتاج إلى معرفة ما الإشكالية في الكحول؟

    الإشكالية في الكحول أن الكحول هو روح الخمر، هذا موضوع الإشكال، وهو مبعث السؤال، لماذا كانت الكحول مشكلة في الأطياب؟

    لماذا كانت الكحول مشكلة في العطور؟

    السبب هو أن مادة الكحول هي روح الخمر, هي المادة التي يحصل بها الإسكار في المشروبات الخمرية, وجودها في هذه الأطياب، نقل إلى هذه العطورات وهذه المعقمات الخلاف في مسألة الخمر.

    هل هي طاهرة أو نجسه؟

    إذا كانت الكحول هي مادة الإسكار، وهي روح الخمر، فإذا أخذت هذه المادة ووضعت في الزيوت العطرية، فأذابتها أو وضعت المعقمات لإذابتها وحفظها.

    هل هذا ينقل حكم الخمر إلى هذه المواد العطرية، والمواد المعقمة؟.

    الجواب على هذه السؤال: نحتاج أولًا أن نعرف:

    ما الإشكال في الخمر من حيث استعمالها في غير شربها؟.

    طبعًا معلوم بالاتفاق لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز شرب الخمر, وأنها لا تصلح استعمالًا لا في دواء ولا في غيره, لكن البحث في ما إذا استعمالها في أي نوع من أنواع الاستعمالات الأخرى، كاستعمالها كمعقم، أو غير ذلك من أوجه الاستعمال.

    هل الخمر طاهرة أو الخمر نجسه؟.

    للعلماء في ذلك قولان:

    عامة علماء الأمة، في الحديث عن علماء الأمة منذ العصور السالفة ليس شيئًا جديدًا، يرون أن الخمر محرمة, يرون أن الخمر نجسة، هذا التحريم متفق عليه،لكن نتكلم عن الاستعمال في غير الشرب، عامة علماء الأمة يرون أنها نجسه، وبالتالي لا يجوز استعمالها في شيء من أوجه الاستعمال, هذا الذي عليه أكثر أهل العلم.

    ذهب طائفة من أهل العلم، نقل هذا عن ربيعة، وقال به جماعة من المتأخرين، أن الخمر في ذاتها ليست نجسة، وإن كانت محرمة, وإنما النجاسة حكم يحتاج إلى دليل.

    لماذا اختلف العلماء في الخمر؟

    اختلفوا فيها بناءً على اختلافهم في فهم قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة: المائدة، الآية (90).

    قوله تعالى:{رِجْسٌ} سورة: المائدة، الآية (90) الرجس هو النجس، وبالتالي قالوا إن النجس هو غير الطاهر, وعليه فإن الخمر نجسه، ولذلك لا يجوز الاقتراب منها، وإذا أصابت الثياب يجب غسلها، ويجرى فيها حكم سائر النجاسات.

    القول الثاني في المسألة: أن الخمر ليست نجسة، وأن قوله تعالى:{رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } سورة: المائدة، الآية (90). الرجس هنا النجاسة هنا ليست نجاسة حسية، إنما هي نجاسة معنوية, بمعنى أنه إذا أصاب الإنسان شيء من الخمر، فإنه لا يجب عليه أن يغسل ما أصابه في بدنه، أو ثيابه، استنادًا إلى أن النجس نوعان،نجاسة عينية، ونجاسة معنوية.

    الخمر نجاسته معنوية, لما يترتب عليه من الفساد، لذلك قال: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}، وليس رجسًا من عين، أو ذاد إنما رجس عملي , نظير قول الله تعالى  في الكفار:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} سورة: التوبة، الآية (28). الإجماع هنا عقد على أن نجاسة المشركين نجاسة معنوية، وليست نجاسة حسية، فإذا صافح الإنسان، أو باشر كافرًا، فعلق منه شيء، فإنه لا يكون بذلك نجسًا، ولا يجب عليه غسل ما أصابه من هذه المصافحة, أو ما يتعلق بالكافر من ثياب أو غير ذلك، إذا عرفنا الآن الخلاف بين العلماء في الخمر ذاتها.

    والراجح في هذا القول أن الخمر ليست نجسة العين، إنما هي نجاسة معنوية، بالتالي ينتقل هذا الخلاف إلى العطور والمعقمات التي تستعمل فيها.

    مادة الكحول هل هي نجسة؟

    على نقل الخلاف يكون عامة قول العلماء على أن هذه الأطياب والعطورات التي فيها مادة الكحول بنسبة واضحة ظاهرة, غير مستهلكة, تكون محرمة نجسة؛ لأنها لا يجوز مباشرتها, وإذا أصاب الثياب يجب غسلها, وإذا أصاب البدن يجب إزالتها، وكذلك فيما يتعلق بالمعقمات .

    القول الثاني: استنادًا للخلاف في الخمر، أنها طاهرة، وبالتالي يجوز استعمال هذه الأطياب, وأنها ليست نجسة.

    والأقرب من هذين القولين كما رجحنا بأن الخمر ليست نجسة.

     نرجح أن الأطياب استعمالها في الثياب والأبدان لا يصيب الإنسان بالنجاسة، لكن الأولى وهذا اختيار بعض أهل العلم, الأولى اجتناب استعمالها لكنها ليست نجسة فيما إذا استعملها الإنسان.

    الدليل: على الأولوية وأنه ينبغي تركها إن كان هذا متيسرًا، قول الله جل وعلا: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة: المائدة، الآية (90) والاجتناب يقتضي أن يكون ذلك الشيء في جانب, وأنت في جانب على وجه الاستحباب لا على وجه التحريم , وبالتالي إذا تطيب الإنسان في ثيابه، تطيب في بدنه من هذه الأطياب العطرية الكحولية، أو استعمل معقمات للجروح أو ما أشبه ذلك، لا حرج عليه في ذلك؛ لأنها طاهرة والأولى ترك ذلك.

     والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    6
  • الحلقة(3)حكم تفضيل أحد الأبناء بالهبة
  • السؤال: حكم تفضيل أحد الأبناء بالهبة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

    فهذا السؤال الذي يتعلق بالعدل بين الأولاد، هو من المهمات التي ينبغي لكل والد أن يعتني به، فإن النبي صلى الله وعليه وسلم قد قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» صحيح البخاري: باب الإشهاد في الهبة، حديث رقم(2587). وهذه وصية نبوية شريفة لكل والد من ذكر أو أنثى، من أب أو أم، هذه الوصية تقتضي التعديل بين الأولاد، في كل ما يمكن أن يعدل بينهم فيه، وأن يسوى بينهم فيه، سواءً كان ذلك في العطايا المالية، أو كان ذلك في الاهتمام، أو كان ذلك في سائر الشأن.

    لكن بالتأكيد أن الحديث ورد على قضية معينة، جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أن والد النعمان -بشير- نحل النعمان نحلًة، فأرادت أم النعمان –عمرة بنت رواحة- أن يُشهد على ذلك رسول الله  صلى الله وعليه وسلم، فذهب بشير إلى النبي صلى الله وعليه وسلم يشهده أنه نحل النعمان هذه النحلة، فقال له النبي صلى الله وعليه وسلم: «ألك بنون سواه؟»، قال: نعم، قال:«فكلهم أعطيت مثل هذا؟» صحيح مسلم: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، حديث رقم (1623)..

    هكذا قال له النبي صلى الله وعليه وسلم، في الإشارة إلى أن هذا العطاء لا يصلح أن ينفرد به أحدهم، بل ينبغي أن يكون مشتركًا بينهم، بمعنى أن يشتركوا، في أن يُعطوا، فلا يخصص أحدهم دون الآخر.

    فقال:لا، قاله له النبي صلى الله وعليه وسلم: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» صحيح البخاري: باب الإشهاد في الهبة، حديث رقم (2587). هذا الحديث، وهذه الجملة « فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم » صحيح البخاري: باب الإشهاد في الهبة، حديث رقم (2587).. وردت على هذا السبب، والعبرة بعموم اللفظة بخصوص السبب كما هو معروف.

    لكن فيما يتعلق بالعطايا المالية ينبغي للمعطي أن يعدل بين أولاده، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، أن التعديل مطلوب، لكنهم اختلفوا في حكم التعديل، هل هو واجب، أم هو مما يندب إليه، فمن أهل العلم من قال إنه واجب، واستدل لذلك بظاهر الحديث، ولفظه، «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» صحيح البخاري: باب الإشهاد في الهبة، حديث رقم(2587).. وقال آخرون بل هو مستحب.

    وقال آخرون بل هو واجبٌ، إلا أن يكون التفضيل لسبب، والحقيقة أن هذا القول خارج عن محل النزاع، لأنه إذا كان هناك عطاءٌ لسبب فهو خارج عن محل البحث.

    لهذا أعود وأقول إن التعديل المأمور به هنا، هو في العطاء الذي لا سبب له، مثل مثلًا ما يعطاه الأولاد في الأعياد، ما يعطاه الأولاد في الهبات التي هي لتفريحهم وإدخال السرور عليهم، أما ما كان عطاءً لسبب، كأن يكون مثلا لحاجة، أو يكون لمكافأة على عملٍ معين يشترك فيه الجميع، ليس خاصًا بواحدٍ منهم، فهذا هو الذي يتأتى فيه قوله  صلى الله وعليه وسلم : « فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم » صحيح البخاري: باب الإشهاد في الهبة، حديث رقم(2587)..

    هذا عام في كل عطاءٍ لا سبب له، فيشمل العطاء الذي يكون في الأعياد، يشمل العطاء الذي يكون للتفريح، يشمل العطاء الذي يكون أحيانا من بعض الآباء إذا من الله عليه بكسب أتاه، رزق، فرح أولاده بتوزيع ذلك عليهم، هنا ينبغي التعديل.

    أما كيفية التعديل، فللعلماء في ذلك قولان:

    - منهم من قال كيفية التعديل هي أن يعطي الولد الذكر مثل حظ الأنثيين، أي يعطي الذي ضعفي ما يعطي الأنثى، وهذا قال به جماعة من أهل العلم وهو قول الحنابلة، استنادا إلى أن هذه القسمة التي قسم الله تعالى بها الميراث، فقالوا العطاء الذي لا سبب له في الحياة، يماثل العطاء الذي قسمه الله تعالى بين الأولاد في الممات، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين.

    - وأما الجمهور من أهل العلم فذهبوا إلى أن التعديل بين الأولاد، ذكورًا وإناثاً، هو أن يعطوا جميعًا على نحو ما أعطوا، لا فرق بين ذكر وأنثى، فتعطى الأنثى على نحو ما أعطي الذكر، دون تفريق؛ لأن هذا مقتضى التعديل.

    وأما القسمة التي تكون بعد الموت، فهذه تولاها الله وبينها بيانًا لا مجال فيه لاجتهاد مجتهد، ولا لرأي رائي، إنما هي الامتثال والعمل، أما في الحياة فالأصل في التعديل فالأصل أن يسوى بين الذكور والإناث؛ لأن هذا ليس عطاءً لحاجة، ولا عطاءً لسبب، إنما هو عطاءٌ بلا سبب، وهذا القول أقرب إلى الصواب.

    ولهذا الذي أراه راجحًا في مسألة التعديل بين الأولاد، فيتحقق التعديل بين الأولاد بأن تعطي الأولاد ذكورًا أو إناثًا سواءً بسواء دون تميز، أما القسمة بعد الموت، فذلك حكم رب العالمين، الذي جاء النص عليه، والوصية به، في قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} سورة: النساء، الآية (11). هذا في القسمة بعد الموت، أما في الحياة فلا، إنما يكون ذلك بالتسوية بينهما.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    8
  • الحلقة (2)حكم الإيجار المنتهي بالتملك
  • السؤال: الإيجار منتهي التمليك هل هو حلال أم حرام؟

    الجواب:

    الحمد لله رب العالمين، اللهم وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

     فهذا السؤال وهو ما يتعلق بالإجارة المنتهية بالتمليك، هو مما يتردد على كثير من الناس، وذلك أن السؤال على هذا النمط من أنماط التمويل، يكثر بسبب حاجة الناس إلى السيولة، أو حاجة الناس أحيانًا إلى سلع لا يملكون ثمنها، وبالتالي يقتنونها من خلال عقد الإجارة المنتهية بالتمليك.

    إذا الإجارة منتهية بالتمليك تستخدم وسيلة لتوفير ما يحتاجه الناس من سلع، سواءً إن كان معدات، أو أجهزة، أو بيوت، وعقارات، أو ما إلى ذلك، أو كان أيضا وسيلة من وسائل التمويل التي يستعملها بعض الناس لتمويل مشاريع، وتمويل معدات كبيرة في مصانع أو نحو ذلك.

    ما هي الإجارة المنتهية بالتمليك؟، الإجارة المنتهية بالتمليك نمط من العقود المستحدثة الجديدة، التي حدثت في حياة الناس، وليس لهم بها عهد في سابق أزمنتهم، وهو في الحقيقة عقد جرى عليه كسائر العقود نوع من التطوير، جاء أول ما قدم إلى البلاد الإسلامية، البلاد العربية على نمط معين، ثم جرت ملاحظات هذا على هذا العقد، أوجب جملة من التعديلات، استحداث صور، وأنماط من التعامل في مظلة أن هذا النوع من العقود، جرى اختلاف، وهذا التطوير نقل الصورة الأولى إلى صور كثيرة.

    والمهم أن نعرف أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك واقعه الآن هو عبارة عن عقدين، العقد الأول عقد إجارة، والعقد الثاني عقد بيع، ولذلك عقد الإجارة المنتهي بالتمليك هو في الحقيقة عقد يتم فيه المعاقدة على عين، ثم بعد ذلك تنتهي في نهاية المدة، أو في أثنائها بتمليك هذه العين للمستأجر، سواءً كان ذلك التمليك عن طريق بيع، أو عن طريق هبة، وذلك باختلاف الصور وأنماط العقود.

    العقد في الحقيقة اختلف الفقهاء المعاصرون في تكييفه، ابتداءً صدر من هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قرار بأن هذا العقد عقد محرم، بناءً على الصورة الأولى التي جاء بها، ولذلك أنا قلت أن هذا العقد جرى عليه أنواع من التطوير، نقلت الصورة الأولى إلى صور متعددة، لكن بالنظر إلى الصورة الأولى التي هي عبارة عن إجراء عقدين على عين واحدة.

    مثلًا تشتري سيارة بهذا العقد فتكون هذه السيارة يجري عليها أحكام الإجارة، ويجري عليها أحكام البيع، فهذه الصورة هي التي صدر بها قرار هيئة كبار العلماء في المملكة، بأن هذا العقد محرم، لما فيه من الغرر والجهالة؛ لأنه لا يعلم هل هذا عقد إجارة، أو عقد بيع، ولا يعلم أي أحكام العقدين يستقر على هذه العين، وبالتالي صدرت الفتوى بالتحريم؛ لأنه عقد من عقود الغرض.

    أما بالنسبة للصور التي تلت بعد ذلك، والتحديثات والتطويرات التي طرأت على العقد وجرت عليه هي متنوعة، منها ما استقر عليه العقد في أكثر صوره المعاصرة، والمتعامل بها في السوق، وهي أن يبدأ بعقد إجارة، في نهاية المدة يتم تمليك هذه العين للمشتري، أو المستأجر، بعقد بيع متفق على السعر مسبقًا، أو بثمن الحال في وقت العقد عند المبايعة، أو بهبة كما هو جارٍ في بعض صور هذا العقد.

    الذي يظهر، والله تعالى أعلم، أن العقد بعد هذا التحديث هو عقد مباح في الأصل، لكن قد يقترن به بعض المؤاخذات المحرمة التي ينبغي مراعاتها، وبالتالي ما يجريه الناس من عقود الأصل فيه الحل، وما يجري من تعامل وفق هذه الرؤية أنه عقد إجارة، ثم بعد ذلك عقد تمليك للسلعة بالبيع، هذا عقد مباح.

    لكن إذا كان هناك شروط محرمة، مثلًا كتحميل المستأجر ضمان العين, مدة الإجارة، أو ما أشبه ذلك مما قد يشترطه بعض الشركات، فهنا يكون العقد محرمًا، لوجود شروط محرمة، لكن فيما يتعلق بأصل العقد فالأصل فيه الجواز، وعلى هذا جرت الفتوى في جماعة من أهل العلم.

    وصدرت فيه فتوى هيئات علمية، ومجامع فقهية بناءً على تعدد الصور، وتعدد ألوان هذا العقد، إذا الآن لو أراد الإنسان أن يسأل هل يجوز أن أستأجر سيارة منتهية بالتمليك؟، الأصل الجواز، بناءً على أنه هناك عقدين، عقد إجارة أولي، ثم بعد ذلك ينتهي هذا العقد بالتمليك للعين، بعد انتهاء الآجال التي يتفق عليها الطرفان.

    والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    7
  • الحلقة (1) الأحكام المتعلقة بزكاة عروض التجارة
  • السؤال: ما هي الأحكام المتعلقة بزكاة عروض التجارة؟

    الجواب: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد،

     فهذا السؤال الذي تفضلت به هو من الأسئلة المهمة، التي يسأل عنها الكثير من الناس، لاسيما أن هذا السؤال يتعلق بركنٍ من أركان الإسلام، وهو الزكاة، وقد أمر الله تعالى بالزكاة في كتابه، وجعلها قرينة الصلاة، ولذلك ينبغي لكل مؤمنٍ ومؤمنه أن يعرف من  أحكام الزكاة ما يحقق به هذا الركن.

    وذلك إذا كان له مال، سواءً كان من النقدين - الذهب والفضة- أو ما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية المعاصرة، أو كان ذلك من سائر أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة، كالحبوب، والثمار، وبهيمة الأنعام بصنوفها، وشتى أنواعها.

     الزكاة فيما يتعلق بعروض التجارة.

    أولا: ما هي عروض التجارة؟

    عروض التجارة، عروض جمع عرْض بتسكين الراء, وهو ما يعرف، بالتأكيد    أن أصحاب أموال والتجارات يعرضون سلعهم، ويعرضون ما أعدوه للبيع، رغبًة في التكسب من خلال بيعه، هذا المال الذي يعرض هو في الحقيقة مال نامي، بمعنى أنه  مال يؤمل فيه النماء والزيادة.

    وقد قال الله جل وعلا: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} سورة: التوبة، الآية (103) وهذه الآية في عمومها توجب الزكاة في كل الأموال، لكن جاءت النصوص في الكتاب والسنة ببيان ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة.

    عروض التجارة: وهي ما يعرض للبيع، سواءً كان ذلك في العقارات، أو كان ذلك في المنقولات، سواءً كان ذلك في الأجهزة، أو كان ذلك في الأغذية، أو كان ذلك في الثياب، أو كان ذلك في سائر أنواع المتاع كالسيارات، وما إلى ذلك  مما يبيعه الناس، هذه المعروضات هي مال تجارة، ولذلك سميت عروض تجارة، أي أنها أعيان تعرض يقصد بها التكسب، وهو مقصود التجارة، يقصد بها الربح، وهو مقصود التجارة. 

    جمهور العلماء من الأئمة الأربعة، وقد نقل جماعة من أهل العلم على أن الزكاة تجب في عروض التجارة، معنى هذا أن كل ما يعرضه الناس للتجارة، فإنه ينبغي أن ينظر هل فيه زكاة؟، أو ليس فيه زكاة؟، إن كان قد تملكه بنية الاتجار, واستمرت هذه النية، وصاحبها عرض، فهذه تجب فيها الزكاة في قول عامة العلماء.

    أما ما يكون من أموال الناس التي يستفيدون منها، وينتفعون بها، ما قدر الله تعالى لهم من الانتفاع، كالبيوت مثلا يسكنها مدًة من الزمن, السيارات يركبها مدًة من الزمن, الثياب يلبسها مدًة من الزمن, ثم يبدوا له أن يبيعها، ليستبدلها بغيرها، هذه لا تجب فيها زكاة التجارة، لماذا؟، لأنها ليست عروضًا التجارة.

     إنما في الحقيقة هي أموال استغنى عنها الإنسان, رأى أنه بحاجه إلى استبدالها، رأى أنه بحاجه إلى ما هو أجد منها، فبدلها، غيرها, عند ذلك لا تجب في هذا المال زكاةٌ ليس أنه ليس عروض تجارة.

     عروض التجارة هي الأموال التي أعدت للتجارة، وتملكها أصحابها بنية التجارة، وهذا الشرط وهو التملك بنيه التجارة، قول عامة الفقهاء الذين يرون وجوب الزكاة في عروض التجارة؛ لأنه ذكرت هو مذهب الأئمة الأربع, وهو قول حكي الإجماع عليه, وقد قال بعض أهل العلم لم يخالف فيه إلا ما شذ من أهل العلم استنادًا إلى عمومات الآيات في وجوب الزكاة.

    وعلى خصوص ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سمره بن جندب رضي الله عنه حيث قال:  «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» سنن أبي داود: باب العروض إذا كانت للتجارة، فهل فيها من زكاة، حديث رقم(1562) وهذا يدل على أن ما يعد للتجارة تجب زكاته، وجاء مثل ذلك أيضا عن عمر رضي الله عنه، فالأدلة داله على وجوب الزكاة في عروض التجارة.

    إذا عرفنا ما هي عروض التجارة، وعرفنا أن عامة العلماء رحمهم الله على وجوب الزكاة في التجارة، وعرفنا أيضا أن عروض التجارة التي تجب فيها الزكاة هي ما يتملكها الإنسان بنية التجارة، أما إذا تملكها بنية التملك، أو بنيه الحفظ، أو ما إلى ذلك من أنواع المقاصد في تملك الأموال، فإنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه لابد من نية، ولابد من نية التجارة، ولابد من أن يعرضها للتجارة، يعني أن يستمر هذا القصد مع مدة التملك، هذا ما يتعلق بعروض التجارة من حيث وجوب الزكاة.

    لكن هنا سؤال:

    كيف تُزكي عروض التجارة؟

    تزكي عروض التجارة بأن تُقَّوم؟ كيف تقوم؟، يعنى ينظر كم قيمة ما عنده من أموال أعدها للتجارة، فإذا نتج مثلا أن ما عنده مليون ريال مما أعد للتجارة،  فيزكي بمليون ريال فيه ربع العشر، فزكاة عروض التجارة ملحقه بزكاة النقدين، فيها ربع العشر.

    وطريقة إيجاد زكاة عروض التجارة سهله، اجرد ما عندك مما أعددته للتجارة، وأحصه، ثم أخرج من قيمته ربع العشر، وبذلك تكون قد أخرجت زكاة عروض التجارة.

     وفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    6
حديث العصر
  • حديث العصر(15) املأوا أيام العشر ذكرا وتكبيرا
  • بسم الله الرحمن الرحيم:

    روى الإمام البخاري في صحيحه، من حديث سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما العمل في أيَّامٍ أعظمُ عند الله من هذه الأيام –أيام العشر- قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) صحيح البخاري (969).

    مقدّمة:

    هذا الخبر النبويُّ يبيِّن عظيم منزلة أيام العشر من ذي الحجة، وهي هذه الأيام المباركة التي نستنشق أريجها، كما يُبيّن عظيم منزلة العمل فيهنّ، وقد روى الإمام أحمد في مسنده، من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال : ((ما من أيَّام أعظمُ عند الله، ولا أحبُّ إليه العمل فيهنَّ، من هذه العشر، فأكثروا فيهنَّ من التكبير والتهليل والتحميد)) مسند أحمد (9/323)(5446).

    معنى الحديث:

    *قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما العملُ في أيَّامٍ أعظمُ عند الله من هذه الأيَّام –أيَّام العشر-))، فيه أمران:

    -أولاً: بيان فضل أيّام العشر من ذي الحجة:

    ويدلّ على عظمة هذه الأيام وفضلها: ما ورد في حديث كلٍّ من ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم من أنّه لا أعظم وأحبّ عند الله من العمل الصالح في هذه الأيام. فهذا يُشير إلى أنّ هذه الأيام هي خير أيام الزمان، حتى إنّ بعض أهل العلم قد فضّلها على الأيّام العشر الأخيرة من رمضان، لعظيم ما فيها من أبواب البرِّ، وكبير العطايا والهبات من الله عزَّ وجلَّ.

    -ثانياً: فضل العمل الصالح في هذه الأيّام:

    يُبيّنُ هذا الحديث الشريف أنّ سبب عظمة هذه الأيّام، هو عظمة العمل فيها عند الله، وأنّه أحبُّ إليه جلّ جلاله من العمل في سائر الأيّام.

    والعمل الصالح المعظم المحبوب عند الله عز وجلّ في هذه الأيام، يشمل كلَّ عملٍ صالح، ولا يستثني من ذلك شيئاً، ولهذا قال بعضُ أهل العلم إنَّ تفضيل هذه العشر على سائر أيام الزمان؛ لأنه يجتمع فيها بلفظ الحديث، كلُّ عمل صالح، ظاهرٍ أو باطن، واجب أو مستحب، فإنّه يكون في هذه الأيام، أفضلَ منه في غيرهنّ من الأيّام.

    لكنّ مراتب العمل الصالح المرغّب فيه في هذه الأيام، تتفاوت، وذلك كما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول الله : ((وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه)) صحيح البخاري (650).

    فأفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى في هذه الأيام، هو ما افترضه عليه، فمثلاً: أداء الصلوات الواجبة في هذه الأيام أعظم أجراً وفضلاً من أدائها في غيرها من الأيام، وذلك يطّرد في كل الواجبات، فكلُّ واجب عباديٍّ يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى في هذه الأيام، يكون أفضل من الواجبات في غيرها.

    لذا فأول ما ينبغي أن يفتّش العبد فيه نفسه في هذه الأيام، من الأعمال: الفرائض والواجبات، ابتداءً بأركان الإسلام الخمسة، وأوّلها الشَّهادتان وما يقتضيه ذلك من محبّة الله ورسوله وتعظيمهما، ومحبّة وتعظيم كلّ ما يحبّه الله ورسوله، ثم يلي ذلك بقيّة أركان الإسلام، من صلاةٍ وزكاة وصوم وحجٍّ، ثم يلي ذلك الاجتهاد في أداء حقوقِ الخلق، وأوّل ذلك بر الوالدين، وسائر ضروب البرّ والصّلة، ذلك من ناحية العمل والائتمار بما أمر الله به ورسوله، أما من ناحية الكفّ والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه، فينبغي على العبد أن يكُفّ نفسه عن المحرمات، في هذه الأيام، فإنه يكون أعظمَ أجراً وثواباً عند الله تعالى، من كفِّ نفسك عن المحرَّمات في غيرها.

    أما فيما وراء الفرائض والواجبات، فإنّ باب النوافل بأنواعها وصورها مفتوحٌ، وعلى رأس ذلك ذكر الله عزّ وجلّ.

    فضل الذّكر في أيّام العشر من ذي الحجة:

    إنّ ذكر الله عزّ وجلّ في هذه الأيام هو أفضل أنواع العمل، بل هو سمة هذه الأيام وميزتها، يقول الله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} سورة الحج: الآية (28)، فهذه الأيام المعلومات هي أيام العشر كما نقل البخاريّ عن ابن عباس رضي الله عنهما صحيح البخاري (2/ 20)، وقد مرّ بنا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في فضل العمل في هذه الأيام العشر، قولُ الرّسول صلى الله عليه وسلم،: ((فأكثروا فيهنَّ من التَّكبير والتَّهليل والتَّحميد)) مسند أحمد (9/323)(5446).

    فهذه الأيام العشر سمتُها ذكر الله تعالى، لهذا كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم يخرجان في أيام العشر إلى أسواق النَّاس وأماكن اجتماعهم يُكبِّران، ليس لهما من غرض إلا التَّكبير، أي لا يخرجان لشراء ولا لبيع، إنما: (يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) صحيح البخاري (2/ 20).

    فأفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى في هذه الأيام، الحرصُ على ذكر الله الله عز وجلّ، تكبيراً وتحميداً وتهليلاً، في كل أحواله، هذا إضافة إلى الذكر الذي يصاحبه الإنسان في أيامه كلها، من أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار دخول المسجد والخروج منه، وأذكار أدبار الصلوات، وأذكار دخول الخلاء والخروج منه.

    والذكر في هذه الأيام نوعان:

    ذكر مطلق، ويكون من دخول أيام العشر، إلى غروب شمس يوم الثالث عشر من ذي الحجّة.

    ومعنى الذكر المطلق: أي غير المقيّد، الذي يكون في كل حين، قبل الصلاة أو بعد الصلاة، وفي كل حال، قائماً أو قاعداً أو على جنبك، وفي كل مكان، في بيتك وفي سوقك وفي سيارتك وفي مكتبك وفي المسجد.

    أما النوع الثاني، فهو الذكر المقيد، وهو الذي يكون بعد الفراغ من الصلاة مباشرةً، فإذا سلم المصلي من صلاته وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السَّلام، ومنك السَّلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام، ثمّ يبدأ بالذكر والتكبير على نحوٍ من الصيغ التي سترد بعد قليل.

    ويبتدئ التكبير المقيد لغير الحاجّ، من فجر يوم عرفة، إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق، بعد كل صلاة.

    صيغ التّكبير:

    لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة معينة في التكبير، وإنما ثبت عن صحابته رضي الله عنهم في ذلك عدة صيغ منها:

    الصيغة الأولى: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً)، وهذه الصفة ثابتة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أخرجها البيهقي في السنن الكبرى (3/316)، وصحح الحافظ ابن حجر سندها كما في الفتح (2/462).

    الصيغة الثانية: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ) وهذه الصفة ثابتة عن ابن مسعود رضي الله عنه أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه (5633).

    الصيغة الثالثة: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ وأجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ) وهذه الصفة ثابتة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه(5646).

    فالذّكر بهذه الصيغ، أو بغيرها من الصيغ، تكبيراً وتحميداً وتهليلاً، أو الاكتفاء بالتّكبير فقط، كلّه مما يتحقق به الغرض من الذكر في هذه الأيام.

    صيام هذه الأيام:

    لم يرد في تخصيص الصيام من بين ضروب العمل الصالح في هذه الأيام، نصٌّ خاصّ، يحثُّ على الصيام، ويذكر له مزيّةً وفضلاً وأجراً يختصُّ به، لم يرد في ذلك شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا قولاً ولا فعلاً، فلم يثبت أنه صام هذه التسع كما ورد عن عائشة رضي الله عنها، لكنها من جملة العمل الصالح المرغوب الإكثار منه في هذه الأيام، فصيام هذه الأيام تقرُّباً سواءً في أداء واجب كقضاء رمضان أو في التنفُّل والتطوُّع، هو أعظم من الصيام في غيره، جرياً على ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأعمال، واجباتها ومستحبَّاتها، أنّها في هذه الأيام أعظمُ عند الله منها في بقيَّة الأيَّام.

    وذلك كلّه فيما عدا صيام يوم عرفة لغير الحاجّ، فإنه قد ورد النص الصحيح بفضله وأجره الكبير، كما في حديث أبي قتادة الأنصاريّ رضي الله عنه، أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية) صحيح مسلم (1162)..

    *قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ولا الجهادُ، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء))، وذلك لما سأله الصحابة رضي الله عنهم: (ولا الجهاد يا رسول الله؟)، يؤكد ما تقرّر في مطلع الحديث، من فضل العمل الصالح في هذه الأيام، على العمل الصالح في سائر الأيام، وذلك لما رأى الصحابة رضي الله عنهم مبلغ الفضل الكبير للعمل الصالح في هذه الأيام على ما عداها، فسألوه: (ولا الجهاد يا رسول الله؟) علماً بأن الجهاد هو من جملة العمل الصالح، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحبٌّ؛ فالموازنة كانت بين الجهاد، وبين بقية ضروب العمل الصالح الذي يُتاح للناس في كل الأمصار، ويدلّ سؤالهم هذا كما يقول ابن حجر (على تقرُّر أفضلية الجهاد عندهم)فتح الباري لابن حجر (2/ 460)..

    وفي جوابه على سؤالهم، أكّد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فضل العمل الصالح في هذه الأيام، على سائر الأعمال، بما فيها الجهاد في سبيل الله تعالى، لكنه استثنى من صور الجهاد في سبيل الله صورةً واحدة، وهي صورة رجلٍ مجاهد، قد خرج قاصداً قهر عدوه، ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه وضياع ماله، قال صلى الله عليه وسلم: ((فلم يرجع من ذلك بشيء)) (أي فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساوياً له) فتح الباري لابن حجر (2/ 460)..

    من فوائد الحديث:

    -للعمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة، فضل كبير على العمل الصالح في غيرهنّ، وذلك لما ورد في الحديث الصحيح من كون العمل فيهنّ أعظم عند الله، وأحبُّ إليه من العمل في غيرهنّ.

    -العمل الصالح المرَغّب فيه في هذه الأيام، يشمل جميع أبواب الخير، فينبغي أن يبادر الإنسان إلى كل صالحةٍ، وإلى كل برٍّ، وإلى كلِّ خير، وأولى ذلك الفرائض والواجبات، وعلى رأسها أركان الإسلام الخمسة.

    -أفضل ما يُتقرّب به إلى الله تعالى في هذه الأيام، من الأعمال الصالحة، ذكر الله عز وجلّ، تكبيراً وتحميداً وتهليلاً، فهو شعار هذه الأيام، فينبغي الإكثار منه في كلّ زمانٍ، وفي أيّ مكانٍ، وعلى أيّة حالٍ.

    -وذكر الله عز وجلّ، في هذه الأيام، على ضربين: مطلقٍ غير مقيد بزمانٍ أو مكانٍ أو حال، ومقيّد بأدبار الصلوات.

    -إنّ لحظات هذه الأيام العشر، هي من أنفس لحظات الزمان، فالله سبحانه وتعالى يُجزل العطاء للعاملين فيها، بمضاعفة الأجور ورفعة المنازل، ودفع البلاء والشر وجلب الخير، مالا يخطر للإنسان على بال!

    -على المؤمن أن يُبادر إلى العمل الصالح في هذا الموسم الخيريّ الكبير، ويُعمّر أوقاته فيه بالذكر والتكبير، يُشيعه في بيته، بين أولاده، وفي طريقه ومكتبه، وفي المسجد، وفي كلّ حالٍ من أحواله.

    -لم يرد للصوم في هذه الأيام تخصيص على ما عداه من الأعمال الصالحة، اللهم إلا صوم يوم عرفة، فإنه قد ورد بفضله النص الصحيح.

    التفاصيل
    0
    52
  • حديث العصر(14) من الناس من يشقى بنيته ومنهم من يسعد بنيته
  • بسم الله الرحمن الرحيم:

    عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى:((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ:

    فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.

    وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً،فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)) صحيح البخاري (6491)، صحيح مسلم (131).

    مقدمة:

    هذا الحديث الشريف، يُبيّن أن الله عز وجلّ قد قدّر على كلّ إنسانٍ نصيبه من الحسنات والسّيئات بعدله وحكمته، كما يُبيّن هذا الحديث أنّ الإنسان بطبعه حارثٌ من معاني الحرث: كسب المال والزرع، يُنظر: مختار الصحاح: ص (128)، وقال ابن عثيمين رحمه الله: (القلب همام إمَّا بخير أو بشرّ): شرح رياض الصالحين (1/13). همّام، أي للحسنات أو للسّيئات، ومبدأ فعل الإنسان هو الهمّ بالحسنة أو السيّئة، والّذي قد يعقبه العملُ بها وحرثها واكتسابها، فيُبيّن هذا الحديث أنّ الله جلّ جلاله سيُجازي الإنسان على همّه بالحسنات والسيّئات، في حال ما إذا أتبعها بالعمل وفي حال ما إذا لم يُتبعها بالعمل، مجازاةً يظهر بها مقتضى عدله وحكمته ورحمته بالعباد.

    معنى الحديث:

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ))أي قدّرها وسطّرها في اللوح المحفوظ، الّذي كتب الله تعالى فيه كل شيء، كما قال تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)} سورة القمر: الآيتان (53، 54). ، ثمّ إذا عمل العبد هذه الحسنات والسّيّئات، كتبها الله عزّ وجلّ بحسب ما تقتضيه حكمته وعدله، فهما كتابتان للحسنات والسّيئات، كتابة سابقة وكتابة لاحقة ملخّصاً عن شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (1/13)، وذهب إلى نحوه ابن حجر في فتح الباري (11/324)، وغيره .

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ((ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ))أي: بعد أن كتب الله تعالى الحسنات والسيئات، بيّن لملائكته كما بيّن لعباده: كيف تتم كتابة الحسنات والسّيئات التي يهُمُّ بها المرء، في حال ما إذا كان قد عمل بها، أو لم يعمل بها ملخّصاً عن شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (1/13)، وذلك إظهاراً لرحمته بعباده، وبياناً لفضله عليهم.

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:((فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً))الهمّ هو الإرادة والعزم والقصد، وقيل: إنَّ الهم هو أدنى درجات التوجه إلى الشيء، وأكبر منه القصد، وأعظم منه العزم.

    قوله:-((فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا)) أي أراد عمل حسنةٍ من الحسنات، وتوجّهت نيّته إلى القيام بعملٍ من أعمال الخير، لكن عرض له عارض، فانشغل عن تلك الحسنة وذلك العمل، فلم يعمله.

    قوله:-((كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً)) فجازاه على هذا الهمّ بحسنةٍ كاملة، أي كأنه عمل هذا العمل الصالح، وذلك لأنَّ الهمّ بالحسنة حسنةٌ ونية الصالح صالحٌ.

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:((فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ))أي فإذا أراد الحسنة، ثمّ ترجمها قولاً أو فعلاً، فعندئذٍ يكتبها الله له عشر حسنات، أي يجازيه على حسنته بعشرة أضعاف ما تستحقُه، بل وإلى سبعمائة ضعفٍ، بل وإلى أضعافٍ كثيرة، وهذا معناه أنّ مبدأ المضاعفة يكون من عشرة، أمّا منتهاها فلا حدَّ له، لكن أكثر ما يمكن أن يُحصى من المضاعفة سبعمئة، ثم شيء لا يُحصى ولا يُحيط به عدّ، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.

    وهذا يُبيِّن عظيم الفضل والأجر الذي يترتَّب على العبادات والأعمال الصالحة، إذا قام بها الإنسان، كما يُبيّن تفاوت الناس في ذلك تفاوتاً عظيماً، فواحد يكون أجره عشر حسنات، وآخر يكون أجره سبعمئة، وآخر يكون إلى أضعاف كثيرة، والسبب في المفارقة بين الناس:

    -إمّا أن يرجع إلى الشَّخص العامل، من حيث اجتهاده في عمل الطاعات، أو عدم اجتهاده.

    -وإمّا أن يرجع إلى نيّة الشّخص العامل، من حيث مبلغ صدقه، فقد يكون العمل واحداً، وبين العاملين من التفاوت ما لا يعلمه إلا الله، وذلك بحسب ما قام في قلوبهم.

    -وإما أن يرجع إلى الزمان أو إلى المكان، فالزمان الفاضل وكذلك المكان الفاضل، تعظم فيهما وبهما الحسنات.

    -وإمّا أن يرجع إلى حال الشخص العامل، إن كان يعيش في زمانٍ قلّ فيه الطائعون، كما وردت الإشارة إليه في حديث النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)) سنن أبي داود (4343)، سنن الترمذي (2260)، سنن ابن ماجة (4014)، صحيح ابن حبان (385)..

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً))أي من توجّهت إرادته ونيّته، إلى ارتكاب ذنب أو القيام بفعلٍ محرَّم، فلم يعمله، راجياً ما عند الله عزّ وجلّ، كُتب له بذلك حسنةٌ، لأن ترك السوء خير وثواب، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربّه: ((فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرَّاي)) صحيح مسلم (129). أما إذا تركها خوفاً أو عجزاً  أو غير ذلك من الأسباب التي تعود إلى وجود حواجز وموانع تحول بينه وبين ارتكاب السيئة، ففي هذه الحال لا يكون له أجر، بل يكون عليه وزر، لأنه نوى السيئ وحال بينه وبينه حائل هو الّذي منعه من ارتكاب تلك السيئة.

    *قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:((فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً))أي: فإذا توجّهت نيّته وإرادته نحو عمل السيئة، فعملها، سواء كانت من حصائد الألسن، أو كانت من عمل الجوارح، كتبها الله له سيئة واحدة.

    وهذا يبين عظيم الفضل الذي يدركه من كفَّ عن السيئات بعد الهمّ بها، وأنَّه إذا عملها فإنه يعاقب عليها بسيئة واحدة، كما قال الله تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} سورة الشورى: الآية (40) أما الحسنات فجزاؤها -كما رأينا- مضاعف.

    من فوائد الحديث:

    -أنّ الله تعالى كتب على كلّ عبدٍ نصيبه من الحسنات والسيئات، بعدله وحكمته.

    -أنّ الإنسان بطبعه حارثٌ همّام للحسنات والسّيئات.

    -أنّ الهمّ والنّية هما مبدأ العمل ومفتاحه، وهما من عمل القلب، فلذا ينبغي على المرء أن يعتني بقلبه، كي لا تصدر عنه إلا الهموم الطيبة.

    -الهمّ بالحسنة ضربان: همٌّ يبقى نيّةً في القلب، وهمُّ يُترجم إلى عمل، أما الضرب الأول فيُجازى صاحبه بحسنةٍ واحدة، هي حسنة الهمّ، وأما الثاني فإنّه يُجازى على الهمّ والعمل الّذي قام عليه، بعشرة أضعافٍ، إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة.

    -والهمُّ بالسيئة كذلك ضربان: همٌّ بسيئةٍ لم يتبعها عمل، فهذا لا إثم عليه، بل يُكتب له حسنةٌ لترك الهمّ السّيّء، وهمٌّ بسيئة يتمّ ترجمتها إلى قولٍ أو عمل، فهذه تُكتب سيئةً واحدةً.

    -يؤكِّد الحديث أهمية النِّيَّة والهمِّ وعملَ القلب عموماً، سواءٌ في كسب الحسنات، أو اكتساب السيئات.

    - يتبيَّن من الحديث أنّ عمل القلب وعمل الجوارح يستويان في الأصل، من حيث استحقاق الأجر، أما مضاعفة الأجر والثواب، فيختصُّ بها من عمِل دون من نوى.

    التفاصيل
    0
    63
  • حديث العصر(13) لماذا كل هذه الفضائل
  • بسم الله الرحمن الرحيم:

    - عظيم فضل الصلاة جماعة في المساجد، فهي من شعائر الإسلام، ومن علاماته، ومن آكد العبادات، ومن أطيبها أثراً وأعظمها أجراً، ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة في الندب إلى الصلاة والمشي إليها، وبيان عظيم فضل حضورها، وعقوبة التخلف عنها.

    - صلاة الجماعة في المسجد واجبة، إما وجوب عينٍ، أو وجوباً كفائياً، هذا مذهب عامّة أهل العلم، وذهب طائفة منهم إلى أنَّها سُنة، والراجح أنها واجبة، فورود الفضل لا يعني عدم الوجوب، فإنَّ الواجب له فضل، بل هو أفضل من النافلة، وذلك كالصّبر، فرغم كونه واجباً بإجماع العلماء، ذكر الله تعالى جزاء الاتّصاف به، فقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} سورة الزمر: الآية (10) ، وأيضاً فصلاة الجماعة واجبة للأحاديث الكثيرة التي تحذر من التخلف عنها، وأشهرها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لقد هممتُ أن آمر بحطب فيُحتطب، وآمر بالصَّلاة فيؤذن لها، وآمر رجلاً فيُصلي بالناس، ثمّ أنقلب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم)) صحيح البخاري (644)، صحيح مسلم (651) ، وحديث الرجل الأعمى الّذي رواه أبو هريرة: قال: ((أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخَّص له، فلما ولَّى دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب" صحيح مسلم (653).، وغير ذلك من الأدلة العديدة.

    - ينبغي للمؤمن أن يحرص على صلاة الجماعة وألا يفرط فيها، باحثاً عن قول هنا أو هناك ليتخفف من إقامتها، وهذا ضعف في الديانة، لأنّ الصّلاة هي عماد الدّين، من أقامها أقامه، ومن هدمها هدمه، ولذا فينبغي للمؤمن -إذا كان لا يستطيع الترجيح خاصّةً- أن ينصب أمامه غايةً واضحةً لا خلاف حولها، ألا وهي أن يكون همُّه في الحياة تحقيقَ رضا الله تعالى، أما من يتّبع الهوى باحثاً عما تشتهي نفسه من رخص العلماء، فقد قيل: إنَّ من تتبَّع رخص العلماء تزندق، أو اجتمع الشر كلُّه فيه.

    - هل يُنال الفضل بصلاة الجماعة في غير المسجد؟ ذهب بعضُ العلماء إلى القول بأنّ مضاعفة الأجر الواردة في الحديث، تشمل كلّ جماعةٍ، وذلك لقول النبي صلى لله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة)) صحيح البخاري (645)، صحيح مسلم (649) وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك خاصٌّ بمن صلَّى الجماعة في المسجد، أمّا من صلّاها في غير المسجد، فإنّه على خير، ويدرك شيئاً من الفضل، لكن لا يدرك هذا الفضل.

    - هل تُجزئ صلاة الجماعة في غير المسجد عن الواجب؟ عامة القائلين بالوجوب يقولون إنها لا تجزئ، إلا أن يكون هناك عارض، أو تكون هناك مصلحة تدعو إلى ذلك، فالحالة الأصلية التي ينبغي أن يراعيها الإنسان، هي أن لا يُفرط في صلاة الجماعة في المسجد.

    - ويُدركُ هذا الفضلُ، سواءً كانت الجماعة كثيرة أو قليلة، وسواء كان المسجد كبيراً أو صغيراً، وسواء كان قديماً أو جديداً، لكنّ كثرة المصلين، وكبر المسجد وقدمه، يكون فيها مزيد من الفضل، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسند وغيره من حديث أبي رضي الله عنه: ((وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كانوا أكثر فهو أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ)) سنن أبي داود (554)، سنن النسائي (843)، مسند أحمد (21265)، صحيح ابن حبان (2056)، صحيح الترغيب والترهيب (411) وقال الألباني: حسن لغيره فكلما زادت الجماعة زاد الفضلـ، لكنه ضربٌ آخر من الفضل، غيرُ ما ذُكر في الحديث، فالفضل الّذي ذُكر في الحديث ثابت لكلّ جماعةٍ في المسجد.

    - انتظار الصلاة هل يلزم أن يكون في المسجد؟ نعم، هكذا قال جماعة من أهل العلم، وهو ما يدلُّ عليه هذا الحديث، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ من كان ينتظر الصلاة خارج المسجد فهو في أجر أيضاً، وإن قلّ مقداره، فقد يُعدّ -إن كان قلبه معلّقاً بالمساجد- من السَّبعة الّذين ((يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه)) كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر منهم: ((ورجل قلبه معلق في المساجد)) صحيح  البخاري (660)، صحيح مسلم (1031) فهذا يكون في انتظار الصلاة، وله أجر المنتظرين، ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((وانتظارُ الصَّلاة بعد الصَّلاة، فذلكم الرباط)) صحيح مسلم (251) فهذا لا يلزم أن يكون في المسجد.

    من فوائد الحديث:

    - مشروعية إحسان الوضوء، لأنّ فيه استعداداً وتهيؤاً للصلاة.

    - استحباب استحضار النِّيَّة، عند الخروج من البيت للصَّلاة، وأن لا يكون هناك دافع آخر يدفعه إلى المسجد إلا الصَّلاة، ولا بأسَ من وجود نيّةٍ أخرى، كمن يواعد شخصاً في المسجد أيضاً، لكن ليجتهد في أن تكون نيّة الصلاة خالصةً، لا يزاحمها نيّةٌ أخرى.

    - كلّما كثرت الخطى إلى المساجد، كان ذلك أعظم أجراً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم)) صحيح البخاري (651)، صحيح مسلم (662) كما في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه، فكلما بعُد المكان، وكان المجيء مشياً، كان أعظم أجراً، ومما يُعين على ذلك أن تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلًا فِي الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)) صحيح ابن حبان (2037) صححه الألباني والأرنؤوط فانظر إلى عِظم هذا الفضل! أي: كونه عطاءً من الله، وكونه من طعام الجنّة،  وكونه في الجنة.

    - ينبغي للمسلم عند دخوله المسجد، أن يستجيش في نفسه الشّعور بأنّه في بيتٍ من بيوت الله، ويحتاط في سلوكه وأخلاقه، لأنّه ما دام أنه في المسجد ينتظر الصَّلاة، فهو في صلاة.

    - بيان شريف مقام العابد الطائع من بني آدم، فإن الله يسخر الملائكة وهم من أشرف الخلق، كي تدعو له، وهذا فضل عظيم ومنزلة كبرى!

    - أسباب مضاعفة أجر صلاة الجماعة، التي وردت في الحديث، أربعة: إسباغ الوضوء، وإخلاص نيّة الصَّلاة في المسجد، كثرة الخطى إلى المسجد، انتظار الصلاة، دعاء الملائكة.

    التفاصيل
    0
    39
  • حديث العصر(12) أسباب مضاعفة صلاة الجماعة في المساجد
  • بسم الله الرحمن الرحيم:

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وذلك أن أحدهم)):بعد ما ورد في صدر الحديث، من بيان فضل صلاة الجماعة في المسجد، على صلاة المرء في بيته وسوقه، يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بذكر مسوِّغات ذلك، أي الأسباب التي جعلت صلاة الرجل في المسجد تفضل صلاته في بيته وفي سوقه، سواءً كان منفرداً أو كان في جماعة.

    فلذا قال: ((وذلك أنَّ أحدهم))، أي: وبيان ذلك، ((أن أحدهم))، وفي روايةٍ: ((أنَّ أحدكم)) وفي روايةٍ أخرى: ((أنَّه))، أي الرجل المذكور في صدر الحديث.

    فيتبيّن من ذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، يريد ذكر هذه الأسباب، من خلال تمثيلها بحال رجلٍ منهم، حتى يكون ذلك أكثر تأثيراً في النفوس.

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة))

    -قوله: ((إذا توضأ فأحسن الوضوء)) أي إذا أتى بالوضوء سابغاً كاملاً، على الوجه الذي يُرضي الله تعالى، وكما توضّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون قد حقّق بذلك أول الأسباب التي تحصل بها المضاعفة.

    -وقوله: ((ثم أتى المسجد لا يُنهِزه إلا الصَّلاة)) أي لا يدفعه إلى الخروج من بيته شيء يطمع في نيله وانتهازه، إلا الصلاة، فالنُّهزة (كالفُرصة وزناً ومعنى، وانتهزها اغتنمها) مختار الصحاح: ص (682) فالصّلاةُ وما ينشده فيها من الرّاحة والسّكينة ومناجاة ربّه، هي التي تدفعه نحو المسجد، و(النَّهز: الدفع، يُقال: نهزت الرجل أنهزه) النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 136).

    -وقوله: ((لا يُريد إلا الصَّلاة)) أي: ليس له غرض ولا مقصود في مجيئه إلى المسجد إلا الصلاة، ومعلوم أن الناس قد يأتون إلى المساجد لمقاصد عديدة، لحاجة أو لموعد أو لإصلاح شيء في المسجد أو لكونه لم يجد مكاناً يأوي إليه إلا المسجد، وغير ذلك من الأسباب، فالمضاعفة لا تحصل إلا لمن أتى إلى المسجد يريد الصّلاة فقط، وهذا هو السبب الثاني من أسباب المضاعفة.

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فلم يخط خُطوةً إلا رفع له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد)) وفي ذلك بيانُ ما في الخطى إلى المساجد من الفضل العظيم، فكلُّ خطوة يخطوها الإنسان إلى المسجد، يرفعه الله تعالى بها درجةً، ويضع عنه بها خطيئة، أي يمحو بها ذنباً من الذنوب التّي اقترفها، وذلك من لحظة خروجه من بيته، إلى لحظة دخوله المسجد، وهذا هو السبب الثَّالث من أسباب المضاعفة.

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فإذا دخل المسجد كان في الصلاة، ما كانت الصلاة هي تحبسه)) أي أنّ أجر الصَّلاة وثوابها، يبدأ احتسابُه من لحظة دخوله إلى المسجد، وإلى أن تُقام الصلاة، وذلك بشرط أن يكون بقاؤه في المسجد وانتظارُه فيه، هو لأجل الصَّلاة، فتكون الصلاة هي التي تحبسه داخل المسجد، فينال عطاء الله عزّ وجلّ للمصلّين وحفظه ورعايته لهم، ولو كان جالساً، ولو كان يقرأ القرآن، أو يُسبّح ويستغفر، فهو في صلاةٍ مادام ينتظر الصلاة، فهذا هو السبب الرابع من أسباب مضاعفة أجر صلاة الرجل في المسجد، مع جماعة المسلمين.

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه، يقولون:اللهمَّ ارحمه، اللهمَّ اغفر له، اللهمَّ تب عليه! ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدثْ فيه)) أي: والملائكة يدعون لمن يبقى في المسجد بعد الصَّلاة، ما دام باقياً في مكان صلاته، وقيّد بعض العلماء هذه الفضيلة بالموضع المحدّد الّذي صلّى فيه الرجل، فلا ينبغي أن يتحوّل عنه لينالها، والأقرب أن كل دائرة المسجد داخلة في هذه الفضيلة، فلو انتقل الإمام أو المأموم من مكان إلى مكان، لكون ذلك أنشط  أو أكثر إعانةً له على العبادة، فلا تذهب بذلك فضيلة دعاء الملائكة له.

    ويقول الملائكة في دعائهم للمصلّي: ((اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه)) ثلاث دعوات بها تجتمع الخيرات.

    ((اللهم ارحمه)) والرحمة هي إيصال البرِّ والإحسان والفضل للمدعوِّ له.

    ((اللهم اغفر له)) والمغفرة هي: حطُّ السيئات.

    وهذان الشرطان: مغفرة الذنوب، ورحمة رب العالمين: لا يدخل أحد الجنة إلا بهما، ولذلك دعا بهما الملائكة، لأنهما الموجبتان لدخول الجنة.

    ((اللهم تب عليه)) أي حُطَّ عنه ما كان من السيئات، وأعِنه على الإقلاع عنها والتوبة منها، فدعاء الملائكة: ((اللهم تب عليه)) أي: تقبَّل ما كان من توبته التي يتوبها من سيئاته وذنوبه.

    فهذه الثلاث دعوات، تدعو بها الملائكة لمن يبقى في مجلسه بعد الصلاة!

    إلى متى تدعو الملائكة لمن يبقى في المسجد بعد الصَّلاة؟

    تظلّ تدعو له مادام في مجلسه بشرطين:

    (ما لم يؤذِ): أي ما لم يحصل منه أذية، سواء للناس أو للملائكة:

    يؤذي الناس، برفع صوته بالقرآن على نحوٍ يُشوّش على التّالين أو المصلّين،  أو بالكلام البذيء، أو بالغيبة أو بأيِّ ضرب من ضروب الأذى.

    ويؤذي الملائكة بالرائحة الكريهة، كمن أكل بصلاً أو ثوماً أو تناول ما هو أشدُّ منهما أذية برائحته وضرره، وعموماً ((فإنَّ الملائكة تتأذَّى مما يتأذى منه بنو آدم)) صحيح مسلم (564)، من رواية جابر بن عبد الله..

    2- (ما لم يحدث) : أي ما لم يقع منه حدث ناقض للوضوء، من صوتٍ أو ريح.

    من فوائد الحديث:

    - بيان المضاعفة لصلاة الجماعة في المساجد على غيرها من الأماكن سواء البيوت أو الأسواق سواءً كانت فرادى أو جماعات .ثم بين صلى الله عليه وسلم أسباب تلك المضاعفة .

    من يأتي راكباً  كيف تحسب خطواته؟

    تحسب خطواته قال بعض أهل العلم بإدارة العجل كل إدارة للعجل هي خطوة وهذا قول شيخنا محمد العثيمين رحمه الله ، وقال آخرون تحسب الخطوات بتقدير أنه أتى ماشياً فكم يأخذ منه خطى في سيره والله تعالى عليم بذلك ، وسواء كان هذا أو هذا فهو خير كثير. والله أعلم

    السبب الأول : إحسان الوضوء .

    السبب الثاني : إتيان المسجد لا يخرجه إليه إلا الصلاة.

    السبب الثالث : الخطى .

    السبب الرابع : انتظار الصلاة. حيث قال صلى الله عليه وسلم : فإذا دخل المسجد (كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه ) أي ما كانت الصلاة هي التي أبقته

    - ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبباً خامساً للمضاعفة وهو دعاء الملائكة.

    التفاصيل
    0
    48
  • حديث العصر( 11) صلاة الجماعة في المساجد لا يعدلها شي
  • بسم الله الرَّحمن الرَّحيم:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه، بضعا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه، يقولون: اللهمَّ ارحمه، اللهمَّ اغفر له، اللهمَّ تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدثْ فيه)) صحيح البخاري (477)، صحيح مسلم (649)، واللفظ لمسلم.

    مقدّمة:

    في هذا الحديث الشَّريف، الّذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، منزلةَ الصلاة في الجماعة في المسجد، وما فيها من مضاعفة الأجر، كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم سبب هذه المضاعفة، وفي ذلك حثٌّ وحضٌّ للمسلم على الاجتهاد في المحافظة على صلاة الجماعة، حتى ينال هذا الأجرَ العظيم.

    معنى الحديث:

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((صلاة الرجل في جماعةٍ: تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه))

    المقصود بالجماعة عموماً، ما زاد على واحد، أي ما كان اثنين فأكثر، فصلاة الجماعة عموماً تتحقَّق بإمام ومأموم واحد، لكنّ صلاة الجماعة التي يتحقّق بها الفضل الوارد في هذا الحديث، هي التي تنعقد في المسجد خاصّةً.

    ويدلّ على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث، أنّ صلاة الجماعة هذه، تزيد في الأجر، على صلاة الرجل في بيته، وصلاته في سوقه، وذلك سواء أدّى هذه الصلاة -أي التي في بيته وسوقه- منفرداً أو في جماعة.

    لأنّ صلاة المرء إما أن تكون منفردةً أو في جماعة، وفي الحالتين فإما أن تكون في المسجد، أو في البيت، أو في موقع عمله، فالمضاعفة وزيادة الأجر التي نصّ عليها هذا الحديث، تختصُّ بصلاة الجماعة التي تكون في المساجد.

    ويدلُّ على ذلك كذلك، ما سوف يرد في الحديث من بيان لسبب هذه المضاعفة، من كثرة الخطى، وانتظار الصّلاة، والمكث في المسجد.

    وهذا هو مذهب عامَّة العلماء: أنَّ صلاة الجماعة في المساجد، هي التي تتحقق بها الأجور المضاعفة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث.

    ويُلحق بهذه المساجد التي يتضاعف أجر صلاة الجماعة بها، الأماكن المسبّلة في الأحياء للصلاة فيها، والتي يُرفع فيها الأذان، وتُقام فيها الفروض الخمسة.

    ويُلحق بها كذلك مساجد الأسواق، إذا أُسّست لتكون مساجد، ويُواظَبُ فيها على الأذان وإقامة الصَّلوات الخمس، ويغدو إليها مصلُّون، فينتظرون فيها الصلاة، ويمكثون فيها تعبّداً لله تعالى، فإنهم ينالون بفضل الله عز وجلّ من هذا الجزاء المضاعف.

    ويُلحق بها كذلك المزارع والقصور التي فيها مساجد مفتوحة على الشوارع، فهذه حكمها حكم المساجد التي في الأحياء، إذا كانت مسبّلةً للصلاة على وجه العموم لكل الناس، ويؤذّن فيها للصَّلوات الخمس.

    أمّا مساجد المحطّات البعيدة من البيوت السَّكنيَّة المستقرّة، والّتي لا يؤمُّها في غالب الأحوال إلا المسافرون، فهي أشبه بالأماكن المخصّصة للصلاة، من أن تكون مساجدَ يتضاعف الأجر بصلاة الجماعة فيها، ولكن مع ذلك لا يبعد أن تحصل على هذه الخصيصة، فيتضاعف الأجر بغشيانها، إذا لم يكن ثمّة مساجد قريبة.

    ويُلحق بصلاة الرجل في بيته، صلاته في بيوت أهله وأصدقائه، وصلاته في الفندق وما شابهه، كما يُلحق بصلاة الرجل في سوقه، صلاته في مكتبه ومقرّ عمله، فكلّها لا يتحقّق فيها أجر المضاعفة.

    *قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بضعاً وعشرين درجة)): أي أنّ صلاة الجماعة، تزيد على صلاة الرجل في بيته وسوقه، ببضعٍ وعشرين درجة، فكنّى عن العدد بلفظ "بِضْع" الّذي يدلّ على عددٍ يقع فيما بين الثّلاث والتّسع مختار الصحاح: ص (55)، فلم يُبيَّن عدد الزيادة والمضاعفة في هذا الحديث، إمَّا من قبل الراوي أو من  لدن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ورد بيانه في رواياتٍ أخرى، ففي حديث أبي هريرة وفي حديث أبي سعيد كان خمساً وعشرين، وفي حديث ابن عمر كان سبعاً وعشرين، فذهب بعض العلماء إلى أنَّ أحدهما ناسخ للآخر، وقيل إنَّ أجر الصلاة السرية يتضاعف خمساً وعشرين درجة، والصلاة الجهرية سبعاً وعشرين درجة، وقيل غير ذلك، والذي يظهر والله أعلم أن الخمس والعشرين هي مبدأ المضاعفة والسبع والعشرين هي منتهى المضاعفة، فأقرب الأقوال في ذلك إثبات كلّ هذه الأعداد، والاعتقاد بأن تفاوتها بحسب تفاوت أحوال الجماعات في الفضل.

    وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم (درجةً) جاء بيانها في بعض الأحاديث، بأنها تدلّ على الضِّعف الواحد، وفي بعض الأحاديث ورد البيان بأنها صلاة، يعني من صلى الجماعة في المسجد، تكون صلاته  مساويةً لسبع وعشرين أو لخمس وعشرين صلاة، في البيت أو مقرّ العمل.

    وقد روى بعض الشرّاح أن رجلاً فاتته صلاة الجماعة، فطاف في المساجد، فلم يلقَ من يُصلّي معه، فصلاها سبعاً وعشرين مرّةً، ثم نام فرأى في المنام أنه يركض خلفَ من صلوا في المسجد! ثمّ سمع هاتفاً يقول له: إنك لن تبلغ درجتهم. وعلى كل حال فالرؤى لا تثبت بها الأحكام، لكن قد يستفيد منها الإنسان شيئاً مما تعززه النصوص وتقوِّي دلالته.

    التفاصيل
    0
    47
  • حديث العصر(10) فالقاتل والمقتول في النار
  • بسم الله الرحمن الرحيم:

    عن أبي بكرة رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) صحيح البخاري (6875)، وصحيح مسلم (2888).

    مقدّمة:

    تضمّن حديثُ أبي بكرة رضي الله عنه التحذيرَ البالغ من القتال بين المسلمين، إذ رتّب أشدّ العقاب على كلا الطرفين المتواجِهَين بسيفيهما، سواءٌ كان قاتلاً أو مقتولاً، ممّا يدلّ على شدّة استنكار أن يُقاتل المسلم أخاه.

    كما تضمّن الحديث بيان الأثر الكبير للنّيّة، ودورها الكبير في رفع المرء إلى مقام الفاعل الحقيقيّ للعمل، وإن لم يقم به فعلاً.

    معنى الحديث:

    * قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)):

    بدأ الحديث بإبراز هذه الصُّورة المستنكرة، صورة المسلمين يلتقيان ويتواجهان، كلٌّ منهما يحمل سيفه، يُريد قتل صاحبه، وذُكِر السيف لأنّه كان السِّلاحَ المعهود في زمن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ففيه إشارة إلى كل سلاح يتقاتل به النّاس، سواء كان من الأسلحة البيضاء القديمة، كالسيف وغيره، أو كان من الأسلحة الحديثة، كالمسدَّس وغيره.

    وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما)) جملة شرطيّة، فما هو جوابها؟

    * قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)):

    هذا هو جواب الشّرط، أي أنَّ عقوبة المسلمين، إذا التقيا بسيفيهما، يُريد كلٌّ منهما قتل الآخر، فكلاهما في النار، من قَتل ومن قُتل.

    وهذا الحكم الحاسم، وهذا العقاب الأليم، يُبيِّن أنَّ اقتتال المسلمين فيما بينهم هو من كبائر الذُّنوب وعظائم الآثام، ويُقصد بالنار هنا نارُ العصاة من أهل القبلة من أهل الإسلام، فليست هي النار التي أُعِدّت للكافرين، بل هي نار العصاة من أهل الكبائر، لذا فإنّ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: ((سِبابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ)) ليس المقصودُ به الكفرَ الاعتقاديّ الذي يخرجُ به الإنسان عن الملة، وإنما هو الكفر العمليُّ.

    ولكنّ هذا العقاب الأليم الواقع على كلٍّ من القاتل المقتول، إذا كانا مسلمين، يُشترط في وقوعه، أن يكون القتال بينهما قتالاً على أمرٍ من أمور الدنيا، وهو القتال في الفتنة، مثل القتال على الحكم والملك، ومثل القتال عصبيَّة وحميَّةً ومغالبةً، الّذي حذّر  الرسول صلى الله عليه وسلم، من الوقوع فيه، أشدّ التحذير، وحضّ على تجنُّبه، وعدم مقاربته حتى عند الاضطرار، ثمّ قال صلى الله عليه وسلم -كما جاء في حديث أبي بكرة رضي الله عنه-: ((اللهمَّ هل بلغت؟ اللهمَّ هل بلغت؟ اللهمَّ هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيتَ إن أُكرهتُ حتى يُنطلق بي إلى أحد الصّفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجلٌ بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار)) صحيح مسلم (2887).

    وأما إذا لم يكن القتال بين الطرفين قتالاً في الفتنة، أو كان قتالاً لإعلاء كلمة الله، فإنه لا ينطبق عليه هذا الحديث الشريف، ومن أبرز صور هذا القتال صورتان:

    - قتال الفئة الباغية، لقول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} سورة الحجرات: الآيتان (9، 10) ففي هذه الآية أمرٌ من الله عزّ وجلّ بقتال الفئة الباغية المعتدية.

    - القتال دفاعاً عن النفس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد)) صحيح البخاري (2480)، صحيح مسلم (141) ، فمن قاتل دفاعاً عن نفسه أو أهله أو ماله -ولو استعمل السلاحَ- مأذونٌ له في القتال في هذه الحال، لدفع الصائل المعتدي، وذلك إما وجوباً كما قال بعض أهل العلم أو إباحةً.

    * قول أبي بكرة رضي الله عنه: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟!)):

    وهذا القول كذلك منسوب في بعض روايات الحديث للصحابة رضي الله عنهم.

    وقولهم: ((هَذَا الْقَاتِلُ)) أي: الأمر فيه واضح، لأنه قتل واعتدى، فهو يدخل النار لأمرين: لحرصه واجتهاده في قتل صاحبه، ولتحقُّق مقصوده في ذلك.

    وقولهم: ((فما بال المقتول؟)) أي: فلماذا يُعاقب بالنار وهو مقتول؟

    * قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)):

    وأما المقتول فيدخل النار، لكونه نوى بقلبه وعزم بفؤاده، وعمل ما باستطاعته من أجل قتل صاحبه، لكن حال بينه وبين ذلك ما قدره الله تعالى من أن يكون مقتولاً.

    وهذا الحكم لا يقتصر على القاتل والمقتول في هذه الحالة فقط، بل يشمل كلّ من قصد إلى عملٍ محرم، وبذل وُسعه في سبيل الوصول إليه، بأن أخذ بأسبابه أو حقّق مقدّماته، لكنه لم ينله، فإنه يترتّب عليه كامل الإثم، لأنّه يُعدّ فاعلاً حقيقيّاً، وليس لتوجُّه نيّته فقط إلى ذلك العمل.

    أمّا توجّه النّيّة فقط إلى العمل، ليكون صاحبها مأجوراً أو مأثوماً، فيدلّ عليه ما رواه أحمد وغيره من حديث أبي كبشة الأنماريّ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    ((مثلُ هذه الأمة مثلُ أربعة نفر:

    - رجلٍ آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعمل به في ماله، فينفقه في حقه.

    - ورجلٍ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو كان لي مثلُ ما لهذا، عملت فيه مثلَ الذي يعمل.

    قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهما في الأجر سواء!

    - ورجلٍ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه.

    - ورجلٍ لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو كان لي مالٌ مثل هذا عملتُ فيه مثل الَّذي يعمل.

    قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: فهما في الوزر سواء)) مسند أحمد (29/552) رقم (18024)، سنن ابن ماجة (4228)، صحيح التَّرغيب والتَّرهيب (16) وقال الألباني: صحيح لغيره.

    فهذه أربعة نماذج ينصبها هذا الحديث، لأربعة نفرٍ، فالأولان استويا في الأجر، والآخران استويا في الوزر، فكان للنية وحدها دور كبير في إلحاق الرّجل بالمرتبة التي كان يتمنّاها ويعزم على تحقيقها.

    من فوائد الحديث:

    - قتال المسلم لأخيه المسلم، في حال الفتنة، من أجل الحُكم والملك، أو على سبيل العصبيَّة والحميَّة والمغالبة، من أكبر الكبائر، يكفرُ به صاحبه كفراً أصغرَ، ويُعذّب به في النَّار.

    - اعتبار كلا الطَّرفين القاتل والمقتول، في النّار، فيه تّحذيرٌ بليغ من الوقوع في الفتنة، حتّى لو اضطُرَّ المرء إلى ذلك.

    - القاتل والمقتول كلاهما في النار، وذلك بسبب فعل الأول، ونيّة الثّاني.

    - النّار التي يدخلها المسلمان المتقاتلان، هي نار المعاصي، وليست النار التي أُعدّت للكافرين.

    - القتال إذا كان لإعلاء كلمة الله تعالى، أو للإصلاح بين فئتين من المسلمين، أو دفاعاً عن النفس والأهل والمال، ودفعاً للصّائل؛ فإنّه مشروع.

    - إذا اشترك شخصان في عملٍ، قام به أحدهما وعجز عنه الآخر، مع رغبته في القيام به، فهما في الأجر سواء، إن كان العمل مأجوراً، وهما في الوزر سواء، إن كان العمل مأزوراً، وفي ذلك توكيد لأهمية النيّة، وأثرها في تبليغ العاطل منزلة العامل.

    التفاصيل
    0
    71
عقيدة
  • هل يترك المصحف في يد الكافر؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في بعض الأحيان ندخل على مرضى مسيحيين في المستشفى من جنسيات عربية، ونراهم يحملون القرآن ويقرؤون فيه، فهل علينا شيء تجاه هؤلاء الناس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالواجب صيانة المصحف عن أيدي الكفار إلا لمصلحة ظاهرة، فإن صار المصحف في يد من لا يحل أن يكون في يده دون فعل من المسلم، كأن يشتريه الكافر، أو يتناوله ممن يبذله له فلا إثم على غير المتسبب.

    ثم ننبه إلى أن التعبير الشرعي أن يقال: نصارى، كما سماهم الله في القرآن.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    9 /11/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    1025
  • السياحة في بلاد الكفر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد.

    فإذا لم تكن ضرورة فلا تذهب إلى بلاد الكفر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)) رواه أبو داود ( 2645) والترمذي ( 1604) من طريق إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبدالله وهو مرسل على الصحيح، ويشهد له ما رواه أبو داود ( 2787) من طريق سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله)).

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    22 /5 / 1427هـ

    التفاصيل
    0
    1168
  • حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصفات والحظوظ
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصِّفات والحظوظ؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد

    فالأبراج جمع برج، والمقصود بها هنا منازل الشمس والقمر، فالشمس تنزلها في اثني عشر شهراً، وأما القمر فينزلها في الشهر، وقد وصف الله بها السماء التي أقسم بها في سورة البروج فقال: (والسماء ذات البروج)، وهي اثنا عشر برجاً، اصطلح عليها الناس في الشرق والغرب، منذ قديم الزمان، وهي مجموعة في قول الناظم:

    حمل الثور جوزه السرطان      ورعي الليث سنبل الميزان

    وعين العقرب بقوس الجدي     وملأ الدلو بركة الحيتان

    والنظر في الأبراج للتعرف على صفات الناس وحظوظهم، لا خلاف بين أهل العلم في أنه محرم لا يجوز؛ لما رواه أحمد وأصحاب السُّنن من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علماً من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» رواه أحمد (2841)، وأبو داود في الطب/ باب في النجوم (3905)، وابن ماجة في الأدب/ باب تعلم النجوم (3726)، وصححه الألباني في الصحيحة (793).، وهذا يشمل كلَّ ما يؤخذ من سير النجوم ومنازلها، وهي البروج من المعارف والعلوم التي تتعلق بالحوادث الأرضية أو صفات الناس. ويدل على عدم جواز ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين بطلان اعتقاد أن لهذه الأفلاك تأثيرا في حوادث الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم لما صلى بأصحابه في الحديبية على إثر سماء أي: مطر:«يقول الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا» أي: بتأثير النوء، سواء كان التأثير هنا على وجه التسبب، أو على وجه الإيجاد، «فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب» رواه البخاري في الاستسقاء/ باب قول الله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) (1038)، ومسلم في الإيمان/ باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء(71) عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه ومما يندرج في ذلك اعتقاد أن للأبراج تأثيراً في صفات من يولد في برج معين. ويدل لذلك أيضا أن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ سورة النمل الآية 65.، وكما قال جل في علاه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ سورة الجن الآيات 26، 27، 28. فمن ادَّعى أنه يعلم غيباً مستقبليًّا ولو بعد لحظة، فهو كاذب مكذِّب لما أخبر الله تعالى به في كتابه. وممَّا يدل على بطلان الاستناد إلى الأبراج في معرفة صفات الناس: أنه ليس هناك ما يثبت صحة دعوى أنَّ للأبراج أثراً في صفات الناس، بأنَّ من كان مولوداً في بُرج الحَمَل فصفاته كذا وكذا، ومن كان من برج الأسد فصفاته كذا وكذا، فهي دعوى ليس عليها بينة ولا برهان. لذلك يجب على المؤمن أن يُعرِض عن هذا، ولا يلتفت إليه وليحذره، فالقضية ليست قضية عبث أو لهو أو تسلية توقعه في مكروه! بل توقعه في خلل إيماني، فالقضية خطيرة، وهي فاصل بين إيمان وكفر، قد يكون كفراً أكبر إذا اعتقد أن هذه البروج هي التي توجِد تلك الصفات؛ لأنه جعل غير الله فاعلاً في الكون فِعْلاً مستقلاً عن إرادة الله عز وجل، وهذا شرك أكبر في الربوبية. وقد  يكون كفراً أصغر وذلك إذا اعتقد أنها سبب لتلك الصفات فلا يخرج عن الملة، لكنه أعظم من الزَّنا، وأعظم من الرَّبا، وأعظم من عقوق الوالدين؛ لأنه مما يتعلق بحق الله تعالى، وهو عتبة وخطوة في طريق الشرك الأكبر.

    ومما يدلُّ على كذب الاعتماد على هذه الأبراج في التعرف على صفات الأشخاص، أنه يولد في البرج الواحد الخلقُ الكثير من الناس، على اختلاف صفاتهم الخَلقية والخُلقية والنفسية، ففي الحمل مثلا يولد الكريم والبخيل، والصعب والسهل، والغضوب والحليم، فالاعتماد عليها ضرب من الكهانة والعرافة، وهي كذب ودجل، فلا يجوز مطالعة جداول الأبراج؛ لمعرفة صفات الناس، فإنه داخل فيما جاء فيه الوعيد فيما رواه مسلم من حديث عبيد الله بن نافع عن صفية عن زوج من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرَّافاً فسأله، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» رواه مسلم في السلام/ باب تحرم الكهانة وإتيان الكهان (2230). هذه عقوبة من يسأل فقط، أما من يصدِّق فقد قال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد بإسناد جيد: «من أتى كاهناً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه أحمد (9532) عن أبي هريرة رضي الله عنه. . وجدير بالتنبيه أنَّ الإتيان يشمل كل صور الإقبال على هؤلاء الدجالين، بكل وسائل الاتصال القديمة والحديثة، فليس الوعيد مقصوراً على حضور البدن، بل هذا صورة من صور الإتيان، ويدخل في ذلك، قراءة الأبراج في الصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت، والمراسلة عبر البريد الإلكتروني، والذين يتَّصلون على برامج الدجَّالين المنجِّمين، هم في الحقيقة قد أتوا الكاهن، ولذلك فإنَّ الأمر خطير.

    ولذلك فأنا أحذر إخواني من النظر في هذه الأبراج، فهي كذب وتزوير، وليس لها مستند علمي ولا واقعي إنما هي ضرب من التخمين والكذب والتدجيل. والله أعلم

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    10 / 3 / 1435هـ

    التفاصيل
    0
    1938
  • الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله جل وعلا كتب أرزاق الخلق قبل خلقهم بخمسين ألف سنة، وعندما تحمل المرأة جنينا يكون قد كتب على هذا الجنين رزقه أجله وعمله وهل هو شقي أم سعيد؟ فهل معنى هذا ـ والعياذ بالله ـ لو ذهبت لأشرب الخمر، هل هذا قد يكون قد كتبه الله عليّ، ويكون هذا هو قدر الله علي؟


    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذه مسألة مهمة، وموضوع القدر حقيقة موضوع كبير لا يمكن أن نجمله في جواب عابر، ولكن أولا أوصي أخي بأن لا يكلِّف ذهنه كثيرا في مسألة القدر؛ لأن القدر سر الله في خلقه، لم يظهره لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، وهو من الشئون التي يعجز العقل عن إدراك كيفيتها، كسائر ما أخبر الله تعالى عن صفاته؛ ولكننا نوقن أن قدر الله تعالى مندرج في قول الله تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾  الشورى:11 ، ونؤمن إيمانا جازما يقينا أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فصلت:46 ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما»، فينبغي للمؤمن أن يمتلئ قلبه بأن ربه حَكَمٌ عدل، لا ظلم في شيء من أقداره، ولا ظلم في شيء من أحكامه الشرعية.

    ثم بعد ذلك إذا وقع في نفسه شيء من الضيق أو الإشكال في القدر فليسأل، فعن عبد الله ابن فيروز الديلمي قال: لقيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعله يذهب من قلبي، قال: ((لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، ولو أنفقت جبل أحد ذهبا في سبيل الله عز و جل ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لدخلت النار))، فأتيت حذيفة فقال لي مثل ذلك، وأتيت بن مسعود فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان. 

    والقدر يتضمن الإيمان بأن الله علم كل شيء قبل وجوده، وكتب ذلك قبل خلقه، ثم إنه شاء وخلق، هذه المراتب الأربعة لابد من الإيمان بها حتى يحقق المسلم الإيمان بالقدر.

    بعد هذا نرجع إلى السؤال، وهو هل يسوغ الاحتجاج بالقدر على المعاصي؟

     هذا لاشك أنه لا يقبل لا شرعا ولا عقلا، ودليل هذا أنه لو أنّ أحدا من الناس أتى إليك وأخذ شيئا من مالك، أو اعتدى على بدنك بضرب، ثم لما فرغ قال: اسمح لي أنا كتب الله عليّ ذلك، هل تقبل منه هذه الحجة، أم ترى أن هذه الحجة مسوغة لمضاعفة العقوبة عليه؛ لأنه احتج بما لا حجة فيه؟!

    وكذلك فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإن حق الله تعالى يجب أن يحفظ، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب والسيئات، وهذا أمر مجمع عليه، متفق عليه بين علماء الإسلام.

    وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في المصائب، إذا حصلت مصيبة عندها قل: قدر الله وما شاء فعل.

    وأوصي أخي وأحذّره من الخوض في هذا الموضوع، فإنه لن يقف على حد ينتهي، ويجب اعتقاد أن ما نشاءه لا يخرج عن مشيئة الله تعالى، فمشيئة الله عالية غالبة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ الإنسان: 30، نسأل الله عز وجل أن يزقنا وإياكم سلامة الاعتقاد والعمل.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    5 / 3 / 1430هـ

    التفاصيل
    0
    700
  • رأي أ.د خالد المصلح في التصوف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما رأيك في التصوف؟

    الحمد لله وأصلي واسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

    أما بعد .

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    التصوف درجات وطرق، منها ما يتعلق بالعناية بالسلوك والأخلاق والاجتهاد في العبادة من غير خروج عن الهدي النبوي، فهذا ليس خارجا عن السنة، وهو ما كان عليه المتقدمون من العباد، كالجنيد والفضيل بن عياض ونحوهم من أهل العلم، الذين عرفوا بالعبادة، وما عدا هذا الطريق من مسالك التصوف فهو لا يخلو من محدثات وبدع، تتفاوت درجتها بعدا وقربا عن الكتاب والسنة، والذي أنصح به إخواني المسلمين أن يحرصوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،كما كان يردد ذلك في خطبه صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يقول: ((أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    20 /9 /1427هـ

    التفاصيل
    0
    987
  • اسم الله الصمد لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لماذا ورد اسم الله "الصمد" مرة واحدة في القران؟ وكيف للمسلم أن يتحلى بمثل هذه الصفة؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    أما بعد.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد..

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    ج1/ ليس هناك حكمة ظاهرة، و لكن هناك من أسماء الله تعالى ما لم يذكر إلا مرة واحدة كالصمد والأحد.  

    ج2/ الواجب في أسماء الله تعالى إثباتها، و الإقرار بما تضمنته من المعاني، و التعبد لله تعالى بها، وذلك بدعائه وذكره بها، كما قال الله تعالى: )وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا((الأعراف: 180)، وأما اتصاف المخلوق بها فليس صالحا في جميع الأسماء؛ فإن من الأسماء ما لا يجوز أن يتشبه به الإنسان، كالمتكبر والإله ونحو ذلك، ففي صحيح مسلم (2620) وسنن أبي داود (4090) ـ و اللفظ لأبي داود ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار)).

    و ما جاء في بعض الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تخلقوا بأخلاق الله)) فلا يصح ولا يثبت عنه صلى الله عليه وسلم.

    و أسماء الله تعالى وصفاته منها ما يحمد العبد على الاتصاف بها، كالعلم والرحمة والحكمة، ومنها ما يذم عليه، كالإلهية ونحوها، كما أن العبد يكمل بصفات ينزه الله عنها، فكمال العبد المخلوق في العبودية والافتقار، والحاجة والذل لله رب العالمين، والله تعالى منزه عن هذا كله، فهو الحميد الكبير المتعال، ولذلك يجب الحذر من بعض الإطلاقات التي توقع الإنسان في ضلال اعتقادي أو عملي.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    6/ 1/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    900
تفسير
  • من آداب قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحد الإخوة يقول: إنه يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة في أقل من ثلاث دقائق! متحججا بضيق الوقت، وأنه لا يشترط الترتيل في قراءة القرآن، وأنه يستطيع التركيز في القراءة! فهل تجزئ قراءته للقرآن بهذه الطريقة أو لا؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي أسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد

    فيجب  على قارئ القرآن أن يترسَّل في قراءته؛ امتثالا لقوله تعالى: )وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً((المزمل: من الآية 4)، واتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقرأ القرآن مترسلا، ففي صحيح مسلم (772) عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ))، وقالت حفصة رضي الله عنها: ((وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)) رواه مسلم (733)، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد الآية في صلاة الليل حتى يصبح، ففي مسند الإمام أحمد (20984) والنسائي (1010) وابن ماجة (1350) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: ((قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها، والآية )إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ((المائدة:118))).

    ولأن المقصود من القراءة التدبر والاتعاظ، لا مجرد إجراء الألفاظ دون الوقوف على معانيها، قال الله تعالى:)كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ((ص:29)، ولا يمكن أن يتحقق التدبر والتفهم للقرآن إلا بالتأني في قراءته، وفي صحيح مسلم (822) عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ فقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة! فقال عبد الله: ((هَذًّا كهذِّ الشِّعْرِ! إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع)).

    وقد اختلف العلماء هل الأفضل الترتيل مع قلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع الكثرة؛ لما تقدم من أن المقصود فهم القرآن والعمل به، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    29 /1 / 1429هـ

    التفاصيل
    0
    2002
  • دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، أو الأشرطة المحتوية مادة صوتية فيها ذكر الله؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالذي يظهر أنه يجوز دخول الخلاء ومكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، كما لا يكره الدخول بالأشرطة المحتوية على مادة صوتية فيها ذكر الله تعالى.

    أما جواز الدخول بأشرطة القرآن الخلاء ومكان قضاء الحاجة، فلأنها ليست مصحفا فلا تأخذ أحكام المصحف في ذلك، ويؤيد هذا أن ما في هذه الأشرطة من القرآن ليس مما يبين ويظهر فيه كتابة القرآن، فهو كالمحفوظ في الصدور من حيث الظهور.

    أما انتفاء كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من الصوتيات، فكذلك من حيث إنه لا يأخذ حكم المكتوب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن مِن أهل العلم القائلين بكراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله مَن قال: إذا دخل الرجل الخلاء وعليه خاتم فيه ذكر الله تعالى، جعل فص الخاتم مما يلي باطن كفه ثم عقد عليه بأصابعه، فظهر من هذا تعليق الكراهة بظهور المكتوب، فخرج به ما لم يظهر، ومثل ذلك يقال في لمس هذه الأشرطة على غير طهارة.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    27/4/1428هـ

    التفاصيل
    0
    608
  • دخول الخلاء بالمصحف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز الدخول بالمصحف إلى الخلاء، مع ذكر الدليل؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فذهب جمهور الفقهاء، من الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى تحريم دخول الخلاء بالمصحف إلا لضرورة، وقالت المالكية بالكراهة، وقال جماعة من العلماء بالإباحة، لكنه يأثم بحمله حال حدثه من غير ضرورة تقتضيه.

    والذي يظهــر لـي أنه إن لم يكـن حاجـة إلـى إدخاله، كالخوف من سرقته أو ضياعه أو امتهانه، فإنه ينبغي ألا يدخله، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    28/ 3 /1425هـ

    التفاصيل
    0
    301
  • حكم كتابة القرآن بالذهب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، لدي آية مكتوبة بالذهب المطلي فما حكمها؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أما بعد.

    فكتابة القرآن بالذهب لأهل العلم فيها أربعة أقوال:

    الأول: الجواز، وإليه ذهب الحنفية وجماعة من الشافعية.

    الثاني: التحريم، و إليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة.

    الثالث: الكراهة، وإليه ذهب جماعة من الفقهاء، وهو مشهور مذهب الحنابلة.

    الرابع: التفريق بين مصحف الرجل والمرأة، فذهب طائفة من العلماء إلى جوازه في مصاحف النساء والصبيان، وحرموه في مصاحف الرجال.

    والذي يظهر أن كتابة الآية يجري فيها ما يجري في كتابة المصحف من خلاف، والأقرب أن ذلك مكروه؛ لما فيه من الإسراف، والخروج بالقرآن عن المقصود به من تعظيمه بتلاوته والعمل به، إلى تعظيم صورته.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    1/ 3/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    367
  • السلام على مشتغل بقراءة قرآن ونحوه
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل أسلم على من هو مشتغل بقراءة القرآن، مع أني قد أشوش عليه قراءته؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالأصل في التحية وجوب الرد؛ لقوله تعالى: )وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا((النساء: من الآية 86)، وقد جاء في السنة ترك الرد في بعض الأحوال؛ لوجود عارض يمنع من الرد، ومن ذلك ما جاء في البخاري (1216) ومسلم (538) عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد عليّ، فلما رجعنا ـ أي: من الحبشة ـ سلَّمت عليه فلم يرد عليّ وقال: (( إنّ في الصلاة لشغلا))، فأخذ جماهير العلماء من هذا أن الإنسان إذا كان مشتغلا بأمر كالصلاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك، فإنه يسقط عنه وجوب الرد.

    وفي هذه التسوية بين الصلاة وغيرها نظر؛ إذ أن الصلاة نهى الله تعالى فيها عن الكلام، كما دل عليه قوله تعالى: )وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ((البقرة: من الآية 238)، وفي البخاري (1200) ومسلم (539) عن أبي عمرو الشيباني قال: قال لي زيد بن أرقم رضي الله عنه: ((إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت )حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ((البقرة:238) فَأُمِرْنَا بالسكوت))، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على من سلم عليه في الصلاة بالإشارة، كما في صحيح مسلم (540) عن جابر رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة، ثم أدركته وهو يسير ـ وفي رواية: يصلي ـ فسلمت عليه فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني فقال: ((إنك سلّمت آنفا وأنا أصلي))، وهو موجه حينئذ قبل المشرق. فلم يسقط حق المسلِّم بالكلية، كما أنه لم ينه عن السلام على المصلي، ولكن اعتذر عن الرد لفظا، فعلى هذا يكون ابتداء السلام مشروعا مطلقا، وأما رده فإنه يجوز لمن كان مشتغلا بما يشوش عليه رد السلام لفظا، أو لا يستطيع رده لفظا، أن يرده بالإشارة، وأما إذا كان لا يشوش عليه فالرد لفظا هو الأصل الذي يجب المحافظة عليه؛ لقوله تعالى: )وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا((النساء: من الآية 86)، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب رد التحية بمثلها أو أحسن منها.

    وأما بخصوص السلام على قارئ القرآن فقد جاء في مسند أحمد (16910) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: كنا جلوسا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ علينا فرددنا عليه السلام، ثم قال: (( تعلموا كتاب الله واقتنوه وتَغَنَّوا به، فو الذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل))، ففيه دلالة على السلام على قارئ القرآن، وكذا فيه دلالة على أن قارئ القرآن يرد السلام، إذا كان مقصودا بالسلام، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    29 /11 / 1428هـ

    التفاصيل
    0
    930
  • التنكيس في قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز قراءة القرآن في الصلاة على غير الترتيب الوارد في المصحف، وهو ما يعرف بالتنكيس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد.

    فالتنكيس في قراءة القرآن له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: تنكيس السور، وذلك بأن يقرأ على خلاف ترتيب المصحف، كأن يقرأ سورة الناس قبل سورة الإخلاص، فهذا كرهه جمهور الفقهاء، من الحنفية والمالكية والحنابلة، فيما إذا كانت القراءة في ركعة واحدة، ولمن يتلو في غير الصلاة، وقال الشافعية: إنه خلاف الأولى. وأما إذا كان التنكيس في ركعتين، بأن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأ في الركعة الأولى، فقد قال النووي: إنه لا خلاف في جوازه.

    وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يكره، وهو رواية عن أحمد.

    وعمدة من كره ذلك، أنه مخالف لترتيب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذي استقر إجماعهم عليه.

    وأما من جوزه فقال: إن ترتيب السور اجتهادي، ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نص، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قبل مصحف عثمان. والصواب أنه لا يكره الإخلال بترتيب السور، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم (772) من حديث حذيفة رضي الله عنه في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: ((فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها)).

    الصورة الثانية: تنكيس الآيات، وقد حكي الإجماع على كراهيته، ما لم يُخِلَّ بالمعنى، فإن أخل به فإنه يحرم، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، فيما إذا كانت الآيات متلاحقة، في قراءة واحدة.

    الصورة الثالثة: تنكيس الكلمات، وهذا محرم بالاتفاق؛ لأنه يُخِلُّ بنظم القرآن.

    والله أعلم

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    1/ 8 / 1428 هـ 

    التفاصيل
    0
    1278
حديث
  • حديث ((أتاني ربي في أحسن صورة))
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يمكننا أن نقول: إن الله جل وعلا يستطيع أن يتشكل في أيّ صورة شاء؟ هذه الكلمة صدرت من إمام محاضر ببلدنا على إثر سؤال وجه إليه عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتاني الله عز وجل في المنام على أحسن صورة)).

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فهذا الكلام ناشئ عن جهل بالله تعالى وما له من الكمالات، قال الله تعالى: )مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ((الحج:74)، فالله تعالى له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته، )وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى((الأعراف: من الآية180)،)وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى((النحل: من الآية60)، أي: الوصف الأعلى، فيجب اعتقاد ذلك، وكل ما يوهم نقصا في صفات الله تعالى يجب تنزيهه عنه،)سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ((الأنعام: من الآية100).

    وما سألت عنه من أن الله تعالى يتشكل لم يأت به نص، فلا يجوز نسبته لله تعالى، وأما الحديث الذي ذكرت فقد رواه الترمذي (3233) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني الليلة ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة)) قال: أحسبه قال: ((في المنام)).

    وليس في هذا الحديث دليل على ما ذكر هذا المحاضر من تشكل الله تعالى كما زعم، إذ الحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه في المنام بأحسن صورة، ومعلوم أن حسن الصورة ليس المؤثر فيه المرئي المنظور فقط، فقد يكون المنظور كامل الحسن والبهاء، ولا يُرى حسنه وبهاؤه، إما لضعف في حال الرائي، أو لوجود مانع من صفاء الرؤية.

    وقد ذكر بعض الشراح أن قوله في الحديث: ((في أحسن صورة)) يحتمل أن يكون وصفا للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس وصفا لله تعالى، و بهذا يتبين أن ما ذكره هذا المتكلم ليس بصواب، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    9 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    882
  • الكبر على المتكبر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما صحة هدا القول: (الكبر على أهل الكبر عبادة)؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد

    فهذا القول لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس له أصل في السنة، وأما من حيث معناه فقد ذكر جماعة من أهل العلم أن التكبر على المتكبر من الصور المستثناة من الكبر الذي جاءت النصوص بتحريمه، فقد نقل عن الشافعي قوله: تكبر على المتكبر مرتين، ونقل عن الزهري أنه قال: التجبر على أبناء الدنيا أوثق عرى الإسلام.

    والذي يظهر أن هذا من قبيل الاجتهاد في معالجة كبر المتكبر؛ لئلا يتمادى في كِبْره وغَيِّه، فإنه إذا رأى تواضع المتواضعين غرَّه ذلك وأَغْراه، وليس مقصودهم الكبر الذي هو بطر الحق (أي: رد الحق)، وغمط الناس (أي: احتقارهم)، وعلى كل حال فإن أولى ما يعالج به الكبر النصيحة والتذكير بالله تعالى.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

      15 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1096
  • حديث :أنا بريءٌ من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين
  • مند أن قرأت الحديث النبوي الواضح الدلالة والمقصود والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم:"أنا بريءٌ من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين".. وأنا أعيش في حيرة شديدة لأنّ بريءٌ على حسب معرفتي المتواضعة فهي من " بَرَاءَة " نقُول : بَرِئْت مِنْ الشَّيْء أَبْرَأ بَرَاءَة فَأَنَا مِنْهُ بَرِيء إِذَا أَزَلْته عَنْ نَفْسك وَقَطَعْت سَبَب مَا بَيْنك وَبَيْنه.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    الحديث الذي ذكرت رواه الترمذي (1604) وأبو داود (2645) من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) وقد صحح البخاري انه حديث مرسل من حديث قيس بن أبي حازم والحديث حمله أهل العلم على الإقامة في البلاد المحاربة لأهل الإسلام وقد روى البيهقي من طريق الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهعم فليس منا ) والحسن لم يسمع من سمرة والذي أوصيك به الرجوع إلى بلادك خشية الفتنة.

    التفاصيل
    0
    485
  • حديث لا يقبل صلاة رجل مسبل
  • ورد في أثر لا أعرف صحته ( إن الله جل ذكره لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره ) فما صحة ذلك ؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث رواه أبو داود (638) وغيره من طريق أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة وقال عنه النووي إسناده صحيح على شرط مسلم وأعله المنذري وقال فيه أو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف.

    التفاصيل
    0
    390
  • حديث نهى أن ينتعل الرجل قائما
  • ما معنى هذا الحديث : عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائما . رواه أبو داود بإسناد حسن.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث يفيد كراهة لبس النعال قائماً ، وبهذا قال جماعة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة وقد حمل بعض أهل العلم النهي على ما إذا كان اللبس قائماً يترتب عليه ضرر للابس  قال الخطابي: سبب النهي خوف انقلابه إذا انتعل قائماً فأمر بالقعود ، لأنه أسهل و أعون وأسلم من المفسدة ، وذهب جماعة من أهل العلم كفقهاء المالكية إلى جواز لبس النعال قائماً وأنه لا كراهة في ذلك لضعف الحديث والحديث رواه ابن عمر وأبو هربرة وجابر وأنس وقد ضعف البخاري حديثي أبي هريرة وأنس.

    التفاصيل
    0
    1199
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حلمه
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حلمه

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    اتصاف المرء بالحلم لا يعني ألا يغضب بالكلية فإن النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس خلقاً وقد شهد الله له بذلك فقال : (وإنك لعلى خلق عظيم) ومن خلقه أنه كان لا يغضب لنفسه ففي البخاري (6786) ومسلم ( 2328) (( مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ)) وفي رواية مسلم قالت : (  ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل )فيحمل ما جاء من غضبه انه كان من الغضب الممدوح الذي هو لله تعالى الدال على تعظيم الله سبحانه ولم يكن غضبه صلى الله عليه وسلم يخرجه عن شرع الله تعالى بل كان صلى الله عليه وسلم في غضبه ورضاه ما يقول إلا حقاً يدل لذلك ما في الترمذي (1990) عن أبي هريرة قال :قالوا : (يا رسول الله إنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقا))

    التفاصيل
    0
    393
أصول
  • حجية عمل أهل المدينة
  • أشكل علي في بعض كلام أهل العلم قولهم: وقد كان هذا العمل مشهوراً عند الناس في المدينة بدون استدلال إلى كتاب أو سنة؟ كذلك أحيانا هذه القاعدة تُخالف بقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    الاحتجاج بعمل أهل المدينة أخذ به مالك إمام دار الهجرة رحمه الله وأصحابه وقد نازعهم في الاحتجاج بذلك جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين فقالوا: لا فرق بين عمل أهل المدينة وغيرهم من أهل الأمصار فمن كان موافقاً للدليل فالحجة معه حيثما كان فليس عمل أحد حجة على كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه المسألة معروفة عند أهل العلم في كتب الأصول وغيرها ولها فروع وتفاصيل ولعل ما ذكرته فيه فائدة.

    أخوكم/

    خالد بن عبد الله المصلح

    01/04/1425هـ

    التفاصيل
    0
    1681
  • حُجية أفعال ابن عمر رضي الله عنه
  • أسألكم عن حُجية أفعال ابن عمر رضي الله عنه وذلك عند عدم وجود دليل مخالف من السنة (مثال ذلك رفع اليدين عند التكبير في صلاة العيدين و الجنازة. وإن كان هناك دليل مخالف فأفيدونا بارك الله فيكم)، وهل هناك قيود معينة يجب مراعاتها عند وجود دليل من فعل أحد الصحابة رضوان الله عليهم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد.
    مسألة حجية أقوال ابن عمر وأفعاله هي أحد فروع مسألة حجية قول الصحابي. وقد تناول أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين هذه المسألة بالبحث، ومنهم من أفردها بمؤلف خاص. وملخص القول فيها أن قول الصحابي له أحوال:
    الحال الأولى: أن يكون قول الصحابي مخالفاً لنص من الكتاب والسنة فهذا لا حجة فيه قال الإمام الشاف