الموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلحالموقع الرسمي للشيخ أ.د خالد المصلح
مناشط دعوية
فتاوى الصيام
التراويح والتهجد
ليلة القدر
الاعتكاف
زكاة الفطر
محاضرات
برامج المصلح
لقاءات المسجد الحرام
فضائيات
خطب المصلح
قناتنا الرسمية على الانستجرام
أحداث ومواعيد
تغريدات
الصوم
  • مسائل حول ثبوت رمضان بالحساب ومخالفة الدولة في خروجه
  • هل يجوز لدولة ما أن تبني صيامها على الحسابات الفلكية دون الرؤية العينية لهلال رمضان، وكذلك الإفطار على نفس منوال الحسابات دون الرؤية؟

    ثانياً: إذا ثبت في هذه الدولة أن يوم العيد الذي عُيِّن على أساس أنه عيد هو متمم لرمضان وليس غرة شوال، ماذا على الإنسان في هذه الدولة؟ هل يخالف ويصوم أم يُفطِر ويصلي صلاة العيد معهم؟

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه .
     أما بعد:
    ج1: هذه المسألة مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من يرى الاعتداد بالحساب مطلقاً، ومنهم من لا يراه مطلقاً، ومنهم من يُفصِّل. والراجح هو التفصيل وهو اعتبار الحساب في نفي الرؤية لا في إثباتها فإذا كان الحساب الموثوق يمنع من الرؤية فإنه لو جاء أحد وقال: إني رأيت الهلال لن نقبل قوله، لكن لا نثبت الهلال بمجرد أن الحساب يثبته لاحتمال أن يهلَّ ولا يُرى، والعبرة بالرؤية لا بمجرد ولادة الهلال، والله أعلم.

    أما من حيث العمل فإذا صام أهل بلدك فصُمْ، وإذا أفطروا فأفطرْ؛ لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصومُ يوم تصومون، والفِطْر يوم تُفطِرون، والأضحى يوم تضحون»، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها بلفظ: «الفِطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يُضحِّي الناس» قال الترمذي في جامعه: إنما معنى هذا أنّ الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس.
    ج2: يتبين من الجواب السابق أن الإنسان يتبع ما عليه أهل بلده من صيام أو فطر ولا يجوز له مخالفتهم قال الإمام أحمد في رواية: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصَّحوِ والغيم وقال: «يد الله على الجماعة».

    التفاصيل
    0
    759
  • يترك إمامة المسجد للاعتكاف في الحرم فما الحكم؟
  • بعض أئمة المساجد في المدن الأخرى يتركون مساجدهم في العشر الأواخر ويذهبون للاعتكاف في الحرم المكي الشريف، أيهما أولى في هذه الحالة البقاء في إمامة المصلين أو الاعتكاف؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذه الظاهرة، وهي ترك الأئمة لمساجدهم لأجل الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المجاورة فيهما صورة من صور عدم التمييز بين مراتب الأعمال والجهل بفقه أولوياتها، فإن الإخوة الذين تولَّوا الإمامة في المساجد قد تحملوا أمانة يجب عليهم أداؤها، ولا شك أن ذهابهم إلى الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المجاورة فيهما دون أن يقيموا مَن يَسُد مكانهم تضييع لهذه الأمانة التي يجب عليهم حفظها وأداؤها، فهم إلى الإثم أقرب منهم إلى الأجر. وفق الله الجميع إلى ما فيه الخير.

    أخوكم/

    خالد المصلح

    06/09/1425هـ

    التفاصيل
    0
    509
  • معتكف يخرج من المسجد للصلاة في آخر
  • هل يجوز للمعتكف في العشر الأواخر من رمضان أن يخرج من المسجد الذي هو معتكف فيه ليصلي التراويح والقيام في مسجد آخر قريب منه جدًّا على قدميه، ثم يعود مباشرة إلى المسجد الذي هو معتكف فيه؟

    الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله التوفيق:
    ذلك غير جائز لمخالفة الاعتكاف، فالاعتكاف لزوم المسجد، وهذا خروج منه لأمر غير ضروري.

    التفاصيل
    0
    277
  • إخراج زكاة الفطر عن الغير ؟ وما حكم إخراجها من النقد؟
  • ما حكم إخراج زكاة الفطر عن الغير؟ وما حكم إخراجها من النقد؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    إذا تبرع أحد بإخراج الزكاة عن غيره فإنه يجزئه إخراج الزكاة عن الغير، ولكن لا بد فيه من توكيل؛ لأن إخراج الزكاة لا بد فيه من نية، «إنما الأعمال بالنيات»، فإذا أخرَج أحدٌ عن غيره من غير أن يوكِّله، ففي هذه الحال يصير هنا إشكال من حيث أنه أخرجه بلا نية عمن هي له، فلا بد من نية، فإذا كان والدك أخرجها عنك وقد وكلته، أو أذنت له في الإخراج، أو اعتدت أن يخرجها عنك فهنا لا بأس.
    وهل يجزئ إخراجها نقداً؟ جماهير العلماء على أن الواجب في زكاة الفطر أن تكون صاعاً من طعام، لحديث ابن عمر في الصحيحين: «أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر»، وهذا النص يفيد أن الواجب في الإخراج هو الطعام.
    وجاء في حديث أبي سعيد: «كنا نخرجها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر، صاعاً من زبيب، صاعاً من شعير، صاعاً من أقط، صاعاً من بُرّ»، فذكر خمسة أصناف، وهي دالة على أن المطلوب في الإخراج هو أن يكون من غالب قوت البلد، لكن إذا كانت هناك حاجة أو مصلحة في إخراج هذه الزكاة نقوداً ففي هذه الحال لا حرج، وهذا هو القول الثاني في المسألة؛ أن الأصل أن تخرج من الطعام، لكن إن دعت حاجة أو مصلحة فيجوز إخراجها من النقد.
    ومثال الحاجة: بلد لا يقبلون الطعام فهنا الحاجة داعية إلى أن تخرج من النقود، وبلد فيه الطعام متوفر ولو أعطيتهم طعاماً قبلوه لكن مصلحتهم ومنفعتهم في أن تخرج نقوداً ففي هذه الحال إخراجها من النقود جائز، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية وهو قول في مذاهب الحنابلة.
    القول الثالث: أنه يجوز إخراجها نقداً مطلقاً سواء كان هناك حاجة أو لم يكن، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة.
    وأرجح هذه الأقوال هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الأصل هو إخراجها من الطعام ما لم تدع إلى ذلك مصلحة أو حاجة فيجوز إخراجها من النقود.

    التفاصيل
    0
    327
  • إخراج زكاة الفطر في بداية رمضان
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز إخراج زكاة الفطر في بداية رمضان؟

    الحمد لله وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد:

    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:

    الذي دلت عليه السنة أنه يجوز تقديم زكاة الفطر بيوم أو يومين ونحوهما، ففي البخاري (1511) ومسلم (984) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر  ـ أو قال: رمضان ـ على الذَّكَر والأنثى، والحر والمملوك، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير ... وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين»، وهذا فيه أنه يجوز تقديم إخراجها للحاجة، فإذا دعت الحاجة إلى إخراجها من أول الشهر فالذي يظهر جواز ذلك، وهو مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم، لكن الأولى والأبرأ للذِّمَّة أن يحافظ على إخراجها في وقتها.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    14 /10 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    948
  • هل يجوز إخراج زكاة الفطر خارج بلد المزكي؟
  • هل يجوز إخراج زكاة الفطر خارج بلد المزكي؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    يجوز نقل الزكاة من مكان وجوبها إلى أي جهة أخرى إذا دعت إلى ذلك حاجة أو مصلحة، فإذا كان هناك حاجة كحال إخواننا في سوريا أو في الصومال؛ فلا حرج في نقلها، ولكن إذا أُخرجت نقداً فينبغي أن يقدم إخراجها حتى يتمكن من تُرسَل إليه أن يخرجها طعاماً؛ لأن المشروع في زكاة الفطر أن تكون من الطعام، وهذا الذي عليه عامة أهل العلم، إلا أن يكون هناك مصلحة أو حاجة في إخراجها نقداً فعند ذلك ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز إخراجها في حال المصلحة والحاجة، وأما في الأصل فينبغي أن تُخرَج من الطعام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طعاماً كما في حديث ابن عمر: «فرض النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من طعام على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى من المسلمين».

    التفاصيل
    0
    456
تفسير
  • من آداب قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحد الإخوة يقول: إنه يقرأ سورة الكهف يوم الجمعة في أقل من ثلاث دقائق! متحججًا بضيق الوقت، وأنه لا يُشْترطُ الترتيلُ في قراءة القرآن، وأنه يستطيع التركيز في القراءة! فهل تجزئ قراءته للقرآن بهذه الطريقة أو لا؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فيجب  على قارئ القرآن أن يترسَّل في قراءته؛ امتثالاً لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، واتباعًا لسُنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقرأ القرآن مترسلا، ففي صحيح مسلم (772) عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مَرَّ بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذٍ تعوَّذ))، وقالت حفصة رضي الله عنها: ((وكان يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)) رواه مسلم (733)، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد الآية في صلاة الليل حتى يصبح، ففي مسند الإمام أحمد (20984) والنسائي (1010) وابن ماجة (1350) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: ((قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يُردِّدها، والآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118])).

    ولأن المقصود من القراءة التدبر والاتِّعاظ، لا مجرَّد إجراء الألفاظ دون الوقوف على معانيها، قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، ولا يمكن أن يتحقَّق التدبُّر والتفهُّم للقرآن إلا بالتأني في قراءته، وفي صحيح مسلم (822) عن أبي وائل، قال: جاء رجلٌ يقال له: نَهيكُ بن سِنانٍ إلى عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ فقال: إني لأقرأ المفصَّل في ركعةٍ؟ فقال عبد الله: ((هَذًّا كهذِّ الشِّعْرِ! إن أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع)).

    وقد اختلف العلماء: هل الأفضل الترتيل مع قلَّة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الترتيل والتدبُّر مع قلَّة القراءة أفضل من السرعة مع الكثرة؛ لِمَا تقدم من أن المقصود فَهمُ القرآن والعمل به، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د. خالد المصلح

    29 /1 / 1429هـ

    التفاصيل
    0
    5471
  • دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم دخول مكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، أو الأشرطة المحتوية مادة صوتية فيها ذكر الله؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالذي يظهر أنه يجوز دخول الخلاء ومكان قضاء الحاجة بأشرطة القرآن، كما لا يُكرَه الدخول بالأشرطة المحتوية على مادة صوتية فيها ذكر الله تعالى.

    أما جواز الدخول بأشرطة القرآن الخلاءَ ومكانَ قضاءِ الحاجة، فلأنها ليست مصحفًا، فلا تأخذ أحكام المصحف في ذلك، ويؤيد هذا أن ما في هذه الأشرطة من القرآن ليس مما يَبِين ويظهر فيه كتابة القرآن، فهو كالمحفوظ في الصدور من حيث الظهور.

    أما انتفاءُ كراهة دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من الصوتيات، فكذلك من حيث إنه لا يأخذ حكم المكتوب، هذا من جهة. ومن جهة أخرى أن مِن أهل العلم القائلين بكراهة دخول الخلاءِ بما فيه ذكرُ اللهِ مَن قال: إذا دخل الرجل الخلاء وفي يده خاتم فيه ذكر الله تعالى، جعل فصَّ الخاتم مما يَلِي باطنَ كفِّه، ثم يعقد عليه بأصابعه. فظهر من هذا تعليقُ الكراهة بظهور المكتوب، فخرج به ما لم يظهر، ومثل ذلك يُقال في لمس هذه الأشرطة على غير طهارة.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    27/4/1428هـ

    التفاصيل
    0
    2195
  • دخول الخلاء بالمصحف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز الدخول بالمصحف إلى الخلاء، مع ذكر الدليل؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فذهب جمهور الفقهاء، من الحنفية والشافعية والحنابلة، إلى تحريم دُخول الخلاء بالمصحف إلا لضرورة، وقالت المالكية بالكراهة، وقال جماعة من أهل العلم بالإباحة، لكنه يأثم بحمله حالَ حدَثِه من غير ضرورةٍ تقتضيه.

    والذي يظهــر لـي: أنه إن لم يكـن حاجـة إلـى إدخاله الخلاءَ، كالخوف من سرقته أو ضياعه أو امتهانه، فإنه ينبغي ألا يدخله، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    28/ 3 /1425هـ

    التفاصيل
    0
    1318
  • حكم كتابة القرآن بالذهب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عندي آية مكتوبة بالذهب المطلي؛ فما حكمها؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    أما بعد:

    فكتابة القرآن بالذهب لأهل العلم فيها أربعة أقوال:

    الأول: الجواز، وإليه ذهب الحنفية وجماعة من الشافعية.

    الثاني: التحريم، وإليه ذهب بعض المالكية والشافعية والحنابلة.

    الثالث: الكراهة، وإليه ذهب جماعة من الفقهاء، وهو مشهور مذهب الحنابلة.

    الرابع: التفريق بين مصحف الرجل والمرأة، فذهب طائفة من العلماء إلى جوازه في مصاحف النساء والصبيان، وحرَّموه في مصاحف الرجال.

    والذي يظهر: أن كتابة الآية يجري فيها ما يجري في كتابة المصحف من خلاف، والأقرب أن ذلك مكروه؛ لما فيه من الإسراف، والخروجِ بالقرآن عن المقصود به من تعظيمه بتلاوته والعمل به، إلى تعظيم صورته.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    1/ 3/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    2600
  • التنكيس في قراءة القرآن
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز قراءة القرآن في الصلاة على غير الترتيب الوارد في المصحف، وهو ما يُعْرَف بالتنكيس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالتنكيس في قراءة القرآن له ثلاث صور:

    الصورة الأولى: تنكيس السور، وذلك بأن يقرأ على خلاف ترتيبِ المصحف، كأن يقرأ سورة الناس قبل سورة الإخلاص، فهذا كرِهه جمهور الفقهاء، من الحنفية والمالكية والحنابلة، فيما إذا كانت القراءة في ركعة واحدة، ولمن يتلو في غير الصلاة، وقال الشافعية: إنه خلاف الأَولى.

    وأما إذا كان التنكيس في ركعتين، بأن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأ في الركعة الأولى، فقد قال النووي: إنه لا خلاف في جوازه. وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يُكره، وهو رواية عن أحمد.

    وعُمدة من كره ذلك: أنه مخالف لترتيب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذي استقر إجماعهم عليه.

    وأما من جوَّزَه فقال: إن ترتيب السور اجتهادي، ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قبل مصحف عثمان.

    والصواب: أنه لا يُكره الإخلال بترتيب السور، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم (772) من حديث حذيفة رضي الله عنه في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: ((فافتتح سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها)).

    الصورة الثانية: تنكيس الآيات، وقد حُكِي الإجماع على كراهته، ما لم يُخِلَّ بالمعنى، فإن أخلَّ به فإنه يحرُم، وحرَّمه طائفة من أهل العلم؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، فيما إذا كانت الآيات متلاحقة في قراءة واحدة.

    الصورة الثالثة: تنكيس الكلمات، وهذا محرَّم بالاتفاق؛ لأنه يُخِلُّ بنظم القرآن.

    والله أعلم

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    1/ 8 / 1428 هـ 

    التفاصيل
    0
    1527
  • مس المصحف بدون طهارة
  • ما حكم مس القرآن بدون طهارة؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
     الله تعالى يقول في كتابه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 75، 79]، فذكر الله تعالى القرآن والكتاب المكنون - وهو اللوح المحفوظ - قبل قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}.
    فالضمير في قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ} من أهل العلم من يقول: إنه يعود على أقرب مذكور وهو اللوح المحفوظ، يعني: لا يمس اللوح المحفوظ إلا الملائكة الذين يستنسخون منه ويكتبون أقضية الله وأقداره.
    والقول الثاني: أن الضمير يعود إلى القرآن، فمعنى قوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، أي: لا يمس القرآن إلا المطهرون. وهذا القول ضعيف، والصواب الذي عليه أكثر العلماء وعامة أهل التفسير: أن المراد بقوله: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الملائكة في مسهم للَّوح المحفوظ، أي: أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون.
    فالآية لا تدل دلالة صريحة على أن القرآن لا يمسه إلا طاهر، إلا أن من أهل العلم من قال: إن الآية تضمنت إشارة إلى أن القرآن لا يمسه إلا طاهر، وكيف ذلك؟ قال الله تعالى: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 78، 79]، فإذا كان الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون وفيه القرآن، فهذا يشير إلى أن القرآن الذي في الكتاب المكنون ينبغي ألا يمسه إلا المطهرون. وهذه من الدلالات التي يسميها بعض أهل العلم: الدلالة الإشارية وليست دلالة صريحة، لا تؤخذ لا بمنطوق ولا بمفهوم، وإنما هي دلالة نوع من فحوى الخطاب والإشارة التي قد تستفاد وتؤخذ من هذه الآية.
    إلا أن عامة العلماء الذين يقولون بأنه لا يمس القرآن إلا طاهر، يستندون في ذلك لا إلى هذه الآية، وإنما يستندون في وجوب الطهارة لمس المصحف بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر»([1])، وهذا الحديث جاء في كتابٍ للنبي صلى الله عليه وسلم بعثه لآلِ عمرو بن حزم، وهو كتاب مشهور، وقال عنه الإمام المحدث المالكي ابن عبد البر: تلقته الأمة بالقَبول، فأغنى ذلك عن النظر في إسناده. ومعنى هذا: أنه مقبول ما جاء في هذا الكتاب من الأخبار، ومنه ما يتعلق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر».
    فجمهور العلماء على أنه لا يمس القرآن إلا طاهر.
    ومن أهل العلم من يقول: إن الحديث لا يدل دلالة صريحة؛ لأن قوله: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، أي: إلا مسلمٌ، فالمقصود بالطاهر هنا: المسلم، واستندوا لذلك بما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عنه وقال: «أين كنت؟ قال: كنت جنباً، فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس»([2]) بمعنى: أنه طاهر. فقالوا: هذا يدل على أن قوله: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني: لا يمس القرآن إلا مسلم.
    والذي عليه العامة من أهل العلم، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وهو قول عامة الفقهاء قديمًا وحديثًا: أنه ينبغي لمن أراد أن يمس القرآن أن يتطهر، وهذا إذا كان المس مباشراً لأوراق المصحف ومواضع الكتابة فيه، أو ما هو من المصحف من غلاف ونحو ذلك.
    وهذا الذي ينبغي أن يكون، وهو الأقرب إلى الصواب.
    وذهب طائفة من أهل العلم من الظاهرية وغيرهم إلى أنه يجوز مس المصحف ولو كان من غير طهارة.

    فالأَولى للمؤمن ألا يمس القرآن إلا على طهارة، فمن احتاج إلى أن يمس المصحف وهو على غير طهارة، فإنه يمسه بحائل؛ إما بطرف لباسه، أو بمنديل، أو لبس قفاز، أو نحو ذلك مما يحول بينه وبين أن يمس القرآن وهو على غير طهارة، والمقصود بالطهارة: الوضوء، وأيضاً من باب أولى رفع الحدث الأكبر إذا كان جنبًا، أو كانت المرأة حائضًا فإنه ينبغي أن تجتنب المس إلا بحائل.
    --
    ([1]) الموطأ (469)، المستدرك (1447)، المعجم الكبير (13039).
    ([2]) صحيح البخاري (283)، وصحيح مسلم (851).

    التفاصيل
    0
    1786
منوع
  • حكم كتمان وعدم إخبار المريض بخطورة مرضه
  • فضيلة الشيخ خالد المصلح، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فنأمل من فضيلتكم بيان حكم إخفاء المرض عن المريض؛ تلبيةً لطلب أسرته.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فأفيدكم بأن حكم إخبار المريض بأنه مصاب بمرض خطير يختلف باختلاف أحوال المرضى؛ لذلك ينبغي للطبيب أو من يتولى إخبار المريض بمرضه الخطير أن يوازن بين مصالح إخبار المريض وبين مفاسده. وفي الجملة يمكن أن تنتهي الموازنة إلى إحدى الأحوال التالية:

    الحال الأولى: أن تكون مصالح إخبار المريض بمرضه الخطير أرجح وأغلب من مفاسده؛ كأن يكون الإخبار معينًا للمريض على الاهتمام بالعلاج وخطواته وانتظام الدواء ونحو ذلك، فحينئذ ينبغي إخباره، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الأسلوب المناسب الذي يخفِّف أثر الصدمة في المريض، ويُفسِح له في الأجل؛ فإن الموت والحياة غير مقترنين بصحة ولا مرض، ولذا كان المشروع في معاملة المريض أن يبث لديه روح الفأل بالسلامة والأمل بالصحة.

    ويُستأنَس في ذلك بما جاء في السنن من حديث أبي سعيد، أن النبي قال: «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى المَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ». أي: أطمعوا المريض في الحياة؛ فإن في ذلك تنفيسًا لما هو فيه من الكرب وتطمينًا لقلبه.

    الحال الثانية: أن تكون مفاسد إخبار المريض بمرضه الخطير أرجح وأغلب من مصالحه؛ كأن يكون الإخبار يؤدي إلى زيادة المرض، أو انتكاس نفسيته، أو قنوطه أو يأسه، ونحو ذلك، فلا يجوز حينئذ إخباره؛ لأنه سيوقعه في محرم، وهو اليأس من رَوح الله والقنوط من رحمته. ويؤيد ذلك: أن الشريعة مبنية على نفي الضرر وإزالته، وضرر عدم إخبار المريض في هذه الحال ومفاسده أقل من ضرر عدم إخباره ومفاسده، ومن المعلوم أنه عند تزاحم المضار والمفاسد يرتكب الأدنى منهما.

    ومما يُستأنس به في هذه الحال: ما جاء من كراهية النبي ﷺ لمقالة مريض عاده، حيث قال له : «لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاء اللهُ». فأجابه المريض: قلت: طهور! كلا، بل هي حُمى تَفُور على شيخٍ كبيرٍ تُزِيره القبور. فقال النبي : «فَنَعَمْ إِذَنْ».

    وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن باز بجواز الكذب على المريض بخصوص حالته الصحية إذا كان لا يتحمل التصريح. وهذا أمر زائد على مجرد الكتمان وعدم الإخبار، فجاء في فتوى رقم (6908): "يجوز الكذب عليه إذا كان الكذب ينفعه ولا يضره ولا يضر غيره، وإن أمكن أن يستعمل الطبيب والطبيبة المعاريض دون الكذب الصريح، فهو أحوط وأحسن". 

    الحال الثالثة: أن تكون مصالح إخبار المريض بمرضه الخطير مستوية مع مفاسده، فحينئذ ينبغي عدم الإخبار؛ لأن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وُيكتفى بالتلميح دون التصريح؛ لما في ذلك من التنفيس عن المريض والتطييب لقلبه.

    الحال الرابعة: أن يجهل الطبيب الحال، ولا يتبين له شيء في الموازنة بين مفاسد الإخبار وبين مصالحه، فليجتهدْ حينئذ بما يراه أنسب، وليبذل وسعه في فعل ما هو أقرب لمصلحة المريض.

    ومما ينبغي مراعاته في جميع الأحوال: الرفق بالمريض، والأناة في قرار الإخبار من عدمه، ومشاورة ذوي المريض وأهله في المناسب لحال مريضهم بما يحقق مصلحته ويطيب قلبه، فلا يخفى عليكم أن صحة المريض النفسية لها دور كبير في تخفيف المرض وتجاوزه.

    أسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، وأن يرزقهم الصبر واليقين، وأن يعينكم ويسددكم، وأن يجري الخير على أيديكم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    الخميس 14 من ربيع الآخر 1438

    التفاصيل
    0
    1820
  • هل لليلة النصف من شعبان فضيلة خاصة؟
  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فضيلة الشيخ، هل لليلة النصف من شعبان فضيلة خاصة، حيث رأينا نشرة مضمَّنة بعض الأحاديث في فضل هذه الليلة؟

    وجزاكم الله خيرًا.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    فقد اختلف أهل العلم في فضيلة ليلة النصف من شعبان على قولين:
    الأول: أنه ليس لليلة النصف من شعبان فضيلة خاصة، ولا يُشرَع تخصيصها بشيء من العبادات، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف؛ كعطاء، وابن أبي مُليكة، وعبد الرحمن بن زيد، ومالك، والشافعي، وغيرهم.
    الثاني: أن ليلة النصف من شعبان ليلة فضيلة، تستوجب عناية بها وتعظيمًا، وإلى هذا ذهب خالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر، وبه قال الحنفية، واستحبوا إحياءها للمنفرد فقط.
    والذي يترجح من هذين القولين ما ذهب إليه أكثر العلماء من أنه ليس لليلة النصف من شعبان فضيلة؛لعدم ثبوت شيء من الأحاديث الواردة في فضيلتها. ومن المعلوم أن الفضائل الشرعية والخصائص القدرية لا بد في إثباتها من نص. وأما ما جاء من أن الله يطلع على أهل الأرض فيغفر لجميع عباده إلا مشركًا أو مشاحنًا، فالمحققون من أهل الحديث يضعِّفون كل ما ورد من ذلك. ومن فضل الله أن عَرْض الأعمال ومغفرة الذنوب لكل أحد إلا مشركًا أو مشاحنًا يحصل كل يوم اثنين وخميس؛ لما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة، رفعه مرة، قال: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».
    وأما ما قيل من أن الله يوحي ليلة النصف من شعبان إلى ملك الموت بقبض كل نفس يريد قبضها في تلك السنة، وأنه تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان؛ فكلها أحاديث ضعيفة لا يصح الاحتجاج بها.
    وأما ما جاء عند ابن ماجه عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ، أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ، أَلَا كَذَا، أَلَا كَذَا  حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» فحديث ضعيف جدًّا لا يصح الاعتماد عليه.
    ومما تقدم يتبين أنه ليس لليلة النصف من شعبان فضيلة خاصة؛ لا قدرية ولا شرعية. 
    وأما من أخذ بقول من قال بأن لليلة النصف من شعبان فضيلة، فينبغي أن يقتصر في العمل على ما ورد عند من قال بفضيلتها، والله أعلم.
    كتبه
    أ.د خالد المصلح
    14 / 8 / 1437هـ
    التفاصيل
    0
    6063
  • الإهداء لمن تخرِجه القرعة - من صور الهدايا المحرمة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    تعاهدت أنا وصديقات لي أن تتبرع كل واحدة منا بهدية ولا تعرف الأخرى مقدارها، ثم نجمع تلك الهدايا ونوزعها عن طريق القرعة، فلا تعلم كل واحدة شيئًا عن هديتها ولا مَن أخذتها ، ولا مقدار ما أخذت، فهل يجوز هذا التصرف؟

    بارك الله فيكم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فهذه الطريقة في التهادي هي صورة من صور القمار والميسر المحرم الذي قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة المائدة: 90 . وبيان ذلك أن كل واحد من المشتركين في التهادي يبذل مالًا معلومًا، وهو ما جاء به من هدية، ويجهل ما سيأخذه مقابل ذلك، فقد يكون ثمن ما يأخذه مثل ثمن ما بذل من هدية فيسلم، وقد يكون ثمن ما يأخذه أعلى من ثمن ما بذل من هدية فيغنم، وقد يكون ثمن ما يأخذه أقل من ثمن ما بذل من هدية فيغرم، كما أنه قد يُخرَج له هدية لا يرغبها، بغض النظر عن ثمنها، أو قد تكون الهدية لشخص لا يرغب في الإهداء إليه لو كان له اختيار؛ وذلك أن تعيين الهدية يتم بطريقة الاختيار العشوائي.

     فالذي يظهر لي أن هذه معاملة محرمة. والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    4587
  • قول الرجل للمرأة الأجنبية: حبيبتي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم قول الطبيب للممرضة النصرانية: (يا حبيبتي) معللًا ذلك بأنه حب العمل، وحب الزمالة، لا حب الجنس والشهوة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فلا يجوز للرجل الأجنبي أن يتكلم مع المرأة الأجنبية منه بمثل هذه الكلمات؛ لأنه ليس من القول المعروف الذي يخاطب به الرجال النساء، ومعلوم أن مخاطبة الرجل للمرأة التي لا تحل له يجب أن يكون على وفق قول الله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].

    وهذا الأمر وُجه للنساء، وهو أيضًا موجه للرجال في محادثاتهم النساء، فقولك للممرضة: يا حبيبتي، هو من الخضوع بالقول الذي يغري بالشر والفساد، ولو كنت لم تقصد فنصيحتي لك ترك مثل هذه الكلمات؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإياك والتساهل؛ فإنك إن ضمنت نفسك، فإنه ليس لديك ضمان بالنسبة لتأثير ذلك فيمن تسمع هذا الكلام، وما يمكن أن يترك من أثر في نفسها.

    وفق الله الجميع للخير.  

    أخوكم  أ.د.خالد المصلح     

    التفاصيل
    0
    2440
  • تفصيل القول في نظر المرأة للرجل الأجنبي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل على المرأة حرج في نظرها للرجال، سواء مباشرة أو من خلال التلفزيون؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فنظر المرأة إلى الرجال لا يخلو من أحوال:

    الحال الأولى: أن يكون نظرًا بشهوة، أو تُخشى منه فتنة، فهذا محرم لا يجوز باتفاق أهل العلم، كما قال غير واحد من أهل العلم، كالجصاص والنووي.

    الحال الثانية: أن يكون نظرًا للحاجة فهذا جائز؛ لأن منع النظر -على القول بتحريمه مطلقًا- إنما هو من باب تحريم الوسائل الذي تبيحه الحاجة.

    الحال الثالثة: أن يكون نظرًا لا حاجة إلية، ولا شهوة فيه، ولا تُخشَى منه فتنة، فهذا اختلف فيه أهل العلم على قولين في الجملة:

    القول الأول: أن ذلك جائز، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، واستدلوا لذلك بعدة أحاديث؛ منها ما رواه البخاري (455) ومسلم (893) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون، وأنا جارية»، وما روى مسلم (1480) من طريق أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ».

    وحملوا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] على غض البصر عما لا يجوز النظر إليه من العورات.

    القول الثاني: أن ذلك حرام، وهذا مذهب الشافعي، وهو رواية في مذهب أحمد، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:  31].

    واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود (4112) والترمذي (2778) من طريق الزهري عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها، حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْتَجِبَا مِنْهُ» فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟! أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟!». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

    وأقرب القولين للصواب القول بالجواز، إلا إن خُشِي من ذلك شر أو فساد، فإنه لا يجوز حينئذ بالاتفاق كما تقدم، ويلحق بهذا ما إذا نظرت المرأة إلى الرجل نظر تأمل في محاسنه وجماله؛ لأن هذا النظر مظنته وجود الشهوة، فلا يجوز.

    أما ما استدل به القائلون بتحريم نظر المرأة للرجل مطلقًا، فعمدته حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو حديث تكلم فيه أهل العلم من جهة نبهان مولى أم سلمة، فهو ممن لا يُحتج بروايته.

    وقيل في الجواب ما قاله أبو داود: هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها: «اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ». وأما الآية فإن فيها وجوب غض البصر عن النظر إلى ما نُهي عنه، وليس وجه الرجل منه في حال عدم الشهوة. يشهد لهذا ما رواه البخاري (988) ومسلم (892) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد». والله تعالى أعلم.   

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    12/ 4/ 1426هـ    

    التفاصيل
    0
    3104
  • أتكون الرقية سرًّا أم جهرًا؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طبيب وعند معالجتي أو فحصي للجزء المصاب من جسم المريض، أستغل الوضع بالرقية الشرعية سرًّا، دون أن يسمعني المريض، سواء بقراءة آية الكرسي والنفث على المصاب، أو بالدعاء له: «اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي...»، فهل ما أفعله صحيح، أو عليَّ أن أجهر بذلك؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالرقية الشرعية سواء أكانت قرآنية أم نبوية، هي من أعظم الأسباب التي يحصل بها الشفاء، ولا يلزم في الرقية سماع المرقي لما يُقرأ عليه من قرآن أو دعاء، ولذلك لا حرج في أن يرقي الطبيب المريض سرًّا، إلا أن الجهر بالرقية له أثر ملحوظ في حصول المقصود، وإن كانت الرقية سرًّا في بعض الأحيان أقرب لحضور القلب وإخلاص الدعاء، وفي كل خير.

    أخوكم

    أ.د. خالد المصلح

    19 /10/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    4523
صلاة
  • يجوز أن تكون نية الصلاة مع تكبيرة الإحرام أو قبلها
  • فضيلة الشيخ أحسن الله إليكم، نأمل الإفادة في هذا المسألة "هل الأفضل عقد النية في حال النطق بتكبيرة الإحرام أم يجوز قبلها"، وجزاكم الله خيرا

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.

    فقد أجمع أهل العلم على وجوب النية للصلاة وأنها لا تنعقد إلا بها حكى ذلك غير واحد من أهل العلم، وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيَّات وإنما لكل امرئ ما نوى» فيما رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد اختلفوا في تقديم النية على الصلاة على ثلاثة أقوال:

    الأول: يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام ولو طال الزمن ما لم يصرفها إلى غيرها، وهذا هو مذهب مالك، قال ابن عبد البر في الكافي ص (39) : "وتحصيل مذهب مالك أن المصلي إذا قام إلى صلاته أو قصد المسجد لها فهو على نيته وإن غابت عنه إلى أن يصرفها إلى غير ذلك".

    والمنصوص عن أحمد رحمه الله يشبه ذلك فإنه سئل عن الذي يخرج من بيته يوم الجمعة ينوي قال: خروجه من بيته نية، وقال: إذا خرج الرجل من بيته فهو نيته، أفتراه كبَّر وهو لا ينوي الصلاة؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره ما نقل عن أحمد في "مجموع الفتاوى" (22/229): "ولهذا قال أكابر أصحابه كالخرقي وغيره: يجزئه تقديم النية على التكبير من حين دخول وقت الصلاة".

    الثاني: يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بزمن يسير ما لم يفسخها، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.

    الثالث: لا يجوز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بل يجب أن تكون مقارنة للتكبيرة، وهذا مذهب الشافعي، وهذا القول فيه من العسر والمشقة والصعوبة ما لا يخفى، وقال ابن حزم: إنه لا يجوز فصل النية عن التكبيرة بل يجب أن تكون متصلة لا فصل بينهما أصلاً لا قليل ولا كثير.

    والذي يترجح لي من هذه الأقوال ما ذهب إليه مالك رحمه الله ونص عليه أحمد من جواز تقديم النية على تكبيرة الإحرام ولو طال الزمن ما لم يصرفها إلى غيرها أو يفسخها. إذ المقصود من النية تميز عمل عن عمل وهذا حاصل بالنية المتقدمة إذا لم تفسخ ولم تصرف فإنها تكون مستصحبة حكماً مادام لم ينو قطعها. ولذلك لو ذهل عن النية أو غابت عنه في أثناء الصلاة لم يؤثر ذلك في صحتها وقد حكى الإجماع على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة ص (387) وهذا القول وهو جواز تقديم النية على تكبيرة الإحرام بزمن طويل هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    14- 9- 1424 هـ.

    التفاصيل
    0
    802
  • صفة صلاة العشاء للمسافر خلف إمام يصلي المغرب
  • رجل مسافر صلَّى المغرب، ثم حضرت جماعةٌ أخرى وأراد أن يصلي العشاء؛ فهل يجوز أن يدخل معهم بنية العشاء ويجلس بعد التشهد الأول حتى يسلم الإمام، أو إذا قام الإمام للثالثة يسلِّم؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد:
    فإذا ائتمَّ مسافرٌ يصلي العشاء بإمام يصلي المغرب، فالواجب عليه أن يُتِمَّ العشاءَ أربعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعِل الإمام ليُؤتمَّ به» رواه البخاري (378)، ومسلم (411). ،وبهذا قال أكثر أهل العلم. ووجه ذلك أنه قد ائتمَّ بإمامٍ عددُ ركعات صلاته أكثر منه، فكان  والحال هذه كما لو صلَّى خلف مُقيم. ومعلوم أن المسافر إذا ائتمَّ بمقيم، فالواجب عليه أن يُتِم سواء أدرك الصلاة من أولها أو أدرك آخرها؛  لما روى مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي، قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أُصَلِّ مع الإمام؟ فقال: «ركعتين، سُنَّة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم» رواه مسلم (688).. وبهذا قال جماهير العلماء من الخلف والسلف.
    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا ائتمَّ مسافرٌ يصلي العشاء بإمام يصلي المغرب فيجوز له أن يقصُرَ  سواء أدرك الصلاة من أولها، أم أدرك جزءا منها.
    والأقرب إلى الصواب أنه لا يجوز له القصر في مثل هذه الحال، والله تعالى أعلم.

    أخوكم
    أد. خالد المصلح
    25 / 4 / 1438هـ

    التفاصيل
    0
    1208
  • أدركت صلاة الجماعة والإمام في الركعة الثانية.
  • إذا أتيت للصلاةِ وأدركت الركعة الثانية؛ فهل اقرأ التشهد؟ وإذا كان الجواب "لا"، فمتى اقرؤه إذا كانت صلاة ثلاثية أو رباعية؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    فلا خلاف بين أهل العلم أن المسبوق إذا جاء إلى الصلاة، والإمام على حالٍ، وجب عليه أن يدخل معه على الحال التي هو عليها وموافقته فيها، سواء في القيام، أو في الركوع، أو في السجود، وسواء في أول الصلاة أوفي آخرها، واتفقوا أنه لا يجوز للمسبوق مخالفة الإمام لغير عذرٍ. حكى الإجماعَ على ذلك ابن المنذر"الإجماع" لابن المنذر ص (40). ، وابن حزم"مراتب الإجماع" ص (30).، وابن عبد البر، وغيرهم، وقال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم؛ قالوا: إذا جاء الرجل، والإمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام""جامع الترمذي" ( 3/10).. ويدل لذلك ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا سمعتم الإقامة فامْشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تُسرعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا»، وبما جاء في "سنن أبي داود" من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدُّوها شيئًا»، وكذلك استدلوا بما رواه الترمذي من حديث علي ومعاذ رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حالٍ فليصنع كما يصنع الإمام». وهذا الحديث قد ضعَّفه الترمذيُّ وغيره. فإذا دخل مع الإمام في الحال التي هو فيها فإنه لا يعتد بشيء مما أدرك معه إلا أن يدرك معه الركوع بأن يصل إلى حد الركوع قبل رفع إمامه ولو لم يدرك وقتاً لذكر الركوع، فإنه يعتد بتلك الركعة؛ لما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».والله أعلم

    أخوكم
    أد. خالد المصلح
    25 / 4 / 1438هـ

    التفاصيل
    0
    876
  • حكم تأخير صلاتي العشاء والظهر عن أول الوقت
  • فضيلة الشيخ أ.د خالد المصلح حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

    فآمل الإفادة في مسألة تأخير صلاتي العشاء والظهر عن أول الوقت، فهل يجوز ذلك أم لا؟

    بارك الله فيكم وجزاكم خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أمَّا بعد:

    فبخصوص استفساركم عن إمكانيَّة تأخير وقتي صلاتي العشاء والظهر، فأُفيدكم بأنَّه لا خلافَ بين أهل العلم، في صحَّة الصَّلوات المكتوبات، ما دام قد تمَّ أداؤها في الوقت، سواء في أوَّله أو في وسطه أو في آخره؛ لقول الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، إلا أنَّ الأفضلَ في الصلوات المكتوبات أن تؤدَّى في أوَّل الوقت، لما في "الصَّحيحين" من حديث ابن مسعود، عندما سُئل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال:«الصَّلاةُ على وقتها» صحيح البخاري(527)، ومسلم(85)، ويتحقَّق ذلك بأن تصلَّى في أوَّل وقتها، وهذا أصلٌ شامل لكلِّ الصَّلوات؛ إلا أنَّ أهلَ العلم اختلفوا في أفضل وقتٍ لصلاة العشاء، فقال جمهور العلماء من الحنفيَّة والحنابلة وغيرُهم باستحباب تأخيرها إلى ثلث الليل، لما جاء في "الصَّحيحين" وغيرهما، عن جماعةٍ من الصَّحابة، منه ما رواه مسلم من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعتَمَ ذات ليلةٍ، حتى ذهب عامَّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلَّى، وقال: «إنَّه لوقتُها لولا أن أشُقَّ على أمَّتي» أخرجه مسلم (638). وكذلك ما جاء في "الصحيحين" من حديث ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ  صلَّى الله عليه وسلم أعتم حتى رقد الناسُ، فخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقال: «لولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم أن يُصلُّوها هكذا» صحيح البخاري(571)، ومسلم(642) ، فعلى هذا القول يكون الأفضلُ في وقت صلاة العشاء، أن تُصلَّى بعد مُضيِّ ثلث اللَّيل الأوَّل، ما لم يكن في ذلك مشقَّةٌ على النَّاس.

    وأما بخصوص تأخير صلاة الظُّهر، إلى قُبَيل العصر، فجمهور العلماء على أنَّ الأفضلَ في صلاة الظُّهر صلاتُها في أول الوقت، إلا في شدَّة الحرِّ، فإنَّه يُستحبُّ الإبراد بها (وهو تأخيرها) إلى قُبَيل العصر؛ لما جاء في "الصَّحيحين" من حديث أبي ذرٍّ قال: أذَّن مؤذنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أبرِدْ أبرِد» أي: انتظر انتظر، ثم قال :«شِدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصَّلاة»، صحيح البخاري(535)، ومسلم(616) وقد جاء مثلُ هذا عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.

    ومما ينبغي أن يُتنبَّه إليه أن المرجع في تحديد أوقات الصلوات منوطاً  بوزارة الشُّؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدَّعوة والإرشاد، فإنَّها الجهة الَّتي تُعنى بذلك، مراعيةً فيه ما يُحقِّقُ السُّنَّة، ويصلُح به حال النَّاس تقديماً وتأخيراً ما دام في الوقت، يدل لذلك ما جاء في "الصَّحيحين" من حديث جابر أنه قال في وقت صلاة النبيِّ العشاءَ: «والعشاء أحياناً وأحياناً إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر» صحيح البخاري(560)، ومسلم(646)، وهذا أصلٌ في مراعاة ما يتحقَّق به مصلحة النَّاس، وتندفع به عنهم المشقَّة.

    وفَّق الله الجميعَ إلى ما فيه الخير.

    عضو الإفتاء في منطقة القصيم

    أ.د خالد بن عبدالله المصلح

    التفاصيل
    0
    3507
  • حكم الجمع بين الصلوات في العمليات الطبية الطويلة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    في حال العمليات التي تستغرق ساعات طويلة، ولا يستطيع الطبيب الجرّاح مغادرة غرفة العمليات، مما يؤدي إلى فوات وقت الصلاة، فما الذي يجب عليه في مثل هذه الحال؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فأوجب الله تعالى على المؤمنين إقامة الصلوات في أوقاتها فقال تعالى: {إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103]، فواجب على المؤمن أن يحافظ على الصلاة في أوقاتها كما أمر الله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة:238]، ولتحقيق ذلك ينبغي أن يعلم أن أوقات الصلوات لها حالان:

    الحال الأولى: حال السَّعَة، وهي في هذه الحال خمسة أوقات، لكل صلاة وقت يخصها، كما ذكرها الله تعالى في قوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}[الإسراء:78]، وكما في قوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17، 18].

    وقد جاء بيان أوقات هذه الصلوات ابتداء وانتهاء في سنة النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، ففي صحيح مسلم (614) من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً، قال: «فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخَّر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخَّر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس، ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت بين هذين».

    الحال الثانية: حال العذر، وهي في هذه الحال ثلاثة أوقات، الفجر وقت، والظهر والعصر وقت، والمغرب والعشاء وقت، فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم الجمع حال السفر في أحاديث عديدة، وكذلك ثبت عنه الجمع حال الإقامة؛ لأجل العذر ورفع الحرج، ففي صحيح مسلم (705) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر» قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: «كي لا يُحرِج أُمَّته» وفي رواية قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، فهذا أصل يعتمد عليه في مشروعية الجمع لأجل الحاجة، وقد قال بهذا الأصل جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، وإن كانوا قد اختلفوا في ضابط الحاجة المبيحة للجمع، وأقرب ما يقال في ضابط ما يبيح الجمع: (كل ما يلحق الإنسان فيه حرج ومشقة، فإنه يجوز له الجمع من أجله، بشرط ألَّا يتخذ ذلك عادة)، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، منهم ابن سرين وربيعة وابن المنذر وغيرهم، وبه قال شيخنا ابن عثيمين، وعلى هذا فيجوز الجمع للطبيب إذا احتاج لذلك، سواء أكان في غرفة العمليات أو غير ذلك من الحالات التي تستدعي حضوره.

    لكن مما يجدر التنبيه إليه في مسألة الجمع بين الصلاتين، أنه ينبغي الحذر من التساهل في ذلك، فقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر على حال البَتَّة، كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد (12/210)، وصحَّ عن عمر رضي الله عنه أنه من الكبائر.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    التفاصيل
    0
    3692
  • من أحكام الأذان المُسجَّل
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم رفع الأذان بشريط مسجل إذا اكتُفِي به عن المُؤذِّنين؟ وهل تُشرع إجابتُه؟ وما حكمه في المستشفيات والدوائر الحكومية؛ للإعلام بدخول الوقت، مع عدم الاستغناء به عن أذان المؤذنين في المساجد؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالأصوات  المسجلة حقيقتُها أنها حكاية لصوت مَن تكلم بها في زمن سابق، وهي بهذا ليست كالأصوات التي يُتلفَّظ بها في الحال، لا من حيث القصد والنية، ولا من حيث الواقع والحقيقة، وتفريعاً على هذا التأصيل يتبين أن الاكتفاء في رفع الأذان على هذه الأصوات المسجلة غير مجزئ؛ لافتقارها للنية التي هي أصل العمل، كما في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات»، ولما فيها من عدم اشتغال المُكلَّفين بما طُلِب منهم من ذكر الله تعالى بأنفسهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذِّنْ أحدكم» أخرجه البخاري (819) ومسلم (674) عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه؛ وعليه فإن جميع الأحكام المبنية على سماع النداء من الإجابة والمجيء وغير ذلك لا تثبت لهذا الأذان المسجل، ولا يدخل فيما ندب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إذا سمِعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» أخرجه البخاري (611) ومسلم (383) عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه؛ إذ الإجابة مشروعة في الأذان المشروع، ولكن لو أجابه لأُجِر على ما فيه من ذكر الله تعالى دون ثواب الإجابة.

     وأما استعمال أصوات المؤذنين المُسجَّلة للتنبيه، دون الاكتفاء بها عن الأذان المشروع، كالتسجيل في بعض المؤسسات والدوائر، فلا حرج فيه؛ لأنه مجرد تنبيه، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    27 /4/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    2957
نكاح
  • حكم تزويج البنت الصغرى قبل الكبرى
  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    فضيلة الشيخ خالد عبدالله المصلح - حفظه الله - السلام عليكم ورحمة الله.

    أما بعد:

    تقدم لابنتي الصغرى رجل خاطب لها، ولها أخت أكبر منها، فهل يحق لي أن أرفض الخاطب بحجة أن لها أختًا أكبر منها، ولا أريد تزويج الصغرى قبلها مراعاة لها؟

    أريد حكم الشرع في ذلك، علمًا أن الخاطب عيَّن الصغرى بالاسم، وما يجب علينا جميعًا في هذه الحال، حفظكم الله.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإن مقصود ولاية النكاح إعانة المرأة من بنت أو أخت أو غيرهما في اختيار الكفء الذي يُرضَى في دينه وخلقه وأمانته. فمتى تقدم للمرأة من توافرت فيه هذه الصفات فإن الواجب على الولي ألا يعضلها ولا يمنعها منه، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فيما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» "سنن الترمذي"(1084)، وأخرجه الحاكم (2/179)، ح(2695)، وقال : "صحيح الإسناد"، وتعقبه الذهبي بأن فيه عبد الحميد بن سليمان أخا فليح، قال أبو داود: كان غير ثقة، ووثيمة لا يُعرَف.  ومثله ما جاء عن أبي حاتم المزني أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَة فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ» أخرجه الترمذي (1085) وقال: "حسن غريب"، وأخرجه الطبراني (22/299 ) ح(762)، وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" (2/330)، والبيهقي (7/82 ) ح( 13259) .

    ومن هذا كله يتبين أن رد خاطب البنت الصغرى وعدم تزويجها إذا تقدم لها كفءٌ لكون البنت الكبرى لم تتزوج مخالف لما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من الظلم والخيانة للأمانة، وخروج عن مقتضى النصيحة التي هي مقصود الولاية.

    فالواجب على ولي المرأة إذا بلغت مبلغ النكاح وتقدم لها كفءٌ أن يبادر إلى تزويجها، ولا يمنعه من ذلك تأثرُ الأخت الكبرى؛ لأنه لا حق لها في هذا التأثر وعدم الرضا. وينبغي له أن يذكرها بأن تقدّم أختها في النكاح لن يمنعها ما قسم الله لها من رزق، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا، ولعل الله أخرها لخير، فلتَطب نفسًا بقضاء الله وقدره، ولتسأل الله من فضله. ويذكِّرها أيضًا بأن التقدم أو التأخر في الزواج ليس معيارًا لكمال صفات المرأة من عدمها، فكم من عالية الصفات تأخر نكاحها، والله الموفق.                                                           

    عضو الإفتاء بالقصيم

    أ.د. خالد بن عبدالله المصلح

    3 / 3 / 1436 هـ

    التفاصيل
    0
    8403
  • ضابط ما يُسأل عنه من حال الخاطب
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يجوز للمرأة أن تسأل من يتقدم لخطبتها الاطلاع على ما في هاتفه الجوال؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالأصل أنه يجوز للرجل والمرأة أن يسأل كل واحد منهما عن حال الآخر؛ للتثبت من سلامة خلقه ودينه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» أخرجه الترمذي (1084)، والرضا بالدين والخلق والأمانة لا يكون إلا بعد العلم بالحال، فكل وسيلة يحصل بها العلم بالحال دون تعدٍّ فإنها تجوز، لكن لا يجوز أن يُهتَك بذلك ستر، كأن يسأل أحدهما الآخر: هل وقعت في ذنب كذا وكذا؟ فإن هذا لا يجوز السؤال عنه، ولا يجب على المسئول الإخبار به، حتى لو كان قد وقع منه، وكذلك لا يجوز السؤال عمّا يحصل به هتك الحرمات، كالصورة المسئول عنها، فليس لأحد الزوجين أن يطالب الآخر بمطالعة ما هو من خصوصيات الطرف الآخر أمام الناس، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د/ خالد المصلح

    14 / 10 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    3596
  • استغلال الزوج لمال زوجته ثم تطليقه لها
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا تزوجت من أربعة شهور، وتبين أنه متزوج، وقبل أن يتزوجني حلف على القرآن أنه لا يطلقني إذا طلبت منه زوجته الأولى ذلك، وقد ساعدتُه بمبالغ كبيرة، والآن تفاجأت بأنه طلقني غيابيًّا، فما حكم ذلك؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فالحقيقة أن المشكلة ليست في اليمين، ولكن المشكلة في تسلط بعض الرجال على النساء وأكلهم أموالهن بغير حق، هذه المشكلة يجب أن يقف عندها طلبة العلم وأهل الدعوة وأهل الفضل، بل أنا أدعو المجتمع كافة إلى أن يُنصف المرأة من الظلم الواقع عليها من بعض الرجال في مسألة أكل الأموال، سواء كان ذلك ميراثًا، أم كان ذلك مرتبًا، أو غير ذلك. ونحن نسمع من القصص ما تتقرح له الأكباد في مسألة تسلط بعض الرجال على أموال النساء.

    أنا أذكّر الرجال بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» متفق عليه، وبقوله: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رواه أحمد والدارقطني والبيهقي وحسنه، فكيف بالذي يأخذ الأموال الطائلة من النساء، ثم يجحدهن؟! بل تجده يأخذ منها المال الكثير ثم يتزوج عليها بهذا المال، فهذا في غاية الغبن وغاية الظلم للمرأة.

    أما ما يتعلق باليمين فلا أريد أن أتكلم فيها؛ لأنها شيء يخصه ويتعلق به؛ لكن هل اليمين تمنع من الطلاق؟ الجواب: لا تمنعه من الطلاق، والطلاق واقع.

    وكون الطلاق حصل في غيبتك لا يؤثر، فالطلاق يحصل في الغيبة والحضور، لكني أعزيك فيما نالك من مصاب، وأوجهك إلى الغالب الطالب، الله الذي لا إله إلا هو، فاسأليه أن ينصفك منه.

     

    أخوكم

    أ. د. خالد المصلح

    5 / 3 / 1433هـ

    التفاصيل
    0
    3203
  • الزواج من متحول جنسيًّا
  • بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    وبعد: رجل تحول جنسيًّا الى امرأة، وهو الآن امرأة داخليًّا وخارجيًّا، وأضافوا له رحمًا، وأزالوا أعضاءه الذكرية ووضعوا له أعضاء أنثوية. والسؤال الآن: هل يجوز الزواج منه أو منها بعدما تحول هكذا؟ علمًا أنه طبيًّا يستطيع الإنجاب، ومن يراه لا يمكن أن يعرف أنه كان رجلًا في السابق.

    الحمد لله وحده ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:
    فإن التحول الجنسي من ذكر إلى أنثى والعكس له حالان تختلف فيهما الأحكام:
    الحال الأولى: إذا كان هذا التحول لإظهار حقيقة أصل الجنس، سواء كان أصل الجنس أنثى أو العكس وظهر عليه صفات الذكورة أو الأنوثة، فإن إزالة هذه الصفات الظاهرية لا حرج فيه ويجري عليه أحكام الجنس الأصلي، فمثلاً إذا كان أصل الجنس أنثى وظهر على الشخص صفات الذكورة فيجوز إزالة هذه الصفات بما يسر الله من أسباب طبية، وحينئذ يرجع الشخص إلى أصل جنسه وهو الأنثوية كما في هذا المثال، وتثبت له جميع أحكام الأنثى، ومن ذلك أنه يجوز أن يعقد عليها النكاح رجل.
    والحال الثانية: إذا كان هذا التحول لإخفاء صفات الجنس الأصلي التي خلق الله تعالى الإنسان عليه، وإظهار صفات الجنس الآخر التي جاءت من جراء التحويل، فهذا من عظائم الإثم وكبائر الذنوب، فهو تغيير لخلق الله تعالى موجب للعقوبة.
    وهذا العبث الذي حصل بإظهار صفات الأنوثة وإخفاء صفات الذكورة أو العكس لا يغير حقيقة الشخص، فيبقى له أحكام أصل جنسه من الذكورة أو الأنوثة، فإذا أجرى ذكر عملية تحول إلى أنثى فإنه يبقى له أحكام الذكورة ولا يجوز لرجل أن يعقد عليه النكاح.

    والله الهادي إلى سواء السبيل.
    أخوكم
    أ.د خالد المصلح.
    5 / 11 / 1434هـ

    التفاصيل
    0
    20212
  • حكم قراءة مواضيع جنسية
  • هل يجوز لي أن أقرأ أو أشاهد الصور الجنسية قبل المعاشرة الزوجية؛ طلبًا للإثارة، حيث إنني لا أجد متعتي في المعاشرة إلا بذلك؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    لا يجوز مشاهدة هذه القاذورات الجنسية بحجة التهييج والاستثارة من أجل الجماع؛ لما في ذلك من شهادة الوزر، ولما فيه من الاطلاع على العورات، والنظر للزنا الذي يُبغِضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمشاهدة هذه المقاطع لا يجوز بحال.

    وأما قراءة القصص الجنسية فإنها أقل شرًّا، ولكنها من خطوات الشيطان، فهي لا تخلو إما أن تحكي قصصًا عن الزواني والزناة، وهذه محرمة، وإما أن تحكي قصصًا عن أزواج وزوجات معينين أخبروا بها، فهي داخلة في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رواه مسلم (1437) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).

    كما أن في جميع هذه الوسائل ما يخدش بالحياء، ويُغرِي بالسوء، ويؤثر سلبًا، فتأتي النتيجة على عكس ما قُصد بها، وتزهد المرأة في زوجها، والزوج في امرأته.

    التفاصيل
    0
    11088
  • حكم تحديد النسل
  • ما حكم تحديد النسل؟ وذلك بأن يتفق الزوجان على إنجاب خمسة أطفال فقط، أو التوقف عن الإنجاب إذا بلغت المرأة سن الثمانية والثلاثين مثلًا؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    تكثير النسل من أعظم مقاصد النكاح، وهو مما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ففي أبي داود (2050) والنسائي (3227) من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبتُ امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لَا». ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ». وفي التحديد المسئول عنه مخالفة لهذا المقصود.

    ثم إن كان التحديد يتضمن استعمال وسائل تؤدي إلى منع الحمل بالكلية فإن ذلك محرم عند أهل العلم؛ لما فيه من الجناية على النفس، وتعطيل هذه المنفعة. وأما إذا كانت الوسائل المستعمَلة في ذلك لا تؤدي للمنع الكلي فالذي يظهر أنه يجوز، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم؛ لأن غايته أن يكون كالعزل، فقد جاء في البخاري (7409) ومسلم (1438) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَفْعَلُوا؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وفي رواية للبخاري (2229): «فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ».

    وفي البخاري (5209) ومسلم (1440) من حديث عطاء أنه سمع جابرًا رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» وفي لفظ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ».

    إلا أن ذلك مكروه؛ لما روى مسلم (1442) عن جُدامَة بنت وهب أخت عُكَّاشة رضي الله عنها قالت: إن ناسًا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ».

    فإذا ضُم هذا الحديث لما قبله من الأحاديث الدالة على الجواز، دل ذلك على كراهية العزل؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم سماه وأدًا.

    التفاصيل
    0
    5042
طهارة
  • صلاة العيد في ساحة الفندق
  • هل يجوز أن تصلي النساء صلاة العيد في ساحة فندق مع العلم أنهن في الطريق إلى الساحة يمررن على أناس يقترفون المنكرات وهذا بدولة أجنبية المسلمون فيها أقلية؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة على سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    الذي يظهر لي أنه لا بأس بالصلاة في هذه الصالة إذا لم تجدوا مكاناً أفضل منها، فإنه ليس من شرط صحة الصلاة في مكان ألا يُعصى الله فيه فقد ذهب جماعة من الصحابة إلى جواز الصلاة في الكنائس مع ما فيها من الكفر بالله العظيم. كما أن الأصل جواز الصلاة في كل موضع ما لم يقم دليل على تحريم الصلاة فيه؛ يدل لذلك ما رواه البخاري (335) ومسلم (513) من حديث جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم في بيان ما أعطيه: «وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ» وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: «فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان». والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    564
  • هل ينتقض وضوء مَن به سلس بخروج الوقت؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لو توضأ مَن به سلس لاستباحة طواف هل يضره خروج الوقت الذي هو فيه؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فعلى القول بوجوب الوضوء لكل صلاة في حق من حدثه دائم -كما هو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة- فإنه بخروج الوقت أو بدخول وقت الصلاة الثانية ينتقض الوضوء، فلا يصح الطواف على القول باشتراط الطهارة للطواف أو بوجوبها.

    والذي يظهر لي أنه لا ينتقض الوضوء في حق من كان حدثه دائمًا إلا بناقض معتاد غير ما بُلِي به، وعليه فإنه يطوف ولو خرج الوقت، أو دخل وقت الصلاة التالية. على أن الراجح صحة الطواف وجوازه من غير وضوء. والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    16/ 12/ 1424هـ

    التفاصيل
    0
    2643
  • هل ينتقض الوضوء بخلع الشراب بعد المسح عليه؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا توضأت ومسحت على الشراب ثم خلعته، هل ينتقض الوضوء؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فلأهل العلم في هذه المسألة أقوال، أصوبها أنه لا ينتقض الوضوء في طهارة المسح بخلع الخف، بل الطهارة باقية يصلي بها ما لم يُحدِث، كما لو لم يخلع؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، ولا دليل على انتقاضها، ولو كانت الطهارة تنتقض بخلع الخف لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج إلى طهارة جديدة، ولا إلى إعادة غسل القدمين. وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، منهم الحسن البصري وقتادة، واختاره ابن المنذر، وهو اختيار شيخنا محمد العثيمين رحمه الله، والله أعلم.

     

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    21 /9 / 1424هـ

    التفاصيل
    0
    4722
  • مدة المسح على الخفين
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل المسح على الخفين والجوربين محدَّد بمدة معينة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالخفان والجوربان إذا لبسهما الإنسان على طهارة جاز أن يمسح عليهما يومًا وليلةً للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي رضي الله عنهما قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليَهن للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم». رواه مسلم.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    29 /1 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    1849
  • ما يمسح من الخف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بالنسبة للمسح على الخفين أو الجوربين، هل يمسح أعلى الخف وأسفله، أو أعلاه فقط؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالسنة في مسح الخف مسح أعلاه دون أسفله على الصحيح من قولي أهل العلم، ويشهد له ما رواه أبو داود (162) وغيره من حديث علي رضي الله عنه قال: «لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه» أي: أعلاهما.

    وقال جماعة من أهل العلم بأن السنة مسح أعلى الخف وأسفله، واستدلوا بما رواه أبو داود (165) وغيره من حديث المغيرة بن شُعبة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله. ولكنه حديث معلول كما قال الترمذي، وقد ضعفه الإمامانِ البخاري وأبو زُرْعة وغيرهما، والله أعلم.

     أخوكم

    أ.دخالد المصلح

    17 /2/ 1426هـ 

    التفاصيل
    0
    2062
  • شعر الميتة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما الدليل على طهارة شعر الميتة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالأصل في الأعيان الطهارة، ولا دليل على نجاستها، وأما قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:  3] فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (1/266): "لا يدخل فيها الشعور وما أشبه ذلك؛ لأن الميت ضد الحي، والحياة نوعان: حياة الحيوان، وحياة النبات" اهـ، وذكر أن حياة الشعر كحياة النبات، ينمو ويتغذى وليس فيه حس، ولا يتحرك بإرادة، ولا تحله الحياة الحيوانية حتى يموت بمفارقتها، ولا وجه لتنجيسه. والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    28 /3 /1425هـ

    التفاصيل
    0
    1996
عقيدة
  • هل يُتْرَك المصحف في يد الكافر؟
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في بعض الأحيان ندخل على مرضى مسيحيين في المستشفى من جنسيات عربية، ونراهم يحملون القرآن ويقرؤون فيه، فهل علينا شيء تجاه هؤلاء الناس؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فالواجب صيانة المصحف عن أيدي الكفار إلا لمصلحة ظاهرة، فإن صار المصحف في يد مَن لا يحل أن يكون في يده دون فِعْل من المسلم؛ كأن يشتريه الكافر، أو يتناوله ممن يبذله له فلا إثم على غير المتسبب.

    ثم نُنَبِّه إلى أن التعبير الشرعي أن يقال: نصارى، كما سَمَّاهم الله في القرآن.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    9 /11/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    2877
  • السياحة في بلاد الكفر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد:

    فإذا لم تكن ضرورة فلا تذهب إلى بلاد الكفر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ». رواه أبو داود (2645)، والترمذي (1604)، من طريق إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبدالله، وهو مرسَل على الصحيح، ويشهد له ما رواه أبو داود (2787) من طريق سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ».

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    22 /5 / 1427هـ

    التفاصيل
    0
    2961
  • حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصفات والحظوظ
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم الاعتماد على الأبراج في معرفة الصِّفات والحظوظ؟

    الحمد لله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد:

    فالأبراج جمع بُرْج، والمقصود بها هنا منازل الشمس والقمر، فالشمس تنزلها في اثني عشر شهرًا، وأما القمر فينزلها في الشهر، وقد وصف الله بها السماء التي أقسم بها في سورة البروج فقال: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج: 1]، وهي اثنا عشر برجًا اصطلح عليها الناس في الشرق والغرب منذ قديم الزمان، وهي مجموعة في قول الناظم:

    حَمَلَ الثَّوْرُ جَوْزَةَ السَّرَطَانِ      وَرَعَى اللَّيْثُ سُنْبُلَ الْمِيزَانِ

    وَرَمَى عَقْرَبٌ بِقَوْسٍ لِجَدْيٍ     وَمَلَأَ الدَّلْوُ بِرْكَةَ الْحِيتَانِ

    والنظر في الأبراج للتعرف على صفات الناس وحظوظهم لا خلاف بين أهل العلم في أنه محرَّم لا يجوز؛ لما رواه أحمد وأصحاب السُّنن من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» رواه أحمد (2841)، وأبو داود في الطب/ باب في النجوم (3905)، وابن ماجه في الأدب/ باب تعلم النجوم (3726)، وصحَّحَه الألباني في الصحيحة (793).، وهذا يشمل كلَّ ما يؤخَذ من سَيْر النجوم ومنازلها، وهي البروج، من المعارف والعلوم التي تتعلق بالحوادث الأرضية أو صفات الناس.

    ويدل على عدم جواز ذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ بطلان اعتقاد أن لهذه الأفلاك تأثيرًا في حوادث الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم لما صلى بأصحابه في الحديبية على إثر سماء -أي: مطر-: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا» أي: بتأثير النَّوْء، سواء كان التأثير هنا على وجه التسبُّب، أو على وجه الإيجاد، «فَذَاكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» رواه البخاري في الاستسقاء/ باب قول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] (1038)، ومسلم في الإيمان/ باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء(71) عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.

    ومما يندرج في ذلك اعتقاد أن للأبراج تأثيرًا في صفات مَن يولد في برج معين، ويدل لذلك أيضًا أن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ سورة النمل، الآية: 65.، وكما قال جل في علاه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ سورة الجن، الآيات: 26، 27، 28. فمن ادَّعى أنه يعلم غيبًا مستقبليًّا ولو بعد لحظة فهو كاذب مكذِّب لما أخبر الله تعالى به في كتابه.

    وممَّا يدل على بطلان الاستناد إلى الأبراج في معرفة صفات الناس: أنه ليس هناك ما يُثْبِتُ صحة دعوى أنَّ للأبراج أثرًا في صفات الناس؛ بأنَّ مَن كان مولودًا في بُرج الحَمَل فصفاته كذا وكذا، ومن كان من برج الأسد فصفاته كذا وكذا، فهي دعوى ليس عليها بينة ولا برهان.

    لذلك يجب على المؤمن أن يُعرِض عن هذا، ولا يلتفت إليه وليحذره، فالقضية ليست قضية عبث أو لَهْو أو تسلية تُوقِعُه في مكروه! بل تُوقِعُه في خَلَلٍ إيماني، فالقضية خطيرة، وهي فاصل بين إيمان وكفر قد يكون كفرًا أكبر إذا اعتقد أن هذه البروج هي التي توجِد تلك الصفات؛ لأنه جعل غير الله فاعلًا في الكون فِعْلاً مستقلاًّ عن إرادة الله عز وجل، وهذا شرك أكبر في الربوبية.

    وقد  يكون كفرًا أصغر، وذلك إذا اعتقد أنها سبب لتلك الصفات فلا يخرج عن الملة، لكنه أعظم من الزِّنا، وأعظم من الرِّبا، وأعظم من عقوق الوالدين؛ لأنه مما يتعلق بحق الله تعالى، وهو عتبة وخطوة في طريق الشرك الأكبر.

    ومما يدلُّ على كذب الاعتماد على هذه الأبراج في التعرف على صفات الأشخاص أنه يولَد في البرج الواحد الخلقُ الكثير من الناس، على اختلاف صفاتهم الخَلقية والخُلقية والنفسية، ففي الحمل مثلًا يولد الكريم والبخيل، والصعب والسهل، والغَضوب والحليم، فالاعتماد عليها ضرب من الكِهانة والعِرافة، وهي كذب ودَجَل، فلا يجوز مطالعة جداول الأبراج؛ لمعرفة صفات الناس، فإنه داخل فيما جاء فيه الوعيد فيما رواه مسلم من حديث عبيد الله بن نافع عن صفية عن زوج من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رواه مسلم في السلام/ باب تحرم الكهانة وإتيان الكهان (2230).

    هذه عقوبة من يسأل فقط، أما من يصدِّق فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد بإسناد جيد: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» رواه أحمد (9532) عن أبي هريرة رضي الله عنه. .

    وجدير بالتنبيه أنَّ الإتيان يشمل كل صور الإقبال على هؤلاء الدجَّالين بكل وسائل الاتصال القديمة والحديثة، فليس الوعيد مقصورًا على حضور البدن، بل هذا صورة من صور الإتيان، ويدخل في ذلك قراءة الأبراج في الصحف والمجلات، ومواقع الإنترنت، والمراسلة عبر البريد الإلكتروني، والذين يتَّصلون على برامج الدجَّالين المنجِّمين هم في الحقيقة قد أتوا الكاهن، ولذلك فإنَّ الأمر خطير.

    ولذلك فأنا أحذِّر إخواني من النظر في هذه الأبراج، فهي كذب وتزوير، وليس لها مستند علمي ولا واقعي، إنما هي ضرب من التخمين والكذب والتدجيل، والله أعلم.

    أخوكم

    أ.د خالد المصلح

    10 / 3 / 1435هـ

    التفاصيل
    0
    6
  • الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله جلَّ وعلا كتب أرزاق الخلق قبل خلقهم بخمسين ألف سنة، وعندما تحمل المرأة جنينًا يكون قد كتب على هذا الجنين رزقه أجله وعمله وهل هو شقي أم سعيد، فهل معنى هذا ـ والعياذ بالله ـ لو ذهبت لأشرب الخمر، هل هذا قد يكون قد كتبه الله عليّ، ويكون هذا هو قدر الله عليّ؟


    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فهذه مسألة مهمة، وموضوع القدر حقيقة موضوع كبير لا يمكن أن نُجْمِلَه في جواب عابر، ولكن أولًا أوصي أخي بأن لا يكلِّف ذهنه كثيرًا في مسألة القدر؛ لأن القدر سِرّ الله في خلقه، لم يُظْهِرْه لملَك مُقَرَّب، ولا لنبي مُرْسَل، وهو من الشؤون التي يعجز العقل عن إدراك كيفيتها، كسائر ما أخبر الله تعالى عن صفاته؛ ولكننا نوقِن أنّ قدر الله تعالى مندرج في قول الله تعالى: ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾  الشورى: 11 ، ونؤمن إيمانًا جازمًا يقينًا أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فصلت: 46 ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»، فينبغي للمؤمن أن يمتلئ قلبه بأن ربه حَكَمٌ عدْل، لا ظُلْمَ في شيء من أقداره، ولا ظلم في شيء من أحكامه الشرعية.

    ثم بعد ذلك إذا وقع في نفسه شيء من الضيق أو الإشكال في القدر فليسأل، فعن عبد الله بن فيروز الديلمي قال: لقيت أُبَيَّ بن كعب فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر، فحَدِّثْنِي بشيء لعله يذهب من قلبي، قال: ((لو أن الله عَذَّبَ أهل سماواته وأهل أرضه لعذَّبَهُم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم، ولو أنفقت جبل أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله عز وجل ما قَبِلَهُ الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لدخلت النار))، فأتيت حذيفة فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابن مسعود فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت فحدَّثَنِي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصحَّحَهُ ابن حبان.

    والقدر يتضمن الإيمان بأن الله عَلِمَ كل شيء قبل وجوده، وكتب ذلك قبل خلقه، ثم إنه شاء وخلق، هذه المراتب الأربعة لا بُدَّ من الإيمان بها حتى يحقق المسلم الإيمان بالقدر.

    بعد هذا نرجع إلى السؤال، وهو هل يسوغ الاحتجاج بالقدر على المعاصي؟

     هذا لا شك أنه لا يُقْبَل لا شرعًا ولا عقلًا، ودليل هذا أنه لو أنَّ أحدًا من الناس أتى إليك وأخذ شيئًا من مالك، أو اعتدى على بدنك بضرب، ثم لما فرغ قال: اسمح لي أنا كتب الله عليّ ذلك، هل تقبل منه هذه الحجة، أم ترى أن هذه الحجة مسوغة لمضاعفة العقوبة عليه؛ لأنه احتج بما لا حجة فيه؟!

    وكذلك فيما يتعلق بحق الله تعالى، فإن حق الله تعالى يجب أن يُحْفَظ، ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب والسيئات، وهذا أمر مُجْمَع عليه، مُتَّفَق عليه بين علماء الإسلام.

    وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر في المصائب، إذا حصلت مصيبة عندها قل: قَدَّرَ الله وما شاء فعل.

    وأوصي أخي وأحذِّره من الخوض في هذا الموضوع، فإنه لن يقف على حد ينتهي، ويجب اعتقاد أن ما نشاؤه لا يخرج عن مشيئة الله تعالى، فمشيئة الله عالية غالبة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ الإنسان: 30، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم سلامة الاعتقاد والعمل.

     

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    5 / 3 / 1430هـ

    التفاصيل
    0
    2497
  • رأي أ.د خالد المصلح في التصوف
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما رأيك في التصوف؟

    الحمد لله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    التصوف درجات وطرق؛ منها ما يتعلق بالعناية بالسلوك والأخلاق والاجتهاد في العبادة من غير خروج عن الهدي النبوي، فهذا ليس خارجًا عن السُّنَّة، وهو ما كان عليه المتقدمون من العباد، كالجنيد والفضيل بن عياض ونحوهم من أهل العلم، الذين عُرِفُوا بالعبادة، وما عدا هذا الطريق من مسالك التصوف فهو لا يخلو من مُحْدَثَات وبِدَع، تتفاوت درجتها بُعْدًا وقُرْبًا عن الكتاب والسُّنَّة، والذي أنصح به إخواني المسلمين أن يحرصوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم،كما كان يُرَدِّد ذلك في خطبه صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (867) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يقول: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ».

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    20 /9 /1427هـ

    التفاصيل
    0
    2800
  • اسم الله الصمد لم يذكر في القرآن إلا مرة واحدة
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لماذا ورد اسم الله "الصمد" مرة واحدة في القرآن؟ وكيف للمسلم أن يتحلى بمثل هذه الصفة؟

    الحمد لله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد..

    فإجابة عن سؤالك نقول:

    ج1/ ليس هناك حكمة ظاهرة، ولكن هناك من أسماء الله تعالى ما لم يُذْكَر إلا مرة واحدة كالصمد والأحد. 

    ج2/ الواجب في أسماء الله تعالى إثباتها، والإقرار بما تضمنته من المعاني، والتعبد لله تعالى بها، وذلك بدعائه وذِكْرِه بها، كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].

    وأما اتصاف المخلوق بها فليس صالِحًا في جميع الأسماء؛ فإن من الأسماء ما لا يجوز أن يتشبه به الإنسان، كالمتكبِّر والإله ونحو ذلك، ففي صحيح مسلم (2620)، وسنن أبي داود (4090) ـ واللفظ لأبي داود ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ».

    وما جاء في بعض الآثار من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ» فلا يصح ولا يثبت عنه صلى الله عليه وسلم.

    وأسماء الله تعالى وصفاته منها ما يُحْمَد العبد على الاتصاف بها؛ كالعلم والرحمة والحكمة، ومنها ما يُذَمُّ عليه؛ كالإلهية ونحوها، كما أن العبد يكمل بصفات يُنَزَّهُ الله عنها، فكمال العبد المخلوق في العبودية والافتقار، والحاجة والذل لله رب العالمين، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن هذا كله، فهو الحميد الكبير المتعالِ، ولذلك يجب الحذر من بعض الإطلاقات التي توقِع الإنسان في ضلال اعتقادي أو عملي.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

    6/ 1/ 1428هـ

    التفاصيل
    0
    3300
حديث
  • حديث «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ».
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل يمكننا أن نقول: إن الله جل وعلا يستطيع أن يتشكل في أيِّ صورة شاء؟ هذه الكلمة صدرت من إمامٍ محاضِر ببلدنا على إثر سؤال وُجِّهَ إليه عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى أَحْسَنِ صُورَةٍ».

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فهذا الكلام ناشئ عن جهل بالله تعالى وما له من الكمالات، قال الله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:74] ، فالله تعالى له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] ، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: من الآية: 60] ، أي: الوصف الأعلى، فيجب اعتقاد ذلك، وكل ما يوهم نقصًا في صفات الله تعالى يجب تنزيهه عنه، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: من الآية: 100] .

    وما سألت عنه من أن الله تعالى يتشكل لم يأتِ به نص، فلا يجوز نسبته لله تعالى، وأما الحديث الذي ذكرت فقد رواه الترمذي (3233) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»، قال: أحسبه قال: «فِي الْمَنَامِ».

    وليس في هذا الحديث دليل على ما ذكر هذا المحاضِر من تشكُّل الله تعالى كما زعم؛ إذ الحديث يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه في المنام بأحسن صورة، ومعلوم أن حسن الصورة ليس المؤثِّر فيه المرئي المنظور فقط، فقد يكون المنظور كامل الحسن والبهاء، ولا يُرى حسنه وبهاؤه، إما لضعف في حال الرائي، أو لوجود مانع من صفاء الرؤية.

    وقد ذكر بعض الشراح أن قوله في الحديث: «فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» يحتمل أن يكون وصفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس وصفًا لله تعالى، وبهذا يتبين أن ما ذكره هذا المتكلم ليس بصواب، والله تعالى أعلم.

    أخوكم

    أ. د.خالد المصلح

    9 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    4406
  • الكِبْر على المتكبِّر
  • فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما صحة هذا القول: (الكِبْر على أهل الكِبْر عبادة)؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد:

    فهذا القول لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس له أصل في السُّنَّة، وأما من حيث معناه فقد ذكر جماعة من أهل العلم أن التكبُّر على المتكبِّر من الصور الْمُسْتَثْنَاة من الكِبْر الذي جاءت النصوص بتحريمه، فقد نُقِلَ عن الشافعي قوله: تكبَّرْ على المتكبِّر مرَّتين. ونُقِلَ عن الزهري أنه قال: التجبُّر على أبناء الدنيا أوثق عُرَى الإسلام.

    والذي يظهر أن هذا من قَبِيل الاجتهاد في معالجة كِبْر المتكبِّر؛ لئلَّا يتمادى في كِبْره وغَيِّهِ، فإنه إذا رأى تواضع المتواضعين غرَّه ذلك وأَغْرَاه، وليس مقصودهم الكبر الذي هو بطر الحق، (أي: رد الحق)، وغَمْط الناس (أي: احتقارهم)، وعلى كل حال فإن أولى ما يعالَج به الكِبْر النصيحة والتذكير بالله تعالى.

    أخوكم

    أ.د.خالد المصلح

      15 /11 /1428هـ

    التفاصيل
    0
    6725
  • حديث: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ».
  • منذ أن قرأت الحديث النبوي الواضح الدلالة والمقصود والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، وأنا أعيش في حيرة شديدة؛ لأنَّ «بريءٌ» على حسب معرفتي المتواضعة هي من "بَرَاءَة"، تقُول: بَرِئْت مِنْ الشَّيْء أَبْرَأ بَرَاءَة فَأَنَا مِنْهُ بَرِيء، إِذَا أَزَلْته عَنْ نَفْسك وَقَطَعْت سَبَب مَا بَيْنك وَبَيْنه.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:
    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    الحديث الذي ذكرت رواه الترمذي (1604) وأبو داود (2645) من طريق قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبدالله البَجَلِيّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»، وقد صحَّح البخاري أنه حديث مُرْسَل من حديث قيس بن أبي حازم، والحديث حمله أهل العلم على الإقامة في البلاد المحارِبة لأهل الإسلام، وقد روى البيهقي من طريق الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَلَيْسَ مِنَّا»، والْحَسَن لم يسمع من سمرة، والذي أوصيك به الرجوع إلى بلادك خشية الفتنة.

    التفاصيل
    0
    5161
  • حديث: لا يقبل صلاة رجل مسبل
  • ورد في أَثَر لا أعرف صحته: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ»، فما صحة ذلك؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:

    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث رواه أبو داود (638) وغيره من طريق أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، وقال عنه النووي: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأَعَلَّهُ المنذري، وقال: فيه أبو جعفر رجل من أهل المدينة لا يُعْرَف.

    التفاصيل
    0
    2436
  • حديث النهي أن ينتعل الرجل قائمًا
  • ما معنى هذا الحديث: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائمًا؟ رواه أبو داود بإسناد حسن.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:

    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    هذا الحديث يفيد كراهة لبس النعال قائمًا، وبهذا قال جماعة من أهل العلم من الشافعية والحنابلة.

    وقد حمل بعض أهل العلم النهي على ما إذا كان اللبس قائمًا يترتب عليه ضرر للابس، قال الخطابي: سبب النهي خوف انقلابه إذا انتعل قائمًا فأمر بالقعود؛ لأنه أسهل وأَعْوَن وأَسْلَم من المفسدة.

    وذهب جماعة من أهل العلم -كفقهاء المالكية- إلى جواز لُبس النعال قائمًا، وأنه لا كراهة في ذلك؛ لضعف الحديث.

    والحديث رواه ابن عمر وأبو هريرة وجابر وأنس، وقد ضعَّف البخاري حديثَيْ أبي هريرة وأنس.

    التفاصيل
    0
    2671
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد فيها غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حِلْمه؟
  • كيف نجمع بين الأحاديث التي ورد فيها غضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين حِلْمِه؟

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
    أما بعد:

    فإجابة عن سؤالك نقول وبالله تعالى التوفيق:
    اتِّصاف المرء بالحِلْم لا يعني ألَّا يغضب بالكلية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم من أَكْمَل الناس خُلُقًا، وقد شهد الله له بذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، ومن خُلُقِه أنه كان لا يغضب لنفسه، ففي البخاري (6786) ومسلم (2328) : «مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ»، وفي رواية مسلم قالت: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

    فيُحْمَل ما جاء من غضبه على أنه كان من الغضب الممدوح الذي هو لله تعالى الدالّ على تعظيم الله سبحانه، ولم يكن غضبه صلى الله عليه وسلم يُخْرِجُه عن شرع الله تعالى، بل كان صلى الله عليه وسلم في غضبه ورضاه ما يقول إلا حقًّا، يدل لذلك ما في الترمذي (1990) عن أبي هريرة قال: قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا».

    التفاصيل
    0
    1894
مناسك
  • أيهما أفضل: العمرة في رمضان أم في ذي القعدة؟
  • أيهما أفضل: العمرة في رمضان أم في ذي القعدة؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فالعمرة في رمضان ورد فيها الحديث الذي في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه؛ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لامرأة: «عُمْرَةٌ فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً»،  وفي روايةٍ لهما: «حَجَّةٌ مَعِي» البخاري (1782)، ومسلم (221).  ففضيلة عمرة رمضان بيِّنة الأجر والثواب، وجمهور العلماء على أن هذا الفضل عام لكل مَنِ اعتمر في رمضان. وذهب بعضهم إلى أنه خاص بأم سنان صاحبة القصة رضي الله عنها، حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟»، قالت: أبو فلان - تعني زوجها - كان له ناضحان حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا، فقال لها صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي؛ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» البخاري (1863)، ومسلم (222).، وفي بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما قد يُفهَم منه هذا، لكن الذي عليه عامة العلماء وكثير من أهل الحديث، أن الفضل ليس خاصًّا بالمرأة، بل هو عام لكل مَن اعتمر في رمضان، ولذلك بوَّب البخاري على هذا الحديث بقوله: باب عمرة في رمضان.

    فإن قيل: كيف تعدل العمرة في رمضان حجة، والعمل في الحج أكثر؟!

    قيل: إن هذا نظير قول النبي صلي الله عليه وسلم في سورة الإخلاص: «إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثُ الُقْرَآنِ» البخاري (6643). ، مع أنها أربع آيات، فكذلك العمرة في رمضان تعدِل أجر الحج، وإن كانت أقل منه أعمالًا وكلفةً وعناءً ومشقةً. وأما ما يتعلق بالمفاضلة بين عمرة رمضان وعمرة ذي القعدة، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فضيلة خاصة للعمرة في ذي القعدة، إنما الذي ورد أن عُمَرَهُ - صلى الله عليه وسلم - كلها كانت في ذي القعدة البخاري (1778)، ومسلم (217). ، فلما اختار الله هذا الوقت للنبي صلى الله عليه وسلم في العمرة اختلف العلماء في المفاضلة بين عمرة في رمضان أو عمرة في ذي القعدة؛ فذهب جمهور العلماء إلى أن عمرة رمضان أفضل البحر الرائق 3/63، القوانين الفقهية 1/95، المجموع شرح المهذب 7/148، المبدع لابن مفلح 3/107.؛  لثبوت فضليتها بقول النبي صلى الله عليه وسلم، وعمرة النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة لم يثبت لها فضلية خاصة، إلا فضل موافقة فعله صلى الله عليه وسلم. وأما قول من يقول في الاعتراض على فضيلة عمرة رمضان: إنه لم يُنقل عن الصحابة أنهم كانوا يعتمرون في رمضان، فالجواب أنه لا يلزم لثبوت فضيلة عمل أن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن غيره، ففضائل الأعمال تثبت بقوله صلى الله عليه وسلم أو فعله.

    وقد ذكر ابن القيم رحمه الله المفاضلة بين عمرة رمضان وعمرة ذي القعدة، فقال: "وأما المفاضلة بينه وبين الاعتمار في رمضان فموضع نظر؛ فقد صح عنه أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان، وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة. وأيضًا فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان وأفضل البقاع/ ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمره إلا أولى الأوقات وأحقها بها، فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة وجعلها وقتًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج، وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه" زاد المعاد (2/ 90).  .

    التفاصيل
    0
    1557
  • فضيلة عمرة رمضان يوم الجمعة
  • هل العمرة في شهر رمضان يوم الخميس ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، لها فضيلة ومزية، وأجر أكثر من غيرها من الأيام؟

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

    أما بعد:

    فلا أعلم أن للعمرة يوم الجمعة وليلتها مزية خاصة، بل تخصيص الجمعة وليلتها بالعمرة يندرج في معنى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة، حيث قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» صحيح مسلم (148). فيكون هذا التخصيص منهيًّا عنه.

    وينبغي أن يُعلم أن فضيلة عمرة رمضان ثابتة في كل لحظات هذا الشهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً».

    فمن اعتمر في رمضان أدرك الفضيلة، فلا تختص الفضيلة لا بليل ولا بنهار، ولا بأول الشهر ولا بأوسطه ولا بآخره، بل هي في كل لحظاته، ولا تتقصد يومًا بعينه، لكن لو أن إنسانًا ذهب مثلًا يوم الجمعة لأنه يوم فراغه وعطلته، فلا بأس.

    التفاصيل
    0
    913
  • طواف المرأة وهي حائض لا يصح
  • ابنتي اعتمرت وهي حائض؟ فهل طواف المرأة وهي حائض لا يصح؟

    لا يجوز للمرأة أن تطوف وهي حائض، باتفاق العلماء؛ لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها حاضت قبل وصولها إلى مكة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»، ولما أراد المسير بعد طواف الوداع، أُخبر أن صفية رضي الله عنها حائض، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟». فدل على أن الحائض لا تطوف. ولما قيل له: إنها قد طافت يوم النحر طواف الحج، أذِن بالمسير؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض. فإذا طافت وهى حائض، فإن طوافها لا يصح، وعليها أن تعيده، في أصح قولي العلماء، فلا يفيدها تحللها في هذه الحال، بل هي باقية على إحرامها. والواجب عليها أن تتم عمرتها بأن تطوف، وإن أعادت السعي فهو أحوط، وإن احتسبت السعي الأول فلا بأس؛ لأن تقديم السعي على الطواف نسيانًا أو جهلًا لا بأس به في قول أحمد، ومطلقًا فيما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح.

    التفاصيل
    0
    709
  • هل ُيشترط الموالاة بين الطواف والسعي؟
  • هل يُشترط الموالاة بين الطواف والسعي؟

    الموالاة بين الطواف والسعي سُنة في قول جماهير العلماء، فلو طاف ثم أخَّر السعي عن الطواف فلا بأس، وليس لذلك حدٌّ في قول المبيحين، فلو طال الفصل فلا حرج في ذلك، ولو كان أيامًا، لكن إن كان محرمًا فيبقى على إحرامه حتى يفرغ من أعمال نسكه عمرةً أو حجًّا.

    التفاصيل
    0
    699
  • أيهما يقدَّم: الحج أم الزواج؟
  • أيهما يقدَّم: الحج أم الزواج؟

    فرض الله الحج على المستطيع، لا خلاف بين العلماء في ذلك، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا آل عمران / 97 ومن الاستطاعة أن يملك مالًا زائدًا على حوائجه الأصلية. ولما كان الزواج لمن يحتاج إليه وتتوق نفسه إلى النكاح من الحوائج الأصلية؛ فإنه يُقدم الزواج لمن كان محتاجاً إليه؛ لأنه من الحوائج الأصلية الفطرية للإنسان، كالمطعم والمشرب والمسكن. أما إن كانت نفسه لا تتوق إلى النكاح ورغبته فيه معتدلة لا يخشى معها عَنَتًا؛ فيقدم الحج في قول الجمهور حاشية ابن عابدين 2/462، مواهب الجليل 2/503، المهذب 1/362، المغني 3/217..

    التفاصيل
    0
    1269
  • حكم انصراف المضطر من منى قبل يوم الثاني عشر
  • هل يجوز الانصراف من الحجِّ يوم الحادي عشر؛ وذلك نظرًا لاختلاف مواعيد السفر، بسبب اكتمال شهر ذي القعدة، مما يضطرني للانصراف يوم الحادي عشر؟

    الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أمَّا بعد:
    فالواجب على الحاجِّ أن يتَّقيَ الله تعالى في مناسك حجِّه، وأن يُتِمَّها كما أمره الله تعالى في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ سورة البقرة: 196.، فإنَّ من إتمام الحجِّ إتمامَ مناسكه وواجباته وسننه، وقد أمر الله تعالى بذكره في الأيَّام المعدودات، فقال تعالى:﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ سورة البقرة: 203، وهي أيام التشريق في قول جميع المفسرين، كما حكى غيرُ واحد من أهل العلم. ثم أَذِن الله تعالى بعد ذلك في التَّعجُّل في يومين من أيام التشريق، فقال جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ سورة البقرة: 203، وهذا التَّعجُّل يكون بالانصراف يوم الثَّاني عشر من ذي الحجة، باتفاق أهل العلم، فالواجبُ المبيت في منى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر، وكذلك يجب رمي الجمار في هذين اليومين؛ فإنَّ ذلك كله من ذكر الله تعالى المأمور به في الآية.

    فلا يحل للحاج الانصراف من منى والتعجُّل قبل ذلك، هذا هو الأصل الذي دلت عليه الأدلة.
    أما مَن اضطُرَّ إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر، فقد اختلف أهلُ العلم فيما يترتب على انصرافه على قولين في الجملة:
    القول الأول:  أنه يجب على من اضطُرَّ إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر دم؛ إما دم لكلِّ واجب تركه بسبب انصرافه قبل أوانه المأذون فيه، ومستندُ هذا القول ما رواه مالك وغيره عن ابن عباس رضي الله عنها موقوفًا: «مَنْ نَسِيَ مِن نُسُكِهِ شَيئًا أو تَرَكَه؛ فلْيُهْرِقْ دَمًا»"الموطأ" (940)..
    وإما أنه يجب عليه دم إحصار عن جميع ما عجز عنه من الواجبات؛ لأنه في حكم المحصَر، وهذا جارٍ على مذهب الحنابلة فيمن أُحصر عن واجبٍ، حيث قالوا بوجوب الدم عما أحصر عنه من الواجبات. وقد نُقل هذا عن شيخنا ابن باز رحمه الله، وهو ما قد يُفهم من بعض فتاوى شيخنا ابن عثيمين رحمه الله.
    القول الثاني: أنه لا يجب على من اضطُرَّ إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر دم مطلقًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ سورة التغابن: 16.، وفي "الصَّحيحين" من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»"صحيح البخاري"(7288)، ومسلم (1337).، فلا يجب على المضطر إلى الانصراف من منى قبل اليوم الثاني عشر دم لعذره، وهذا جارٍ على  ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية، في أن ترك الواجب لعذر لا يجب به دم، وهذا ما أفتى به شيخنا ابن باز وشيخنا ابن عثيمين رحمهما الله فيمن لم يتمكن من المجيء إلى مزدلفة حتى خرج وقت الوقوف بها، فأسقطا عنه المبيت بمزدلفة للعذر، ولم يوجبا عليه فدية.

    وقد نصَّ ابن نجيم"البحر الرائق " (2/ 376). في مسألة ترك الرمي لعذر، أن المرأة لو تركت الرمي للزحام لا يلزمها شيء؛ جريًا على قول الحنفية، في أن المرأة لو تركت الوقوف بمزدلفة لا يلزمها شيء.

    ويُشكل على هذا القول ما جاء في أثر ابن عباس المتقدم؛ حيث قال فيه: "مَن نسِيَ من نُسُكه شيئًا أو تركه؛ فليُهرق دمًا». فرتب على الترك نسيانًا دمًا، مع كون النسيان عذرًا. ويُجاب عن ذلك بأنَّ أيوب السختياني أحد رواة أثر ابن عباس قال: لا أدري قال: ترك أو نسي"الموطأ" (940).. فأشار مالك بهذا النَّقل عن أيوب أن قوله: " أو " للشك وليست للتقسيم.

    كما أن النسيان في اللغة يطلق على الترك، ومنه قوله الله تعالى :﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الجاثية: 34 ومما يؤيد ذلك أنه قد ثبت في السُّنَّة الرُّخصةُ في ترك الواجب دون إلزام بدم، كما في ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للرُّعاة والسُّقاة في البيتوتة عن منى، ولم يلزمهم بدم كما في الصحيحين في إذن النبي للعباس في البيتوتة عن منى لأجل السقاية، وكذلك ما في "سنن أبي داود" (1975)، والترمذي(955)، والنسائي(3069)، من حديث عاصم بن عدي قال : "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة..."الحديث. وقال الترمذي :"حسن صحيح". يحمل قول ابن عباس على من ترك شيئاً من واجبات الحج من غير عذرٍ.
    وقد يُقال: إنه يجب على من اضطُرَّ إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر التوكيل في رمي اليوم الثاني عشر إن أمكنه ذلك، وإن لم يستطيع التوكيل فيسقط عنه الرمي ولا يجب عليه شيء لعذره.
    ودليل ذلك أن التوكيل في الرمي عن العاجز جاءت به السنة، كما في المسند والسنن من حديث جابر: «حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم»"مسند أحمد" (3/ 314)،والترمذي (927)، وابن ماجه (3038). وقال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد أجمع أهل العلم على أنه المرأة لا يلبي عنها غيرها، بل هي تلبي عن نفسها. ويُكره لها رفع الصوت بالتلبية. . قال ابن عبد البر: "لا يختلفون أنه من لا يستطيع الرمي لعذر؛ رُمي عنه وإن كبر"" الاستذكار " ( 4/ 352).، ومما يؤيد هذا أن الإنابة مشروعة في أصل الحجِّ في حال العجز، فكذا في أجزائه.
    وقد قال بعض أهل العلم بأنه يجب على من اضطر إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر أن يُقدم رمي اليوم الثاني عشر مع رمي يوم اليوم الحادي عشر، وأصل ذلك ما جاء من رخصة النبي صلى الله عليه وسلم في الرعاة في أن يرموا يوم النحر، ثم يرموا من الغد عن يومين، ثم يرموا يوم النفر الآخر. وهذا قول له حظ من النظر، لكن يشكل عليه أن الرخصة في جمع رمي يومين في يوم الحادي عشر إنما هي لمن يرمي يوم الثالث عشر.
    وأقرب  الأقوال  إلى الصواب  أن يقال: إنَّ من اضطُرَّ إلى الانصراف في اليوم الحادي عشر؛ سقط عنه مبيتُ ليلة الثَّاني عشر للعذر، فإن أمكنه التوكيل عن رمي اليوم الثاني عشر لزمه التوكيل وإلا سقط عنه للعذر، ويجب عليه طوافُ الوداع قبل انصرافه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أخرجه مسلم (1327).. فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "أحد" نكرة في سياق النهي، فيشمل كل منصرف من الحرم بعد حجه، وكونه قد بقي عليه ما وكَّل فيه من أعمال الحج التي يعجز عنها فإنه لا يمنعه من طواف الوداع، كما لو وكَّل من يذبح عنه هدي المتعة في اليوم الثالث عشر وانصرف في اليوم الثاني عشر، فإنه يطوف للوداع قبل انصرافه. والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


    كتبه
    أ.د. خالد بن عبد الله المصلح
    عضو الإفتاء بالقصيم
    وأستاذ الفقه بجامعة القصيم
    3 / 12 / 1436هـ

    التفاصيل
    0
    3085
برامج
  • الحلقة (6) إني صائم
  • المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على قائد الغُر المحجَّلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أحييكم مستمعيّ الكرام بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم اليومي الرمضاني «فتواكم» الذي يأتيكم كل يوم من الخامسة حتى السادسة عصرًا. في كل يوم جمعة ضيفي صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح؛ المشرف العام على فرع الإفتاء بمنطقة القصيم.
    أهلًا ومرحبًا بكم صاحب الفضيلة.
    الشيخ: مرحبًا بك، حياك الله وأهلًا وسهلًا.
    المقدم: حياكم الله شيخ خالد، سعيدون بإطلالتك معنا من جديد، وهذا الموعد المعتاد كل يوم جمعة، أقول مختصرًا في عنوان مقدمتنا التي سنتحدث فيها من ست إلى سبع دقائق بإذن الله:
    «إني صائم» ليس المقصود من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وسائر المفطرات الحسية فقط، بل يجب حفظ الصوم، وصونه من كل ما يدنسه، أو يَنقص أجره، فيجب الامتناع عن مفطرات أخرى لا يكمل صيام أحد إلا بالامتناع عنها، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
    شيخي، كيف أكون صادقًا عندما أقول: إني صائم، لكل من اختلفت معه؟
    الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا أخي عبد الرحمن، وحيا الله ومرحبًا بالإخوة والأخوات، نسأل الله أن يبلغنا وإياكم مرضاته، وأن يعيننا وإياكم على ما فيه صلاح ديننا ودنيانا، هذا القول: إني صائم أشار إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بيان أثر الصوم الذي ينبغي أن يتحلى به الصائم.
    فالصائم يمتنع من الأكل والشرب والشهوة رغبةً فيما عند الله عز وجل، بل ورجاءً لإدراك فضله وعطائه جل في علاه، وهذا الامتناع امتناع تعبدي، وليس امتناعًا عاديًّا، ولا لمقصد دنيوي، وإنما هو لله عز وجل، والنفس عندما تمتنع عما تشتهي من المفطرات فهي ترجو عقبى ذلك بأنواع من الأثر القلبي والسلوكي، ولذلك يصوم القلب عما يغضب الله جل وعلا، وتصوم الجوارح كلها عما يغضب الله عز وجل، فيكون الصوم ليس امتناعًا فقط عن أكل وشرب، بل امتناع عن كل ما يكون من سيئ الأخلاق.
    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يومُ صَوْمِ أَحَدِكُم فلا يَصخَبْ وَلا يَجهَلْ» ومعنى هذا أن الصوم له تأثير مباشر في الإنسان في ترك كل ما هو جهل، والجهل هنا هو عدم العلم، أو عدم العمل بالعلم، فالغِيبة جهل، والشتيمة جهل، وسيئ القول جميعه جهل، وكذلك أكل المال الحرام جهل، وسائر المعاصي والسيئات جهل، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17].
    فكل مَن عصى الله فقد وقع في الجهل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال في هذا الحديث: «لا يجهل» ذكر ما يتعلق بالجهل في التعامل مع الناس، وما يمكن أن يكون سببًا للخصام، وسيئ الأقوال في التعامل مع المخالف؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ»، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: «فلَا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَل».
    ثم بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان في حال مقابلته بما يكره من المعاملة: «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»، وبهذا يعلن أنه ممتنع عن مقابلة الإساءة بالسوء؛ ليس عجزًا ولا ضعفًا، وليس قبولًا بالإساءة، إنما لكونه يتعبد الله عز وجل بالصيام الذي يكفه عن مقابلة الإساءة بمثلها، إنما يقابل الإساءة إما بالإحسان ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، وإما بالامتناع في أقل الأحوال عن مجاراة السفهاء في سفههم.
    وهنا يتبين أثر الصوم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الإمام البخاري، وكذلك في أبي داود من حديث أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» يعني من لم يدع القول الباطل، الفاسد، سواء كان كذبًا أو غيبة أو نميمة، أو كائنًا ما كان من الأقوال، «وَالعَمَلَ بِهِ» يعني والتعامل به، سواء كان ذلك بأكل المال الحرام، أو بعقوق الوالدين، أو بعدم أداء الأمانة، أو بغير ذلك من الخصال، فمن لم يدع القول الزور؛ القول المحرم، الباطل، الفاسد، والعمل الباطل الفاسد المحرم، «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، فالمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ» أي: ليس له غرض ولا قصد في هذا الصوم الذي عري وخلا عن أثاره وثماره في القلب والقول والعمل.
    لذلك من المهم لكل مؤمن ومؤمنة أن يفتش عن أثر الصوم في قوله، وفي عمله، وفي معاملته، وفي قلبه، وفي الذكاء والطيب، فإن الصوم يربي الإنسان على الإخلاص، وعلى تمام حسن القصد لله عز وجل، ولذلك يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى ببيان آثار الصيام، وطيب ثماره، مع ما يمكن أن يكون من آثار يكرهها الإنسان من عناء أو تعب، لكنه يدرك الأجر العظيم باحتساب الأجر عند الله.
    ولذلك جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصيامُ جُنَّة» ومعنى أنه جنة أي: وقاية، وهو ليس وقاية فقط من عذاب الله، أسأل الله أن يقيني وإياكم عذابه، كما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، فقوله: «جُنة» يفسره هذا الحديث، أي: وقاية تقيك النار، وتباعد بينك وبينها، كما أنه جنة من كل خلق رديء.
    ولذلك قال: «جُنة، فلا يَرفُث ولا يَجهَل» وفي رواية: «فلا يَرفُثْ ولا يَصْخَبْ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم». ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصائِمِ» يعني ما يلقاه من رائحة قد تكون غير مستحسنة ويكرهها، بسبب خلو جوفِه من الطعام، هذا الذي يدركه من المتاعب هو في الحقيقة أجر وثواب عند الله عز وجل، لذلك يقول: «أطيبُ عندَ اللهِ تعالى من رِيحِ المِسكِ، يَترك طعامَه، وشرابَه، وشهوتَه من أجْلي، الصيام لي، وأنا أَجزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعشْرِ أمثالِها».
    فينبغي أن نستشعر هذه المعانيَ ونحن صائمون، ولنرقب من الله كل خير وفضل في أثناء صيامنا، ولنحتسب الأجر عنده سبحانه وبحمده، ولنبشر فإن الله لا يخلف الميعاد، وهو الذي يعطي على القليل الكثير.
    إذن خلاصة «إني صائم» أي: إني ممتنِع عن كل أثر رديء في المعاملة، قولًا أو عملًا، أو حتى قلبًا، انفعالًا وتأثرًا بالتعبد لله تعالى بالصيام.
    أسأل الله أن يرزقنا وإياكم بالصيام الذي يرضى به عنا، وألا يكون حظنا من الصيام الجوع والعطش، ومن القيام السهر والتعب، وأن يجعل نصيبنا من ذلك عظيم الأجر في الآخرة، وزكي الأخلاق وطيبها في الدنيا.
    المقدم: اللهم آمين، إذن اللهم لا تجعل حظنا من الصيام الجوع والعطش، ولا من قيامنا التعب.
    جزاكم الله خيرًا شيخ خالد على هذه المقدمة الجميلة الصافية الشافية التي اقترنت بالآيات والأحاديث، وشيء من الوعظ والإرشاد، والتفاؤل بما عند الله جل وعلا.

    التفاصيل
    0
    47
  • الحلقة (5) بشائر للصائمين
  • المقدم:بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على قائد الغر المحجلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أحييكم مستمعيّ الكرام في حلقة هذا اليوم من برنامجكم اليومي الرمضاني «فتواكم»، ضيفنا في كل يوم جمعة بمشيئة الله تعالى طوال هذا الشهر المبارك هو صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، المشرف العام على فرع الرئاسة العامة للإفتاء بمنطقة القصيم.

    أهلًا ومرحبًا بكم صاحب الفضيلة.

    الشيخ:أهلًا وسهلًا بك، حياك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي عبد الرحمن، وحيا الله الإخوة والأخوات، ونسأل الله أن يكون لقاء نافعًا مباركًا.

    المقدم:وهو كذلك بإذن الله بإطلالتكم ووجودكم الدائم معنا في هذه المواسم المباركة، وشوق المستمعين الكرام لسماع صوتكم، والاسترشاد بفتاواكم المباركة.

    شيخي، عنونت حلقة اليوم ببشائر للصائمين.

    الشيخ:الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    هذا الموسم المبارك، وهذا الشهر العظيم شهر يَعرف خاصيته وميزته من حيث اصطفاء الله عز وجل له أكثرُ المسلمين، بل يعرفه حتى غير أهل الإسلام؛ لِما يرون من إقبال المسلمين فيه على أنواع من الطاعات والقربات.

    ولذلك نسمع التهنئة بهذا الشهر حتى من الكفار الذين ليسوا من أهل الإسلام للمسلمين في بلوغ هذا الشهر المبارك، فهذا الشهر المبارك العظيم له مزايا إذا أدركها الإنسان وعرفها نشَّط قلبه وبدنه وعمله في الاستزادة فيه من كل خير وصالح.

    الله عز وجل اختص شهر رمضان بخصائص عديدة، أبرز خصائصه القدرية الكونية أن الله جل وعلا جعله محلًّا لإنزال القرآن؛ ذاك أن الله سبحانه وبحمده أنزل القرآن على نبيه الكريم في شهر رمضان؛ كما قال في الذكر الحكيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ البقرة: 185.

    فالله عز وجل خص هذا الشهر بهذه السمة العظيمة؛ أن أنزل فيه هذا النور المبين، وهذا الهدي القويم، وهذا الصراط المستقيم، الذي من استمسك به نجا، ومن أعرض عنه هلك، ولما كان هذا الشهر محلًّا لإنزال هذه الهداية العظمى، خصه الله تعالى بهدايات كثيرة، وأسباب للاستقامة، والصلاح، والأوبة، والتوبة، وحط الخطايا، وفتح فيه أبواب الجنان، وغلّق فيه أبواب النيران، ودعا عباده فنادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وهذا المنادي في نفس كل أحدٍ يدركه بما في نفسه من الإقبال على الطاعة، والحرص عليها والرغبة فيها والقصور عن المعصية، والانزجار عنها، والتخفف منها، حتى لما يأتي المعصية ويكون في رمضان تجد أنه في هذا الشهر من القدسية في نفوس أهل الإيمان ما هو استجابة لهذا المنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

    فلما كان هذا الشهر بهذه المنزلة الكبرى التي خصه بها الله عز وجل من تنزيل القرآن، ومن تسهيل أسباب الهداية؛ لأن القرآن نزل في هذا الشهر وهو هداية ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ البقرة: 185، سهل الله طرق الهدايا بأنواعها، وفتح الله تعالى أبواب الوصول إليه جل في علاه، فتفتيح أبواب الجنة مشعرٌ بكثرة أبواب الصالحات التي تقرب إليه، وتغليق أبواب النيران مشعرٌ بالانزجار والكف عن كل أسباب الخسران من المعاصي والسيئات.

    فهذه الخصائص اقترنت بالخاصية القدرية، وهي تخصيص هذا الشهر بإنزال القرآن، وخصه الله شرعًا بأن جعله محلًّا لركن من أركان الإسلام، وهو الصوم، فرمضان هو محل رابع أركان الإسلام، وهو صوم رمضان، فالإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، هذا هو الإسلام كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وخصَّ هذا الشهر بأن جعله محلًّا لركنٍ من أركان الإسلام يتعبد فيها المؤمنون بالإمساك عن المفطرات طاعة لله عز وجل، وتعرضًا لنفحاته، فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.

    هذه كلها بشائر يا أخ عبد الرحمن، هذه كلها نفحات، وهبات، ومكرمات من الله عز وجل.

    ولذلك من الجدير بكل مؤمن ومؤمنة، كل إنسان من أهل الإسلام حريٌّ به أن يستكثر من الصالحات، وأن يبادر للطاعات، وأن يغتنم الفرصة ولو بالقليل من العمل؛ فإن القليل عند الله كثير إذا قارنه إخلاص وصدق رغبة، فلا تحرم نفسك، ولا تحرمي نفسكِ أيها الأخ الكريم وأيتها الأخت الكريمة من كل صالح. وأبواب الخير متنوعة: صوم، صلاة، قيام، صدقة، إحسان، خدمة، إعانة الوالدين، صلة أرحام، إكرام جيران، إحسان إلى الخلق، تبسمك في وجه أخيك صدقة، كل ذلك من أبواب الخير الذي يؤجر عليه الإنسان.

    نسأل الله أن يفتح الله لي ولكم أبواب الصالحات، وأن يرزقني الله وإياكم القبول، وأن يجعل مآلنا وعاقبتنا على خير.

    المقدم:آمين، جزاك الله خيرًا شيخ خالد، أتيتم على الكثير من النقاط والمحاور التي كنا نريد إثارتها في مقدمة هذه الحلقة، لكنكم استرسلتم استرسالًا جميلًا مقترنًا بالآية والحديث وتفصيلهما، فأحسن الله إليكم.

    التفاصيل
    0
    47
  • الحلقة (4) الحث على اغتنام ما تبقى من شهر رمضان
  • المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسولنا محمد، وعلى أصحابه أجمعين.
    في هذه الساعة بالتحديد مستمعيّ الكرام يسرني أن أرحب بضيفنا صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، رئيس مكتب الإفتاء بمنطقة القصيم، والأستاذ بجامعة القصيم، أهلاً ومرحبًا بكم صاحب الفضيلة.
    الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحبًا بك أخي عبد الرحمن، وأهلاً وسهلًا بالمستمعين والمستمعات حيثما كانوا.
    المقدم: شيخي، أحسن الله إليكم، لم يتبق من العشر سوى ليالٍ معدودة أقل من أصابع اليد؛ ولذلك يحث الجميع في هذه الأيام على شد المئزر، وإيقاظ أهله اقتداءً برسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وهذه الأعمال في هذه الأيام تكون مضاعفة الأجر والثواب، وفي هذه الأيام يجب على الإنسان أن يكون أكثر حرصًا، وأكثر عبادةً، وأكثر تقربًا إلى الله.
    هل من كلمة نسمعها في بداية هذا اللقاء لحث المستمعين الكرام على أن يكونوا أكثر همة ونشاطًا وطاعًة وتقربًا إلى الله فيما تبقى من شهر رمضان؟
    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأُصلي وأُسلم على المبعوثِ رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى أصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    فإن هذه الليالي المباركة، والأيام الفاضلة هي من خير أيام الدنيا، فيها تُحط السيئات وتُرفع الدرجات.
    جاء فيما رواه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِهِ».
    وهذا في كامل حط الخطايا؛ فإن قيام ليلة القدر.. وهي إحدى ليالي هذه العشر التي نحن في ثلثها الأول، وسرعان ما تنقضي وتنتهي، «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِهِ».
    وأما ما يتعلق بالخيرات والهبات والعطايا، فقد جاء في القرآن الحكيم قول رب العالمين: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾القدر: 1-3، والخيرية هنا فيما يتصل بالثواب، وعظيم الأجر، وكبير الفضل، الذي يدركه من اشتغل بالعمل الصالح في هذه الأيام؛ فإنه يدرك خيرًا عظيمًا.
    فهذه الليالي وهذه الأيام فيها الليلة المباركة التي أخبر ببركتها رب العالمين في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ الدخان: 3، فهي ليلة عظيمة، وهي من ليالي هذه العشر؛ ولذلك ينبغي للمؤمن أن يجتهد في جميعها، وأن يبذل وسعه في إبراز فضيلتها بكل ما يستطيع.
    فتجد ولد آدم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر جد واجتهد، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. أحيا ليله: يعني لم ينم من الليل شيئًا، فهذا إحياء الليل، وليس فقط عدم النوم مع الغفلة، والاشتغال بما لا ينفع من العمل، أو بما يضر من صخب بالأسواق، وإضاعة لشريف الأوقات، وعظيم الزمان المبارك؛ بل المقصود بإحياء الليل هو عمارته بما يحيا به من طاعة الله وطاعة رسوله.
    فقد قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال: 24، وإنما تحيا النفوس، وتحيا الأوقات والأزمان بطاعة الله عز وجل، والتقرب إليه بألوان القربات والطاعات؛ لهذا أوصي نفسي وإخواني بأن نجتهد بالإكثار من العمل الصالح.

    التفاصيل
    0
    57
  • الحلقة (3) رمضان فرصة لإصلاح ذات البين
  • المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أحييكم مستمعيّ الكرام بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم، إلى حلقةٍ جديدة من برنامجكم اليومي الرمضاني «فتواكم» الذي يأتيكم عبر إذاعة U-FM يوميًّا من الخامسة وحتى السادسة عصرًا، نستضيف فيه نخبةً من العلماء الأجلاء والمشايخ الفضلاء.
    باسمي وباسمكم مستمعي الكرام أرحب في هذه الساعة بصاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، رئيس مكتب الإفتاء بمنطقة القصيم، والأستاذ بجامعة القصيم، حياكم الله صاحب الفضيلة.
    الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا أخي عبد الرحمن ومرحبًا، وأهلًا بالإخوة والأخوات عبر هذه الإذاعة، حياكم الله جميعًا.
    المقدم: أهلًا وسهلًا بكم شيخنا الكريم، حديثنا اليوم عن إصلاح ذات البين -شيخي الكريم- ومناسبته في هذا الزمان المبارك في رمضان، والكلمة لكم.
    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فأهلًا وسهلًا بالجميع، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المباركين، وأن يعيننا على الطاعة والإحسان، واغتنام أوجه البر في هذا الزمان، الذي هو أفضل زمان وخيره، وفيه خير الأيام والليالي.
    وصيتي لنفسي وإخواني بأن نبادر إلى الطاعات بشتى صورها، وألا نحصر أنفسنا في بابٍ من أبواب البر، فأبواب البر متنوعة، وهبات الله وعطاياه كثيرة، ومن جد وجد، ومن صدق الله عز وجل في إقباله يسر الله تعالى له أسباب الخير، وطرق الإصلاح لنفسه ولغيره بما يحصل به سعادة الدنيا والآخرة.
    الأعمال الصالحة كما تفضلت أخي عبد الرحمن أعمال متنوعة، وليست عملًا واحدًا، بل أعمال شتى وأبواب متعددة، ومنها الإصلاح بين الناس؛ فإن الإصلاح بين الناس من أجل القربات وأفضلها، منه ما هو واجب في حق المستطيعين القادرين الذين لا يتم الإصلاح إلا بهم، ومنها ما هو مستحب، والله تعالى قد بين فضيلة الإصلاح، وأنه عملٌ يوجب الأجر، ولو لم يكن للإنسان فيه نية تعبد وتقرب، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ النساء: 114، فبين الله تعالى أن كثيرًا مما يتكلم به الناس ويتداولونه ويجري به كلامهم لا خير فيه، ثم استثنى من ذلك ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: اشتغل بإصلاحٍ بين الناس. وأكد هذا المعنى تأكيدًا بينًا فيما إذا نوى به الإنسان التعبد، فقال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء: 114، أي: منفعة له. يقصد به التقرب إلى الله، ويرجو به الأجر والثواب منه، فإن الله تعالى يعطيه على ذلك أجرًا عظيمًا.
    وقد بيّن الله تعالى أن الصلح في معناه وفي مضمونه خير من حيث الأصل، فقال جل وعلا: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ النساء: 129، وأمر به في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ الحجرات: 10، وهذا الأمر يشمل ما يكون بين الإنسان والأفراد، ويشمل الإصلاح بين الجماعات والأمم والقبائل والدول التي يمكن أن يكون بينها ما يُوجِب الفُرقة، كل هذا مما يندرج في الإصلاح.
    فأقول لإخواني وأخواتي: ينبغي لنا أن نحرص على الاشتغال بالإصلاح؛ فإنه خير ما نتكلم به. والإصلاح لعظيم مكانته وكبير أثره ونفعه أجاز الله تعالى فيه أن يتكلم الإنسان بخلاف الحقيقة والواقع؛ لأجل ما يترتب عليه من مصلحة، فأجاز التعريض، بل بعض العلماء يقول: الكذب الصريح يجوز في مقام الإصلاح بين الناس، ولمّ الشمل. وما ذاك إلا لعظيم المصلحة المترتبة به، والمفسدة التي تُدرأ بحصول الشقاق والفرقة بين الناس.
    المقصود أن الذي ينبغي أن نحرص عليه أن نضرب في كل باب من أبواب البر.
    يا أخي، لا شك أننا نعرف أن بين الأسر يحصل خلافات، وبين الأزواج يحصل خلافات، وبين الآباء والأبناء يحصل خلافات، وبين الإخوة والأخوات يحصل خلافات، فينبغي لنا أن نسعى في الإصلاح ما استطعنا، وأن نقرب وجهات النظر، وأن نلين، فإذا لم نلن الآن في هذا الموسم الذي تصفو فيه النفوس وتقترب من الخير، إذا لم نصلح فيما بيننا، ونختصر خلافاتنا، ونتجاوز إشكالاتنا، فمتى يكون هذا! هذا موسم من مواسم البر، لاسيما أنه إذا كانت الخلافات لحظوظ النفس وحصل شحناء وتباغض فإنه يمنع ذلك المغفرةَ والعطاء والهبات من الله عز وجل.
    جاء في الصحيح أن الأعمال تُعرَض على الله عز وجل كل يوم اثنين وخميس، فيقول: أَنْظِرُوا هذين حتى يصطلحا. فيغفر الله تعالى لكل مسلم إلا مشركًا أو مشاحِنًا.
    فينبغي للإنسان أن يصفي أجواءه، ونحن نقبل على مواسم صالحة، وخيرات عظيمة، وهبات كبيرة، فينبغي أن نعرف أنه من أسباب حصول تلك الخيرات والهبات أن تكون قلوبنا صافية سليمة، بعيدة عن الأضغان والأحقاد، وعن الشرور. فهذا مما نستعمله في إقناع الناس في الصلح فيما بينهم، وأيضًا نحن في أنفسنا نصفح ونعفو ونتجاوز عن الناس، ولا نبقي في أنفسنا عليهم ضغائن وأحقادًا تكون في الحقيقة ثقلًا على قلوبنا، وتمنعنا أيضًا من السمو الذي ندبتنا إليه الشريعة، وهذه الأيام من مواسمه ومن مواضعه.
    المقدم: أحسن الله إليكم شيخ خالد لهذا الحديث الشيق، والمسترسل، والجميل، المبني على الكتاب والسنة، والتأصيل الجميل في مسألة إصلاح ذات البين.

    التفاصيل
    0
    46
  • الحلقة (2) رمضان شهر مبارك
  • المقدم: أهلا ومرحبًا بكم مستمعيَّ الكِرام في مطلع هذه الحلقة، يسرني باسمي وباسمكم أن أرحب بضيف حلقة اليوم، وهو ضيفي في كل يوم خميس طُوال شهر رمضان المبارك، فضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، رئيس مكتب الإفتاء بمنطقة القصيم، والأستاذ بجامعة القصيم، أهلًا ومرحبًا بكم صاحب الفضيلة.
    الشيخ: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أهلا بك أخي عبد الرحمن، أحييك وأحيي الإخوة والأخوات عبر هذه الإذاعة، وأسأل الله تعالى لي ولهم التوفيق والإعانة على الصالحات، وأن يجعل هذا الشهر شهرًا مباركًا بالخيرات، وأن يعيننا على صيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا.
    المقدم: اللهم آمين، أحييكم شيخنا من جديد، والحديث عن شهر مبارك مع الشيخ خالد، والكلمة لكم.
    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    فأسأل الله تعالى من فضله أن يعيننا على اغتنام هذا الموسم المبارك، وأن يعيننا على ما فيه من خيرات، وأن يوفقنا إلى الفوز بما فيه من هِباتٍ وعطايا.
    تتردد هذه الكلمة - أخي عبد الرحمن - على ألسنة الكثيرين، وفي رسائل الكثيرين: شهرٌ مبارك.. رمضان مبارك.. وما أشبه ذلك من الكلمات التي تدور حول فلك أن هذا الشهر شهر مميز، وهو مميز بأنه مبارك، ومعنى أنه مبارك يعني أنه كثير البركة، كثير الخير، كثير البر، كثير الإحسان، كثير الهبات، كثير العطايا، كثير الفضائل...
    فهذا الشهر شهر له ميزة من بين الشهور، أنه شهرٌ اصطفاه الله تعالى وجعله محلًّا لأكبر تغيير في مسار البشرية، إنهُ التغيير الذي جرى على يد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كان مبدأ هذا التغيير في شهر رمضان عندما أُنزل القرآن على سيد ولد آدم في غار حراء، قبل ألف وأربعمائة وقريب من خمسين عامًا، ذاك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوحي إليه قبل الهجرة بثلاثة عشر عامًا، ولنا الآن قريب من ألف وأربعمائة وستة وثلاثين سنة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا العمر المديد الذي كان في هذه الرسالة المباركة هو التحول البشري الكبير الذي جرى بهذه الرسالة.
    هذا الشهر المبارك فيه خاصية قدرية؛ أن الله اصطفاه بإنزال القرآن على خاتم الرسل، وهذا من أعظم بركاته؛ لذلك يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ البقرة: 185 لم يذكر له خاصية أخرى، ولا ميزة أخرى توجب العناية به، والاهتمام له، وتفسر لماذا اختُص هذا الشهر بالصيام، يعني: لماذا لم نصم محرمًا؟ لماذا لم نصم شعبان؟ لماذا لم يكن الصيام في رجب؟ لماذا لم يكن الصيام في شهر ذي الحجة؟
    الجواب: أن الصيام كان في شهر رمضان؛ لأن الله اصطفاه بإنزال القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة: 185، فهذا من بركات هذا الشهر المبارك؛ أنه شهر إنزال القرآن، أنه الشهر الذي اصطفاه الله لهذه الفريضة العظيمة من فرائض الإسلام، وهي صوم رمضان، أنه الشهر الذي تكثُر فيه عطايا الله عز وجل وهباته؛ فإنه من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.
    ثم إن هذه الأعمال، وهذا الاختصاص القدري يوجب نشاطًا، وإقبالًا على الخيرات والصالحات، لذلك حتى أجود الناس وأطيبهم كان يزيد جُودُه في رمضان؛ ففي الصحيح من حديث ابن عباس أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس» هذا على وجه العموم «وكان أجود ما يكون في رمضان».
    وهذا يدل على أن الشهر كان له ميزة وخاصية في زيادة جوده صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو شهر تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلَق فيه أبواب النيران، وتُصفد فيه الشياطين، ويُقبِل الناس فيه على العبادات بشتى صورها، ويُتلى كتاب الله عز وجل الذي فيه الخير وفيه الهداية لكل بر، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء: 9، كل هذه المعاني تجعل هذا الشهر مميزًا خاصًّا بكثرة البركة فيه، وكثرة العطايا والهبات.
    نسأل الله أن يجعلنا ممن صامه إيمانًا واحتسابًا، وممن قامه إيمانًا واحتسابًا، ومن فاز فيه بعظيم الأجر، وكبير الفضل من الله عز وجل.
    المقدم: أحسن الله إليكم شيخ خالد، وقد أتيتم في هذه المقدمة على العديد من النقاط، وأثرتم العديد من المسائل المهمة، في كونه شهر بركة وخير للمسلمين.
    أيضًا قبل قليل عرجتم –شيخي الكريم- على الحديث الذي قلتم فيه، نقلًا عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ».
    شيخي، هل تتكرم علينا بوقفة مع هذا الحديث؟
    الشيخ: نعم، هذا الحديث، كما ذكرت، هو حديث يبين عظيم الفضل الذي يناله من أقبل على الله في هذا الشهر المبارك؛ لأنه شهر تنشط فيه النفوس لكل خير؛ تفتيح أبواب الجنان هو فتح حقيقي، وهو إشارة إلى تنوع الأعمال الصالحة، وإلى كثرة القادمين إلى بر الله عز وجل إحسانه، فالجنة هي أعظم بر، وأكبر إحسان من الله تعالى لعباده، ولم ينَل أحد البر إلا بأن يتقدم بالصالحات ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾، قال جماعة من المفسرين: الجنة ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾آل عمران: 92 أي: حتى تبذلوا مما تحبون، الإنفاق هنا يمكن ألا يقتصر فقط على الإنفاق المالي، بل على أوجه البذل بكل صورها، فلن يبلغ الإنسان ما يؤمل من الخير إلا ببذل ما يحب في سبيل الله عز وجل، وفي ابتغاء مرضاته جل في علاه.
    وتغليق أبواب النيران هو غلق حقيقي إيذانًا بأن أسباب الشر والفساد، وأسباب دخول النار قد حُجمت وضاقت، وحُدت حدًّا أفضى إلى إغلاقها، فينبغي للمؤمن أن يكسل عن كل رذيلة، وأن يتخفف من كل سيئة، وأن يسعى إلى التوبة، وإحداث العمل الصالح، حتى يمحو ما كان من سيئ العمل.
    هذا الشهر فرصة لمغفرة السيئات، والزيادة من الحسنات؛ فإنه سبب للعطاء ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الزمر: 10، وهو سبب للعفو والمغفرة «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبِه، ومَن قامَ رَمَضَانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
    وما ذُكر من أن داعيًا يدعو: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، هذا فيه أن الداعي الذي يقذفه الله تعالى في قلوب الناس.. قد يكون هذا داعيًا حقيقيًّا يدعو النفوس، وقد يكون هذا ما يقذفه الله تعالى في قلوب الناس، من الرغبة في الخير، والكسل والتقاصر عن الشر، فينبغي لنا أن نجتهد في كل ما يقربنا إلى الله، وأن نحتسب الأجر في ذلك، وأن نبعد عن كل سيئة، وأن نحتسب الأجر في ذلك، فتركك السيئات حسنة، واشتغالك بالطاعات والمبرات حسنة.
    أسأل الله أن يزيدنا وإياكم من فضله.

    التفاصيل
    0
    34
  • الحلقة (1) رمضان فرصة للتسامح
  • المقدِّم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أحييكم مستمعينا الكرام بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم الرمضاني اليومي «فتواكم» الذي يأتيكم يوميًّا من الخامسة وحتى السادسة عصرًا عبر إذاعة U-FM نستضيف فيه نخبة من العلماء الأجلاء، والمشايخ الفضلاء.
    باسمي واسمكم مستمعي الكرام في هذه الساعة نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، رئيس مكتب الإفتاء بمنطقة القصيم، والأستاذ بجامعة القصيم.
    أهلا ومرحبًا بكم صاحب الفضيلة.
    الشيخ: أهلًا وسهلًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياك الله، وحيا الله الإخوة والأخوات، وأسأل الله أن يكون لقاءً نافعًا ماتعًا.
    المقدم: اللهم آمين، حياكم الله من جديد شيخنا، وحيا الله مستمعينا الكرام.
    رمضان فرصة للرحمة، والتسامح، والسلام، تبدءون -حفِظكم الله- في استهلال حول كيف نحول ونجعل من رمضان فرصة للرحمة، والتسامح، والسلام.
    الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    الله تعالى أرسل محمد بن عبد الله بالهدى ودين الحق، بعثه الله تعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وخصه بخصائص، وميزه بصفات تستوجب قبول ما يدعوهم إليه، فكان صلى الله عليه وسلم رحيمًا، وكان صلى الله عليه وسلم لينًا، وكان ذا خُلُق حَسَن، يأسر القلوب، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ آل عمران: 159.
    هذا من حيث صفاته، ومن حيث ما خصه الله تعالى به من شريف الفضل، وكبير الأدب، كما قال ربنا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: 4.
    فخُلقه صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من أعلى ما يكون، وهذا من موجبات القبول، كما أن ما جاء به من الهدى ودين الحق كان في غاية الموافقة للنفوس، والتلبية لدواعي الفطرة، والجذب للقلوب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: 107.
    فهذا يبين أن هذه الرسالة لم تأتِ إلا لإسعاد البشرية، ولإخراجهم من كل ظلمة، وإسعادهم بكل نور، ولذلك يقول الله تعالى لرسوله: ﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ طه: 1-2.
    فالله عز وجل لم يُنزِل هذا القرآن ليشقِيَ الناس، بل ليسعدهم وليخرجهم من كل ظلمة إلى كل نور، ومن كل شقاء إلى كل سعادة، ومن كل ضلالة إلى كل هداية ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء: 9. وكل ما فيه من الشرائع، وكل ما فيه من الأحكام، وكل ما فيه من الأوامر والنواهي يحقق هذا المقصد، فليس هناك أمر ديني، ولا شيء نهى الله عنه إلا إذا تأملتَ وفكرت وجدتَ أنه رحمة بالناس، حتى ولو كان قد يبدو في أوائله مما تكرهه النفوس، أو ما يشق عليها، لكن هذه المشقات التي قد تكون في بعض العبادات، وفي بعض التكليفات هي رحمة بالناس، ولذلك شرعها الله تعالى، فهذا الدين دين رحمة.
    الله تعالى يقول في عقوبة القتل على شدة ما فيها، وعظيم العقوبة بها، فهي من أشد العقوبات التي جاءت بها الشريعة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ البقرة: 179، فالنصوص بيِّنة في أن كل ما جاءت به الشريعة سعادة، وكل ما جاءت به الشريعة رحمة، وكل ما جاءت به الشريعة هداية، وكل ما جاءت به الشريعة نور، لكن هذا يخفى على الذي يقتصر في النظر إلى ظواهر الأمور، ففي بعض الأحيان الناس لا ينظرون إلا إلى الظواهر فقط، وتقصر أنظارهم عما وراء ذلك من الحكم والأسرار، فلا يبدو لهم ما في تلك الأحكام من الرحمة، ولا يبدو لهم ما فيها من السعادة، ولا يبدو ما فيها من الخير الذي يدركونه في دنياهم وأخراهم.
    هذه الشريعة شريعة رحمة، ومنها هذا الشهر المبارك الذي نحن فيه القرآن، فهو من رحمة الله تعالى بعباده، فالله رحم البشرية في هذا الشهر بإنزال القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ البقرة: 185.
    رحم البشرية في هذا الشهر ببعثة محمد بن عبد الله سيد الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
    رحم البشرية في هذا الشهر بأن جعله محلًّا لهذا الفرض العظيم، وهو فرض الصوم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183.
    ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة: 185.
    رحم الله تعالى البشرية في هذا الشهر بأن جعله محلًّا لحط السيئات، ومغفرة الزلات، ومحو الخطايا، فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.
    رحم الله تعالى هذه البشرية في هذا الشهر بأن جعله محلًّا للعطاء والفضل، والإحسان منه، وأيضًا ندب عباده إلى أن يحسنوا؛ فإن العباد لا يدركون إحسان الله تعالى على وجه تام كامل إلا بأن يكونوا من المحسنين ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ الرحمن: 60.
    لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان هذا الشهر رحمة وخيرًا للبشرية بكل ما فيه من معاني العطاء من فضل الله ومن اصطفائه، مما شرعه فيه من الشرائع، فـ«الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، وَلَا يَجْهَلْ» كل هذا تهذيب وإشاعة لمعنى الرحمة بين الناس «وَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ».
    كل ذلك تحقيق لهذا المعنى الذي أشرت إليه في مطلع حديثك.
    المقدم: أحسن الله إليك، شيخي تحدثَ في البداية عن الرحمة كيف كانت صفة ملازمة لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: 4، وتحدث أيضًا عن الرحمات التي تفضل بها المولى جل في علاه على الأمم، وعلى البشرية، وكيف كانت في كل مجال، وفي كل حياتهم، فالحمد لله على كل حال.
    شيخ خالد، سأُدخِل المتصلين بعد قليل تباعًا، لكن أتساءل شيخي: كيف يستطيع الإنسان بعد مقدمتكم الجميلة أن يحول من هذا الشهر فرصة لأن يكون رحيمًا متسامحًا، وأن يعفو عن كل ما ظلمه، أو يسد الفجوة بينه وبين أقاربه أو أرحامه الذين كان بينه وبينهم نزاع، أو حتى أن يبادر هو بالسماح لمن أخطأ في حقه.
    الشيخ: ليس هناك شك أن الإنسان الذي يريد فضل الله تعالى وإحسانه، لا بد أن يأتي على نفسه فيما يتعلق بالمبادرة إلى ما قد تأنف عنه بعض النفوس، من التنازل عن الحقوق، ومن الدفع بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلين.
    هذه المعاني كلها معانٍ مهمة يدرك بها الإنسان الفضائل؛ فإن النفس لا تسمو ولا تدرك الفضائل إلا بأن تتروض على ألا تبادر إلى الاستئثار بكل ما لها، أو أن تأخذ حقها وافيًا، بل ينقص من حقه لأجل أن يصلح بينه وبين غيره.
    وهذا الذي أشار إليه الله عز وجل، أمر فيه بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ فصلت: 34.
    وهذا الشهر تسمو فيه النفوس مثلما ذكرتُ، والحديث واضح في ندب النفوس إلى ترك حقها في المقابلة؛ في مقابلة الإساءة بمثلها، في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ أَحَدٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ - وفي رواية: سَابَّهُ أَوْ شَاتَمَهُ - فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» وهذا ندب إلى أن يترك حقه في مقابلة الإساءة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الشورى: 40، وهذا يدل على أن هذا الشهر شهر صفح، وشهر تجاوز، وشهر رحمة، وشهر المبادرة إلى الفضيلة والإحسان.
    ومن أسباب الحرمان التي يُحرَم بها الإنسانُ الخيرَ، أن يكون قلبه مليئًا بالشحناء، أو بينه وبين أحد من الناس شحناء، فإن هذا مما يؤخر عنه الخير، فمن المهم أن ينقي قلبه، وأن يصلح عمله، وأن يبادر إلى الإحسان، وليحتسب الأجر عند الله.
    ومما يعيننا على الإحسان أن نتذكر في إحساننا أننا لا نتعامل مع الخلق، بل نتعامل مع الخالق.
    المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بعلمكم، وجزاكم خيرًا عن كل ما أجبتم به، وما أفضتم به بكلام عذب مقترن بقول الله ورسوله، في هذه الحلقة يا شيخ خالد.
    الشيخ: آمين، بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    المقدم: كان ضيفي الشيخ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، المشرف على فرع الرئاسة العامة للإفتاء بمنطقة القصيم.
    شكرًا لكم مستمعينا الكرام على الإصغاء والمتابعة.

    التفاصيل
    0
    44
مقالات
  • تنبيهات حول التشكيك في صحة توقيت أذان الفجر والمغرب
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد.
    فمن الأمور المقترِنة برمضان على مَرِّ الأعوام السِّجالُ الدائرُ حول صحة توقيت أذان الفجر والمغرب في التقاويم التي تنشرها أو تعتمدها الجهات المشرفة على المساجد. ورَحَى النقاش تدور بين مشكِّك في التقاويم داعٍ إلى عدم الالتزام بها، وبين مؤكِّدٍ صحتَها وداعٍ للزومها. وكل فريق يدلي بحجة ينصر بها ما ذهب إليه.
    وعند التأمُّل والنظر في حجاج الفريقين؛ نجد أنَّ عُمدة المشكِّكين فيما ذهبوا إليه أخبارُ أفرادٍ اجتهدوا في الرَّصْد، فظهر لهم فروقات بين التقاويم وبين ما رصدوه. وهنا يتبادر تساؤل وهو: أيهما أولى بالثقة والاعتماد: نتيجة رصد أفراد أم رصد جهات معنية مختصة جماعية؟
    لا شك أنَّ الإنصاف يقتضي اعتماد ما صدر عن جهات الاختصاص مهما كانت ثقة الأفراد؛ وذلك لعدة أمور:
    أولًا: أنَّ التقاويم الصادرة من جهات الاختصاص ثمرةُ عملٍ دؤوبٍ من جهاتٍ عديدةٍ ذات اختصاص؛ فهي أقرب إلى الثقة والدقة والصحة من الاجتهادات الفردية.
    ثانيًا: أنَّ المشكِّكين في اعتماد التقاويم لأوقات الأذان مختلفون اختلافًا شديدًا، وهذا ناتجٌ عن أنه مستنِدٌ إلى اجتهادات فردية يعتريها من القصور أو التقصير ما يعتريها مما هو أبعد عن الاجتهاد الجماعي.
    ثالثًا: أنَّ تشكيك الناس في التقاويم يُفضي إلى إيقاع الناس في حرجٍ واضطرابٍ واختلافٍ وفُرْقةٍ وفوضى.
    رابعًا: أنَّ في إشاعة الشكوك حول التقويم نوعَ تقدُّمٍ وافتياتٍ على الجهات ذات الاختصاص يُفقد الناس الثقة بتلك الجهات.
    خامسًا: أنه في حال الاختلاف في الشأن العام؛ فالمرجع في هذا إلى ما يراه ولي الأمر، وقد أشار ابن مسعود إلى مثل هذا فيما رواه البخاري في صحيحه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الفجر في المزدلفة؛ فعنه رضي الله عنه قال: "ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ" أخرجه البخاري (1683). . ومع ذلك صلى الجميع مع النبي صلى الله عليه وسلم.
    ويقال لمن رأى أنَّ أوقات التقويم ليست بمطابقةٍ للوقت: إنه يسعك أنْ تعمل بما رأيتَ في خاصةِ نفسِك دون التشويش على الناس، وهذا نظيرُ حالِ مَن ردت شهادته برؤية  الهلال.
    والله ولي التوفيق.

    كتبه أخوكم
    أد.  خالد بن عبدالله المصلح
    المشرف العام على فرع الرئاسة العامة
    للبحوث العلمية والإفتاء بمنطقة القصيم

    التفاصيل
    0
    652
  • إفطار الصائمين بين الحث عليه والتزهيد فيه
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:
    فغير خافٍ ما يدور من نقاشٍ حول موائد تفطير الصائمين، وسجالٍ بين مشجِّع عليها مرغِّب فيها، وبين مزهِّد فيها مرغِّب عنها، وكلا الفريقين يُبدي حُجَّته فيما ذهب إليه مِن ترغيبٍ أو تزهيدٍ. ولي مع هذا النقاش عدة وقفات آمل أن تساعد في توضيح الرؤية:
    أولًا: أنَّ إطعام الطعام مِن صالح الأعمال ومِن صفات الأبرار، فقد ذَكَرَه الله مِن خصال الأبرار في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ الإنسان:9. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» أخرجه البخاري (12)، ومسلم (39).. فإطعام الطعام مِن خير الأعمال بعد الواجبات والفرائض.
    ثانيًا: أنَّ في إطعام الطعام في رمضان مزيدَ فضلٍ على إطعامه في سائر الزمان؛ فهو مِن خصال الجود الذي اتصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم عمومًا وفي رمضان خصوصًا؛ حيث كان يخصه صلى الله عليه وسلم بمزيد جود؛ كما قال ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308).؛ ولذلك كان السلف يعتنون به حتى  كان الزهري إذا دخل رمضان قال: «فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام»"لطائف المعارف" لابن رجب، ص (171).؛ وهذا يشمل الإطعام في الفطور والسحور وغير ذلك.
    ثالثًا: أنه جاء في فضيلة تفطير الصوام أحاديث خاصة؛ منها ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن زيد بن خالد الجهني، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح أخرجه الترمذي في "السنن" (807)، وحسنه، والبزار في "المسند" (3775)، والطبراني في "الأوسط" (1048).. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من حديث ثبوته نقل الحافظ ابن حجر في "اللسان" (2/ 232)، (1332) عن العقيلي قوله: ليس يُرْوَى هذا من وجهٍ يثبت. وينظر أيضًا: "مجمع الزوائد" للهيثمي (4895)، (4896)، و"المقاصد الحسنة" للسخاوي (2556)، و"كشف الخفا" للعجلوني (2556). ، إلا أن فضيلة تفطير الصوام مما لا خلاف فيها بين أهل العلم كما نقل النووي رحمه الله "المجموع شرح المهذب" (6/ 363). ففضيلة تفطير الصائم مستفادة من عموم فضائل إطعام الطعام، ومن خصوص ما ورد في فضل تفطير الصائم.
    رابعًا: تفطير الصائم باب من أبواب البر والخير، اكتنفته عدة أمور ينبغي مراعاتها لتجنيب هذه العبادة ما يشوِّش عليها أو ينقص أجرها؛ من هذه الأمور:
    الأول: تجنُّب الإسراف في هذه الموائد؛ فإنَّ الإسراف منهي عنه حتى في العمل الصالح، ففي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ» أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (6695)، وابن ماجة في "السنن" (3605) وعلقه البخاري بصيغة الجزم (7/ 140)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (7188)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.. فيجب تجنب الإسراف والزيادة في هذه الموائد عما تدعو إليه الحاجة؛ كأنْ يبقى من الطعام ما يكون مآله سلات المهملات والزبل أو الإضاعة والعبث.
    الثاني: تجنُّب المباهاة في موائد إفطار الصائمين، والمكاثرة فيها، والتعاظم، والمفاخرة والمغالبة؛ فإن ذلك ينافي الإخلاص الذي هو شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال؛ فـ«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907). ، وتفطير الصائمين من جملة الأعمال، فإنْ كان الباعث عليه ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر، وإنْ كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة والمفاخرة فصاحبه متعرِّض لمقت الله وعقابه.
    الثالث: وجوب مراعاة التعليمات المنظِّمة لإقامة هذه الموائد، والصادرة عن الجهات ذات الاختصاص، سواء في أماكن إقامتها أو جمع التبرعات لها أو غير ذلك،؛ فإنَّ مخالفة ذلك مخالفة لما أمر الله تعالى به من طاعة أولي الأمر في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ النساء: 59، وتترتب عليها مفاسد وأضرار.
    الرابع: ينبغي أن يتحرى القائمون على مشاريع تفطير الصائمين أن لا يتقبلوا من التبرعات أكثر مما يحتاجون، بل يقتصرون على القَدْر الذي تحتاجه هذه المشاريع فعليًّا؛ فإن توفُّر هذه المبالغ عرضةٌ لضياعها أو صَرْفها في غير ما بُذلت فيه؛ فإنَّ هذا المال لإطعام الصائمين في رمضان في عام محدد، فينبغي أنْ يُراعَى ذلك، فما زاد ينبغي أن لا يُصرف في غير ما جُمع له، وأن لا يجمع من المال إلا بقدر الحاجة. ويحسن بالقائمين على مثل هذه المشاريع أن يفسحوا المجال لجيران المسجد ومن له رغبة في المشاركة في الإطعام أو التنظيم فإن ذلك مما يشيع روح الإنفاق والتعاون والتآلف بين جماعة المسجد ورواد هذه الموائد.
    الخامس: ينبغي مراعاة حرمة المساجد إذا كانت هذه الموائد تقام في أفنيتها أو حولها؛ وذلك أن الواجب صيانة المساجد عن كل ما يؤذي من الأعمال والروائح ونحو ذلك مما قد ينتج عن هذه الموائد، فينبغي أن يحرص المنظمون لهذه الموائد على تلافي ذلك.
    فإذا روعيت هذه التنبيهات؛ فإن هذه الموائد من الخير الذي ينبغي أن يشجَّع عليه.
    وأمَّا ما يذكره بعض الإخوة من أنَّ هناك أسرًا محتاجة، وقد تكون أشدَّ حاجةً مِن الذين يستفيدون من موائد تفطير الصوام فهي أولى بهذا الإنفاق. فيقال لهم: ما ذكرتموه صحيح، فهناك من الأسر من هو أشد حاجة، وجدير بنا أن نتنادى لسدِّ حاجاتهم دون أنْ نُزهِّد في هذا العمل الصالح، فالله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فمِن الناس مَن فُتح له في باب الصلاة، ولم يُفتح له في باب الصوم، ومنهم مَن فُتح له في باب الصدقة ولم يفتح له في باب الصوم، والجميع على خير وبِرٍّ. فمِن الغلط أن يكون تشجيعنا الناس على بابٍ من أبواب البر من طريق تزهيدهم في باب بر آخر. أمَّا ما يُذكر مِن أنَّ بعض المستفيدين من هذه الموائد قد لا يصلي أو لا يصوم أو ليس بمسلم؛ فإن ذلك لا يزهِّد فيها؛ ففي «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر» أخرجه البخاري (2363)، ومسلم (2244). كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. كما أنه يقال لمن بَذَل هذه الأموال: لك ما نويت من الخير والأجر، ولو كان المنتفع غير المقصود، يدل لذلك ما في صحيح البخاري من حديث معن بن يزيد قال: "كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ»" أخرجه البخاري (1422)..
    تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.


    كتبه
    أخوكم
    أ.د خالد بن عبدالله المصلح

    29 شعبان 1438هـ

    التفاصيل
    0
    549
  • مفطرات الصيام المعاصرة
  • الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلِّم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن اتَّبع سنَّته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإنَّ الصوم ركن من أركان الإسلام، وشَعِيرَة من شعائره العِظَام، فَرَضَه الله تعالى على أهل الإسلام، كما دلَّت على ذلك الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة، وقد أجمع على ذلك علماء الأمة.

     فواجب على كلِّ مسلم ومسلمة أن يتعلَّم من أحكام الصيام ما يُقِيم به هذا الرُّكن على الوجه الذي يُرضي الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان لله خالصًا، ولهدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم موافقًا، ومن وسائل تحقيق ذلك مطالعة ومراجعة كتب أهل العلم، فقد كتبوا في الصومِ قديمًا وحديثًا في مسائله وأحكامه، ونوازله  ومستجدَّاتِه، فمَن طالَع ذلك أدرك كثيرًا من أحكامه، ومَن أشكل عليه شيء، واحتاج إلى مزيد إيضاح وبيان، فليسأل أهل العلم والبيان، كما أمر الله في مُحْكَم القرآن، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل:43.

    ولمَّا كان الصوم يقوم على ركنين؛ الأول: النية، والثاني: الإمساك عن المفطِّرات، كان لزامًا على المسلم أن يتعرف على المفطِّرات التي يلزمه الإمساك عنها، وقد بيَّن الله تعالى أصول المفطرات فقال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ سورة البقرة:187، فأصول المفطِّرات هي ما أمر الله تعالى بالإمساك عنه في يوم الصيام، فذكر في الآية ثلاثة منها، وهي: الجِمَاع والأكل والشرب، وجاء في السُّنَّة المطهَّرة أنَّ الحيض والنِّفَاس، وتعمُّد إخراج ما في الجوف بالاستقاءة، من المفطِّرات، وقد أجمع على ذلك أهل العلم.

    فتكون المفطِّرات الْمُجْمَع عليها هذه الأشياء الخمسة آنفة الذِّكْر.

    أما ما عداها من المفطِّرات فقد اختلف أهل العلم في حصول الفطر بها، وسبب هذا الاختلاف منه ما يرجع إلى العلم بالدليل أو الاختلاف في ثبوته، أو في فَهْمِه، أو في تحقيق مَنَاطِه في الوقائع والنوازل والمستجدات.

     والْمُطَالع في دواوين الفقه وشروح السُّنَّة يقف على أشياء عديدة اختلف العلماءُ في كونها مفطِّرة: كالحِجَامة، والاستعاط، والاكتحال، ونحو ذلك.

    وقد جدَّت مع الثورة الصناعية التي غيَّرَت نمط حياة الناس أشياء كثيرة متصلة بالمفطِّرات، اختلف العلماء المعاصِرون في كونها مفطِّرة، وغالبُها ذو صلة بالطب كشفًا وتشخيصًا، ومعالجة ودواءً، كالبخَّاخات المستعمَلة في علاج الصَّدر، وأنواع المناظير الطبية المستعملة في التَّشخيص والعمليات، والْحُقَن بأنواعها، والقطرات في العين والأنف والأذن، وحَقْنِ الدَّم وسحبه، وأنواع الغسيل الكلوي، والتَّخدير والتَّبنيج وغير ذلك.

    ومن الجدير بالذكر أن في كلِّ مسألة من هذه المسائل، أقوالًا واستدلالات ومناقشات وترجيحات صدرت في غالبها قراراتٌ من مجامع فقهية، وهيئات علمية، ولجانٍ شرعية توضِّح حكمها من حيث كونها مفطِّرة أو لا.

    ومما ينبغي مراعاته عند النظر في اختلاف العلماء في المفطِّرات المعاصرة أنه لا يُحكَم في شيء من الأشياء أنه يُفطر إلا بدليل، وهذا أصل متَّفَق عليه بين أهل العلم، وذلك أنَّ الله ورسوله قد بيَّنَا ما يحصل به الفطر، فلا يُزَاد على ما جاء في الكتاب والسُّنَّة، فإذا كان لدى المسلم قدرةٌ في التَّوصُّل إلى حكم هذه المسائل المستجدة فالواجب عليه بَذْل الوُسع في ذلك، ويلزمه ما انتهى إليه اجتهاده، وأما إذا كان غير قادر على ذلك -كما هو حال عامة الناس من غير المتخصِّصين- فإن الواجب عليه ما أمره الله تعالى به من الرجوع إلى أهل الذِّكر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.

    فإذا اختلفت عليه الأقوالُ في شيء، هل هو مفطِّر أو لا، فإن أمكنه أن يعرف الراجح من الأقوال فهذا هو المطلوب، وإلا فإنَّ عليه أن يأخذ بقول الأعلم من المختلِفين، فإن كانوا في العلم سواءً فبقول الأكثرين من أهل العلم، فإنه أقربُ إلى الصواب في الغالب، والله أعلم.

    التفاصيل
    0
    3072
  • أهمية الاستعداد لاستقبال مواسم الطاعات
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سُنَّتَه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فمن المهم لكل مؤمن ومؤمنة، لكل فرد في هذا الكون أن يعلم أنه إنما خُلِقَ لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، الله جل وعلا يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56، ويقول سبحانه وبحمده: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}الملك: 2، فهذه الدنيا هي دار عبادة وابتلاء واختبار، وقد كَلَّفَ الله تعالى العباد فيها بألوان وأنواع من التكاليف، ونحن لم نُخلَق إلا لغايةٍ عظمى ومقصد أَسْمَى، ألا وهو تحقيق العبودية لله تعالى، فلا تَقَرُّ حياة الناس ولا تستقيم دنياهم ولا تصلح آخرتهم، ولا تسعد قلوبهم ولا يدركون شيئًا من الطمأنينة والانشراح في هذه الدنيا إلا إذا حَقَّقُوا هذه الغاية؛ ألا وهي عبادة الله تعالى، فعبادة الله جل وعلا هي مشروع حياة، ليست مشروع حياة فرديًّا، بل هو مشروع حياة للناس كافة، فالله تعالى بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، بالهدى الذي هو العلم النافع، ودين الحق الذي هو العمل الصالح.

    فمهمة كل إنسان هو تحقيق العبودية لله تعالى، وهذه العبودية هي في الأصل عبودية القلوب؛ لأنه إذا لم تَدِنْ هذه القلوب وتَذِلّ وتخضع لله تعالى فلا فائدة في أن يقوم الإنسان ويقعد، ويذهب ويجيء، ويفعل ويترك؛ لأنه عمل لا روح له، فروح العبادة هو عبودية القلب لله تعالى.

    ومن رحمة الله جل وعلا بعباده أن يَسَّرَ لهم من الشرائع ما يحقق هذه الغاية، فنحن إذا نظرنا إلى هذا المقصد الكبير والهدف العظيم فإن هناك وسائل لتحقيق هذا الهدف، هناك آلات وأدوات لتحقيق هذا الهدف.

    إن آلات وأدوات تحقيق هذه الغاية -وهي تحقيق العبودية القلبية والعبودية التامة لله تعالى في الجوهر والمظهر، في الباطن والظاهر- هو ما جاء في شرائع هذا الدين الكريم الذي شرع الله تعالى فيه ألوانًا من العبادات الظاهرة والباطنة، التي بها يتحقق المقصود الرباني من هذا الكون وهو تحقيق العبودية لله تعالى.

    فعلى سبيل المثال: العبودية الظاهرة رأسها الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، وكذلك الزكاة والصيام والحج، فهذه أصول وأركان تُبْنَى عليها سائر ألوان وأنواع العبادات.

    فنحن إذا اشتغلنا بهذه العبادات فإنه ينبغي أن نعلم أننا نحقق غاية ألا وهي عبودية القلب، ولذلك لو أن الإنسان عجز مثلًا عن الصلاة، أو عجز عن الزكاة، أو عجز عن الصيام، أو عجز عن الحج، هل هذا يعني أنه ليس عبدًا لله تعالى؟

    الجواب: لا، هو عبد لله سبحانه وبحمده؛ لأن هذه وسائل، وإذا كانت وسائل فتخلفت فلا يعني هذا أن الغاية مَلغيَّة أو غير موجودة.

    فلذلك ينبغي أن ننظر إلى هذه العبادات وهذه الشرائع بهذا المنظار؛ أنها وسائل لتحقيق غاية عظمى ومقصد كبير ألا وهو عبودية القلب لله تعالى، الذل الذي هو مفتاح العبودية، والمحبة التي هي عنوانها الأكبر، فالعبادة تقوم على هذين الركنين القلبِيَّيْنِ: غاية المحبة مع غاية الذُّلّ.

    ولا شك أن من رحمة الله بنا أن نَوَّع الطرق الموصِلة إليه، فلم يجعل الطريق الموصِل لتحقيق هذه الغاية صلاة أو زكاة أو صيامًا، بل هي منوَّعة، فمنها ما يتصل بالبدن، ومنها ما يتصل بالمال، ومنها ما يتعلق بين العبد وربه، ومنها ما يتعلق بحقوق الخلق، ألوان وأصناف من العبادات تندرج تحت هذه التقسيمات.

    فنحن نستقبل هذا الشهر المبارك، شهر رمضان الذي فيه من ألوان العبادة والطاعة ما تنشط له النفوس، ويجد فيه الإنسان لذة وروحًا وطمأنينة وسكنًا.

    وهذا الموسم الكريم يحتاج إلى شيء من التهيئة، فالتهيئة نوعان: تهيئة قلبية بالاستعداد، وهذا ما كان عليه سَلَفُ الأمة، لَمَّا كانوا كما قال المعلَّى بن الفضل: كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلِّغَهم رمضان؛ هذه تهيئة قلبية.

    وهناك تهيئة عملية، وهي أن يتمرَّن الإنسان على العمل الصالح قبل مجيء الشهر، حتى إذا جاء الشهر يكون قد مَرِن جسمُه وتدرب بدنه على القيام بالطاعات.

    ولهذا كان السلف يُكْثِرُون من قراءة القرآن في هذا الشهر، وكان بعضهم يغلق حوانيته حتى يتفرغ لقراءة القرآن في شهر شعبان، حتى إذا جاء رمضان يكون قد تهيَّأَت نفسه ونشطت للأعمال الصالحة بأنواعها وألوانها.

    ولذلك شرع النبي صلى الله عليه وسلم الصوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شهر قط.. تقول عائشة كما في الصحيحين: «وَلَمْ أَرَهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ».

    والعلة في هذا هي تهيئة النفس لاستقبال هذه الفريضة.

    نحن نحتاج إلى أن نأخذ بهذه السنن، وأن ندرك معانيها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم رمضان هكذا بلا غاية ولا عِلَّة، بل هو نوع من التهيئة التي تتهيأ بها النفوس.

    وأيضًا السُّنَن الراتبة مثلًا التي تكون قبل الفجر، وتكون قبل الظهر، وتكون بعد العشاء، كل هذا نوع من التهيئة أو التكميل، نوع من التهيئة، هذا في السُّنَّة القَبْلِيَّة، ونوع من التكميل هذا في السُّنَن البَعْدِيَّة، فينبغي أن نشتغل بالعبادات، وأن نهيئ لهذا الشهر نفسًا قد تروَّضت على الطاعة، وأقبلت على الله تعالى واستعدت للعمل الصالح.

    وأسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم، وأن يبلِّغَنا وإياكم رمضان، وأن يرزقنا فيه صالح الأعمال.

    التفاصيل
    0
    4396
  • يوم صومك مختلف عن يوم فطرك
  • الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    أما بعد:

    فالصوم غرضه وغايته هو تحقيق التقوى لله جل وعلا، هذا هو الغرض والمقصود من الصوم، ولذلك قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183.

    وقد يقول قائل: ما معنى التقوى؟ التقوى: هي الاشتغال بالطاعة والبعد عن المعصية رغبةً في ثواب الله تعالى وخوفًا من عقابه.

    هذا التعريف الميسور المختصر للتقوى، فالتَّقيُّ هو ذاك الذي يفعل الطاعات ويجتنب المحرَّمات، وهو في الفعل والتَّرْك بين خوف ورجاء، رغبةً ورهبةً، لا يتركه عادةً، ولا يأتيه عادةً، لا يترك المحرَّم عادة وحياءً من الناس، ولا يأتي الواجب عادةً وموافقة للناس، بل يأتيه رغبةً ورهبة، رغبة فيما عند الله تعالى ورهبة منه.

    وهذا هو المعنى العام الذي من أجله شرع الله تعالى الصيام، ولهذا ينبغي للصائم أن يفتش عن هذه الحكمة في نفسه وفي خُلُقِه وفي عمله حتى يفوز بأعظم الأجر.

    فالصُّوَّام -وهم الممسكون عن الطعام والشراب- كُثُر، لكن بين أجر صائم وصائم كما بين السماء والأرض، وذلك لاختلاف ما يقوم في قلوبهم من الإخبات والإخلاص وصِدْق الإيمان والبرهان، ولاختلاف ما تترجم ممَّا في القلوب من الأعمال، وهذا الذي قام في القلب ينبغي أن يترجم إلى الجوارح صلاحًا في الْمَسْلَك، وصدقًا في العمل، وبعدًا عن السوء والشر، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ»، ومعنى جُنَّة: أنه وقاية يقي به الإنسانُ نفسَه الشرورَ والفساد.

    وهذا يفيد أنه ينبغي أن يكون الصوم على هذه الصورة وقايةً، كما لو كان الإنسان داخلاً في حصن يمنعه من السوء والفساد والشر وسيئ الأخلاق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ سَابَّهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»، أي: ممتنع عن مبادلتك بالإساءة؛ لأني صائم، وهذا يبين أن الصوم سلوك في القلب يُتَرْجَمُ إلى العمل، وهو بأن يكف الإنسانُ نفسَه عن كل سيئ من الأخلاق، ولو كان ذلك في مقام الانتصاف للنفس، فالله تعالى يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} النحل:126، ويقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى:40.

    ومع هذا فالصائم مأمور بالترفُّع والاعتلاء على هذه النوازع، وهذه الرغبةُ في المجازاة بالمثل، بأن يقول: إني امرؤٌ صائم، فيَكُفُّ لسانَه عن مجاراة السفهاء، ويكفُّ عمله عن الوقيعة في السوء، ينبغي أن يكون صوم أحدنا ترجمة لإيمانه وصدق يقينه بثواب الله تعالى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وهذا ما أشرت إليه قبل قليل؛ أن الناس تتفاوت أجورهم بحسب ما قام في قلوبهم من التصديق والبرهان، ولهذا من الضروري أن نفتِّش عن هاتين الخصلتين في صيامنا: الإيمان والاحتساب.

    والإيمان يتحقق بالإقرار، فإذا أقر الإنسان بوجوب الصيام فقد آمن بشرعيته، والاحتساب هو أن يأمل العقبى عند رب العالمين، فإن عاقبة الصوم عظيمة جليلة، فهي مما يدخل في قول الله جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر:10، ويكفي فيه ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».

    ومما ينبغي أن يتنبه إليه الصائم ما ذكره جماعات من السلف: ينبغي أن يكون يوم صومك مختلفًا عن يوم فطرك، وهذا الاختلاف ليس في الكسل والضعف والتواني عن الأعمال، والتأخُّر عن الواجبات وسوء الأخلاق، كما هو شأن كثير ممن يُتْبِع نفسه هواها، ويجعل الصيام فرصة للتنفيس عن العادات الرديئة؛ احتجاجًا بأنه صائم، وأنه مُنْهَك وأنه مُرْهَق، فهذا غلط، بل ينبغي أن يكون الصوم حاملًا للإنسان على طَيِّب الأخلاق وزَكِيِّهَا، وعلى النشاط، وعلى القيام بالواجبات وأداء الحقوق، وهو بطاعته لله تعالى في صيامه أعظم أجرًا من طاعته لله تعالى في غير الصيام، وذلك أن مشقة الصوم تؤثِّر على الإنسان ضَعْفًا، فإذا حمل نفسه على طاعة الله تعالى كان ذلك من أسباب الأجر، كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ وَنَصَبِكِ»، يعني: على قدر ما تُنْفِقِين من المال، وعلى قدر نَصَبِه، وهو الجهد والتعب الذي يُبْذَل في تحقيق طاعة الله جل وعلا.

    فهذه جملة من الخصال التي ينبغي أن لا تغيب عن الإنسان في يوم صومه.

    وخلاصته: ينبغي أن يكون يوم الصوم مختلفًا عن يوم الفطر، لا اختلاف نزول، بل اختلاف زكاء ونماء وصلاح وتقوى وإيمان.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    التفاصيل
    0
    1830
  • حول شهر رمضان
  • الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فلا ريب أن المؤمن تَتُوق نفسه إلى مواطن البر ومواقع الخير، وأزمنة المغفرة والرحمة، الله تعالى يقول: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} آل عمران:133، ويقول جل وعلا: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} الحديد:21، ورمضان هو من الأشهر التي تتنوع فيها أسباب المغفرة، وتتلوَّن فيها أسباب العطايا والْهِبَات والْمَنِّ من رب عظيم كريم يجزي بالعطاء على القليل الكثيرَ.

    وحق هذا الشهر لا شك أن النفوس تتوق إليه؛ لأنه شهر فيه حط الخطايا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، هذا عمل النهار، «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وهذا عمل الليل، ثم يكمل الفضل ويزداد الجود، فيقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»، ليلة واحدة من هذا الشهر، «إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

    فلا شك أن النفوس تتوق لمثل هذا الموسم المبارك الذي يُجْزِل الله تعالى فيه العطاء، ولو لم يكن في الصيام إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يخبر عن الرب جل وعلا: «يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، لكان ذلك كافيًا، فإنه ما من عمل ذَكَرَ اللهُ تعالى فيه أجرًا كهذا الأجر، وهو أنه أضافه إليه سبحانه وبحمده.

    وإذا قيل لك: هذا للملك، كان هذا مَدْعَاةً لرفعة شأنه وعُلُوّ مكانته، فكيف والذي أضافه إليه هو ملك الملوك جل وعلا سبحانه وبحمده، فلا شك أنه موسم كبير مبارك، ولو لم يكن فيه إلا هذه الفضائل لكان كافيًا في أن تتلهف النفوس إلى لقياه وإلى الاجتماع به، والله يعطي على القليل الكثيرَ، وبه نفهم السر الذي جاء في قول المعلَّى بن الفضل: كان سلف الأمة يَدْعُون الله ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، ويَدْعُون الله ستة أشهر حتى يتقبَّل منهم.

    إذًا هم في ارتباط عامّ ودائم بهذا الشهر؛ في استقباله، وفي تخليفه والذهاب عنه.

    التفاصيل
    0
    1889
محاضرات
  • حال السلف مع القرآن
  •  الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن نعم الله جل وعلا على هذه الأمة- أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نعم عظيمة متنوعة متعددة، لا حصر لها، ولا يمكن لإنسان أن يحيط بها في مجلس أو مجالس، إلا أن أعظم ما أنعم الله به جل وعلا على هذه الأمة، وعلى الناس عامة، إنزال الكتاب الحكيم، الذي امتن الله جل وعلا بإنزاله على الناس أجمعين؛ فإن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب خاتمة للكتب، وجعله حُجة على الخلق، فهو أعظم آيات الأنبياء، وأعظم ما جاءت به الأنبياء؛ لأنه المعجزة، والآية العظيمة الباقية التي لا يحد أثرها زمان ولا مكان، بل هي آيةٌ ما تعاقَب الليل والنهار، حتى إذا حِيل بين الناس وبين القبول، وصُرفت قلوبهم عن الإقبال على الكتاب، وتعطَّل الانتفاع به؛ رفعه الله جل وعلا في آخر الزمان؛ عندما لا ينتفع الناس به؛ فإن من تعظيم الله لكتابه أن يرفعه من المصاحف والصدور.

    أيها الإخوة الكرام.. بشَّر الله جل وعلا الناس عامة بإنزال هذا الكتاب الحكيم؛ فقد قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يونس: 57 ثم قال سبحانه وتعالى بعد هذه البشارة والبيان لِما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يونس: 58.

    هذه البشارة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرح، فكان فرِحًا بكتاب الله جل وعلا وبنعمه سبحانه وتعالى، وما خصه الله به من هذا الفضل العظيم، وفرِحت به الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هذا الكتاب من أعظم النعم عليهم، وكان انقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم ما أُصيبوا به؛ لِما في ذلك من انقطاع المدد من السماء، وانقطاع هذا الخير..

    هذا الكتاب فرح به التابعون ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لما تمتع به من الأوصاف العظيمة التي تكفل للناس سعادة الدارين؛ سعادة الدنيا وفوز الآخرة؛ فإن هذا الكتاب لا يَقتصِر نفعه على دار القرار؛ على الدار الآخرة، بل يجد المؤمن ثماره في الدنيا قبل الآخرة، فهو الكتاب الذي تصلح به أمور الناس، وتستقيم به أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة..

    ولذلك بشر الله به الناس عامة، فهو رحمة وهدى وشفاء، قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الإسراء: 82، وإنما خص المؤمنين بهذا لكونهم المنتفعين من هذا القرآن، وإلا فإن القرآن رحمة لكل أحد، ففيه الهدى والنور، وفيه ترتيب شئون حياة الناس، وإقامة معادهم، وإصلاح دنياهم وآخرتهم.

    ولذلك هذا الكتاب بهر عقول كثير من الناس، حتى من لم يؤمنوا به، فإن ما فيه من البيان وما فيه من الإعجاز وما فيه من الأسرار التي لا يحيط بها عقل، ولا يدركها بيان، ولا يحيط بوصفها لسان؛ أمر يفوق الوصف ويتجاوز التصور؛ وذلك لأنه كلام رب العالمين، والله جل وعلا قد قال في محكم التنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: 11.، فليس كمثل ربنا شيء؛ لا في صفاته، ولا في ذاته، ولا في أفعاله، ولا فيما يجب له سبحانه وتعالى.. ومن جملة ما وصف الله به نفسه الكلام، فكلام ربنا جل وعلا ليس كمثله شيء؛ كما أن صفاته سبحانه وتعالى ليس كمثلها شيء، كما أن سائر ما يتعلق به جل وعلا ليس له نظير.

    أيها الإخوة الكرام.. هذا الكتاب كما ذكرت لكم فرِح به السلف فرحًا عظيمًا، وأقبل عليه، ولم يشبع من تلاوته، ولا من قراءته؛ ففي أحوالهم وأمورهم، وما نُقل عنهم، وما نقلته كتب السير من أعمالهم؛ ما يتبين به عظيم فرحهم بهذا الكتاب، وعظيم إقبالهم عليه، وعظيم ما كانوا عليه من تعظيم لهذا الكتاب العظيم..

    إن السلف الصالح- أيها الإخوة- هم الصحابة بالدرجة الأولى، هم الذين شهِدوا التنزيل، وأخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، هم الذين اصطفاهم الله جل وعلا وخصهم بأن جعلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.. هؤلاء هم السلف بالدرجة الأولى، ويَلحَقهم في الفضل مَن أثبت لهم الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (2533).

    فالتابعون وتابعوهم ممن يندرج في مسمى السلف؛ لأنهم ممن أثبت لهم النبي صلى الله عليه وسلم الخيرية على سائر قرون الأمة، والخيرية في هذه الأمة لا يحصرها مكان ولا زمان، بل هي باقية، فالله جل وعلا قد أثبت الخيرية لمن اتبع المهاجرين والأنصار بإحسان؛ فقال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ التوبة: 100..

    فاتباع سلف الأمة بإحسان ينظمك في سلكهم، ويضمك إلى حزبهم، ولو لم تكن معهم في زمانهم، ولو افترقت عنهم في مكانهم، فتشاركهم في الفضائل إذا شاركتهم في الأعمال.

    أيها الإخوة الكرام.. إن هذا القرآن بيّن الله جل وعلا شأنه في كتابه الحكيم، وكفى ببيان الله بيانًا، وكفى بوصفه وصفًا فقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ق: 1... فوصفه الله سبحانه وتعالى بالمجد، والمجد في لغة العرب: السعة في أوصاف الكمال، فكل ما اتسع في أوصاف الكمال أُثبت له هذا الوصف، وأُطلق عليه هذا اللفظ، فالمجيد أي: الذي كمل في صفاته، واتسع في صفات الكمال والشرف حتى بلغ منتهاها، وبلغ غايتها، كيف لا وهو الروح، كيف لا وهو النور، كيف لا وهو الهدى، كيف لا وهو شفاء لما في الصدور؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ الإسراء: 82..

    وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (من) هنا ليست للتبعيض، بل هي لبيان الجنس، أي: إن كل القرآن شفاء لما في الصدور، وهو يشفي من الأمراض الحسية، ويشفي في الأصل وفي الأساس وبالدرجة الأولى من أمراض القلوب، ومن أمراض الشبهات، ومن أمراض الشهوات.

    أيها الإخوة.. إن سلف الأمة أقبلوا على هذا القرآن، وإن وقفةً مع بعض أحوالهم يتبين بها ما كانوا عليه رحمهم الله من حسن التعامل مع هذا القرآن، وليس عجبًا؛ فإن السلف الذين نتندر بما كانوا عليه من الفضائل، ونتعجب مما كانوا عليه من السبق؛ كانوا رضي الله عنهم على هذه المنزلة، وبلغوا هذه المرتبة بما ارتسموه من قول الله جل وعلا، وتوجيه رسوله صلى الله عليه وسلم.. فهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس إنما خرجت من بين دفتي المصحف الكريم، من بين هذا القرآن الحكيم، خرجت على ضوء توجيهات هذه الآيات المبينات وهذا القرآن العظيم..

    قال الله جل وعلا في وصف هذه الأمة؛ وأول من يدخل فيها الصحابة رضي الله عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: 110..

    ولا عجب بعد هذا أن تنقل السير والسنن والكتب والدواوين عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تلقوا عنهم من التابعين وتابعيهم؛ أن تنقل العجائب في التعامل مع القرآن الحكيم..

    إن وقفة مع بعض ما حفظته السنة من تعامل الصحابة وتلقيهم الحي للقرآن العظيم يعجب منها الإنسان، ففي الصحيح أخرجه مسلم (125) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة: 284...

    وهذه الآية يحفظها كثير منا، ويقرؤها كثير منا، لكنها لا تستوقف أكثرنا؛ وذلك لأننا لا نقرأ القرآن على وجه التلقي لما فيه من المعاني، بل نقرأ القرآن طلبًا للأجر بقراءة لفظه دون نظر إلى ما تضمنه من المعنى..

    صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنزل الله جل وعلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية التي فيها إثبات ما في السماوات وما في الأرض له سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا يحاسب الناس على ما دار في صدورهم، وما جال في نفوسهم، ولو لم يتكلموا به، ولو لم يعملوا؛ لما سمعوا هذا اشتد عليهم الأمر، فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب؛ أي: جلسوا على الركب من شدة ما جاءهم في هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله، كُلفنا من العمل ما نطيق؛ الصلاة، الصيام، الجهاد، الصدقة، وقد نزلت علينا آية لا نطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤدبًا هؤلاء، معلمًا لهم كيف يتلقون كلام رب العالمين: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ». فما كان منهم رضي الله عنهم إلا أن انقادوا إلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

    فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم، وتكلموا بها وقرءوها وقبلوها قبولًا تامًّا؛ جاء التخفيف والفرج من رب العالمين الذي قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ النساء: 147 أي: ما يفعل الله بإلحاق المشقة بكم إن شكرتم وآمنتم..

    جاء الفرج من الله جل وعلا لهذه الأمة، ونزل في كتاب الله جل وعلا تزكيتها، وبيان فضل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: 285، 286..

    فجاء التخفيف من رب العالمين بعد إثبات إيمانهم وقبولهم لما جاء عن الله وعن رسوله.

    أيها الإخوة.. الشاهد من هذا الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يتقبلون القرآن ويتلقونه على أنه شيء يُتلى وتُستنبط منه الأحكام، ويُعرف ما فيه من المعاني فقط، بل قرؤوه رضي الله عنهم على أنهم هم المخاطبون وهم المعنيون بما فيه من المعاني، ولذلك شق عليهم فراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي شق عليهم من هذا القرآن وهذا النبأ.

    وهذه القصة ليست الفريدة، وليست الوحيدة التي حفِظتها كتب السنة في فعل الصحابة رضي الله عنهم عندما أنزل الله جل وعلا ما وجد الصحابة رضي الله عنهم فيه مشقة وفيه عسرًا وصعوبة، ففي الصحيحين أخرجه البخاري (32)، ومسلم (124) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الله جل وعلا لما أنزل قوله سبحانه وتعالى على رسوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأنعام: 82. شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لقمان: 13 ».

    وهذه الآية فيها البشارة من الله جل وعلا لمن آمن وسلِم من أن يخلط إيمانه بظلم؛ فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوه بظلم، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لهم الأمن في الدنيا والآخرة، وهم مهتدون أيضًا في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية المثبتة لأهل الإيمان ليست فقط في الدنيا، بل الهداية في الدنيا والآخرة، وهداية الآخرة أعظم من هداية الدنيا، لكنها لا تكون إلا لمن اهتدى في الدنيا؛ لأن هداية الآخرة بها النجاة من أهوال ذلك الموقف العظيم الذي تشيب فيه الولدان ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ الحج: 2.

    أيها الإخوة.. صحابة رسول الله لما نزلت عليهم الآية أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد شق عليهم الأمر فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ يعني: مَن منا ما وقع في الظلم، فكلنا واقع في الظلم، وهذه الآية لا يحصل فيها الأمن ولا الاهتداء إلا بالإيمان الذي لم يخلط فيه الإنسان إيمانه بظلم، فشرط حصول الأمن والاهتداء ألا يقع الإنسان في الظلم، ففهم الصحابة أن هذا يشمل كل ظلم؛ الدقيق والجليل، الصغير والكبير، الشرك فما دونه، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فشكوا له أنه لا سلامة من الظلم، بل كل إنسان ظالم؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» أخرجه الترمذي (2499)، وابن ماجه (4251).

    وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب: 72. حيث حمل الأمانة وقد أعرض عن حملها السماوات والأرض والجبال ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، وهذا الوصف لا يختص بفرد من الناس ولا بجنس منهم، بل هو لعموم الإنسان، فكلهم ظالم جهول، ولا يسلم الإنسان من هذين الوصفين إلا بالاهتداء بكتاب الله وبما جاءت به الرسل عن الله سبحانه وتعالى.

    أيها الإخوة الكرام.. لما جاء الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكُون ما في هذه الآية، ويبينون مشقتها قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ» أي: ليس الظلم هو الذي ذهبتم إليه، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لقمان: 13 ».

    فالظلم الذي في الآية هو الشرك، فهان الأمر على الصحابة رضي الله عنهم.

    والشاهد- أيها الإخوة- أن الصحابة رضي الله عنهم لم يتلقوا القرآن تلقيًا باردًا، بل تلقوه للعمل، وأخذوا به على أنهم هم المعنيون، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله جل وعلا في كتابه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك» يعني: أصغ إليها وأعطها أذنك «فهي إما خير تُؤمر به أو شر تُنهى عنه» أخرجه أحمد في الزهد (866)، وسعيد بن منصور في التفسير (50).

    وهذا لكونهم أخذوا القرآن للتلقي والعمل، وأن كل ما فيه خطاب لكل من سمعه، خطاب لكل من بلغه، وليس المخاطب فيه قوم مضوا ولم يبقَ لنا منه إلا أن نتعبد ونتقرب إلى الله جل وعلا بما فيه من الألفاظ، وما فيه من الكلام الذي جرّد عن معناه، ولم يقصد بما تضمنه.

    إن الصحابة رضي الله عنهم ضربوا في هذا أمثلة رائعة، وانقادوا لما في كتاب الله جل وعلا انقيادًا تامًا، فهذا أبو بكر رضي الله عنه تُتهم ابنته عائشة بالزنا، ويبرئها الله جل وعلا في سورة النور في قصة الإفك، ويتبين أن من جملة من رمى عائشة وتكلم فيها مِسطَح بن أُثاثة، وهو قريب لأبي بكر رضي الله عنه، كان فقيرًا، وكان أبو بكر يصله بالإعانة، ثم لما تبين الأمر وتبينت براءة عائشة رضي الله عنها حلف ألا يصله بشيء من عطاياه بعد أن فعل ما فعل، فأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ النور: 22. فقال أبو بكر رضي الله عنه: «بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي» أخرجه البخاري (4750)، ومسلم (2770). فانتهى أن يمتنع عما جرت به يده رضي الله عنه من الصدقة والإحسان على مسطح بسبب ما كان منه من إساءة لعائشة رضي الله عن الجميع.

    أيها الإخوة الكرام.. إن الصحابة رضي الله عنهم فاقوا الأمة في جوانب عديدة، من ذلك قراءتهم للقرآن؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم لازموا قراءة هذا القرآن، فكان أحدهم يلقى أخاه في الطريق فيقول: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر، وكانوا إذا اجتمعوا- كما ثبت عنهم رضي الله عنهم- جعل أحدهم يقرأ والبقية يستمعون للقرآن، فالقرآن كان مخالطًا لحياتهم؛ في قلوبهم، في مجالسهم، في تذكرتهم وموعظتهم، فالقرآن دخل معهم في كل أمر، وكانوا رضي الله عنهم مقترِنين به، مقبِلين عليه، مشتغِلين به عن غيره، فلذلك فاقوا غيرهم في الفقه، وفاقوا غيرهم في العمل، وفاقوا غيرهم في الجهاد، وفاقوا غيرهم فيما كتب الله على أيديهم من النصر، كل هذا كان بسبب ما كانوا عليه من تعاهد القرآن والإقبال عليه، والأخذ به، والاستكثار منه..

    إن الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم يقرأ القرآن في مجلسه، ويقرأ القرآن في صلاته، وفي طريقه، وفي كل شأنه، وقد كان عثمان رضي الله عنه ليلة مقتله تاليًا لكتاب الله جل وعلا، حتى إنه ذُكر أن الذي قتله- عليه من الله ما يستحق- قتله وكان في يديه كتاب الله جل وعلا.

    أيها الإخوة الكرام.. سار السلف الصالح التابعون ومن بعدهم على منوال أولئك في قراءة الكتاب الحكيم وفي الأخذ به، رضي الله عنهم، فهذا عثمان بن عفان يقول: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، لكن ما رأيت أشد مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله تعالى منه، رضي الله عنه. وقال آخر: ما رأيت أحسن انتزاعًا لما أراد من آي القرآن من أبي سهيل بن زياد، وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل والتلاوة، فلكثرة درسه صار القرآن كأنه بين عينيه، يعني في الاستشهاد والاستفادة مما في هذا القرآن من الأحكام.

    يقول أيضًا آخر في وصف ما كان عليه مالك بن أنس إمام دار الهجرة: قيل لأخت مالك بن أنس: ما كان شغل مالك بن أنس في بيته؟ قالت: المصحف والتلاوة. فهذا شغل الإمام مالك رحمه الله في بيته؛ المصحف والتلاوة.

    والآثار في ذلك كثيرة، ومن العجيب أن بعض السلف كان إذا اجتمع إليه أصحابه أوصاهم عند التفرق بألا يجتمعوا في سيرهم، بل يمشي كل واحد منهم بمفرده، قال لهم: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا؛ لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم فانشغلتم عن القرآن.

    هكذا كان السلف رحمهم الله في قراءتهم القرآن، وإقبالهم عليه، وحرصهم على تلاوته، لكن هذه التلاوة لم تكن مجرد قراءة للألفاظ؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى على الذين يتلون الكتاب ثناءً حسنًا في كتابه، ولكنه أيضًا ذمّ قومًا يقرءون الكتاب لكنهم لا يفقهون ما تضمنه الكتاب من التوجيه؛ فقال الله جل وعلا في وصف طائفة من بني إسرائيل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ البقرة: 78. يعني: إلا قراءة، ليس عندهم من معرفة كتاب الله، ولا من نصيب من هذا الكتاب إلا مجرد التلاوة، فليس عندهم فقه ولا معرفة ولا فهم للمعنى، ولا تدبر، ولذلك حث الله جل وعلا في كتابه على النظر في الآيات، ومن جملة ذلك الآيات التي تضمنها الكتاب الحكيم، قال الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ص: 29..

    فهذا الكتاب أنزله الله جل وعلا، ووصفه بأنه مبارك، ثم بين الطريق الذي تحصل به بركة هذا الكتاب، والطريق الذي تُنال به خيرات هذا الكتاب؛ فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: ليحصل لهم التدبر، ولا سبيل لتحصيل بركة الكتاب إلا بهذا.

    وقد أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم في أول البعثة بقيام الليل؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)﴾ أي: ترسّل في قراءته ورتل القرآن ترتيلًا ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ وهو القرآن فالقرآن، قول ثقيل يحتاج إلى تهيئته ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)﴾ المزمل: 1 – 6..

    أمره بقيام الليل وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، يعني يتفق فيها قول اللسان مع تدبر القلب ونظره وتأمله وتفكره.

    وناشئة الليل قيل في تفسيرها: أوقات الليل، وقيل في التفسير أيضًا: عمل الليل، وكلا القولين يؤيد ما استشهدنا به من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله عز وجل بما أمره، ووجهه بأن يكون ذلك في الليل قيامًا؛ لكونه أدعى لمواطأة القلب اللسان بالتدبر.

    وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيه الله جل وعلا وأمره؛ ففي صحيح مسلم رقم (772) عن حُذيفة بن اليَمَان رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة.

    كل هذا من نبينا صلى الله عليه وسلم في ركعة في ليلة. وما هي صفة هذه القراءة؟ هل هي قراءة الذي لا يعقل له معنى ولا يعرف له مقصود؟ لا والله، يقول حذيفة رضي الله عنه في وصف قراءته صلى الله عليه وسلم: إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ.

    هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قراءة تدبر ونظر وتفكر، ليست قراءة هَذٍّ، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف القراءة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن؛ قال: «لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثِرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ» أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8733).

    هذا القرآن فيه من العجائب والأسرار ما لا ينفتح للذي يقرؤه قراءة عجلى، قراءة لا تدبر فيها ولا نظر؛ فإن الله جل وعلا يمنع من امتهن القرآن ولم يعطه حقه من أن يقف على أسراره وعجائبه..

    السلف رحمهم الله من الصحابة ومن بعدهم كان أحدهم يجلس في تعلم سورة من القرآن سنين متطاولة، فابن عمر رضي الله عنه جلس في تعلم سورة البقرة ثماني سنين، وقيل: جلس اثنتي عشرة سنة في تعلم سورة البقرة، وكانوا رضي الله عنهم كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: " كان الذين يقرئننا القرآن من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- عثمان وأبي بن كعب وغيرهما ممن كانوا يقرئون التابعين- فَأَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهُنَّ إِلَى الْعَشْرِ الْأُخَرِ حَتَّى يَعْمَلُوا مَا فِيهِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أخرجه الطبري في التفسير (82)..

    هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، فابن مسعود يقول: كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ أخرجه الطبري في التفسير (81)..

    وروى مالك أن ابن عمر رضي الله عنه تعلم البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جَزورًا رضي الله عنه أخرجه البيهقي في الشعب (1805).-.

    وطول هذه المدة ليست فقط لحفظ ذلك وضبطه من جهة اللفظ، بل إن المظنون فيهم رضي الله عنهم أنهم أسرع حفظًا من المتأخرين، لكنهم كانوا يتفقهون وينظرون إلى ما تضمنه هذا الوحي من الخير العظيم الذي حصّل لهم الفقه..

    فكلامهم رضي الله عنهم قليل لكنه كثير البركة؛ لأنه نابع عن فقه ونظر دقيق، أما كلام المتأخرين فهو كثير لكنه قليل البركة.

    أيها الإخوة الكرام.. الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم يقيم الليل بآية واحدة، وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ كما في حديث أبي ذر فإنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح يرددها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118] أخرجه النسائي (1010)، وابن ماجه (1350). هذه الآية أقام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة تامة في ترديدها وقراءتها.

    وورد ذلك عن جمع من الصحابة؛ فعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الجاثية: 21. ردد هذه الآية حتى أصبح.

    وورد ذلك أيضًا عن أسماء رضي الله عنها أنها قرأت قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ الطور: 27. فوقفت رضي الله عنها عندها فجعلت تعيدها وتدعو، يقول الراوي: فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو رضي الله عنها.

    هذا التدبر للقرآن، فالتكرار في آيات القرآن ليس تكرارًا لطلب الأجر بقراءة الأحرف، إنما هو لطلب ما فيها من المعاني، وطلب ما فيها من الخير.

    وورد أن ابن مسعود رضي الله عنه ردد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه: 114.

    وورد عن سعيد بن جبير رحمه الله أنه ردد قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ البقرة: 281-.

    وورد ذلك عن جمع من التابعين والصحابة رضي الله عنهم.

    والترديد للآية ليس أمرًا مشروعًا في الفرائض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يُنقل عنه، إنما هو في النوافل؛ كما جاء ذلك في أثر حديث أبي ذر الذي رواه النسائي وغيره.

    وهذا الترداد للآيات هو من شواهد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتدبرون القرآن؛ لأن الترداد والتكرار لهذه الآيات إنما هو للنظر في معانيها، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطيلون البكاء عند آيات الكتاب، ولا عجب فقد رأوا ذلك من رسولهم صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك فإن الله جل وعلا أثنى في كتابه على الأنبياء وعلى أولي العلم الذين يخرون للأذقان سُجَّدًا والذين يخرون للأذقان يبكون مما في هذا الكتاب من المواعظ؛ قال الله جل وعلا في وصف جماعة من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ مريم: 58..

    وانظر إلى قوله: ﴿خَرُّوا﴾ الذي يدل ويشعر بالمسارعة إلى السجود، وأن السجود سجود ذل وخضوع وانكسار وتضرع: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.

    أيضًا أخبر الله جل وعلا عن قوم من أهل الكتاب فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ المائدة: 83..

    فشواهد ثناء الله جل وعلا على الباكين عند تلاوة القرآن كثيرة، وهي من الفضائل التي امتدح الله بها من امتدح من النبيين ومن أولي العلم، وممن تعقلوا وتدبروا ما في هذا الكتاب من الحكم.

    ولذلك كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم من أعظم الخلق نصيبًا في ذلك؛ ففي حديث عبد الله بن الشِّخِّير قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ منَ البكاء أخرجه أبو داود (904)، والنسائي (1214)..

    والأزيز: هو الحركة والحنين الناتج عن التدبر والتأثر بالقرآن الحكيم.

    وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين البخاري (4582)، ومسلم (800). من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: «اقْرَأْ عَلَيَّ». فقال عبد الله رضي الله عنه: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». يقول: فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ النساء: 41.- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكْ» فإذا عيناه تذرفان بكاءً من تأثره صلى الله عليه وسلم بما سمع.

    وقد سار على ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأبو بكر الصديق رضي الله عنه ابتنى مسجدًا بفناء داره وهو بمكة، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فتَتَقَصَّف عليه نساء المشركين- أي: تجتمع- وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلًا بكّاءً، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن.

    وهذا ليس خاصًّا بأبي بكر رضي الله عنه، بل إن عمر رضي الله عنه مع ما عُرف به من الشدة والقوة كان رضي الله عنه بكّاءً، يقول من روى من أصحاب السير: إن عمر رضي الله عنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف، فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته. وفي رواية أنه كان يقرأ ذلك في صلاة العشاء، فهذا يدل على كثرة تكراره لهذه السورة، وأنه رضي الله عنه كثير البكاء.

    ويقول عبد الله بن شداد بن الهاد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح يقرأ في سورة يوسف: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ يوسف: 86..

    أيها الإخوة.. إن الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في البكاء والتأثر بتلاوة القرآن عديدة وكثيرة، لكن هنا وقفة مع حال السلف في التأثر والبكاء عند قراءة القرآن؛ فالبكاء نوعان: نوع يأتي بلا طلب وبدون تكلف، وهو ما يكون من تأثر طبيعي لا يطلبه الإنسان، إنما هو ناتج عن تدبره وتأمله لما في هذه الآيات من الترهيب أو الترغيب أو عظيم صنع الله جل وعلا، أو عظيم وصفه، وهذا لا شك أنه الذي كان عليه حال السلف رضي الله عنهم، وهو دال على سلامة القلب ولينه وصحته وحياته.

    النوع الثاني: هو البكاء الذي يكون بطلب، فيحث الإنسان نفسه على النظر في معاني الكتاب ليتأثر، ومنه قول عمر رضي الله عنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان: يا رسول الله، أخبرني ما يبكيك وصاحبك؛ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما أخرجه مسلم (1763)..

    وليس المقصود أنه يتكلف البكاء، إنما يطلب أسباب البكاء التي من أجلها حصل البكاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر.

    وعليه يُحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا» أخرجه ابن ماجه (1337).

    فهذا الحديث يدل على مشروعية التباكي، لكنه التباكي الذي ليس فيه تكلف، وليس فيه طلب رياء ولا سمعة، إنما فيه طلب التأثر بالكتاب إذا كان القلب قد منعه مانع أو عرض وحال دون حصول البكاء منه حائل.

    فينبغي لنا أن نطهر قلوبنا، وأن نطيبها ليحصل بها التأثر بالقرآن دون تكلف.

    أيها الإخوة.. هذا التدبر، وهذا الترداد، وهذا البكاء ليس آنيًّا محصورًا بوقت القراءة لا يثمر أثرًا ولا يحصل به ثمر لما بعد القراءة، بل إن حال الصحابة رضي الله عنهم حال تأثر ممتد، حال تأثر غير منقطع، ولذلك كانت أعمالهم رضي الله عنهم على خير حال، وعلى خير مطلوب؛ لأنهم رضي الله عنهم أثمر هذا التأثر في حياتهم..

    والواقع في حياة الناس اليوم أنك تجد في بعض الصلوات من يبكي عند قراءة القرآن بكاءً خاشعًا، إلا أن هذا لا يتجاوز حدود المسجد الذي حصل فيه التأثر، وحصل فيه البكاء، فليس لهذا البكاء أثر في العمل، ولا أثر في السلوك، ولا أثر في الأخلاق، ولا أثر في ترك المعصية، ولا أثر في الإقبال على الطاعة. ولا شك أن هذا قصور فيما ينبغي أن يكون عليه أثر القرآن؛ قال الله جل وعلا في بيان أثر القرآن فيمن اتبعه وأخذ به: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ طه: 123. لا يضل في عمله، ولا يشقى في مآله، ولا في حاله، فهو سالم من الضلال، وسالم من الشقاء.

    فلذلك ينبغي لقارئ القرآن وسامعه أن يكون للقرآن أثر في سلوكه وخُلقه، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن- ولا يلزم أن يكون هذا للحافظ فقط، بل هو لكل حامل له، ولو حمل شيئًا منه- أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا عليمًا سكينًا-أي: ساكنًا- ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا صخابًا ولا صياحًا ولا حديدًا أخرجه أحمد في الزهد (885). أي: ولا شديدًا في مطالبة الخلق ولا معاملتهم.

    وقد ورد مثل هذا التوجيه وبيان أثر القرآن في حامله وفي القارئ له في عدة أقوال من أقوال الصحابة رضي الله عنهم؛ منها ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ، اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِم مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ» أخرجه الدارمي في السنن (394).

    أي: لا يجاوز حناجرهم، بل مجرد قول على اللسان، ليس له أثر في القلب. ولا شك أن هذا الحاجز وهذا المانع يمنع من التأثر بالقرآن والانتفاع به.

    أيها الإخوة الكرام.. إن الصحابة رضي الله عنهم نزل القرآن معالجًا لأمراضهم، وما كان من الوقائع، ولذلك كانوا يتوقعون القرآن ويرقبون ويجلون ويخافون أن ينزل شيء يبين شيئًا من عوراتهم، أو يكشف شيئًا مما يكرهونه، أو يكون سببًا لهلاك بعضهم، فكانوا رضي الله عنهم على غاية الحذر والوجل في نزول القرآن وفي تلقيه، ولذلك كانت أحوالهم مستقيمة رضي الله عنهم.

    الصحابة- أيها الإخوة- كانوا إذا نزلت الآية تلقوها على الوصف السابق، ثم كان العمل وكان الإقبال على سائر العمل الصالح، وكان إذا عاتبهم الله جل وعلا وجد منهم الانزجار؛ كما قال الله جل وعلا في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الحديد: 16..

    فكان الصحابة رضي الله عنهم يعاتَبون بالقرآن فيحصل منهم الاستعتاب، ويحصل منهم المراجعة، ويحصل منهم إصلاح الخطأ، فإذا نزلت بهم مصيبة أو نزلت بهم هزيمة كما جرى في أُحُد وطلبوا السبب جاءهم الجواب؛ كما قالوا في غزوة أحد ﴿أَنَّى هَذَا﴾ أي من أين أتينا؟ قال الله جل وعلا في بيان ذلك: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ آل عمران: 165..

    أيها الإخوة الكرام.. الصحابة رضي الله عنهم اهتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن، وفي تلاوته، وفي العمل به، وفي جعله منهجًا للحياة؛ سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت في جملة مختصرة تجمل مسلك النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وخلقه: كان خلقه القرآن أخرجه أحمد (25302)..

    فكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن؛ يعمل به في نهاره، ويقوم به في ليله، فهو قائم به، عامل به آناء الليل وآناء النهار، لا يتركه لحظة من اللحظات، بل كان يترجم القرآن ويبينه للناس بقوله وعمله وسائر شأنه صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم ساروا على هذا المنوال، فكانوا ينظرون إلى القرآن في كل أحوالهم وفي كل أعمالهم، ولذلك لما سئل ابن عمر رضي الله عنه عن مسألة من مسائل الحج قال لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب: 21. فلما طلبوا دليل فعل من الأفعال لم يجبهم بأن النبي فعل أو ترك، إنما لفت أنظارهم إلى الدليل الأكبر الذي ينتظم كل فعل فعله صلى الله عليه وسلم وكل قول قاله، قال لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

    القرآن أيها الإخوة منزلته عند السلف مقدَّمة على سائر العلوم، ولذلك كانوا لا يشتغلون مع القرآن بشاغل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منع كتابة الحديث حتى استقر الأمر ومُيز القرآن عن غيره وحُفظ القرآن عن غيره، وقيل: إن منع النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في وقته صلى الله عليه وسلم إنما كان ليتميز القرآن عن غيره، ولئلا يشتغل الناس بغير القرآن، حتى بقوله صلى الله عليه وسلم.

    وقد تنبه الصحابة إلى هذا الأمر، فكان القرآن عندهم بالدرجة الأولى، حتى إنهم كانوا يقولون: إذا قرأ الرجل سورة البقرة وآل عمران جدَّ فينا أخرجه أحمد (12215). أي: عظم وارتفع قدره، وكان له من المنزلة ما ليس لغيره. وسورة البقرة تضمنت الأحكام الكثيرة والأوصاف العظيمة لرب العالمين؛ ففيها آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله جل وعلا.

    أيها الإخوة.. إن الصحابة كانوا لا يعدلون بالقرآن شيئًا، والناظر في أحوال كثير ممن يشتغلون بالعلم في هذه الأزمنة يجد أنهم عن القرآن معرضون، والإعراض ليس إعراض هجر وبُعد، إنما هو إعراض ترتيب في أولويات طالب العلم، إن أولى وأعظم ما اشتغل به من أراد العلم أن يشتغل بالقرآن العظيم حفظًا وتلاوة وتدبرًا وفهمًا للمعنى، وإقبالًا على ما قاله أهل العلم في هذا الكتاب الحكيم.

    وقد سار على هذا السلف الصالح، فكانوا يقدمون القرآن على كل شيء، واستمع إلى ما جرى لابن خزيمة رحمه الله، وهو الملقب بإمام الأئمة، يقول ابن خزيمة: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة- ليتلقى عنه- قال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك، فاستظهرتُ القرآن- أي: حفظته- فقال: امكث حتى تصلي بالختمة- يعني حتى تصلي بنا وتختم بالقرآن- يقول: ففعلت، فلما عيّدنا- أي: انتهى رمضان- وختمت بهم القرآن أذن لي، فخرجت إلى مرو- يطلب هذا المحدث ليتلقى عنه- وسمعت بمرو من فلان وفلان، فنعي إلينا قتيبة. أي: إنه لم يدركه ولم يتلقَّ عنه.

    والشاهد من هذا أن السلف رحمهم الله، ومن سلك سبيلهم، ومن سار على طريقهم كانوا يجعلون القرآن في المرتبة الأولى في التعلم، وحال الناس اليوم أنهم يشتغلون بعلوم الآلات وبالعلوم الأخرى عن القرآن، فليس لهم نصيب من التفسير.

    أيها الإخوة الكرام.. النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا معيارًا دقيقًا، وميزانًا واضحًا قسطًا في مسألة الخيرية؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» أخرجه البخاري (5027)..

    وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ممن لا ينطق عن الهوى، في فضيلة تعلم القرآن وتعليمه. وليس التعلم هنا فقط تعلم الألفاظ، إنما هو تعلم اللفظ مع المعنى، فإقبال الناس وإقبال المرء على القرآن دليل واضح على خيريته، وله من الخيرية بقدر هذا الإقبال، فالذي يقبل فقط على حفظ القرآن فيه من الخيرية ما يقابل الحفظ فقط، والذي يقبل على حفظه وفهم معناه وتدبره واستنباط الحكم والأحكام منه فهذا فيه من الخيرية ما ليس في غيره، ومن يقبل على هذا كله حفظًا وفهمًا وتدبرًا، ويُتبِع ذلك بالعمل، فهذا فيه من الخير ما ليس في غيره، وهلم جرًّا...

    فبقدر أخذك للقرآن علمًا وعملًا بقدر ما يكون معك من الخير، وبقدر ما يحصل لك الكمال، فإذا استكملت مراتب التعلم انتقلت إلى مراتب التعليم، والتعليم للقرآن العظيم من خير الأعمال؛ لأنه به تُحفَظ الشريعة، وليس فقط التعليم للفظ، بل التعليم للفظ والمعنى.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    التفاصيل
    0
    547
  • محاضرة لبيك
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إلـٰه إلا الله، إلـٰه الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَنِ اتّبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
     أما بعد:
    فحياكم الله أيها الإخوة في هذا اللقاء، وأبدؤه بذكر حقيقة يدركها كل واحد منا، إلا أن هذه الحقيقة غائبة عن كثير من الناس؛ لا أنهم ينكرونها ولا لأنهم لا يصدقون بها، بل هم في غفلة عنها..
    أعمارنا - أيها الإخوة - أيام قلائل، سرعان ما تنقضي وتزول، فعمري وعمرك إنما هو أيام، إنما هو ليالٍ، ثم ينقضي ذلك، مهما طال العمر ومهما امتدت الأيام والليالي، إلا أن ذلك لا يخرج عن قول الله تعالىٰ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء: 52 . . تعتقدون وتصدقون وتجزمون في ذلك اليوم أن لُبْثَكُم في الحياة الدنيا قليل، ليس بأمد طويل ولا بزمن كبير؛ إنما هو قليل، وقد قال جل وعلا: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المؤمنون: 114 . .
    لَعَمْـُرَك ما الأيـامُ إلا مَفَـازة *** فما اسطعتَ من مَعرُوفِها فتَزَوَّدِ
    فالأيام مفازة يقطعها الناس إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو إلى دار يُعذَّب فيها أهلها عذابًا ما دامت السماوات والأرض؛ عذابًا دائمًا لا ينقطع.
    كتب الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله في وصيته كلمات بمثابة المصابيح التي تبيّن لنا حقيقة الدنيا، وما ينبغي أن نكون عليه في نظرنا إليها وتعاملنا معها.
    يقول رحمه الله في وصيته:
    «اغتنم -رحمك الله- حياتك النفيسة، واحتفظ بأوقاتك العزيزة، واعلم أن مدة حياتك محدودة، وأنفاسك معدودة، فكل نفَس يَنقُص به جزء منك، والعمر كله قصير».
    العمر مهما امتد ومهما طال ومهما كثرت سنواته وامتدت أعوامه إلا أنه قصير «والباقي منه هو اليسير».
     يقول رحمه الله في بيان قيمة أعمارنا: «وكل جزء منه» أي: من عمري وعمرك «جوهرة نفيسة لا عِدْل لها، ولا خلف منها؛ فإن بهذه الحياة اليسيرة خلودًا أبديًّا في النعيم أو العذاب الأليم، وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد علمت أن كل نَفَس يعدل أكثر من ألف عام في نعيم لا خطر له» أي: لا خوف عليه أن يزول أو يرتفع، «وما كان هكذا فلا قيمة له، فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير عمل، ولا تُذهبها بغير عوض، واجتهد ألا يخلو نفس من أنفاسك إلا في عمل طاعة أو قربة تتقرب بها إلى الله، فإنك لو كانت معك جوهرة من جواهر الدنيا لساءك ذهابها، فكيف تفرط في ساعاتك وأوقاتك، وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟».
    هذه الكلمات -أيها الإخوة- من هذا العالم الموفَّق الإمام ابن قدامة رحمه الله بمثابة المصابيح والإضاءات والتنبيهات التي ينبغي أن نقف عندها؛ لندرك حقيقة أعمارنا، حقيقة حياتنا، حقيقة وجودنا في هذه الدنيا، إنها فرصة، إنها منّة، إنها منحة، أيامك معدودة فلا تفرّط فيها، ولا تضيّعها فيما لا يعود عليك بالخير، كيف لا تحزن على ساعات تمضي بلا خير ولا بر ولا طاعة ولا إحسان؟
    نسير إلى الآجال في كل ساعة *** وأيامنا تُطوى وهُنّ مراحلُ
    ولم نرَ مثل الموت حقًّا فإنه *** إذا ما تخطته الأمانيُّ باطلُ
    وما أقبحَ التفريطَ في زمن الصِّبا *** فكيف به والشيبُ في الرأسِ شاعِلُ
    ترحَّلْ منَ الدنيا بزادٍ منَ التُّقَى *** فعُمرك أيامٌ تُعَدُّ قلائلُ
    أيامي وأيامك أيام قلائل، ليست أيامًا ممتدة خالدة، إنما هي أيام معدودة سرعان ما تنقضي وتزول، ويبقى ما كان فيها من عمل، إما من خير يُسرّ به العبد، وإما من الإساءة التي يُؤاخَذ بها ويسوءُه أن يلقاها عند الله تعالىٰ.
    أيها الإخوة، إن عمر المؤمن لا قيمة له في الحقيقة؛ لأنه زرْع الآخرة؛ لأنه بذْر ما يجنيه يوم القيامة من نعيم ممتد لا ارتحال عنه ولا ارتفاع ولا زوال.
    قال سعيد بن جبير رحمه الله: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة. ولا شك أن هذا إنما يكون لذلك الذي نظر إلى الدنيا نظرة بصر وتفكر واعتبار، أما ذاك الذي يدفع الليالي والأيام، ذاك الذي لا يقيم لزمانه وزنًا ولا لعمره قيمة، فإنه لا قيمة لعمره في الحقيقة.
    أما المؤمن فإن أيامه ولياليه لها قيمة، وهي غنيمة عظيمة؛ لأنه يعمرها بما يرضى الله به عنه، ويعمرها بالصالحات والطاعات، ويقطعها بما فيه فوزه ورفعة درجاته وحط خطاياه ووضع أوزاره.
    قال بكر بن عبد الله المزني رحمه الله، وهو من كبار التابعين: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يا ابن آدم، اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: يا ابن آدم، اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي.
    وهكذا هي الأيام والليالي شهود علينا بما فيها من الصالحات، شهود علينا بما حوته من الأعمال. فواجب وحق على كل عاقل بصير أن يغتنم أيام عمره، وأن يبادر فيها إلى كل بر وطاعة، وألا يغره صغر سنه، أو تقدم عمره، فإن من الناس من ينظر إلى الصغر على أن الأجل بينه وبينه مفاوز فيُقعده ذلك عن كثير من الخير، ومن الناس من يشيب على الإساءة ثم يأتيه الشيطان فيقول له: قد فرّطت في زمن الصغر ولا سيبل لك إلى العودة والرجعة.
    وكل هذا من وساوس الشيطان؛ فإن الله سبحانه وتعالى - كما في صحيح الإمام مسلم رقم (2759) . من حديث أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه - «يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
    فينبغي لنا -أيها الإخوة- أن نبادر أعمارنا، وأن نسابق إلى ما فيه رضوان الله جل وعلا، وأن نغتنم أعمارنا من الليالي والأيام، فإنها فرصة عظيمة.
    ولقد فهم هذا وفطن له سلفنا الصالح رحمهم الله، فكانوا يسابقون إلى كل خير، فإذا رأيت سيرهم وسمعت كلامهم وجدت أمرًا عجبًا؛ رأيت قومًا اجتهدوا في الاستكثار من الصالحات، وشمروا في الاستزادة من التقوى، ورأيت قومًا بلغ بهم الجد والاشتغال في الصالحات حتى إنه لو قيل لأحدهم: إن القيامة تقوم غدًا؛ ما قدر أن يزيد في عمله شيئًا؛ وذلك لأنه لم يبقَ من وقته ما يضيع أو ما يذهب سُدًى؛ بل المستثمر لأيام عمره وأيام زمانه، يستثمر لحظاته قبل ساعاته، وهذا هو شأن أولئك الذين فطنوا لقول الله تعالىٰ في وصف أوليائه وخُلَّص عباده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ الأنبياء: 90 . . هكذا ينبغي أن يكون المؤمن؛ يسارع، يسابق، يجري في طاعة الله عز وجل، ويسير فيها سيرًا حاثًّا؛ لعله يدرك فضل الله جل وعلا، ويدرك رحمته سبحانه وتعالى، وقد وصف الله سبحانه وتعالى قومًا من عباده فقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ المؤمنون: 61 . سابقون أن تفوتهم، سابقون أن يذهب عليهم فضل أو يسبقهم خير فلا يدركوه، إنهم يسارعون في الخيرات كما قال تعالىٰ: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ .
    قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا»، فهذا من عبد الله بن المبارك رحمه الله بيان لما كان عليه سلفنا الصالح من الانجذاب إلىٰ الطاعة والإقبال على الخير دون عوائق ودون موانع، يقول رحمه الله: «إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره»؛ أي: لا تستجيب لطاعة الله عز وجل، ولا تُقبِل على الخير إلا بنوع من الإكراه، قال رحمه الله: «فينبغي لنا أن نكرهها»؛ ينبغي لنا أن نحملها على طاعة الله عز وجل؛ فقد «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»؛ كما رواه الإمام مسلم رقم (2822). من قوله صلى الله عليه وسلم.
    فينبغي لنا أيها الإخوة أن نروّض أنفسنا، وأن نربيها على طاعة الله عز وجل، وأن نحملها على الجادة، وأن ننظر إلى سير أولئك القوم الذين أثنى الله عليهم، وبيّن عظيم سبقهم، فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأعمال الطاعة في جميع أزماننا وفي كل أوقاتنا وفي كل أحوالنا، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الحج: 77 . . فإن الله سبحانه وتعالى أمر بأنواع من العبادات من الركوع والسجود، وأمر بالعبادة على وجه العموم، ثم أمر بفعل الخير، وكل ذلك أمر منه سبحانه وتعالى لعباده أن يشتغلوا بالصالحات دَهرَهم؛ لأن الإنسان لا يعلم نجاته في أي محل ولا في أي وقت تحصل، فينبغي له أن يسابق وأن يسارع؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا باغتنام الأعمار ومسابقة الآجال؛ قال تعالىٰ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الحديد: 21 . .
    أيها الإخوة الكرام.. إن الله سبحانه وتعالى لم يرضَ في سيرنا إليه، ولا في سفرنا إليه أن نمشيَ مشيًا كالًّا، مشيًا وئيدًا؛ بل طلب منا جل وعلا أن نسابق إليه مسابقةً، وأن نسارع إليه مسارعة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ الحديد: 21 . ، وقال سبحانه وبحمده: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران: 133 . . اللهم اجعلنا من عبادك المتقين.
    أيها الإخوة الكرام.. إن الله سبحانه وتعالى أخبر في مواضع كثيرة من كتابه أن الناس يختلفون في سيرهم، ويختلفون في أعمالهم، ويختلفون في إقبالهم على ما ينفعهم في هذه الدنيا، فقال جل وعلا من جملة ما ذكر: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ البقرة: 148 . أي: لكل طريقة، ولكل اتجاه يسلكه في حياته.. يسلكه في إصلاح آخرته.. يسلكه في عمارة دنياه، إلا أن الذي ينبغي أن يعمل به كل صالح، وكل مفلح، وكل مؤمن، وكل من يرجو نجاته؛ هو ما ذكره الله سبحانه وتعالى في خير وِجهة، وهي الوجهة التي يُقصد فيها جل وعلا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ البقرة: 148 . ؛ أي: سابقوا إلى الخيرات استكثارًا، سابقوا إليها تحصيلًا، سابقوا إليها أخذًا ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة: 148 . .
    فالله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نستبق الخيرات حتى لا تفوتنا، وأمرنا أن نستبق إليها حتى لا تضيع علينا، وحتى لا تذهب سُدًى، فإن الإنسان في هذه الدنيا يسير وهو قد أُعد له من العداوات ما يحُول بينه وبين بلوغ الغايات، إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى وحفظه، فإن الشيطان قد قال وأخذ على نفسه الميثاق: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف: 16، 17 . هكذا أخذ الشيطان على نفسه عهدًا أن يصدنا عن كل خير، وأن يحول بيننا وبين كل بر، وأن يزين لنا كل شر، وأن يدعونا إلى كل رذيلة، هكذا هو هذا العدو الذي هو لنا بالمرصاد، فما من طريق خير إلا يقف عليه يثبط عنه، وما من طريق شر إلا يقف عليه يزينه ويدعو إليه ويرغب فيه، والبصير من وفقه الله سبحانه وتعالى إلى السلامة من كيده، وإلى السلامة من مكره، وإلى السلامة من شره، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ من نفخه ونفثه ومكره، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    أيها الإخوة الكرام.. إن من رحمة الله تعالىٰ أن أمرنا جل وعلا بالمسابقة إليه، ثم إنه منّ علينا بأن جعل لنا من المواسم ما هي مواسم خير وبر، ما هي مواسم سبق وفضل، ما هي مضمار مسابقة إليه ومسارعة إلىٰ رضوانه جل وعلا، فجعل بحكمته ورحمته مواسم من أيام الزمان هي مواسم خير يستبق فيها المتسابقون إلىٰ طاعته، وهذه المواسم من رحمته أن فرّقها في أيام الزمان، فلم يجعلها مجتمعة في أول العام، ولا في آخره، ولا في وسطه؛ بل هي منثورة كالدرر، منثورة كالمحطات على طريق السفر إلىٰ الله تعالىٰ، يقف فيها المؤمن، يتزوّد فيها من زاد التقوى والإيمان، يتزود فيها من زاد الخير والبر والإحسان؛ ليبلغ الغاية والمقصد؛ ليصل إلىٰ فضل الله ورحمته.
    والعاقل البصير هو من يستكثر من الخيرات في هذه المحطات، إننا إذا سلكنا طريقنا إلىٰ بلد بعيد ومفازة عظيمة، فإن الإنسان إذا وقف عند محطة من المحطات أخذ كل ما يحتاجه؛ بل إنه يأخذ شيئًا لا يحتاجه خشية أن يعرض له عارض، أو أن يمنعه مانع من سيره في غايته ومقصده، فكيف بالسفر الذي فيه من الأهوال ما تشيب له الولدان؟ كيف بالسفر الذي فيه منازل عظيمة تنخلع منها القلوب وتشيب لها رءوس الولدان؟ كما قال الله تعالىٰ في وصف ذلك اليوم الذي سنمر به جميعًا: أنا وأنت، أبي وأبوك، أمي وأمك، أخي وأخوك، كلنا سنمر من ذلك الطريق، وسنقف على ذلك الهول، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ++ الحج: 2 . . إنه موقف مهول، موقف عظيم نمر عليه جميعًا، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ الزلزلة: 1 – 3 . متعجِّبًا من عظيم هذا الزلزال الذي يحيط بالأرض كلها، فلا يترك منها جانبًا، ولا يترك منها جزءًا، ولا يترك منها ناحيةً من النواحي؛ بل يحيط بها من كل جانب.
    ثم تخرج الأثقال، ما هي الأثقال؟ هي الموتى الذين مَلَئوا هذه الأرض، وكذلك يخرج منها ما فيها من الكنوز، وما فيها مما أودعه الله سبحانه وتعالى، ويأذن بالخروج في ذلك اليوم العظيم.
    إنها الأهوال التي تكون في الدنيا، أهوال تكون في القبور، أهوال تكون في أرض المحشر، أهوال عندما نمر على الصراط... حتى يستقر بالإنسان القرار في الجنة - نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله - أو يستقر به الحال في موضع هول عظيم وخطب جليل، وهو النار، نسأل الله السلامة منها.
    ألا يستوجب هذا السفر أن نعدّ له العدة؟
     ألا يحتاج هذا السفر الطويل العظيم الذي فيه هذه الكروب العظيمة والأهوال الكبيرة أن نتزود في مواسم الخير وفي مواسم البر؟ بل أن نتزود في أعمارنا في ذلك السفر الطويل؟
    إن المؤمن ينبغي له أن يعد لسفره إلىٰ الله تعالىٰ، كما يعد لسفره من بلد إلىٰ بلد في هذه الدنيا، إن المؤمن خير ما يسافر به إلىٰ الله عز وجل وخير ما يعتد به ويعده إلىٰ سفره ولسفره، أن يستعد بالعمل الصالح، ولذلك قال الله تعالىٰ في ذكر موسم من مواسم الخير: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة: 197 . . وهو موسم من مواسم البر والتقرب إليه، وهو ما يكون في أشهر الحج من قصد بيته الحرام. ثم بيّن ما يكون فيه مما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الحال، ثم قال نادبًا إلىٰ الاستزادة من كل خير: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ثم أمر بالتزود، والتزوّد لا يكون إلا للمسافر الذي يُعِد للرحيل ويستعد للانتقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. اللهم اجعلنا ممن يتزود بهذا الزاد للقائك يا رب العالمين.
    أيها الإخوة الكرام.. إن خير ما يَقْدَمُ به العبد على الله تعالىٰ، وخير ما يَفِد به العبد إلى الله جل وعلا: العمل الصالح.. العمل الصالح ذاك الذي يحصل له به الأمل، العمل الصالح الذي يؤنسه في القبر، العمل الصالح الذي يكون معه يوم القيامة في أرض المحشر بشتى أنواعه وصوره، فإن الناس يوم القيامة يبلغ بهم الهول على قدر ما معهم من العمل.
    فإذا كانت أعمالهم صالحة خفت عليهم تلك الأهوال وأعانهم ذلك على استقبال تلك المخاوف، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أخرجه أحمد (17333) . ، وقال صلى الله عليه وسلم في القرآن: «يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» أخرجه مسلم (804) ينافح عنهم.
    إن الأعمال الصالحة من أعظم ما يتقي به الإنسان مصارع السوء.. إن الأعمال الصالحة خير ما يتوكَّأ ويعتمد عليه إذا عثر، وإذا زلت قدمه في مهوى من مهاوي الهلاك أو مصرع من مصارع الهلاك.
    أيها الإخوة الكرام.. إن العمل الصالح جعل الله له من المواسم ما يُطلب فيه مزيد عناية بالأعمال الصالحة، ويُطلب فيه مزيد اجتهاد؛ وذلك لكونه من مواسم النفحات، ومن محال الكرامات، فالله سبحانه وتعالى له في أيام الزمان وفي أعمار الناس نفحات يصيب بها من يشاء من عباده، فالعاقل اللبيب ذاك الذي داوم الطَّرْق، ذاك الذي داوم الطلب، ذاك الذي داوم البحث والتعرض لهذه الرحمات؛ عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، أو رحمة من تلك الرحمات، فيكون ذلك سببًا لسعادته في الدنيا والآخرة.
    إن مواسم الخير وإن فضائل الأوقات من غفل عنها لم يربح ولم ينجح.. وفاته خير كثير.. وفاته بر عظيم.
    ومن أعظم مواسم البر، وأكرم أيام الزمان، وخير أيام العمر؛ ما نحن فيه من أيام العشر أيها الإخوة؛ فإن عشر ذي الحجة التي أقسم الله سبحانه وتعالى بلياليها في قوله تعالىٰ: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ الفجر: 1، 2 . هي من خير أيام الزمان.
    قال جماعة من أهل التفسير في بيان معنى الليالي العشر: إنها عشر ذي الحجة.
    وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في أيهما أفضل: العشر الأُوَل من ذي الحجة، أم العشر الأخيرة من رمضان؟
    وذلك لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فضل العشر الأوائل: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» أخرجه أبو داود (2438) . .
    وهذا يبين لنا عظيم منزلة هذه الأيام، وأنها خير أيام الزمان، العمل الصالح فيها خير من الجهاد في سبيل الله، الذي يرجع فيه الإنسان سالمًا في نفسه أو سالمًا في ماله.
    أيها الإخوة الكرام: إن الأيام العشرة بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم منزلتها، وكبير مكانتها، ففي صحيح البخاري رقم (969) . من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» أي: في هـٰذه العشر، قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».
    «خرج يخاطر» أي: يطلب الموت في مظانه، يطلب الشهادة في سبيل الله فحصلها فأهريق دمه، وعقر جواده ولم يرجع إلىٰ أهله بشيء، هذا هو الأفضل من ذاك الذي اجتهد في هذه الأيام.
    أما ما عدا هذه الصورة من صور الجهاد فإنها دون العمل الصالح في الفضل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في حديث عبد الله بن عمر  رضي الله عنهما فيما رواه الإمام أحمد رقم (6154) بسند جيد-: «ما مِن أيَّامٍ أَعْظَمُ عندَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ». وهذا يشمل سبق العمل في هذه الأيام، والجهاد من العمل الصالح؛ بل هو من أشرف الأعمال الصالحة، وقد سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهل له مقارب أو مساوٍ أو نظير من الأعمال؟ فذكر صلى الله عليه وسلم أنه لا نظير له أخرجه البخاري (2785)، ومسلم (1878) . ، لكن العمل الصالح في هذه الأيام أفضل من الجهاد غير المتعيِّن.
    وذلك أن العمل الصالح له مواسم، فمن المواسم ما يكون فيه الجهاد فاضلًا، ومن المواسم ما يكون فيه سائر العمل من الأعمال الصالحة فاضلًا. وخير ما يكون من العمل الصالح في هذه الأيام ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كثرة ذكر الله جل وعلا.
    أيها الإخوة الكرام.. إن عشر ذي الحجة هي التي سماها الله سبحانه وتعالى بالأيام المعلومات في قوله تعالىٰ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ الحج: 28 . فالأيام المعلومات هنّ عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره من أهل التفسير.
    عشر ذي الحجة -أيها الإخوة- فيها ذلك اليوم الفضيل، فيها ذلك اليوم العظيم، الذي اختص الله سبحانه وتعالى به أهل الإيمان وأهل الإسلام المسابقين إلىٰ الفضل والإحسان ممن يقصد بيته الحرام، يأتي سبحانه وتعالى ويدنو من أهل الموقف فيباهي بهم الملائكة، وهو يوم يكثر فيه الفضل، ويكثر فيه الإحسان، ويكثر فيه المنّ؛ ففي صحيح الإمام مسلم رقم (1348). من حديث عائشة رضي الله عنها  قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟». فإن يوم عرفة أكثر الأيام التي يحصل فيها عتق العبيد من النار؛ وذلك فضل الله، نسأل الله جل وعلا من فضله، وألا يحرمنا جوده وكرمه بسوء عملنا وتقصيرنا.
    أيها الإخوة.. إن الأيام العشرة تفضل بما فيها من عظيم السبق في هذا اليوم، فهو اليوم الذي أتم الله فيه الدين، قال الله تعالىٰ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: 3 .
    روى البخاري رقم (45) عن عمر رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا -أي: لجعلناها عيدًا نحتفل به ونُسَر؛ لما فيها من الفضل، ولما فيها من الخير، ولما فيها من عظيم المنّ على أمة الإسلام-. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
    أي: أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجمع العظيم. فكيف لا تكون هذه الأيام خير أيام الزمان وفيها هـٰذه الدرة العظيمة، وفيها هـٰذا الفضل الكبير الذي اختص الله سبحانه وتعالى به هذا اليوم المبارك؟
    أيها الإخوة الكرام.. هـٰذه العشر فيها يوم الحج الأكبر الذي قال الله تعالىٰ فيه: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ التوبة: 3 . . ففيها يوم النحر، اليوم العاشر الذي أعلن الله فيه البراءة من الشرك وأهله، وفيه من الفضل أنه اليوم الذي تعظَّم فيه شعائر الله بالتقرب إليه بالذبح؛ قال الله تعالىٰ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الحج: 36 . .
    أيها الإخوة الكرام.. إن هذا اليوم يُعظَّم فيه الله جل وعلا، ويُتقرب إليه سبحانه وتعالى بأنواع من القربات، قال الله تعالىٰ: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ الحج: 37 . . فإن هذا اليوم يوم تعظيم لله عز وجل، فكان حق هذه الأيام أن تكون خير أيام الزمان.
    أيها الإخوة الكرام.. عشر ذي الحجة هي الأيام التي تجتمع فيها أركان الإسلام، ففيها التهليل بذكر الله عز وجل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة، وفيها الحج، وفيها الصوم، فكلها أعمال تُشرع في هذه الأيام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يعني أيام العشر الأول من ذي الحجة أخرجه أبو داود (2438) . .
    أيها الإخوة.. إن المغبون ذاك الذي مر عليه هذا الموسم الكريم، ذاك الذي مر عليه هذا الفضل الكبير الذي منّ الله به على أهل الإسلام دون أن يتزود بخير زاد أمر الله بالتزود به، وهو زاد التقوى، يقول الشافعي رحمه الله:
    إذا هجع النوَّام  أسبلـتُ عَبرتـي *** وأنشدتُ بيتًا وهو من ألطفِ الشِّعرِ
    أليس من الخُسران أنَّ لياليًا *** تمر بلا خير وتُحسب من عُمري
    هذا إذا كانت الليالي التي ليس فيها فضل خاص، وفي الأيام التي ليس لها سبق خاص، فكيف بالأيام التي هي خير أيام الزمان؟ إن فقدها وذهابها دون أن تودِع فيها الصالحات، ودون أن تُعمَر بالطاعات من أعظم الخسار، قال الله تعالىٰ: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وهذا حكم على كل إنسان، إلا مَن سلم بما ذكر الله من صفات أربع: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ سورة العصر . . هذه الخلال الأربع، وهذه الصفات الأربع هي التي يحصل لك بها النجاة، فاحرص على الاستكثار منها في هذه الأيام، وحقق إيمانك بالله تعالىٰ، وحقق العمل الصالح، وتواصَ بالحق مع إخوانك المؤمنين، وتواصَ بالصبر على طاعة الله، وبالصبر عن معصية الله، وبالصبر على أقدار الله المؤلمة، فبه يحصل لك السلامة من الخسار.
    أيها الإخوة الكرام.. إنها منحة، وإنها مِنَّة، وإنها نفحة من نفحات الله عز وجل أن يبلغ بك موسم الخير والبر. قال خالد بن معدان رحمه الله: إذا فُتح لأحدكم باب خير فليسارع إليه؛ فإنه لا يدري متى يغلق عنه.
    وما أحكمها من كلمة! وما أعظمها من عبرة! وما أعظمه من توجيه! وليتنا نستعمل هذه الوصايا في طاعة الله، وفيما يقربنا إليه، إن الناس إذا فُتح لهم باب خير من خير الدنيا تجدهم يتسابقون مسابقة ويعتدي بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم حق بعض، حتى ينال شيئًا من متاع زائل ونعيم مرتحَل.. وقد زهد أكثر الناس في طاعة الله عز وجل، فلم يكن منهم عدْو إلىٰ طاعة الله، ولم يكن منهم مسارعة ولا مسابقة إلىٰ ما يقربهم إلىٰ الله تعالىٰ! إنه أعظم الخسار والله، رُوي عن هدّاب- وهو أحد السلف الصالحين العباد - أنه قال: رأيت رجلًا يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول:
    تمنَّ على ذي العرش ما شئتَ إنه *** جَوَاد كريمٌ لا يخيِّب سائِلا
    هذا الرجل يطوف ويردد هذا البيت ويبكي هذا البكاء، فاستوقفه هداب فقال له: ما يبكيك؟ ما شأنك؟ لماذا هذا البكاء؟ وما الذي حملك على هذا الرجاء مع هذا البكاء؟
    الإنسان قد يغنيه الرجاء فيترك البكاء، وقد يقعده الخوف فيمّحي عن قلبه الرجاء، إلا أن هذا الرجل جمع بين وصفين هما جناحا المؤمن في سيره إلىٰ الله عز وجل، جمع الرجاء بالفضل والإحسان من الله عز وجل فقال: تمن على ذي العرش؛ أي: تمن على الله عز وجل ما شئت إنه جواد كريم لا يخيّب سائلًا، ولم يقعد عن العمل؛ بل صاحب هذا خوف أقلقه فأجرى دمعه، خوف أزعج قلبه حتى استغرب منه هدّاب ما كان منه فقال له: ما شأنك؟
    فقال الرجل: أعظم الشأن شأني، إني نُدبت إلىٰ أمر» إلىٰ خير «فقصرت عنه» فلم أبلغْه.
    وإن الذي يدرك مواسم الخير ثم يقعد عنها، فلا يستزيد فيها خيرًا، ولا يستزيد فيها صالحًا ولا يتزود فيها بخير زاد، قد قصر عما نُدب إليه وما دُعي إليه وما حث عليه، فينبغي لنا أيها الإخوة أن نبكي على أنفسنا، إننا نغتر كثيرًا برحمة الله وفضله، والله أهل العفو والغفران والرحمة؛ إلا أنه قد قال جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ الحجر: 49، 50 . فعذاب الله تعالىٰ يقترن برحمته، فينبغي لنا ألا نغفل عن عذاب الله حتى يستقيم سيرنا، وحتى يستقيم عملنا.. نحن ندعو إلىٰ أن يجمع المؤمن بين رجاء يسابق فيه إلىٰ خير الآخرة، وخوف يُقعده عن السيئات؛ خوف يحمله على فعل الطاعات، خوف يجنبه الردى، ويحمله على طاعة الله عز وجل فيما أمر، وعلى طاعة الله عز وجل فيما نهى.
    أيها الإخوة الكرام.. إنّ سلفنا الصالح كانوا يسابقون في أعمال البر وفي صنوف الخير، يستكثرون من الصالحات، فتجد الواحد منهم معلمًا وعالمًا ومتعلمًا، وداعيًا وصائمًا ومزكيًا، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، يجمعون خصال الخير، ومع ذلك هم في غاية الخوف ألا يُقْبَل منهم، وفي غاية الوجل أن يُرَدّ عليهم عملهم، وفي غاية الخوف من أن يدخل إلىٰ أعمالهم أو إلىٰ قلوبهم شيء يفسد عليهم ما قدموه، هم كما قال الله تعالىٰ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون: 60 . . يؤتون ما آتوا من الصالحات، يقدمون أنواعًا من القربات، ومع ذلك ليس عندهم عُجْب، ولا عندهم ركون إلى هذه الأعمال، إنما عندهم مسابقة إلىٰ الخيرات، ومسارعة إلىٰ الطاعات، واجتهاد في كل ما يقرب إلىٰ الله تعالىٰ، وليس ذلك في شباب أو كِبَر ولا في حينٍ من العمر؛ بل إنه في أيامهم ولياليهم، وفي زمانهم كله يسارعون إلىٰ الله تعالىٰ وإلى ما في كتاب الله عز وجل من الأمر، فيمتثلون ما فيه من النهي فينتهون عنه.
    قال سفيان الثوري رحمه الله: «إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها»؛ لأنه يختم على الأعمال فلا يُقبل إحسان زائد على ما كان، ولا يقبل توبة ممن كان قد أساء وفرّط.
    يقول رحمه الله - في استنهاض الهمم وشحذ العزائم على الاجتهاد قبل أن يدرك الإنسان ذلك الزمان- : «فالواحب على المؤمن المبادرة إلىٰ الأعمال الصالحة قبل ألا يقدر عليها».
    كم هم الذين يتمنون أن يأتوا إلىٰ المساجد ليصلوا مع المسلمين، لكن حال بينهم وبين ذلك مرض أو عيب! فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة، قبل ألا يقدر عليها.
    يقول رحمه الله: «ويُحال بينه وبينها إما بمرض أو موت، أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل».
    أيها الإخوة الكرام.. إننا في موسم مبارك كريم، إننا في زمن فيه خير كثير وأجر كبير لمن سابق في طاعة الله عز وجل؛ إلا أن أفضل ما يُتقرب به إلىٰ الله تعالىٰ، وأفضل ما يُقدِّم العبد من العمل في هذه الأيام ذكر الله جل وعلا الذي بذكره تطمئن القلوب، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرعد: 28 ؛ ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، كل هـٰذا مما ينبغي للمؤمن أن يشغل به نفسه وأن يعمر به زمانه؛ وذلك أن الذكر من أعظم ما تُداوى به القلوب، ومن أعظم ما تُشفى به القلوب من أسقامها، ومن لوثاتها، ومن أمراضها.
    إذا مرِضـنا تداوينا بذكركـمُ *** ونترك الذِّكرَ أحيانًا فننتكِـس
    روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». أخرجه أحمد (6154) . . هذا ندب من النبي صلى الله عليه وسلم أن نملأ أعمارنا في هذه الأيام وأوقاتنا وأزماننا وأحوالنا كلها بذكر الله عز وجل؛ بتكبيره وتهليله وتحميده، فينبغي لنا أن نحرص على ذلك غاية الحرص، كيف وقد قال الله تعالىٰ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الحج: 28 . . قال ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الأيام المعلومات أيام العشر. وهو قول جماعة من أهل التفسير.
    وقد روى البخاري تعليقًا، باب فضل العمل في أيام التشريق . عن ابن عمر رضي الله عنه وعن أبي هريرة أنهما كانا يخرجان في الأسواق في الأيام العشر فيكبران؛ فيكبر الناس بتكبيرهما.
    أيها الإخوة الكرام.. احرصوا على كثرة التكبير والذكر في هذه الأيام، وفي كل الأحوال، فإن الذكر من أعظم ما تحيا به القلوب.
    روى الإمام البخاري رقم (6407). في صحيحه من حديث أبي موسىٰ الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
    فينبغي لنا أن نستكثر من ذكر الله عز وجل، حتى نستكثر من أسباب الحياة، إن الحياة الحقيقية أن يحيا القلب بطاعة الله عز وجل؛ أن يحيا الفؤاد بما يقرب إلىٰ الله عز وجل، فاستكثروا إخواني من ذكر الله جل وعلا؛ فإن ذكره تطيب به القلوب وتحيا، ويجعل الله به للعبد نورًا يستضيء به ويستنير، قال تعالىٰ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ الأنعام: 122 . . إنه لا سواء بين ذاك الذي ملأ الله جل وعلا قلبه بأنوار الهداية والطاعة، وذاك الذي هو في ظلمات وعماء لا يصيب حقًّا ولا يدرك مطلبًا.
     إن خير ما يُذكر به الله عز وجل في هذه الأيام قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إلـٰه إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أكثروا من هذا يا إخواني في بيوتكم، في أسواقكم، في مساجدكم، في مجتمعاتكم، في كل أحوالكم وأحيانكم؛ فإنه مما ترتفع به الدرجات.
    إن من ذِكر الله تعالىٰ أن يسابق الإنسان إلىٰ قراءة القرآن ما استطاع ذلك؛ فإن القرآن خير ما يُقرأ وخير ما دارت به الألسن، وخير ما استمعه المستمعون؛ وذلك أن القرآن حياة القلوب، والقرآن فيه الهدى والنور، وفيه شفاء ما في الصدور، فينبغي لنا أن نستكثر منه وأن نتعظ بعظاته، وأن نعتبر بما فيه من العبر والحكم؛ فإنه طبّ القلوب، قال الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يونس: 57 . .
    أيها الإخوة الكرام.. إنه مما يُحافَظ عليه من ذِكر الله عز وجل في هذه الأيام؛ ما فرضه من الواجبات، ومن الصلوات في المساجد وغيرها، ومن الأذكار في أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وغير ذلك مما يدخل في ذكر الله عز وجل، ومنه حضور مجالس الذكر؛ فإن حضور مجالس الذكر من ذكر الله تعالىٰ، ومن ذكر الله تعالىٰ تعليم العلم، ومن ذكره تعلم العلم، ومن ذكره الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك كله من ذكر الله تعالىٰ.
    أيها الإخوة الكرام.. اجتهدوا في الذكر، واعلموا أن الذكر في هذه الأيام على نحوين:
    •       ذكر مطلَق.
    •       وذكر مقيَّد.
    والذكر المطلق يكون في كل حين، وفي كل حال، وفي كل وقت، قائمًا وقاعدًا وعلى جنب، كما قال الله تعالىٰ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ آل عمران: 191 . . هذا الذكر هو الذي يكون في كل حين، وفي كل وقت، الذكر الذي يصاحب الإنسان في قيامه وقعوده، وفي ذهابه ومجيئه، وفي دخوله وخروجه، وهذا الذكر الذي يكون في كل حين، وهو الذكر المطلق، أما القسم الثاني فهو الذكر المقيد.
    يبتدئ الذكر المطلق من أول شهر ذي الحجة من غروب شمس آخر يوم من أيام ذي القعدة، وينتهي الذكر المطلق بغروب شمس اليوم الثالث عشر، والذكر المطلق الخاص بهذه الأيام هو: الله أكبر، الله أكبر، لا إلـٰه إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
    أما الذكر المقيد، فالمراد بالتقييد هو ما يكون بعد الصلوات المكتوبات في الجماعات، فإنه بعد صلاة فجر يوم عرفة إلىٰ عصر آخر يوم من أيام التشريق، كل هذا محل للذكر المقيد بالنسبة للمقيم، فإذا فرغ من الصلاة وقال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام؛ شرع قائلًا: الله أكبر، الله أكبر، لا إلـٰه إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. ما شاء؛ مرة، ثلاثًا، خمسًا، حسب ما يتيسر له، دون تحديد بعدد، ودون تحديد بحد، وهو تكبير يستكثر منه ما استطاع، ثم يأتي بالأذكار المشروعة بعد الصلوات.
    هذا هو الذكر المقيد بالنسبة للمقيم.
    أما الحاج فإنه يبدأ ذكره المقيد بعد صلاة الظهر من يوم النحر؛ لكونه مشتغلًا قبل ذلك بالتلبية والتكبير وغيره على وجه الإطلاق، هكذا قال العلماء رحمهم الله.
    إذن عندنا تكبير مُطلَق وتكبير مقيد، وهو مما يختص بهذه الأيام.
    لكن الذكر عمومًا ينبغي ألا يفارقه الإنسان في هذه الأيام وفي غيرها، فعائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه  أخرجه مسلم (373).   ؛ قائمًا وقاعدًا وعلى جنب.
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    التفاصيل
    0
    275
  • ابن عثيمين سيرة ومسيرة
  • الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربنا ويرضى، أحمده حقَّ حمده، لا أُحصِي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

     أما بعد:

    في هذه الليلة - ليلة السَّابع عشر من شهر شعبان، عام ألف وأربع مئة وأربع وثلاثين للهجرة النبوية - يسرُّني الالتقاءُ بكم في هذه الصالة، في هذا المكان، في مؤسسة شيخنا محمد بن صالح العثيمين الخيرية.

     حديثنا في هذه الليلة حديث حِرت في كيفية التعاطي معه، ذاك أني سأتكلم عن علَم من أعلام الأمة، وهو شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، وعندما تتحدث عن شخص بهذه القامة، يمثل تاريخًا يمتدُّ أكثر من نصف قرن في العطاء، والبذل والتعلم والتعليم والنفع والخير، تُوقن وتجزم يقينًا أنك لن تستطيع أن تستوعب جوانبَ هذه الشخصية في محاضرة، أو في كلمةٍ في دقائق تنقضي، فتأملت في كيفية التناول لهذه المحاضرة.. وسبق أن ألقيت محاضرة قريبة من هذا الموضوع، لكنها من زاوية أخرى، وهي شيخنا ابن عثيمين كما عرفته، واليوم لست متحدثًا عن معرفتي الشخصية به رحمه الله، وإنما أتحدث عن علم من أعلام الأمة، في هذه القرون المظلمة، التي يفتقر الناس فيها إلى الهدايات، وإلى أنوار النبوة.. والحديث عن شيخنا محمد بن صالح العثيمين حديث صعب حقيقة، ذاك أنه عالم جليل امتد عمره في حقبة زمنية امتازت بجملة من المميزات، لذلك قبل أن أخوض في الحديث عن شيخنا رحمه الله أحبُّ أن أعرض المحاور التي من خلالها سأتناول سيرة شيخنا رحمه الله، وهي محاور معدودة لكنها تمثل إضاءات في سيرة هذا العَلم، من خلالها نستجلي مسيرته، ومن خلالها نستطيع أن نعرف شيئًا من شخصية هذا العالم، لا سيما وأن شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله لم تحظَ سِيرته بتأليف يستوعب ذكر الجوانب المهمة في حياته، وما يتعلق بكثير من المقدمات وكثير من العرض الذي يُكتب عن سير العلماء هو في الحقيقة ترجمة للمتكلم أكثر منها للشخص المترجم له، فيقول الشخص: رأيت الشيخ وجلست معه وقلت له وقال لي، فهي جوانب شخصية في الحقيقة، لا تُبيِّن المنهج والمسيرة والطريقة التي انتهجها هذا العالم، لهذا حريٌّ بشيخنا رحمه الله أن يُعنى طلَّابه ومحبوه، والمؤسسة على وجه الخصوص، بدراسة تبرز جوانب شخصية الشيخ محمد بن صالح العثيمين، لا في الجانب الشخصي فقط، بل في المسيرة ككل، وسأتناول سيرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله من خلال النقاط التالية:

    أولًا: النشأة والبيئة.

    ثانيًا: ابن عثيمين متعلمًا وعالِمًا ومعلِّمًا.

    ثالثًا: مسيرته الحياتية (يومياته رحمه الله وحياته اليومية).

    رابعًا: حياته الأسرية والاجتماعية.

    خامسًا: ابن عثيمين إمامًا.

    ثم بعد ذلك وفاته رحمه الله.

    هذه نقاط رئيسة، تحتها العديد من القضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتجلية.

    ابتداءً: لماذا نقرأ سير العلماء؟

    سير العلماء هي حياة الأرواح، وهي طيب القلوب، وهي البهجة التي تعمر نفس القارئ؛ لما يراه من نماذج نيرة، من خلالها تشرق نفسه، ويستفيد منها عبرةً وعظةً، ولهذا كان السلف رحمهم الله يحرصون على قراءة السير، بل الله جلَّ في علاه في محكم كتابه، وهو أطيب كلام وأصدق حديث، يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ يوسف:111، فقراءة سير العلماء والصالحين والأئمة تبعث النفوس على العمل الصالح، وعلى العمل الجادِّ، وعلى التشبه بأهل الخير، وعلى الاهتداء بهديهم، كما قال الله تعالى بعد أن قصَّ خبر مَن قصَّ من النبيين؛ قال جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ الأنعام:90.

    فَتَشَبَّهُوا إنْ لم تَكُونوا مِثْلَهُمْ *** إنَّ التشبُّهَ بالكِرامِ فلاحُ

    إنَّ قراءة سير الصالحين هي الترجمة العملية لِما حوته صدورهم من المعارف والعلوم، ومن المعاني والخصالِ، ولذلك ينجذب الإنسان لقراءة السيرة؛ لما فيها من الترجمة العملية النظرية.. فقد تسمع مَن يُثني على الكرم بيانًا واضحًا جليًّا طويلًا، لكن عندما تقرأ قصة في الكرم سيكون لها من الوقع في نفسك والتأثير فيك أكبر بكثير من قراءتك لمدح الكرم والثناء عليه، ذاك أن الترجمة العملية لها من التأثير ما ليس لغيرها، ولهذا امتاز الصحابة رضي الله عنهم عن بقية طبقات الأمة؛ لأنهم شهدوا التنزيل، وشهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتقوا به، وأخذوا عنه، فكان ذلك ميزةً لا تحصل لفئة ولا لطبقة من طبقات الأمة عبر القرون.

    وُلد شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله في السابع والعشرين من شهر رمضان، عام سبعة وأربعين وثلاث مئة وألف للهجرة النبوية، ووُلد الشيخ رحمه الله ببيتٍ من أهل هذه البلدة "عنيزة" ببيتٍ متواضعٍ من أبوين نحسبهما صالحين، فترعرع ونشأ في كنف والديه، في صلاحٍ وخيرٍ.

    وقبل أن نتكلم عن مراحله التعليمية رحمه الله، وما مرَّ به من أطوار في التعلم فإننا نشير إلى أن الوقت الذي وُلد فيه الشيخ تميز بسمات، فقد توالت أحداث إبّان حياته، ومن أبرز ذلك: احتلال فلسطين، وإعلان المملكة العربية السعودية دولة بهذا المسمى، واجتماع الناس على الملك عبد العزيز رحمه الله، بعد أنواع من الاضطرابات والخلافات، التي كانت نهايتها في سنة ولادته رحمه الله، وحصول عدة انتكاسات للعرب في قتالهم ومحاربتهم لليهود، ووجود متغيِّرات كثيرة في حياة الناس، من أبزرها فيما يتعلق بالشيء المباشر لحياة شيخنا رحمه الله هو التطور الذي شهدته البلاد، فتزامنت نشأته باكتشاف البترول، الذي كان سببًا لانفتاح الدنيا على الناس، وتغير أحوال الناس، ولاحظ أن هذا التغير له تأثير، فالشيخ رحمه الله أول حج حجه -وهو حج الفريضة- سافر في سيارات اللواري القديمة، التي كان يركب فيها الناس في العراء ويتكبدون المشاق في الوصول إلى مكة، وليس هناك طرق معبَّدة، فهي نشأة في بدايتها شهدت الحال الأولى التي كان عليها الناس في وسط الجزيرة العربية، التي يقول بعض العارفين بالتاريخ: إنها تشبه المجتمع المدني في كثير من النواحي، من حيث المدنية، فالناس يسكنون في بيوت من طين، ويشتغلون ويمتهنون الزراعة، وأرزاقهم محدودة بالتجارة وبالرعي، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانت معهودةً في زمان النبوة، فلم يكن هناك نقلة كبيرة بين ذلك الحال التي كان عليها الناس في حاضرة وسط الجزيرة العربية "نجد"، وبين ما كان عليه الحال زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحصل التغير بانفتاح كنوز الأرض على الناس.

    فواكب الشيخ هذا التغير، فشهِد مجيء المخترعات بشتى صورها في بداياتها.. وطبعًا هذا التغير الذي كان في أول الوقت كان له تبِعات من حيث القبول والرفض، فمن الناس مَن لم يقبل، وعدَّ ذلك نوعًا من الإحداث والخروج عما كان عليه السلف، وبعضهم تقبَّل، وأخذ من هذه المنتجات والمخترعات والمبتكرات ما يناسب العصر، وما يناسب الحياة، وما يخدم الدين.

     والحوادث في هذا كثيرة؛ مثل: المكبرات؛ لواقط الصوت في المساجد، والتكييف، والراديو، والسيارات، وأشياء كثيرة كانت في أول حياة الشيخ رحمه الله حادثة جديدة على الناس، وهذا بالتأكيد سيلقي نوعًا من التأثير فيمن يعيش في هذا العصر، من حيث تقبل التغير.

    وهذا ما يتصل بالحالة الاجتماعية والمدنية في زمانه رحمه الله، فإذا نظرنا أيضًا إلى الجانب الفكري والمذاهب والأفكار فإننا نقول: كانت مرحلة عاصفة، حيث شاعت الأفكار بشتى صورها المنحرفة (اشتراكية، شيوعية، وجودية، رأسمالية)، وكان لها حضورٌ وتأثيرٌ في الشباب، والشيخ رحمه الله كان من الشباب في تلك الفترة، فعصمه الله تعالى من تلك النوازع المتعددة، لكنه عايشها ورآها، وكان مهتمًّا بالإجابة عن كثيرٍ من الإشكاليات التي أفرزتها تلك الأفكار في أذهان الشباب.

    هذا ما يتصل بالبيئة والنشأة البدائية التي كان عليها رحمه الله.

    والشيخ رحمه الله في مسيرته العلمية بدأ تلقي العلم بالقراءة، كسائر أهل بلده والمشتغلين بالعلم في زمانه، يبدءون بالكتاتيب وقراءة القرآن، فقرأ على جده الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الدامغ، فحفظ عليه ما تيسر من القرآن، وتلقى شيئًا من علوم الحساب، وطالع بعض النصوص الأدبية في مدرسة عبد العزيز بن صالح الدامغ، ثم التحق بالشيخ عليّ بن عبد الله الشحيتان، وكان إمامًا لمسجدٍ من مساجد عنيزة، يشتغل بتعليم العلم، وجُل اهتمامه في تحفيظ القرآن، لكنه ليس من العلماء، وقد حدثني عنه شيخنا الشيخ عبد الله البسام رحمه الله، أنه كان مهتمًّا بالتحفيظ فقط، ليس عنده شيء من المعرفة بالتفسير، وما إلى ذلك، لكن ذكر لي بعض الأمور التي تتعلق بهذا الأمر.. المهم أنه كان معروفًا بتحفيظ القرآن وتجويده، ويقرأ عليه طلبةُ العلم، فقرأ عليه شيخنا محمد بن صالح العثيمين، وقرأ عليه الشيخ عبد الله البسام، ومجموعة من طلبة العلم كانوا يقرءون عليه القرآن؛ لحفظه وضبطه.

    وفي هذه المرحلة الأولى، وهي مرحلة التأسيس والتكوين والتأصيل فيما يتعلق بالقرآن، أتم الشيخ رحمه الله حفظ القرآن وعمره أربعة عشر عامًا، ثم بعد ذلك انتقل إلى الدراسة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وهو من جعله الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله معلمًا ومدرسًا لصغار الطلبة، وذلك أن الشيخ عبد الرحمن السعدي كان في تعليمه مقسمًا الطلبة إلى صغار وكبار، فصغار الطلبة وهم المبتدئون الذين أتموا حفظ القرآن، ولكن ليس عندهم حصيلة علمية، يبدءون بالقراءة على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، وكذلك على الشيخ علي الصالحي، فكان شيخنا رحمه الله من نصيب الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فقرأ عليه في التوحيد والفقه والنحو، ثم ترقى به الحال إلى أن التحق بحلقة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله.

    وقد سمعته رحمه الله يجيب من سأله: متى بدأت القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي؟ فقال: وعمري قريب من واحد وعشرين سنة، فالفترة بين حفظ القرآن وبين القراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله سبع سنواتٍ تقريبًا، وهذه لم تكن منقطعة عن التعلم، وإنما قرأ خلالها على الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع، فلما تمكن وترقَّى به الحال انتقل للقراءة على الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله. وكان من الملازمين للشيخ عبد الرحمن السعدي طوال حياته، لكنه انقطع مدة عامين للدراسة النظامية في الرياض، فقد أشار عليه الشيخ علي الصالحي لما فتح المعهد العلمي بالرياض أن يلتحق به، فذهب في سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وسبعين للقراءة في الرياض، وكان رحمه الله مغتمًّا بتركه للشيخ عبد الرحمن السعدي، فيحدثني الشيخ نفسه ويقول: عندما ذهبت للرياض وبدأت بالدراسة، وأصبح يأتي أنواع من المعلمين، وقد تركت عالمًا جهبذًا كبير الشأن في المعارف والعلوم، وجاء إلى علماء وأفاضل ومشايخ لكن يقصرون كثيرًا عمّن عهدهم وعرفهم في بلدته، فكان يتحسر، يقول: فدخل علينا شيخ رث الهيئة، فصغر في نفسي هذا الذي دخل، وما كان يعرفه الشيخ، فبدأ  بالتفسير، يقول: فانبهرت من شدة استحضاره، وقوة علمه، ورسوخ قدمه في اللغة العربية، وفي الاستشهاد، فإذا هو الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان، فحمدت الله أن الله سكن ما في نفسي من حزن لفراق الشيخ، بأن وجدت من آخذ عنه العلم في الرياض مدة وقته فيها، فقرأ على الشيخ الشنقيطي رحمه الله في المعهد، وقرأ على مجموعة من المشايخ، إلا أن أبرز من قرأ عليه في أثناء إقامته بالرياض شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقد قرأ عليه في العقيدة، وفي الفقه، وقرأ عليه في جملة من الرسائل، وكان يقرأ عليه في أوقاتٍ خاصة، إضافة إلى القراءة العامة.

    بعد ذلك رجع الشيخ رحمه الله إلى "عنيزة"، وعاد إلى قراءته على شيخه، ويحدثنا الشيخ رحمه الله أنه في آخر زمن الشيخ عبد الرحمن السعدي لم يبقَ من طلبة العلم إلا نذر يسير، ذاك أن طلبة العلم جاءت الوظائف والبلد في بدايتها، وفي أول تأسيسها ونشأتها بحاجةٍ إلى التعليم، وقد اتسعت رقعة البلد، فكان المشايخ وطلبة العلم إذا آنسوا من الشخص ضبطًا للقرآن، ومعرفة للمهمات، بعثوه شيخًا إلى القرى والهجر في شرق البلد وجنوبها وشمالها، وفي سائر جهاتها، فلم يبقَ عند الشيخ عبد الرحمن السعدي إلا قليل، حتى قال رحمه الله: إني كنت أقرأ عليه في الضحى في قواعد ابن رجب ليس معه إلا أنا، فأخرج أنا وهو من المسجد وما معه إلا أنا، وهذا يفيدنا أن الشيخ رحمه الله استمر في التلقي على الشيخ عبد الرحمن السعدي إلى أن تُوفي الشيخ عبد الرحمن السعدي وهو ملازم له. وهذه المعلومة تفيدنا في مسألة ستأتي إن شاء الله تعالى في خصال الشيخ وصفاته.

    وتوفي الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وتقلد مكانه الشيخ محمد بن صالح العثيمين، باتفاق من جماعة الجامع وأهل البلد، وتولى مهمتين: المهمة الأولى: التدريس، والمهمة الثانية: الإمامة في الفروض والجُمع والأعياد، والتدريس لم يكن مبتدئًا بوفاة الشيخ عبد الرحمن السعدي، بل الشيخ عبد الرحمن السعدي ندبه إلى تعليم بعض الطلبة قبل وفاته بقريب من ست سنوات، حيث بدأ الشيخ رحمه الله يعلِّم عام ألف وثلاثمائة وسبعين للهجرة، وهذه مدة متقدمة وعمره قريب من ثلاث وعشرين سنة أو نحو من ذلك.

    فهذه بداية الشيخ رحمه الله بالتعليم المباشر في الجامع "جامع ابن عثيمين"، الجامع الذي كان يدرس فيه الشيخ عبد الرحمن السعدي والمعروف الآن باسم جامع ابن عثيمين، وهو الذي استمرّ يعلم فيه إلى أن توفي رحمه الله، فإذا حسبت من عام ألف وثلاث مئة وخمسين إلى وفاته عام ألف وأربع مئة وواحد وعشرين، فهذه واحد وخمسون سنة والشيخ رحمه الله يدرس في هذا الجامع، نسأل الله أن يعمره بالعلم النافع والعمل الصالح.

     نقف بعد هذه المرحلة التعليمية التي رأى الشيخ فيها جملة من الأكابر ومن علماء عصره، كالشيخ عبد الرحمن السعدي، وهو أكبر من كان له أثرٌ في علم الشيخ، وسيرته، وسلوكه، وتكوينه العلمي، والشيخ عبد العزيز بن باز كذلك، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، وجملة من المشايخ الذين اختلط بهم وأخذ منهم الشيخ رحمه الله معارف حديدة، ومناهج رصينة، أثمرت تميزًا في منهجه رحمه الله، ولهذا من المهم أن نقف على عجل في إبراز أبرز سمات علم ابن عثيمين رحمه الله، ما الذي يميز علمه؟ ما الذي يميز ابن عثيمين عن غيره من العلماء فيما كان عليه من علم؟ فأنت من الممكن أن تقرأ أو تسمع لعلماء شتى، ثم تجد أنَّ هنا شيئًا مميزًا، فما الذي ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؟

    من أبرز ما ميز الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في علمه، سواء كان ذلك تعليمًا في المساجد، أو كان ذلك تأليفًا، أو كان ذلك إفتاءً، أولًا: اعتماده على الدليل، وتعظيمه للدليل؛ الكتاب والسنة، فقد كان الشيخ رحمه الله معظمًا للنصوص، مقدمًا للدليل. ونحن هنا نحتاج إلى أن نلمح إلى أن الشيخ نشأ في بيئةٍ مذهبية، إذ المذهب الشائع في عامة "نجد" هو المذهب الحنبلي، والخروج عنه من أشقِّ ما يكون، ومن أصعب ما يكون، لا سيما الخروج عنه في الإفتاء، وفي الرأي، وفي القول، ليس في الاختيار الشخصي، فقد يخرج عنه في الاختيار الشخصي ولا نعلم به، لكن في الإفتاء والرأي كان من أشقِّ ما يكون الخروج عمَّا ساد وانتشر، لشيوع الأخذ بقول أحمد رحمه الله، وقلة المجتهدين، وأبرز من خرق هذا التعصب للمذهب وعدم الخروج عنه؛ أول من بدأ ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي شيخ شيخنا رحمه الله، ثم الشيخ عبد العزيز بن باز، فأظهر ذلك، وتبين بيانًا جليًّا في مسلكه وإفتائه وعلمه، ولقي في ذلك رحمه الله ما هو معروف في سيرته ما لا نحتاج إلى إشارة إليه، ثم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله جرى على هذه الطريقة من شيخيه، فكان معظمًا للدليل حتى ولو خالف ما هو معهود وما هو سائد، وحتى يتضح لك عظيم تأثير المذهب والتعصب له في الزمن الذي نشأ فيه الشيخ، وكيف كان يلقى صعوبة في الخروج.

    يحدثني بعض زملاء الشيخ، ومن تلقَّوا العلم معه، وتلقوا العلم عنه، يقول لي: كيف الشيخ ابن عثيمين يخالف المذهب في هذه المسألة؟ قلت: يا أخي هو متَّبع للدليل، هكذا لاح له الدليل فأخذ به، قال: لو يأتي -قد يكون هذا غير دقيق، ولا يريده، ولكن هذا ما قاله لي بالحرف- لو جاءني النص مثل الشمس يخالف المذهب، ما أخذت إلا بالمذهب.

    وهذا يبين لنا كيف أن الخروج عن المألوف المذهبيّ الفقهيّ في ذلك الوقت في عسر ومشقة،  قد يقول قائل: الأمر سهل، هو اختيار وليس بالأمر العسير، وأنت لا تنظر إلى ابن عثيمين في نهايته لما صار إمامًا يُقتدى به، بل انظر إلى ابن عثيمين يوم كان فردًا يقال: قال الشيخ ابن عثيمين وخالف بذلك المشايخ والعلماء والأجلاء والكبراء من علماء وقته ومن العلماء المتقدمين، بالتأكيد أنه سيكون في ذلك مشقةٌ وصعوبة لا ندركها نحن، لكن يدركها من خرج عن المألوف باختياره، وضغط الواقع عليه، كيف يكون محتاجًا إلى قوة نفسية وعلمية وقناعة بصحة المسلك، حتى يثبت على هذا الطريق.

    وهذه سمة مشتركة في كلّ من كان لهم تأثير عبر القرون، فعلماء الأمة المميزون هم العلماء الذين يكون عندهم الحق مقدمًا على كل مألوف، سواء  كان المألوف قولًا فقهيًّا شهيرًا، أو كان المألوف عادةً، أو كان المألوف عرفًا، أو كان المألوف وضعًا سياسيًّا معينًا أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، وليس معنى هذا أنه مفروض أن يخرج الإنسان عن المألوف، لكن المفروض هو أن يعمل الإنسان بما دل عليه الدليل.

    وأذكر هذه القضية حتى لا يقول قائل: هذا شيء معروف، كل العلماء يعظمون الكتاب والسنة، فأردت أن أقف عندها حتى تتميز ويستفيد منها طلبة العلم، ويُعلم أنّ تعظيم الكتاب والسنة هو الاستمساك بما دلا عليه، مهما كان مخالفًا لما عهده الناس وعرفوه.

    ثاني ما يتميز به الشيخ رحمه الله في الجوانب العلمية عنايته بالحكمة والتعليل، فالشيخ رحمه الله كان ذا اهتمام بالحكم والتعليل وأسرار الشريعة والغايات بشكل واضح، ولهذا كان يؤكد على ضرورة العناية بمعرفة أسرار الشريعة وإدراكها وإظهارها في الأحكام؛ حتى يعرفها الناس ويتمرن عليها طلبة العلم، يقول شيخنا رحمه الله: فما من حكم من أحكام الشريعة إلا وله حكمة عند الله عز وجل، لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا أو تقصيرنا في طلب الحكمة.

     ثم يذكر الشيخ رحمه الله ثلاث فوائد للعناية بالحكمة، وهي تبين هذه الحفاوة التي تميَّز بها رحمه الله لماذا كانت، قال في الفوائد: التأكيد على الحكم والآثار والغايات في الأحكام تزيد المسلم طمأنينة، وإنها تبين سمو الشريعة، وإنها تمكن العالم المجتهد من القياس.

    ومن سمات شيخنا رحمه الله في مسيرته العلمية، ومما ميَّز منهجه: الاحتفاء بالاستدلال العقلي، فكان رحمه الله كثيرًا ما يردد الدليل السمعي والدليل النظري؛ الدليل من الكتاب والسنة، والدليل العقلي.. وهذا ليس خارجًا عن نسق الأئمة والعلماء، لكنَّه أكَّد عليه رحمه الله في تعليمه، وفي إفتائه، لحاجة الناس إليه، وأشار إلى أن القرآن احتفى بالتعليل وذكر الحكم للأحكام، حتى يُقبل الناس عليها.

    ويتأكد هذا الاهتمام في هذا الزمان؛ لأن الناس في هذا الزمان عندهم من ضعف الإيمان ما يُحتاج معهم في إقناعهم إلى أن تُبرز الأدلة العقلية ليكون ذلك عاضدًا للدليل النصي.

    مما تميز به الشيخ رحمه الله ضبطه للعلم بالقواعد والأصول، فعلم الشيخ رحمه الله ليس علمًا أفقيًّا،  بل كان علمًا رأسيًّا فيه رسوخ، والعلم الأفقي هو العلم أن تأخذ من هذا العلم نتفة ومن هذا العلم نتفة، ويكون عندك معارف شتى، لكن ليس لديك رسوخ، وهذا كثيرٌ في طلبة العلم، لكن الذي ميز الشيخ رحمه الله أن علمه كان علمًا راسخًا، مبنيًّا على أصول وقواعد، فلذلك تميز رحمه الله عن غيره، وكان دقيقًا في رأيه واختياره وإفتائه ونقده، بسبب رسوخ علمه، على قلة المصادر التي كانت متوفرة في أيديهم، واليوم ما شاء الله الكتب تملأ كل مكان وفي يد طلبة العلم، والذي لا يستطيع أن يقتني الكتاب يستطيع أن يصل إليه من خلال وسائل الاتصال الحديثة والإنترنت وما أشبه وذلك، ويصل إلى مخطوطاتٍ في أقصى الدنيا، فتيسُّر المعلومة بالتأكيد أنه يُكسب ملكة، لكن في زمانه رحمه الله في أول سني تدريسه لم تكن الكتب مطبوعة، إنما طُبعت الكتب لاحقًا، فكان ذلك داعيًا إلى أهمية التركيز والتأصيل في العلم حتي يتمكن من الإجابة عن كل ما يمكن أن يجد ويحدث.

    والشيخ رحمه الله كان طيب الصلة بزملائه، متعاونًا في تعليمه وفي صلته بالمشايخ بعد ذلك، وهذا جانب من الجوانب الذي يمثل أن مما ميز شيخنا في علمه سلامة الصدر، فلم يكن الشيخ رحمه الله منافسًا على منزلة عند الناس، أو منزلةٍ يسبق بها غيره، إنما كان رحمه الله حريصًا على بذل العلم بكل وسيلة ومن كل طريق ومن كل وجه، وأرجو أن يكون ذلك ابتغاءَ ما عند الله عز وجل، فلم يكن رحمه الله ينافس أحدًا، وأنا أذكر مرة من المرات قلت له: زارنا أحد المشتغلين بعلم الحديث (أحد المشايخ وطلبة العلم) فكان يقول: هؤلاء الفقهاء ما عندهم علم والعلم عند المحدثين، ويذكر في هذا شيئًا كثيرًا حول هذه النقطة بالذات. ومسألة خلاف المحدثين مع الفقهاء معهودة ومعروفة، فقلت له: يا شيخ، ما رأيك في هذه المقولة، فقال: لو أننا نستشعر أننا خدام للشريعة؛ لفرح كل واحد منا بعمل الآخر الذي فيه رفعة الشريعة ونشرها.

    وهذا المعنى يغيب عن طلاب العلم في كثير من الأحيان، وتجدهم يتنافسون على المنازل، وعلى اكتساب القبول عند الناس، في حين أن الشأن ليس فيما تكسب عند الناس، إنما الشأن فيما تكسب عند الله عز وجل، والناس تضيق المنازل عندهم، فلا تتَّسع قلوبهم لكثيرين، لكن فضل الله ورحمته وعطاؤه ومنُّه يتسع لكل من قصده جلَّ في علاه.

    فهذه النفسية كان لها تأثير كبير وانعكست في طريقته في التعليم، وفي محبته لنشر العلم، وفي كراهيته للنيل من أحد من الناس في مجلسه من طلبة علم أو مشايخ، فكان يكره أن يذكر أحدًا حتى في نسبة الأقوال، ولو قلت: ما رأيك في القول الفلاني؟ وما قال به فلان؟ قال: اترك فلانًا، فلا يعتني بالقائلين طلبًا لسلامة الصدر، وتربيةً للنشء وطلبة العلم على الاعتناء بالأقوال دون القائلين، وبالأفكار دون أصحابها، وهنا تميز الشيخ رحمه الله، وكان له مسحةٌ ظاهرة في هذا الجانب.

    والشيخ رحمه الله هوي التعليم هوايةً، بمعنى أن التعليم كان يجري في دمه رحمه الله، وهذا من أسرار تميزه، ذلك أنه منذ أن بدأ رحمه الله مسيرته وهو مشتغل بالتعليم، فبدأ متعلمًا معلمًا، وقد حدَّثني بعض خاصته رحمه الله أنَّ هذا رافقه منذ أن كان صغيرًا، فكان وهو طفل يُمارس دور المعلم في الكتَّاب في وقت اللعب، فيصف الأشياء أو يلقي عليهم وما أشبه ذلك مما يتعلق بمهنة التعليم والتدريس، هكذا حدثني بعض خاصته رحمه الله، وهو ما اتضح في طريقة تعليمه شرق الدنيا وغربها، فإذا سألتهم: أي شرح أيسر لكم لفهم العلم، قالوا: شرح الشيخ محمد العثيمين، رغم أنه رحمه الله يشرح متونًا تفكك بأصعب ما يكون من وسائل التفكيك، وأدق وأصعب العبارات، لكن الله طوَّع له البيان، وكان من همه تقريب العلم، فبلَّغه الله عز وجل ذلك.

    ولهذا الآن يتسابق الناس على مؤلفاته؛ ومثال ذلك الشرح الممتع، فلو ذكرت من ذكرت في الكتب والمؤلفات التي خدمت زاد المستقنع لن تجد ما يشفي طلبة العلم ويقرب لهم المعلومة أكثر من هذا الكتاب، رغم أنه لم يكن تأليفًا، وهذه مسألة مهمة؛ لأن التأليف يختلف عن التدريس، فالتأليف له نوع من التحرير والدقة ليست فيما يتعلق بالإلقاء والتدريس الذي يكون مشافهةً للطلبة، فشيخنا ابن عثيمين رحمه الله بذل عبر نصف قرن جهدًا مضنيًا، وعملًا دءوبًا في التعليم بشتى الصور، ولم يترك سبيلًا ولا طريقًا إلا وسلكه في التعليم، وكان رحمه الله مبادرًا، وهذه خصلة تخفى على بعض الناس، والشيخ لم يكن متواريًا أو متوانيًا في تقديم العلم، فكان يجيب السائلين عبر الكتابات والاستفتاءات التي تصل إليه، ويخصص لذلك وقتًا، وهذا ليس في آخر وقته فقط، بل من أوائل وقته، وقد وقفتُ على تحريرات دقيقة بالغة في العمق العلمي من أوائل الثمانينيات، وهذا الذي رأيته قد يكون أمرًا قبل ذلك، لكن هذا ما رأيته، وهناك أشياء لم أشهدها، وهي محفوظة في بعض فتاوى الشيخ رحمه الله، كلها كانت إجابة سائلين، وأنت في هذا الحين تقرأ هذا التحرير العلمي وهذه الدقة، هل لأنها تنشر في صحيفة أو في مجلة؟ هي وسائل خاصة، إذن هو منهج وليس أمرًا لأجل أن ينشر.. والآن عندما أقول لك: ألقِ كلمة في مسجد، وألقِ كلمة عبر موقع سينقل صوتًا وصورة إلى العالم، بالتأكيد بينهما فرق في الإعداد والتهيئة وطريقة العرض والاهتمام، لكن الشيخ رحمه الله كان لا يفرق فيما يكتبه بين أن يكتب لمستفتٍ متخصِّص، وبين مستفتٍ يأنس فيه أنه طالب علم، طبعًا هناك أجوبة تناسب عامّة الناس، لكن ما شهدته من كتاباته تحريرات علمية دقيقة، لمن يتوقع أنه من طلبة العلم وبعضهم  كان ممن يدرس ويتلقى عنه رحمه الله، هذا من أوجه مبادرته في التعليم.

    ومن أوجه مبادراته وقفه نفسه للتدريس بصورة ليس لها نظير، ولا أظن والله أعلم أنه في المشاهير، ونحن لا نعلم عن الأخفياء، ولكن في المشاهير لا نعلم أن أحدًا بلغ ما بلغه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في نصب نفسه للتعليم، واهتمامه بالتدريس، وعنايته بطلبة العلم، على الرغم من انشغاله في آخر الوقت، لكن كان هذا جانبًا بارزًا في حياته رحمه الله ومهمًّا، ويعطيه من الأولوية ما كان مرافقًا له تمامًا إلى آخر حياته.

    ولا ننسى أن نذكر هذا النموذج لعنايته رحمه الله: وذلك في يوم السادس عشر من شعبان في عام ألف وأربع مئة وواحد وعشرين، وهو اليوم الذي دخل فيه رحمه الله إلى المستشفى التخصصي بالرياض لإجراء بعض الفحوصات إثر تعبه رحمه الله وما ألمّ به من المرض، ودخلت معه وكنت مرافقًا له في تلك اللحظة في دخول المستشفى، ووالله ما أنسى يا إخواني أنه ما إن وضع الشيخ ظهره على السرير، وكنت بجواره، أشار بأصبعه رحمه الله قائلًا: ترى أنا رتبنا دروس الجامع، اهتموا بالطلبة وعليكم بالاتفاق.. شخص في مثل هذا الظرف، وفي مثل هذه الحال، بالتأكيد أنه قد ينسى، لكن التعليم كان حاضرًا معه رحمه الله في كل مراحل حياته، ولذلك رغب أن يعلم رغم مرضه، والذهاب إلى مكة ليس فقط لشهود صلاة، أو شهود بقعة مباركة، إنما لتعليم العلم، وبذل كل ما يمكن إلى آخر رمق، إلى آخر ليلة من  رمضان، عام ألف وأربع مئة وواحد وعشرين، وقد توفي بعدها بأربعة عشر يومًا أو خمسة عشر يومًا، ولكن كان رحمه الله يعلم، وهذا نوع من المبالغة ومن الحرص والشفقة في نشر العلم، وإيصال المعارف والخير إلى الناس.

    ومن مبادراته رحمه الله أنه لم يتردد في المشاركة في الراديو، رغم وجود عدم ألفة في مثل هذا في أول الوقت عند بعض من المشايخ بسبب البيئة التي وصفتها لكم، حتى في المشاركة في التلفاز حضر رحمه الله، وعُرض عليه برنامج إفتائي في التلفاز وقبِل، وأراد أن يذهب، فجاءه من جاءه في ذلك الظرف الذي كان الناس هناك من يعارض مثل هذه الأمور، ولا يقبل مشاركة المشايخ في مثل هذا، فقال له ما قال، فرأى الشيخ أن من المصلحة أن يُنيب غيره في قراءة استفتاءات عُرضت عليه، وكان الأصل أن يقدم هو البرنامج، لكن لمراعاة ظروف معينة قبِل الشيخ رحمه الله، ولم يضيع الفرصة أن يقوم بتقديم البرنامج أحد محبيه، وأحد من كلفهم بتقديم السؤال والجواب. وصدر في ثلاثة مجلدات ما كان يلقى من أسئلة وأجوبة فيما يُعرف بمنار الإسلام، وهي عبارة عن أسئلة ذلك البرنامج الذي شارك فيه الشيخ رحمه الله.

    بل عندما جاء الإنترنت وجاءت المواقع، بادر الشيخ رحمه الله بتأسيس موقع، وإلى الآن المؤسسة تبث الخير، وتنشر من علوم الشيخ من خلاله، وتمارس نشاطها من طريقه، إضافة إلى القناة العلمية التي تبث دروس الشيخ رحمه الله.

    فكل هذا يدل على أنه رحمه الله كان مبادرًا، وهذا من سمات العالم: ألا يتردد في باب من أبواب الخير، يطمع من خلاله أن يوصل المعارف ويوصل العلوم.

    هذا الجانب الأول من جوانب شيخنا رحمه الله فيما يتصل بجانب العلم والتعليم والتعلم.

    وفيما يتصل بالجانب الثاني: مسيرته في حياته رحمه الله، فشيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله لم يكن علمه صوريًّا، ولم يكن علمه علم لسان، بل مما ميزه الله تعالى به أن كان علمه علمًا ترجمه في عمله، وظهر على سلوكه، وقوله، وأخلاقه، ومعاملته. ولهذا عندما نتكلم عن مسيرته الحياتية سيظهر لنا جليًّا أثرُ العلم في سلوك الشيخ رحمه الله، فكان رحمه الله عظيمَ التعهد للقرآن، وكان رحمه الله وغفر له يعمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن: «فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» صحيح البخاري (5033)، صحيح مسلم (1880).، فكان يختم في الشهر مرتين في الأيام العادية، وكان في رمضان يختم في كل ثلاثة أيام، إلى أن شُغل رحمه الله فاقتصر على الختم في رمضان في كل عشرة أيام، وليس الشاهد في القراءة فقط، بل في التدبر، فالشيخ رحمه الله كان عظيم التدبر في القرآن، ويلفت نظر من يعاشره ويخالطه في لفتاته واقتباساته من الآيات من القرآن، وذلك في مواقف حياتية عادية، فكم من مرة استدل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاالنساء: 86 على سلام، فمرة دخل رحمه الله على مجلس، وكان فيه أحد الطلاب، فقال الشيخ: السلام عليكم، فرد الأخ بصوت خافت: وعليكم السلام، فقال الشيخ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وهذا ترجمة للقرآن واستحضار لمعانيه في المعاملة، وفي الممارسة.

    وفي مرة من المرات، في خروجه من المعهد العلمي من المحاضرة، وكان هناك من يحتفي بالشيخ من الحرس (حرس المعهد)، فكان فرحًا بالشيخ ويشير بيديه احتفاءً به، وكنت معه، فلما التفت إذا بالشيخ يبادله نفس الطريقة في الإشارة، ثم التفت إليَّ الشيخ رحمه الله وكان يرى فيَّ استغرابًا، فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فهذه نماذج عملية لتدبر القرآن، وفهمه وترجمته لواقع عملي.

    وفي قراءته رحمه الله كان يعجبه في القراءة أن يقرأ قراءة تدبر مع وقفات للمعاني، ويحتفي بذلك سماعًا، وقد قال: إنما تعلمت هذا عن شيخنا عبد الرحمن السعدي، كنا نقرأ القرآن هزًّا دون الوقوف على معانيه، فكنا نصلي خلف الشيخ عبد الرحمن السعدي فنتعجَّب من وقفاته، فنسأل فيتبين لنا من خلال ذلك السؤال أنها وقفات لتتمَّ المعاني بها، أو يبتدئ معنى جديدًا، فارتكز ذلك في نفسي. قال: وألقى الله في قلبي العناية بالقراءة التفسيرية، ولهذا كان الشيخ رحمه الله مهتمًّا بأن يقرأ هذه القراءة.

    ومما يظهر في سلوك الشيخ رحمه الله عنايته بتعليم القرآن، فقال وقد سمعت ذلك: وددت لو أن تعليمي كله في تفسير القرآن، ولكن الطلبة لا يطيعون، أي أن الطلاب يطلبون منه شرح متون في الفقه، وفي الحديث، وفي سائر أبواب العلم.. وهذه  كلمة العلماء على مر العصور، فكلما رسخت قدم العالم نطق بمثل هذه الكلمات، وهي تمنّيه أن يكون القرآن جلّ اهتمامه، ولهذا ابن تيمية رحمه الله قال: تمنَّيت ألا أشتغل بغير تفسير القرآن، وذلك لعظيم ما يجدونه من الكنز في هذا الكتاب الحكيم، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَالعنكبوت: 49..

    أما ما يتعلق بالسنة فالشيخ رحمه الله لم ترَ عيني مثله رحمه الله في تعظيمه للسنة، وعمله بها، لا أقول ذلك عن ظن، بل والله عن مشاهدة في تفاصيل دقيقة، وقد يقول قائل: هذه أمور عادية يفعلها الناس، وكونك تفعلها مرة إذا أردت أن تشرب جلست، هذا يحصل، لكن كونك في كل مرة تشرب على مرِّ مدة طويلة وسنوات متوالية، تحرص على تطبيق السنة في الشرب، وتطبيق السنة في اللباس، وتطبيق السنة في الصلاة، وتطبيق السنة في المعاملة، هنا الاختبار والامتحان، ليس الشأن أن تنجح في تطبيق السنة في موضع أو موضعين أو فترة أو فترتين، إنما الدوام، ولذلك كان أحب العمل إلى الله أدومه، وكان رحمه الله دائم العمل بالسنة حريصًا.

    وأنا أول موقف لفت نظري في حرص الشيخ على السنة؛ كنت طالبًا في جامعة البترول والمعادن، وزار الشيخ رحمه الله الجامعة، وكنت مرافقًا له، فلما أردنا النوم فرشتُ للشيخ رحمه الله فراشًا جديدًا ومهيئًا، وكان معنا شخص ثالث، فلما جلس الشيخ يريد النوم نزع غترته وأخذ يمسح فراشه بالغترة، فقلت له: يا شيخ، أيش هذا؟ قال: هذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله إذا أوى إلى فراشه؛ تعهَّد فراشه بطرف إزاره لئلا يكون قد خلفه شيء.. هذا العمل المستمر الذي كان يديمه رحمه الله؛ وهو حمل النفس على اكتساب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل الطرق، وفي كل الأحوال؛ في الغيب والشهادة، وهنا يكون سر القبول، وهنا يكون سر أن يجعل الله تعالى للإنسان القبول في علمه، فكلما كان العلم الذي يتكلم به مصاحبًا بالممارسة واليقين والإيمان، كان ذلك أمثل في قلوب الناس، وأرجى للتأثير فيهم.

    والشيخ رحمه الله منذ عرفته لم يترك صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأنا عرفته منذ عام ألف وأربع مئة وثلاثة تقريبًا، وكان القرب الملازم في عام ألف وأربع مئة وثمانية، ومنذ هذا الوقت إلى وفاته كان يحرص على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وما أخلَّ بها في شهر، حتى في شعبان في ألف وأربع مئة وواحد وعشرين، وهذا هو عام مرضه رحمه الله إلا أنه صام، ولا زلت أذكر ذلك اليوم الذي كان الشيخ فيه صائمًا رحمه الله، وهذا العمل على هذا الامتداد يدل على أن الثبات والدوام من أسرار النجاح، ومن أسباب القبول، ومن دواعي التوفيق والتأثير في الآخرين.

    والشيخ رحمه الله في صلاته كان عظيم الاحتفاء بالسنة، وصلاته مميزة في طولها، وفي مراعاتها للآداب النبوية في كل تفاصيلها، وهذا لم يكن فقط في صلاته في المسجد، بل حتى في صلاته في خلواته رحمه الله، وشهدته مرات وهو يصلي النافلة لا تفرقها عن صلاته في المسجد من حيث الخشوع، والتأني، والهدوء، والطمأنينة، وهكذا يكون أهلُ العلم؛ سرهم إلا أن يكون أطيب من علانيتهم فهو كعلانيتهم.

    وكان رحمه الله لا يخل بقيام الليل، ويحرص على صلاة شيء من الليل، ولو يسيرًا، ولو ركعة، ومن الجوانب التي شهدتها فيه رحمه الله، وهي مما يتعلق بترجمة العلم، حرصه على الأذكار، فكان رحمه الله شديد العناية بالأذكار؛ أذكار الصباح، وأذكار المساء، وأذكار بعد الصلوات، وهذا واضح، ومنوَّع، ولا يثبت على نوع واحد من الأذكار، بل كان ينوع، وأذكر من عنايته بالذكر رحمه الله أنه كان يُدرس بالحرم المكي في رمضان، فكان الدرس يبدأ مباشرة بعد صلاة الفجر، فيُسبح الشيخ رحمه الله تسبيحات يسيرة، بما تيسر من السنة من التسبيح أدبار الصلاة، ثم يقوم بالدرس؛ لأن الناس يجتمعون، فيقدم الذكر التعليمي على الذكر من التسبيح والتحميد إلى آخره، فيظل يدرِّس رحمه الله حتى تشرق الشمس،  ويجلس في درسه إلى ما بعد الشروق قريب الساعة، ثم يذهب إلى بيته ليستريح، وكان رحمه الله إذا ذهبنا إلى البيت، وآوى كل واحد إلى فراشه، جلس يذكر الله تعالى أذكار الصباح التي لم يتمكن من القيام بها: سبحان الله وبحمده مئة مرة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له مئة مرة.. والله يا إخواني  كأنه الآن أمام عيني في الصالة يدور رحمه الله! يقضي ما انشغل عنه من الذكر بسبب التعليم. فهذا نموذج من الترجمة العملية، وبه يحصل التميز، وبه يحصل الخير والصدق للإنسان.

    أما الجوانب الأخرى من ورعه رحمه الله، وتحريه، فهذا يعرفه من خالطه، والقصص في هذا كثيرة وظاهرة، فزهده رحمه الله شيء بيِّن وظاهر في سلوكه وعمله، وكل هذه سمات العلم، لكن السمات البارزة التي لا تخطئها في أخلاق الشيخ رحمه الله ومعاملته: التواضع، فلم يكن الشيخ رحمه الله بينه وبين الناس حاجز، فيصل كل الناس؛ القريب والبعيد، العربي والعجمي، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، وكان قريبًا من الناس، وقد تحدث حدة بعض الأحيان بسبب كثرة الناس عليه، لكنه رحمه الله لم يكن بعيدًا عن الناس.. وكان رحمه الله من أوسع الناس صدرًا في تعليم العلم، وفي تحمُّله، ومَن شهِد اكتظاظ الناس عليه في الحرمين، وفي مواسم الحج، وفي أواخر شهر رمضان يقول: كيف يتحمل هذا شخص بلغ من السن قريب السبعين، لكن رحمه الله كان يصبر على الناس، فكان هذا من سمات الشيخ رحمه الله.

    وكان تواضعه سببًا لقرب الناس منه، فكم من مرةٍ شاهدته رحمه الله جالسًا يكتب لأحد على الرصيف في الشارع! فيكتب لامرأة، ويكتب لرجل، أو يقضي حاجة أحد، وهذا ما يفعله بعض الناس الذين لم يبلغوا ولا عشر معشار ما بلغه رحمه الله، وهو إمام وعالم يأتيه الناس من كل حدبٍ وصوب، لكن تواضعه كان فطريًّا جبليًّا، فقد رزق الله الشيخ تواضعًا فطريًّا هذبه وجلاه نظره في فضيلة التواضع: فمن تواضع لله رفعه.

    وفيما يتعلق بالصبر فإنه كان سمة من سمات شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله، فكان صبورًا، وصبره رحمه الله من أسرار تميزه، ولا شك أن الصبر خير ما يُعطى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» صحيح البخاري (1469)، صحيح مسلم (1053). فهو خير عطاء؛ لأنه الحامل على كل فضيلة، والزاجر عن كل رذيلة.. فكان رحمه الله صبورًا؛ صبر في تعلمه، وصبر على قله ذات اليد في أول الوقت، وصبر على منافسيه الذين كانوا لا يُريدون تفوُّقه وتميزه وقبول الناس له، وصبر على مخالفيه الذين خالفوه في مسائل العلم، وأغلظوا له القول، حتى إن بعضهم بلغ به مبلغًا أن قال فيه قولًا عظيمًا، فصبر رحمه الله على تعليم العلم وبذله في وقتٍ انفتحت الدنيا للناس، وكان الشيخ يمكن أن يصل إلى ما يريد من خير الدنيا بما منحه الله تعالى من العلم والمعرفة، لكنه آثر التعليم، فصبر على التعليم والبقاء في حلق العلم، فأعقبه الله خيرًا بهذا القبول وهذه النتائج العظيمة التي خلفها.. وصبر رحمه الله على الطلبة؛ في ضعفهم وكسلهم، في وقت كان الذي يحضر الحلقة واحدًا في بعض الأحيان، وكان في بعض الأحيان قد لا يجد طالبًا عنده، وقد حدثني عبد الرحمن ابنه، وهو من درسه الشيخ في المعهد العلمي، أن الشيخ كان يقول لهم: تعالوا بعد العصر الجامع، وأي شيء يشكل عليكم في أي مادة أدرسكم إياه، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكرته قبل قليل، أن الشيخ رحمه الله كان راغبًا في التعليم جبلة وفطرة وكان حريصًا على تعليم الناس ونفعهم، فيقول: تعالوا في أي مادة؛ جغرافيا، تاريخ، أعلمكم ما تحتاجون، وهذا صبر ليس باليسير ولا بالسهل.

    وكان رحمه الله صبورًا على من يسيء إليه، ولا يقابل الإساءة بمثلها، بل يتحمل، وأنا شهدت من هذا شيئًا كثيرًا، سواء كان ذلك من طلابه، أو كان ذلك من عامة الناس، أو كان ذلك من أقرانه، أو من أهل العلم، فكان رحمه الله سليم الصدر، واسع الخُلق في قبول الناس والإحسان إليهم والعفو عن أخطائهم.. ولا يعني هذا أنه مَلَك، لكن نحن نبرز الجوانب البارزة، ولا يعني هذا أنه لم يكن هناك نوع من القصور والتقصير البشري، لكن في السير والتراجم نبرز الجوانب الإيجابية التي كانت غالبة.

    وأذكر أنه توافق أن الشيخ محمد بن عثيمين كان في جدة وكذلك الشيخ الألباني، فحرص الشيخ غاية الحرص على أن يلتقي به، وطلب رحمه الله التنسيق له، فزار الشيخ الألباني في بيته، وكانت جلسة في غاية الأدب والجلالة والمهابة والحلاوة، قطبان من أعلام الأمة يجتمعان في مجلس يتبادلان الود والمحبة والتعاون، رغم ما بين الشيخين من افتراق في الاهتمام، فالشيخ الألباني كان اهتمامه منصبًّا في الحديث؛ تصحيحًا ورواية، وشيخنا رحمه الله كان اهتمامه في فقه الحديث، وفهمه، ودرايته، مع هذا كان المجلس في غاية المهابة والجلالة.

    هذا نموذج مّما يتعلق بصبره رحمه الله، والشواهد والقصص كثيرة في هذا الجانب، لكن أحببتُ أن أشير إشارات لعلي لا أطيل عليكم.

    وفيما يتعلق بحياته الأسرية فشيخنا رحمه الله تعالى رزقه الله تعالى زوجة صالحة، ومنَّ عليه بأبناء بررة، وبنات صالحات، فرزق شيخنا رحمه الله من زوجته أم عبد الله خمسة من الأبناء؛ أكبرهم عبد الله، ثم عبد الرحمن، ثم إبراهيم، ثم عبد العزيز، ثم عبد الرحيم، وله من البنات ثلاث، وكلهم أهل خير وصلاح، نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيهم، وأن يجعلهم خلفًا مباركًا صالحًا لشيخنا الجليل.

    والشيخ رحمه الله كان مثالًا مميزًا في تعامله العام، وفي تعامله الخاص، فكان من خير الناس لأهله، في قضاء حوائجهم، وفي الإحسان إليهم، وفي القرب منهم، رغم كثرة انشغالاته، ورغم عظيم ما كان قد تبوأه في آخر عمره من مسئوليات، إلا أنه رحمه الله كان في مهنة أهله، قريبًا منهم، يقضي حوائجهم، يتلمس حاجتهم، ويتعهد أبناءه وبناته في التعليم والدراسة والمتابعة على حسب ما يسَّر الله له -رحمه الله- من وقت، ومن مطالعة لأحوال الأسرة، فكان نموذجًا للأب الرحيم، والمربى المتابع، والناصح المشفق. وثمرة ذلك ما كان من تماسك الأسرة وصلاحها وصلاح الأبناء.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    لاستكمال القراءة يمكنك تحميل الملفات المرفقة word  &  pdf

     

    التفاصيل
    0
    2432
  • تأملات في السيرة النبوية
  • الحمد لله حمدًا كثيـرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده حقَّ حمده، أحقُّ من ذُكر وأعظم من حُمد وأُثني عليه، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنـى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمـدًا عبد الله ورسوله، وصفيّه وخليله، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فحيَّاكم الله أيها الإخوة الكرام في هذا اللقاء المبارك، في هذه البقعة الطاهرة المباركة، في هذا اليوم العظيم، في ليلة عرفة من مِنى، أسأل الله عز وجل أن يبارك لي ولكم في حجنا، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يعيننا وإياكم على تحقيق الحج المبرور الذي به تُبلغ الأماني وتُدرك المطالب، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
    أيها الإخوة الكرام، عندما يتحدث الإنسان عنن شخص له مكانة ومنزلة، تعجِز الألفاظ وتضيق أوجه البيان في بيان مكانته ومنزلته. هذا فيما إذا كان يتحدث عن شخص ذي تأثير ومكانة في الأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالصحابة الكرام رضي الله عنهم، والأئمة العظام، على تعاقب الليالي والأيام، في تاريخ الأمة المجيد.
    تعجز الألفاظ عن أن توفي أولئك الأبرار وأولئك الأعلام ما لهم من مكانة، وأن توفي ما لهم من مزايا، وأن توفي ما قدموه للأمة وما تركوه من بصمات مباركة في أمتهم، فكيف إذا كان الحديثُ عن سيّد ولد آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
    كيف إذا كان الحديث عن سيرة خير الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم؟
    وكيف إذا كان الحديث عن صفوة الله من خلقه؟
    إنَّ الأمر يختلف تمامًا، فمهما أُوتي الإنسان من البيان، وفُتح عليه في أوجه الفصاحة وقوة اللسان، فإنه سيقصر عن توضيح ما كان عليه خير الأنام صلى الله عليه وسلم من المكانة والمنزلة.

    كيف إذا كان الحديث عن سيرة خير الخلق صلَّى الله عليه وسلَّم؟
    كيف إذا كان الحديث عن صفوة الله من خلقه؟
    إنَّ الأمر يختلف تمامًا، فمهما أوتي الإنسان من البيان، وفُتح عليه في أوجه الفصاحة وقوة اللسان، فإنه سيقصر عن توضيح ما كان عليه خلق الأنام صلى الله عليه وسلم من المكانة والمنزلة.
    يكفيه فضلًا ومكانةً أن الله اصطفاه وشهد له بالكمال البشري وقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم: 4، يكفيه منزلة ومكانة أن الله تعالى رفع قدره، وبلَّغه منزلة لم يبلغها أحد من الأولين والآخرين، ليس فقط في فضائله وشمائله وخصائصه وما كان عليه من طيب الأخلاق صلى الله عليه وسلم وحسن السجايا، بل الأمر يتعلق بما خصه به من عظيم المكانة والقرب منه جل في علاه، فقد أعلى الله منزلته ورفع مكانته وأدناه منه جل في علاه حتى بلغ مقامًا لم يبلغه أحدٌ من الأولين والآخرين؛ بلغ مقامًا في ليلة المعراج سمع فيه صَرير الأقلام، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.. الأقلام التي تجري بأقدار الكريم المنان جل في علاه، الأقلام التي يُستنسخ بها ما في اللوح المحفوظ.. وهذه منزله لم يبلغها أحد، وقصر عنها كلُّ خلق الله عز وجل من الإنس والجن والملائكة وغيرهم ممن خصهم الله تعالى بالمزية والمكانة.
    أيها الإخوة، عندما نتحدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحن نتحدث عن الكمال البشري؛ عن الأسوة الذي جعل الله تعالى أخلاقه وشمائله وما كان عليه نجاةً للبشرية، ليس في عصر ولا في مصر ولا في مكان ولا في حقبة من الزمان، بل ذلك على تعاقب الليالي والأيام، بل ذلك على مر العصور والدهور.
    فمحمد بن عبد الله بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم هو أكمل البشر على مر العصور، لم يأتِ أحد قبله بمنزلته، كما أنه لا يبلغ أحد ممن بعده منزلته صلى الله عليه وسلم في العلم بالله، وتحقيق التقوى وكمال العبودية لله جل في علاه.
    «أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» أخرجه البخاري (5063)، وأحمد (6/61) واللفظ له، ولفظ البخاري: ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) هكذا أخبر صلى الله عليه وسلم، ليس فخرًا ولا خيلاء ولا علوًّا على الخلق، بل ذاك كان بيانًا لِما حباه الله به وما خصه به من كمال العلم به وكمال تحقيق العبودية لله عز وجل.
    النبي صلى الله عليه وسلم ضرب الأسوة والقدوة والخير للأمة في كل باب من الأبواب، لم يستثنِ في ذلك بابًا؛ فإذا نظرت في نفع الناس فهو الإمام المقدَّم في نصح الناس، وهو السابق الأول في الجهاد، فهو الشجاع المقدام، وفي التعليم والبيان كذلك، وفي القيادة والريادة، وله السبق والتقدم في حُسن العشرة مع أهله وضعفاء الناس، وكان نموذجًا يُحتذي، لفا يُشقُّ له غبار صلى الله عليه وسلم، فكمّل الله به محاسن الأخلاق في تحقيق العبودية ما بين العبد وربه في صلته بالله وفي صلته بالخلق.
    عندما نتحدَّث عن سيرته، نتحدث عن حلقات من النور ومواقف من الهداية، إنَّنا لا نروي قصصًا تُملأ به المجالس ولا حكايات تُسلى بها النفوس، إننا نقصُّ حياة من جعله الله قدوة للأمة عبر الليالي والأيام، على اختلاف العصور والدهور، وعلى اختلاف الأحوال والمواقف، قدوة للصغير والكبير، للذكر والأنثى، للحاكم والمحكوم، في حال السَّعة والضيق، وفي حال المنشط والمكره، وفي حال الفتنة وفي حال السعة والأمن.
    إنه إمام الأمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليس هذا تمجيدًا له فحسب؛ بل هذا بيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم حتى نعرف أهمية ما نقرؤه، وأهمية ما نسمعه، وأهمية ما نطالعه من أخباره صلى الله عليه وسلم.

    فأخباره ليست قصصًا تُروى وتُملأ بها المجالس وتُشنَّف بها الأسماع وتُعطر بها الاجتماعات، إنها مدرسة، إنها منهج حياة، إنها مخرج من كل ضيق إلى كل سعة، إنها هداية، إنها أسوة كما قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب: 21.
    إذن عندما نتعامل مع سيرته صلى الله عليه وسلم على هذا النحو؛ فإن نظرتنا ستختلف، فلن نقرأ سيرته على أنها نموذج من نماذج الإنجاز البشري، كغيرها من سير البشر، وكغيرها من سير الناس، يُنتقى منها بعض ما فيها من إضاءات ليكمل ما في النفس من نقص.
    لا؛ إنه أسوة في كل لحظة، في كل دقيق وجليل، في عبادته وصلته بربه، وفي معاملته للناس وصلته بالخلق.. هذا المعنى ينبغي أن يركز في نفوسنا حتى نعلم أن قراءة سيرته وسماع أخباره ليست للمتعة ولا للابتهاج ولا للتسلية، إنما هي للعلم والعمل.
    فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعله الله قدوة للأمة، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} الأحزاب: 21.
    أيها الإخوة، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أسوةً للأمة في حقبة دون حقبة، بل مرَّ صلى الله عليه وسلم بأطوار عديدة؛ مرَّ بهزيمة ونصر، ضعف وقوة، منشط ومكره، إقبال من الناس وإدبار.. كل ذلك كان مدرسة للأمة لتعرف كيف تتناول وتتعامل مع الأحداث على اختلافها وتنوعها، فإنَّه لا دوام لحال؛ بل الأمة على مر العصور تتقلب في أحوالها بين حال إلى حال.
    إن التأملات في السيرة ليست موقفًا تُقرأ فوائده، وتُستنبط عظاته وعبره، إنه أكبر من ذلك؛ إننا نحتاج في البداية قبل أن نلج إلى تفاصيل الأحداث وموقف النبي صلى الله عليه وسلم هنا أو هناك، نحتاج إلى أن نعرف كيف نتعامل مع السيرة.. فما هي أهمية التأمل في السيرة؟
    إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من المهم لكل مؤمن أن يعلم أنها مفتاح تحقيق الإيمان به صلى الله عليه وسلم، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»أخرجه البخاري (25)، ومسلم (20)، والشهادة له بالرسالة لا تكون عن جهل بحاله، ولا عن معرفة لِما جاء به، فلا تكون الشهادة كاملة ولا صادقة ولا وافيةً، إلا إذا كانت عن علم به صلى الله عليه وسلم؛ فالدراسة لسيرته والوقوف عند أخباره هو مما يتحقق الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ولهذا كانت سيرته دليلًا على نبوته، وقد قال ذلك جماعات من أهل العلم كما هو واضح من سير الذين آمنوا به صلى الله عليه وسلم أو الذين عاشروه.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فسيرته وأخلاقه وأقواله وشريعته كلها من آياته"؛ أي: من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فما كان عليه من سيره، وما كان عليه من خلق، وما كان عليه من شمائل، وما كان عليه من أقوال، وما جاء به من تشريع، كل ذلك دليل على صحة نبوته ورسالته.
    إننا لم ندرك انشقاق القمر، ولم ندرك نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم ندرك تسبيح الطعام بين يديه، لكنَّنا سمعنا من شمائله وأخباره وصدق ما دلَّ على نبوته، ما تنشرح به صدور أهل الإيمان ويعلمون صدق قول الرحمن: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فصلت:  53 والضمير يعود على الرسول في أحد الأقوال التي ذكرها المفسرون؛ أنه الحق الذي جاء بالحق من الله، الحق الذي دل على الحق الذي هو الله جلَّ في علاه.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى قوم في عماء، كما وصف ذلك بقوله: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» ليس إلى العرب فقط، بل إلى أهل الأرض «فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» أخرجه مسلم (
    2865) هؤلاء البقايا هم من كانوا على أثرة من علم من النبوات السابقة، وأما عامَّة الخلق فكانوا في عماء.

    ولم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه ما يسوءه أو ما يُذم به، بل تولى الله عز وجل صناعته بعينه ورحمته حتى كان على أكمل ما يكون البشر دون رسالة؛ في شمائل الأخلاق، وفي البعد عن الرذائل، وفي الصدق وفي الأمانة، وفي سائر الخصال التي تكمل بها خصال الإنسان دون الرسالات؛ من مقتضيات الفطرة ومن مقتضيات ما اجتمعت عليه فطر البشر من قبل الخصال الحميدة والخلال الحسنة.

    هكذا كان صلى الله عليه وسلم، فبعثه الله عز وجل وأرسل إليه رسولًا، فبلغه ما بلغه من الهداية والنور والنبوة، فانتقل إلى السمو، حيث انتقل من كمال بجهد بشري إلى كمال بولاية رب العالمين ونوره وتوفيقه وتسديده ومعيته التي كانت في سمعه وبصره وقوله وعمله وسائر شأنه صلى الله عليه وسلم.
    فانتقل صلى الله عليه وسلم إلى كمالٍ آخر، هذا الكمال الآخر ذاع في الآفاق وسمع به الناس، فجاء الناس يتحسسون ما عنده، رغم عِظم الدعاية المضادة لما كان يدعو إليه من عبادة الله وحده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء من يتلمس أخباره؛ ليعرف حقيقةَ ما يدعو إليه، فجاء العرب يعرفون من أحواله وأقواله ما دعاهم إلى الإيمان به دون مرغبات، فلم يكن عنده في أوائل دعوته ما يدعو الناس إلى الإيمان به رغبة في دنيا أو طمعًا في تحصيل منفعة، إنما كان القائد لإيمان أولئك الذين آمنوا  به قبل هجرته ما كان عليه من الصدق، وما كان عليه من الهداية، وما جاء به من الهدي ودين الحق، صلى الله عليه وسلم.
    وتسامع به الناس، فخرج صلى الله عليه وسلم بعد الأذى الشديد إلى المدينة، وكان ما كان بينه وبين قومه من مناوشات بدأت في بدر ثم أعقبتها أحد ثم الأحزاب، ثم كان ما كان من الصلح بينه وبين قومه. في هذه الأثناء ذاع صيته صلى الله عليه وسلم، بل كتب بنفسه صلى الله عليه وسلم إلى الآفاق يدعو العالم للإيمان به وسماع رسالته، فكان ممن بلغهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم هرقل؛ وهو عظيم الروم؛ أكبر دولة في ذلك الزمان، كتب إليه صلى الله عليه وسلم كتابًا يدعوه إلى الإسلام.. وإنما أقصُّ هذا الخبر لنعرف أن العلم بسيرته من أعظم أسباب الإيمان به، ومن أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.. فهرقل لم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصل إليه، ولم يعاشره، ولم يخالِطه، بل كان بعيدًا عنه، وملكه ومكانته تحول دون أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ليستمعَ منه مباشرة.
    فلما جاءه الكتاب، وكان ذا عقلٍ راجح، دعا من يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك من قومه، فجاء أبو سفيان وهو أقرب الناس من الوفد الذي حضر هرقل، فجعله بين يديه والقوم خلفه، فقال: إن كذب فأعلموني. فسأل هرقل أبا سفيان جملة من المسائل، هذه المسائل مجملها يعود إلى حقيقة ما جاء به النبي: ما هي سيرته؟ ما هي أخباره؟ ما هو حاله؟ فسأله عنه صدقًا وكذبًا، هل عهدتم عليه كذبًا؟ هل له مُلكٌ يبحث عنه لآبائه وأجداده، ملك يريد إحياءه؟
    جملة من المسائل ذكرها البخاري وغيره في صحيحه في مسائل هرقل صحيح البخاري (7)، ومسلم (1773)، جملتها تعود إلى أسئلة لاستكشاف حال النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في سيرته وفي سيرة من آمن به، فماذا كانت النتيجة؟
    إنها المفاجأة أن قال هرقل لأبي سفيان ومن حوله: إنه نبي الله، وإن صدق ما قلت فسيملك ما تحت قدمي هاتين، ولو استطعت أن أخلص إليه لغسلت التراب عن قدميه. من الذي يقول هذا؟
    هرقل عظيم الروم يقول هذه الجمل، من أين استخلص هذه النتيجة؟
    إنه من التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذن التأمل في السيرة يقود إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقود إلى تحقيق الإيمان به تكميلًا لأهل الإيمان وإيجادًا لمن لم يكن مؤمنًا به.
    ولذلك من أعظم وسائل الدعوة في العصر الحديث التي غفل عنها كثير من المسلمين؛ أن يبين للناس سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، واسم محمد اسم معروف وشهير في العالم، حتى أصبحت بعض الدول الكافرة في أوربا وغيرها الاسم الأول في البلد للمواليد محمد، أليس حريًّا بأهل الإسلام أن يقدموا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا مبالغة ولا غلو ولا زيادة؟ ففي سيرته من أنوار رسالته واصطفاء الله له ما يكفي عن أن يجتهد البشر زيادة في مقامه ورفعة في منزلته، فقد بلغه الله منزلة تقصر عنه كل الاجتهادات التي تسعى إلى رفعه صلى الله عليه وسلم.
    ومن رفعه الله فلا خافض له، وقد رفعه الله وأعلى ذكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن حقِّه أيها الإخوة على أمته جماعاتٍ وأفرادًا أن يبذلوا الجهد في بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، فسيرته تأسر القلوب، وعندما تقرأ ما كتبه وما تفوَّه به عظماء الزمان ممن طالعوا سيرة خير الأنام صلى الله عليه وسلم تعرف يقينًا أن إظهار سيرته على النحو الذي كان عليه دون مبالغة ودون تتبع لشواذ الأخبار وضعيفها، إنما ما صح وثبت من سيرة خير الأنام وما ذكره أصحاب السير عنه صلى الله عليه وسلم، كافٍ في بيان فضله وعظيم منزلته صلى الله عليه وسلم.
    إن الإيمان به والتأمل في سيرته هو الطريق الذي يحقق المؤمن به العبودية لله عز وجل.

    قد يقول قائل: هذه مبالغة!
    فأقول: لا والله ليست مبالغة؛ إن تحقيق كمال العبودية لله عز وجل مرهون بكمال العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.. عندما نعرف أنَّ السيرة ليست قصصًا تُروى، ولا حكايات تُسرد، إنما هو بيان لما كان عليه قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا، وفي سرِّه، وفي منشطه ومكرهه صلى الله عليه وسلم، وفي خاصته وبين الناس؛ نعرف أنه لا يمكن أن يحقق الإنسان كمال العبودية لله عز وجل إلا من خلال سيرته صلى الله عليه وسلم.
    أتعلمون أصحَّ كتاب بعد كتاب الله، ما هو؟
    صحيح البخاري.. صحيح البخاري ما حقيقته؟
    إنه الجامع لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وسيرته وأيامه، إنه جامع لسيرته صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله وغزواته وأيامه صلى الله عليه وسلم. وهو كتاب من الكتب العلمية العظمى التي عكف العلماء على دراستها وشرحها وبيان ما فيها من العلوم والكنوز، هذا السِّفر المبارك هو سيرة رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لأحد أن يحقق العبودية لله عز وجل إلا بمعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم..
    كيف كان يعبد ربه؟
    وكيف كان يعامل الخلق؟
    وكيف كان في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وفي سائر أحواله صلى الله عليه وسلم؟
    ولهذا كلما زاد نصيب الإنسان علمًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من طيب الأخلاق وكريم الشيم والخصال؛ زاد نصيبه من العلم بالله ومعرفة الطريق الموصل إلى الله جل وعلا.
    إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على تبليغ الأمة دقيق الأمر وجليله، حتى لم يترك شيئًا تحتاج الأمة إلية إلا وقد بيَّنه ووضحه، وتركنا على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ليس فقط في شأن معاملة العبد لله عز وجل وفي شأن العبودية، بل في هذا الشأن وفي كل شأن.
    يقول الله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}.
    ويقول جل في علاه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر: 7 . .
    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري (631)، ومسلم (674). ، وفي الحج يقول صلى الله عليه وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» أخرجه مسلم (2877). .
    فلا يمكن لأحد أن يحقق كمال العبودية لله إلا بتحقيق العلم بسيرته صلى الله عليه وسلم.

    وهنا نحتاج إلى أن نُشيع بين الناس أن السيرة ليست فقط سيرة ابن هشام، وليست فقط سيرة ابن كثير، وليست فقط الرحيق المختوم، وليست فقط ذاك أو ذاك من الكتب التي تناولت غزواته، إنها أوسع من ذلك.
    إن السيرة تشمل صحيح البخاري وصحيح مسلم ودواوين السنة جميعًا، بل وحتى المختصرات، كبلوغ المرام والأربعين النووية وغيرها من كتب الأحكام التي جمعت أصول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فهي من سيرته.
    وعندها تتسع الرؤية ويتسع الأفق في فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست قصصًا للترويح عن النفس والاستئناس بذكره صلى الله عليه وسلم، إنها أبعد من ذلك، إنها إيمان به، إنها دليل على نبوته، إنها الطريق الذي يحقق به المؤمن العبودية لله عز وجل.

    فكلنا يرجو أن يبلغ ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري رقم (15) ومسلم رقم (44) من حديث أنس: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
    وفي حديث عمر لما قال: والله يا رسول الله إنك أحب الناس إليَّ إلا من نفسي، قال: «لَا حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، قال: أنت الآن أحب إلي من نفسي، فقال: «الآنَ يَا عُمَرُ» صحيح البخاري (6632) . الآن كملتَ الإيمان، الآن حققت كمال الإيمان به صلى الله عليه وسلم..

    وهذا المعنى لا يمكن أن يتحقق لمن كان لا يعرف أخباره صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من كريم الخصال وطيب الأخلاق.
    إنَّ جزءًا من أسباب صلاح الأمة في عهدها الأول هو قربها منه وشهودها له صلى الله عليه وسلم، وبالتالي كلما كانت الأمة قريبة من سيرته، عارفة بهديه، مطلعة على أخباره؛ كان ذلك من علامات صحتها وسلامة منهجها وطريقها، وخروجها من الأزمات والمضايق.
    أيها الإخوة، إنَّ الحديث عن السيرة حديث ذو شجون، وهنا يقف الإنسان عند جفاة لا يعرفون من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلا نتفًا من أحاديث الأحكام، وغلاةٍ في محبته أهدروا سيرته المتعلقة بمنهج الحياة وعكفوا على أخبار ضعيفة يتناقلونها من كتب السير، والسيرة الحقيقية هي معرفة ما كان عليه في كل شأن؛ في علاقته بربه وفي علاقته بالخلق وفي سائر أيامه ولياليه صلى الله عليه وسلم.. وإن لمحة موجزة في معرفة سيرته في حجه تدعو القلوب إلى محبته.. إن الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خروجه من المدينة إلى رجوعه، 
    وهي أيام معدودة، إذا حرص المؤمن على مطالعتها وكيف حج النبي صلى الله عليه وسلم بما أننا في أيام الحج وأعماله، ويمرُّ علينا كثير من أخباره صلى الله عليه وسلم في حجه، كيف كان في عرفة .. وكيف كان في المزدلفة.. وماذا صنع في منى، وكيف كان لما قدم إلى مكة، وماذا قال لأصحابه وكيف ردُّوا عليه.. ومعاملته العامة للأمة، ومعاملته الخاصة لأفرادها، في شأنه الخاص.. في زوجاته وسائر من احتكَّ به صلى الله عليه وسلم ممن نقل عنه خبر معايشته للنبي صلى الله عليه وسلم؛ يرى عجبًا في هذه البرهة المختصرة التي لا تتجاوز القريب من العشرين يومًا أو أقل من ذلك.. ويرى من دلائل نبوته وصدقه ومحبته وتحقيق العبودية لله عز وجل، ما يحقِّق تلك المعاني كلها.

    لذلك من المهم أن نستحضرَه في حجِّنا، ليس فقط في جانب من الأعمال والأحكام، بل في العمل القلبي قبل العمل الصوري؛ كيف كان قلبه صلى الله عليه وسلم في حجه؛ فهذا معنى يغيب عن كثير منا.. إنه في غاية الذل لله عز وجل، وفي غاية الخضوع له، وانعكس هذا الذل والخضوع القلبي الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم في أخلاقه، فحج صلى الله عليه وسلم على رحل رثٍّ وعلى قطيفة يقول الراوي: لا تُساوي أربعة دراهم. فهو في غاية التواضع، وفي غاية الذل لله عز وجل، وفي غاية الحرص على نفع الناس، لذلك طاف صلى الله عليه وسلم على راحلته ليراه الناس ويتأسَّوا به.
    ولما وقف في عرفة في ذلك الموقف العظيم لم ينعزل عن الناس في زاوية، وكان قادرًا على أن تُضرب له أفضل القباب، فهو سيد العرب، وسيد الجزيرة في ذلك الوقت.
    كل الناس دانوا له صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم على راحلته التي كانت برحل رث، وهي زاملته –يعني التي عليها طعامه وشرابه صلى الله عليه وسلم- ما كان عنده رحل ثان للعفش والمتاع، بل كان رحله ومتاعه على نفس البعير الذي حج عليه صلى الله عليه وسلم.

    وكان واقفًا من بعد الزوال إلى غروب الشمس، وقد تربَّص بمكان يكون فيه بارزًا للناس، فجعل بطن راحلته إلى الصخرات وحبلُ الناس بين يديه صلى الله عليه وسلم لينفعهم وليأتسوا به، وليقتدوا بما كان عليه صلى الله عليه وسلم، وإن أشكل عليهم شيء أخذوا عنه ورجعوا إليه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43 .
    هكذا كان صلى الله عليه وسلم في غاية الذل لله عز وجل والتواضع للخلق وإظهار العبودية لله عز وجل، قولًا وعملًا، وفي غاية الرأفة والرحمة، فكان يأمر الناس بالهدوء والسكينة: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ» صحيح البخاري (1671). .

    إنها كلمات يا إخوان تمثل منهج حياة؛ تختصر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين لم يشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم طوال السنوات الخالية حجُّوا معه فأدركوا ما كان عليه من الرحمة والنصح والإخلاص لله عز وجل، والإحسان للخلق، وتحقيق العبودية، والتواضع، والذل لله جل في علاه، وحسن الصحبة للصغير والكبير، فكان لا يردف معه عظماء الناس، بل يردف معه الصغار ترفُّقًا بهم، على خلاف حال الكبراء فإنهم لا يردفون معهم إلا مَن يُشار إليهم بالبنان.

    هكذا كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم، فتأمل، وأنا أدعو نفسي وإياكم بما أننا في الحج أن نتأمل سيرته ونسجل أبرز معالم سيرته في حجه، وأجزم أن هذا الذي سنستخلصه من خلال مطالعتنا في سيرته سنجده ملخصاً لرسالته وبيانًا لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من أخلاق امتدَّت عبر سنوات اختصرها في أيام معدودات.
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا نسألك باسمك العظيم أن ترزقنا حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم يا ربَّنا اسلك بنا سبيل الرشاد، وأعنَّا على الطاعة والإحسان، ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأعمال، اللهم اجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، اللهم بلغنا فيه الأماني يا حي يا قيوم بفضلك وإحسانك وكرمك وعظيم جودك، اللهم اجعلنا من أوفر عبادك نصيبًا من رحمتك وعطائك وإحسانك يا رب العالمين.
    اللهم اجعلنا ممن يتبعون سنة نبينا محمد ظاهرًا وباطنًا، اللهم ارزقنا محبته واحشرنا في زمرته، واجعلنا من حزبه وأوليائه.. اللهم يا رب العالمين، ارزقنا شفاعته وارزقنا الذبَّ عن سنته والقيام بحقه ظاهرًا وباطنًا..
    ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا، ربَّنا إنك رءوف رحيم.
    وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد. 

     

    التفاصيل
    0
    1885
  • العناية بما يستقبل به رمضان
  • الحقيقة حديثي في هذه الدقائق التي أتشرف بالحديث معكم فيها حول: ما الذي ينبغي أن نعتني به فيما يتعلق باستقبال هذا الشهر المبارك.

    لا يخفى عليكم أننا بعد أيامٍ  قلائل - ثلاثة أيامٍ أو أربعة أيامٍ - نبلغ الشهر المبارك، شهر رمضان.. أسأل الله العظيم، ربَّ العرش الكريم، أن يُبلِّغنا إيَّاه في أحسن الأحوال، وأن يرزُقنا صيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا.

    هذا الشهر المبارك له ميزة، فينبغي علينا أن نعرف لماذا كان هذا الشهر بهذه المكانة في الدين الإسلامي، فما أمر شرعه الله عزَّ وجلَّ، واصطفاه زمانًا أو مكانًا أو تشريعًا، إلا والله تعالى له فيه حكمة، فهناك سر، وهناك علّة، وهناك سبب لهذا الاصطفاء، الله جلَّ وعلا يقول في محكم كتابه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} القصص: 68 . معناه أن الله عزَّ وجلَّ يخلق ما يشاء، ويختار من هذا الخلق ما يشاء، لكن هذا الاختيار الذي يختاره الله جلَّ وعلا ليس اختيارًا لا سبب له، بل كل شيء في هذه الاختيارات الإلهية؛ تشريعية كانت أو زمانية أو مكانية، لله فيه حكمة. اختار الله تعالى رمضان، فخصه بهذه الخصائص الكثيرة، والمميزات العظيمة.. لماذا؟

    نذكر منها أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» أخرجه مسلم (233). .

    وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» أخرجه البخاري (38)، ومسلم (760). .

    وقال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»أخرجه البخاري (37)، ومسلم (2009). - .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»أخرجه البخاري (1901)، ومسلم (760). .

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشتدُّ في طاعة الله عزَّ وجلَّ، ويجد ويكد ويعمل عملًا في هذا الشهر أكثر من غيره من الشهور، حتى إنه صلى الله عليه وسلم في آخر الشهر كان يعتزل في المسجد، وينفرد بربه جلَّ في علاه، ذاكرًا وممجِّدًا، وتاليًا لكتابه.

     لمَ كل هذا؟

    هذه الخصائص التشريعية لا بد لها من سبب، وسببها يفسره ما ذكره الله جلَّ وعلا في ثنايا آيات الصيام، بل في مقدمة فرض الصيام، بعد أن كان الصيام خياريًّا، بمعنى أن الصوم أول ما شُرع شُرع على الاختيار، من شاء صام، ومن شاء أطعم عن صيام كل يوم، فالله تعالى يقول: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: يستطيعون أن يصوموا، وهذا في أول التشريع {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}البقرة: 184 . أي: فدية عن صيام ما شرع الله تعالى من صيامٍ واجب، لكن قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} البقرة: 184 . .

     ثم بعد ذلك جاء التشريع بفرض الصيام على الجميع، فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}البقرة: 185 . .

    ثم قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185 . ، والفاء في قوله: {فَمَنْ} تفيد التعقيب والترتيب في  ارتباط بين المقدمة والنتيجة، والمعنى أن الله عزَّ وجلَّ يقول: مِن شُكر نعمتي عليكم بإنزال القرآن في هذا الشهر المبارك شرعت لكم صيامه.

    قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فالأمة عبر القرون المتعاقبة في الدنيا كلها، وفي الزمان كله، وفي المكان كله، كلهم يشرع لهم صيام رمضان.

     لماذا؟

    لأنه الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن، فهذه ميزة وخاصية ينبغي أن نتنبه لها، وألا نغفلها؛ أن هذا الشهر له سمة وخاصية ينبغي أن نعتني بها، وأن نستحضرها في سبب صيامنا، فصيامنا شكر للقرآن ولهذه النعمة، وقيامنا كذلك شكر لهذه النعمة، وتلاوتنا للقرآن شكر أيضًا لهذه النعمة، فكل هذه النعم التي أنعم الله تعالى بها علينا يا إخواني هي شكر لهذه النعمة العظيمة، التي هي أعظم نعمة مَنّ الله بها على البشرية، بل بشّر الله تعالى بها الناس أجمعين، يقول الله جل في علاه، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} الخطاب للناس كافة {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} يونس: 57، 58 . .

    الإنسان يا أحبابي، ويا إخواني، يحتاج إلى زاد يتزود به، تمامًا كالذي يسير في طريق سفر، هذا الطريق الذي يسافر من خلاله تتوقَّعون يا شباب أنه يمكن أن يصل إلى هدفه وغايته دون أن يكون معه وقودٌ في سيارته يوصله إلى غايته، فمثلًا الشخص في بلدته لا يحتاج لوقود كثير ليتحرك، فإذا ما سافر احتاج إلى إعادة تعبئة الوقود، حتى يتمكن من مواصلة السير، بل لا بد من هذا، فلا يمكن أن يصل دون وقود، فالآخرة سفر، وهذا السفر ليس اختياريًّا، فكلنا إلى الله مسافرون؛ أنا وأنت والجميع، والذكر والأنثى، والحاضر والغائب، والمسلم والكافر، كلنا مسافرون في هذا الطريق، ليس لنا فيه خيار، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} الانشقاق: 6 . فهذا السفر كلنا سنسافره، شعرنا به أم لم نشعر، ونحن في رحلة وفي انتقال، ولهذا فالدنيا ليست دار قرار، ومطايا هذا السفر - أي: المراكب التي يركبها الناس، لوصولهم إلى آجالهم، وهي منتهى السفر - هي الليل والنهار، فهما المطية التي نركبها لنصل إلى آجالنا، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، وجعل الله تعالى  لكل أجل كتابًا، وهذا الأجل لا نعلمه، لكننا  نعلم أننا مسافرون، وسنصل إلى غاية، وهذا السفر لا يمكن أن ينجح فيه الإنسان دون زاد، والزاد الحقيقي.. وانتبه أخي الكريم! الزاد الحقيقي الذي يبلغك النجاة في سفرك هو التقوى، وهذا ليس كلامي، ولا هو اجتهاد عالم، فهذا كلام رب العالمين في كتابه العظيم، يقول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} البقرة: 197، فخير ما تحمله معك في سفرك هذا لتبلغ الغاية وتصل إلى المقصود؛ تقوى الله.

    والسؤال الكبير: ما هي تقوى الله؟

    تقوى الله ليست أمرًا يكون فقط في المظهر، أو في الصورة، أو في اللسان، فتقوى الله ابتداءً تكون في القلب، أي: أن يكون القلب صالحاً، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ». ثم يضع تعيينًا وتبيينًا لهذا الذي به الصلاح والفساد فيقول: «أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ» أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).

    فقلبك هذا الذي ينبض، وبه يصلح جسدك، فلو تعطل القلب تعطل البدن، أي: الحياة المادية، فلو توقف قلب الإنسان فإنه لا يعيش.. كذلك إذا توقفت حياته بالتقوى مات الإنسان، ولهذا يقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»  أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779) . - ومعناه: لا بد لنا أن نستشعر أننا بحاجة ماسة إلى حياة قلوبنا.

     وحياة قلوبنا هي التي بها تتحقق لنا التقوى، وتصلح لنا بها الأعمال.

     لهذا يا إخواني، ويا أبنائي، نحن بحاجة إلى اغتنام هذه الفرصة المباركة، فهذا الشهر المبارك هو محطة تزود، وأقرب مثال لهذا الأمر كأن تكون مسافرًا، وتمر على محطة لتزويد الوقود، فهل تستقرّ في تلك المحطة وتضع فراشك وترحالك وتأخذ متسعاً من الوقت؟ بالطبع لا، ولكن بعض الناس يفعلون ذلك، أما  غالب المسافرين فلا يفعلون هذا، غالب المسافرين يجتهدون في أن يتزودوا بكل ما يحتاجون ليستكملوا المسير؛ من وقود وماء وطعام وما إلى ذلك من الأشياء التي يتهيئون بها لمواصلة السير، فنحن في هذا الشهر المبارك بحاجة إلى أن نتزود.

    والتزود به ننجح، والتزود به نفلح، والتزود هو عنوان نجاحك في الدنيا، لذلك يا أخي في كل يوم، في كل ليلة، وفي كل لحظة، احرص على أن تتزود، فإن الزاد به تحصل النجاة.

    والزاد ما هو؟ ليس مأكلًا ولا مشربًا، هذا طبيعيٌّ للأبدان، لا تقوم أبداننا إلا به، وإنما الزاد هو العمل الصالح، الذي هو تقوى الله تعالى، وتقوى الله هي أن تكون صالح القلب، ممتثلًا أمر الله عزَّ وجلَّ، مجتنبًا ما نهى الله تعالى عنه قدر طاقتك، ورمضان فرصة؛ لذلك يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 183 . .

    هذا هو السر، وهذه هي الغاية، وهذه هي الحكمة من هذا السياق؛ أن نحقق التقوى لله عزَّ وجلَّ في قلوبنا وفي أعمالنا وجوارحنا وفي سائر أحوالنا، لذلك هي فرصة من خلالها نستطيع أن نتقي الله تعالى.

    واستحضار هذا المعنى العام يشرح لنا ما هو الصوم، هل الصوم هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وما إلى ذلك من مفطرات فقط؟ لا، هذا الإمساك له غاية، وله مقصد، فإذا ما انتهينا لهذه الغاية وهذا المقصد سيكون صيامنا صوريًّا، أي: سيمتنع الإنسان من الأكل من أول الفجر إلى آخر النهار، وبعد ذلك يأكل ويشرب، لكن ليس له أثر في سلوكه، ولا في قلبه، ولا في أخلاقه، و«الصِّيَامُ جُنَّةٌ» كما يقول النبي صلى الله عليه وسلمأخرجه البخاري (1894)، ومسلم (1151)، جُنَّة يعني مثل الدرع يتوقى به الإنسان الشرور، ويتوقى به الإنسان الآفات؛ أول الآفات على قلبه، ثم على سلوكه، ثم على قوله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أخرجه البخاري (1903) . .

    لهذا من المهم أن ندرك معنى الصوم، وأن الصوم به تصلح أحوالنا، وتستقيم أعمالنا، إذا حققنا الغاية منه، وهو أن يكون صيامنا محققاً للتقوى.. «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» هذه الغاية نتنبه لها ونستحضرها في كل عبادتنا؛ لأن كل العبادات التي شرعها الله تعالى إنما هي لتحقيق التقوى.

    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين، يا رب العالمين.

    هذه مقدمة مختصرة أو كلمات موجزة حول مقصود الصيام وغايته، فالمقصود من الصوم تحقيق التقوى في القلب، وتحقيق التقوى في القول، وتحقيق التقوى في العمل.

    اللهم اجعلنا من المتقين، ويسر لنا يا رب العالمين خصال أولئك الصالحين، واحشرنا في زمرة الصدّيقين، يا رب العالمين، وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.

    التفاصيل
    0
    1137
  • انظر إلى قلبك
  • الحمد لله رب العالمين، لا أحصي ثناءً عليه، له الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحيَّا الله هذه الوجوه الطيبة، وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلها وجوهًا مسفرة ضاحكةً مستبشرة يوم العرض عليه، يوم العطاء والجزاء، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

    أيها الأحباب، أيها الإخوة، أيها الأخوات الكريمات:

    الحج عبادة، جمع الله تعالى فيها أنواعًا من القربات، هي دورة تدريبية يلجها المؤمن ويخرج منها بفوائد عديدة، والناس في هذا مختلفون، الله تعالى يقول: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} سورة البقرة، الآية: 197 ، والناس في هذا الزاد متفاوتون، فمنهم من يغرف ويأخذ، ومنهم من يستقلّ في أخذه، وفي كل خير، لكن السابقون السابقون، السابقون إلى التزود من خير زادٍ في هذه الدنيا هم السابقون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم العرض والنشور، يوم الوقوف بلا درهم ولا دينار، ولا جاه ولا سلطان، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} سورة الأنعام، الآية: 94، هذا شأننا الآن، انظروا كيف نحن جالسون في هذه الأسِرة المتجاورة، منا الكبير، ومنا الغني، ومنا الفقير، ومنا متوسط الحال، حال واحدة، وانظروهم في الأرصفة كيف يجلسون، وانظرهم في الأبراج كيف يجلسون، كلهم سواء متقاربون مهما كان هناك تفاوت في الترف والأخذ والمتع، هم متقاربون، كلهم تركوا أموالهم وأولادهم وأوطانهم، وتركوا كل نعيم خلف ظهورهم، وجاءوا إلى هذا المكان.. ويوم العرض ليس هناك سرر، ولا ثياب، ولا سلطان، {وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ} كل ما ملكناكم {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}، ليس معنا شيء إلا شيءٌ واحد، أتدرون ما هو؟ إنه العمل الصالح، إنه حصائد أعمالنا.

    روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس؛ أنَّ النَّبي صلّى الله عليه وسلم قال: «يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاَثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» أخرجه البخاري (6514)، ومسلم (2960) .

    العمل ما هو؟ العمل هو سعيي وسعيك، هو ما أقوم به وما أنت تقوم به، ما يرصده الحاسبون وما يكتبه الحافظون، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} سورة الطارق، الآية: 4 يحفظ عملها ويحفظ ما يكون منها، الدقيق والجليل، لا يغيب ظاهر ولا باطن، هذا هو الذي ستلقاه يوم القيامة، وهذا هو الذي به تتفاوت الدرجات، ويعلو به الناس في المنازل يوم القيامة، إنما هي الأعمال، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة الزخرف، الآية: 72 ، فلا تستقلّ شيئًا؛ فإن الله يعطي عطاءً جزيلًا على العمل القليل، فجدَّ وأرِ الله من قلبك خيرًا، ومن عملك صالحًا، وأبشر؛ فإن الله جلَّ وعلا لا يضيع عمل عاملٍ منكم من ذكٍر أو أنثى، فالشأن كل الشأن أن نستحضر من هذه الرحلة ذلك الموقف العظيم الذي يجتمع فيه الخلق.

    أرأيتم الآن لو أنه حصل أي نوع من أنواع المفزعات لهذا الجمع، كيف ستكون حال الناس؟ في أمر مريج، الكل يقول: نفسي نفسي.. فذاك اليوم أعظم وأشدّ، فتذكر هذه الجموع، واذكر أنك ستقف في مثلها يومًا ما بين يدي الله جلَّ في علاه، لا ينفعك جاه، ولا سلطان، ولا مال، ولا نسب، ولا شيء من هذه الدنيا كلها، إلا ما يكون من العمل الصالح.

    فجوِّد مركبك، فالسير إلى الله عزَّ وجلَّ إنما هو سير القلوب الصالحة الصادقة، وليس بسير الصور والأشكال.

    وقطع المسافة إنما يكون بالقلوب، لا بالسير فوق مقاعد الرُّكبانِ.

    فانتبه لقلبك؛ فإنه مطيتك.. انتبه لقلبك؛ فإنه موضع نظر الله عزَّ وجلَّ.

    كم من بهيّ الصورة، جميل الشكل، حسن المنطق، لا يزن عند الله جناح بعوضة.

    وكم من إنسانٍ يتلعثم في قوله، ولا يجد من يقبله، إذا شفع لم يشفع، وإذا قال لن يسمع، لكنه عند الله بمنزلة عظيمة.

    الفارق ليس في الصور، الله عزَّ وجلَّ يقول في المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} سورة المنافقون، الآية: 4، جمال في الشكل والصورة، وإن يقولوا في المنطق تسمع لقولهم، لجمال ألفاظهم وكلماتهم، لكن كل هذا يطير ويتبدل، ولا قيمة له، إذا كان القلب عن الله غافلاً، وإذا كان القلب عن الله صادًّا.

    أنتم جئتم إلى هذه البقعة لله، لا لغيره، لذلك يقول الله جلَّ وعلا في مقدمة الآية التي فرض فيها الحج قبل أن يذكر العمل، حيث ذكر المقصود؛ قال جلَّ في علاه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} سورة آل عمران، الآية: 97، لله ليس لغيره، فأخلصوا قصدكم لله، واعلموا - والله - أن السبق بالقلوب إليه، وليس بشيء آخر، لكن القلب وعاء يحتاج إلى تطهير وتنظيف وتطييبٍ وعناية، فالّذي يهمل وعاءه يتسخ، والذي يهمل لباسه وإن كان أجدد ما يكون، وأنظف ما يكون، وأجمل ما يكون، إذا لم يتعهده بالتنظيف يتسخ، كذلك القلوب إذا لم نتعاهدها بالتطييب والتطهير والرعاية والنَّظر فإنها تمرض، وإذا مرضت ولم تُتدارك تهلِك وتموت.

    فأدركوا قلوبكم وانتبهوا لها.

    وأعظمُ ما يحيي القلوب ذكر الله جلَّ في علاه، ولهذا كانت هذه الرحلة مقترِنة بالذكر، فالذكر فيها شكل غير عادي، ففي أولها ذكر، وفي ثناياها ذكر، فأول ما تدخل تقول: لبيك اللهم لبيك، وآخر ما تفعل، حتى تتحلَّل؛ تقول: الله أكبر، فتفرغ من ذكر وتبدأ بذكر، فتنقطع التلبية عند رمي الجمار، ومع أول تكبير تشرع في الذكر، والله تعالى في مواضع عديدة من آيات الحج يذكر الذكر، ويقول جلَّ وعلا: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} سورة البقرة، الآية: 189.

    وقال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} سورة البقرة، الآية: 200

    ثم في النهاية يقول جلَّ في علاه: {وَاذكُرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعدُودَاتٍ} سورة البقرة، الآية: 203.

    هي هذه الأيام التي نحن فيها أيها الإخوة والأخوات، فهذه الأيام هي الأيام المعدودات، إنها أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر.

    فاذكروا الله فيها بقلوبكم، فهذا أصل الذكر، وهذا منبع الذكر؛ أن يكون القلب ذاكرًا.. وكيف يكون القلب ذاكرًا لله؟ أن يتأمل عظيم قدر هذا الرب جلَّ في علاه، فإذا سمع آياته وقرأ أسماءه وصفاته، تدبر عظمة هذا الإله، لا إله غيره، كما إذا قرأ مثلًا: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} سورة البقرة، الآية: 255 قف عند هذه المقاطع من هذه الآية، قف عند هذه المعاني لترى عظيم الجلال وكبير البهاء وعالي الأسماء والصفات، لتقف على شيءٍ يسير من عظمة الرب الكبير جل في علاه، عند ذلك ستكون ذاكرًا، وسيكون قلبك لله محبًّا، وله معظمًا، وبهذا يتحقق التوحيد، وتتحقق كلمة لا إله إلا الله؛ لأنها الكلمة القائمة على كمال الحب لله، وكمال التعظيم له جلَّ في علاه.

    تأملوا هذه المعانيَ، واذكروا الله بقلوبكم، وتأمَّلوا بديع صنعه.. واللهُ لفت أنظاركم إلى كل شيء حتى إلى أنفسكم، قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} سورة الذاريات، الآية: 21

    حتى الأعمى يستطيع أن يتدبر وينظر في كفه؛ كيف أبدع اللهُ هذا الصنع بهذه الأصابع، وكيف يجري الدم؟ ليس هناك أحدٌ لا يستطيع أن ينظر ويتأمَّل إلا من أغلق الله عليه الطرقَ وأغفل قلبه، قال تعالى:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} سورة المجادلة، الآية: 19

    إنَّ المؤمن يرى في كل شيء عبرة، وفي كل شيء آية، تذكره بالله عزَّ وجلَّ، وتعكس على قلبه تعظيمًا لله، فقلوبنا هي حالنا في الآخرة، فإذا كان قلبًا سليمًا فأبشر، فإن القيامة يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

    وسلامة القلب محورها وأساسها توحيد الله وتعظيمه، وحبه وإجلاله، وهذا لا يأتي إلا بالعلم به، لذلك كان العلم بالله رأس العلم، ويتبعه بعد ذلك العلم بالطريق الموصل إليه.

    فأقبلوا على الله إخواني.. وأكثروا من ذكره بقلوبكم، تأملًا فيما ذكرت، في أسمائه وصفاته، وأفعاله وآلائه، وآياته في السماوات والأرض، فأبصر بقلبك يا أخي وانظر إلى هذه الآيات التي تحيط بك من كل جانب، وتذكر المدبر رب العالمين، وسيكون لذلك أثر كبير في قلبك.

    أما أن يكون الإنسان ذاكرًا بلسانه: الله أكبر .. الله أكبر .. وما إلى ذلك من الأذكار؛ وهو غافل، فهذا على خير ويؤجر، لكن شتان بين مَن جمع بين ذكر اللسان وحياة القلب، وبين من اقتصر ذكره ربه على لسانه، فإنه وإن كان المنطق حسنًا، لكن القلب غافلٌ بعيدٌ.

    إخواني؛

    الحج فرصة لأن نراجع أنفسنا، وأهم ما نراجع قلوبنا؛ لنرجع إلى أهلنا ودورنا بقلوب غير التي جئنا بها.. والأمر يسير وليس بعسير، لمن صدق مع الله، وضرع بين يديه مخلصًا.

    يا الله، يا رب، يا حيُّ، يا قيوم، أصلح قلبي.. فادعُ الله وألحَّ عليه أن يصلح قلبك، وأبشر فإنَّ الله لا يخيب من قصده، فما خاب من قصد الله وسأله.. أبدًا والله ما يخيب.

    والذي يسأل الهداية سيُوفَّق لها، لكن اسألها بصدق، وأَمِّلْ عطاء الله؛ فإن الله لا يخيب مَن قصده.

    هذه معانٍ يا إخواني يسيرة، والباب واسع في تدبر معاني وفوائد هذا النسك العظيم، وأثر ذلك في السلوك.. ومبدأ الصلاح هو أن تصلح هذه المضغة، والعجيب أننا نهتم كثيرًا بأشكالنا ومظاهرنا، فيمكن أن يكون عند الإنسان أدنى خلل في الظاهر والشكل فتراه يسأل عنه، لكن القلب الذي هو مناط النجاح والفلاح قِلةٌ من يعتنون به، ونوادر من يهتمون به.

    هل في قلبك غل؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك حسد؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك عجب؟ طهر قلبك.

    هل في قلبك كبر؟ طهر قلبك.

    واذكر أن آفة القلب خطيرة، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»أخرجه مسلم (91) بمعنى وزن الذر الصغير، فإذا كان في قلبك وزن أقل ما يكون من النمل من الكِبر، فهذا يحول بينك وبين دخول الجنة حتى يطهر قلبك، فطهر قلبك واعتنِ به واسأل الله صلاحه، وألحَّ عليه فهو الكريم جلَّ في علاه، يُعطي على القليل الكثير.

    اللهمَّ إنا نسألك باسمك العظيم، يا ذا الجلال والإكرام، أن تصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم أصلح قلوبنا، اللهم ارزقنا قلوبًا سليمةً صالحة، اللهم أعنا على طاعتك واصرف عنا معصيتك، اللهم اجعلنا من حزبك وأوليائك، اللهم اجعل حجنا مبرورًا، وسعينا مشكورًا، اللهم أحسن لنا المنقلب والعاقبة، اللهم أعنا ولا تُعِن علينا، اللهم انصرنا على من بغى علينا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين، لك راغبين راهبين، إليك أواهين منيبين ، اللهم تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، واغفر زلتنا، وأقل عسرتنا، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سوريا، اللهم كن لهم معينًا وظهيرًا، اللهم انصرهم نصرًا عزيزًا، اللهم قيض لهم من لدنك ناصرًا ووليًّا يا حي يا قيوم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم استر عوراتهم، وآمن روعاتهم، اللهم أعطِ مثل ذلك لأهل السنة حيث كانوا، اللهم اكتب مثل ذلك لأهل الإسلام حيث كانوا، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    س: جزى الله عنا شيخنا خير الجزاء، وجعل ما قدمه في موازين حسناته.. شيخنا الفاضل، هنا سائل يقول:

    لقد تعلمت في فريضة الحج الصبر، والصلاة في وقتها، وقراءة القرآن مع الناس، ولكن كيف أستمر على ذلك بعد الحج؟ وآخر يقول: كيف أبتعد عن أصدقاء السوء بعد الحج؟

    ج: الحج بداية جديدة، كصفحة جديدة بيضاء، حتى لو كانت الصفحة امتلأت بكتابات أو أي شيء، فأنت تبدأ صفحة جديدة، فالحج أكبر من ذلك، والحج هدم، وهو أعظم هدم في الدنيا؛ لأنه هدم السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم:  «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» أخرجه البخاري (1521)، ومسلم (1350)

    وفي الصحيح من حديث عمرو بن العاص؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟» أخرجه مسلم (121) .

    يهدم ماذا؟ يهدم بنيان السوء والشر، فاحرص على أن تبدأ صفحة جديدة، وأن يكون البناء صالحًا راشداً، فأكثر من الاستغفار. وهذه الصالحات التي اعتدت عليها وألِفتها في هذه الأيام المباركة، الزمها فإن فيها الصلاح.

    إن الصحبة الطيبة، والصلاة، وذكر الله عزَّ وجلَّ، هي مفاتيح نجاة، وسفن وقوارب يخرج بها الإنسان من أمواج السوء والشر والفساد، فاستمسك بها، واعلم أنك غريق، وإن لم يتداركك الله برحمته، ويشملك بلطفه، فإنك ستغرق في هذا البحر المتلاطم من الفتن ومن الشهوات والشبهات، فطوق النجاة هو صلاتك، وطوق النجاة هو ذكرك لربك، وطوق النجاة هو لزومك للصحبة الطيبة، التي تعينك على الخير، وتبعدك عن الشر.

    وأبشر فإن من صدق الرغبة فيما عند الله، لا يخيبه الله، لكن الإشكالية أننا قد ننشط في فترة ثم نكسل، ونظن أن هذا الكسل أمر طبيعي، وهو جزء منه طبيعي، لكن عندما يكون الكسل حاملًا على الوقوع في السيئات والتورط في ترك الواجبات، فهنا الخطر، فليس هذا طبيعيًّا، فإذا كان كسلك يحملك على ترك الصلوات، وعلى التورط في ألوان السيئات، فهذا جرس إنذار، إن لم تتداركه بالتوبة والاستغفار، فإنك على خطر، ويوشك أن يحاط بك فتهلك، فلذلك احرص على الصحبة الطيبة، وحافظ على الصلوات، والصلاة خط أحمر، من أضاعها أضاع الصلة بالله، والصلاة نور.

    أرأيتم يا إخواني لو أغلقت الأنوار، فمن يستطيع أن  يتحرك من مكانه! فالذي يترك الصلاة فكما لو أطفئت أنوار هذه القاعة، لا يستطيع الحركة، ولا يستطيع الوصول إلى ما يريد.. وهذا ليس كلامي، بل هو  كلام من لا ينطق عن الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاةُ نُورٌ» أخرجه مسلم (223). .

    وهذا النور مبدؤه في القلب، فإذا أشرق النور في القلب، انعكس الضياء على الجوارح، ولذلك كان من دعاء النبي في خروجه لصلاته: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَمِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا، وَمِنْ خَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا». أخرجه البخاري (6316)، ومسلم (763) أي: أعطني نورًا عظيمًا.

    ما أفقرنا إلى هذا النور، لولا النور ما أدركنا خيرًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا النور ليس مصباحًَا ولا مشكاة، فهذا النور هو نور النبوة، ونور القرآن، وأول ما يشرق في القلوب فينعكس على الجوارح، ولهذا ترى الذين يداومون على الطاعة والإحسان تضيء وجوههم، وليس ضياء الوجوه من جمال البشرة وما إلى ذلك مما تعالج به البشرة، حيث يذهب الواحد ليستخدم أنواعًا من معالجات البشرة حتى تطيب، بل هو أمر آخر غير التحسينات، إنه نورٌ إلهي يكون في أكثر الناس دمامة  في خلقته، فترى في وجهه النور.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلما طال عهد الإنسان بالطاعة أشرق وجهه ولو كان أقبح الخلق منظرًا وشكلاً، وإذا كان أبهى الناس صورةً في شبابه، فأسرف على نفسه، ظهر عليه من القبح والدمامة ما لا يُرى نظيره في أمثاله، بسبب السيئات والظلمة.

    هذا النور الذي في القلب ينعكس على الجوارح، فاحرص على أن تنير قلبك بطاعة ربك، وأهم ذلك الصلاة، ولزوم أمر الله، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ولا يعني هذا ألا نخطئ، فكل ابن آدم خطاء، ولا يعني هذا ألا نخفق في طاعة، لكن يعني هذا أن نجاهد ونبذل الطاقة في البعد عن السيئ والخطأ، وإذا وقعنا في خطأ أو سيئ قلنا كما قال ذاك الرجل: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، بصدق وتضرع وانكسار بين يدي الله، وأن تخاطب الله فتقول: يا ربِّ أذنبت ذنبًا فاغفره لي، صادقًا في مناجاتك لله.. وأبشر فإن الله عز وجل سمع عبدًا يقول: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله رب العالمين -كما في صحيح مسلم رقم (2758) في حديث أبي هريرة- قال: اغفروا لعبدي، فوقع الرجل في سيئة أخرى، فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، قال في الثالثة: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله: اغفروا لعبدي، وجاءت البشارة: اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ.

    فإذا كانت هذه سيرته، إذا أخطأ استغفر وإذا أخفق تاب، فإنه لا خطر عليه؛ لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقومٍ يذنبون ويستغفرون، فليست الإشكالية في الخطيئة فقط، بل الإشكالية في الإصرار عليها، والاستمرار والتسويف في الرجوع إلى الله عزَّ وجلَّ.

    فبادر بالتوبة واستغفر، وما دمت على هذه الحال، فأبشر فإنك على خير.  

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 

    التفاصيل
    0
    1650
فوائد
  • معنى الشيطان في اللغة.
  • قال سيبويه:"الشيطان في اللغة كل متمرد عات من الجن والإنس والدواب وليس هذا الاسم خاصا بالجن". الذخيرة (2/ 154)

    التفاصيل
    0
    77
  • من دخل في صلاة مكتوبة منفردا ، ثم حضر جماعة
  • من دخل في صلاة مكتوبة منفردا ، ثم حضر جماعة ، فإن إبطال صلاته أو قل نفلا ؛ ليعيد فرضه في جماعة ، فإنه أكمل من صلاته منفردا . وهذا قول جمهور العلماء ، منهم : أحمد ، والشافعي في أحد قوليه ، وكذلك قال مالك وأبو حنيفة إذا لم يكن قد صلى أكثر صلاته. فتح الباري ـ لابن رجب (2/ 478) التفاصيل
    0
    162
  • العلم ليس هو بكثرة الرواية
  • 31- قال الذهبي : " العلم ليس هو بكثرة الرواية , ولكنّه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الإتباع , والفرار من الهوى والإبتداع" السير ( 13/ 323)

    التفاصيل
    0
    1824
  • أفضل الأعمال خلاف هوى النفس
  • 30- قال أبو سليمان الداراني: "أفضل الأعمال خلاف هوى النفس . السير (10/ 183)

    التفاصيل
    0
    2038
  • ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين
  • 29- قال بشر الحافي: " ما أكثر الصالحين , وما أقل الصادقين ". السير (9/341)

    التفاصيل
    0
    1968
  • إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به
  • 28- قال الإمام أحمد: " إني لأرى الرجل يحيي شيئاً من السنة فأفرح به ". السير(11/335)

    التفاصيل
    0
    1599
خطب مفرغة
  • خطبة الجمعة: لا تفوتوا جود رمضان
  • إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلن تجدَ له وليًّا مرشِدًا.
    وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله، إلهُ الأولين والآخِرين.
    وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُه، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
    أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى بطاعته، وامتثال أمرِه، وترك ما نهى عنه وزَجَر، رغبةً في ثوابه، وخوفًا من عقابه، وبعد ذلك أبشروا؛ فإن المتقين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».
    وجاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ».
    إن النبي صلى الله عليه وسلم زكاه الله، وبيَّن عظيم خُلقه، فلم يحتج إلى مزيدِ وصفٍ لكريمِ أخلاقِه، وطِيبِ سجاياه، لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم بيَّنوا شيئًا من خصاله، وبينوا ما كان عليه من طِيب الأخلاق، وجميل الشمائل، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: 4.
    وإن الملاحظ في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قرنه بين الجود ورمضان، حيث قال: كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
    إن رمضان شهر مبارك، ومن بركته ما يُفِيض به على النفوس من الزكاء والطِّيب، ما يفيض به على النفوس من الصلاح والاستقامة، ما يفيض به على النفوس من السمو والرُّقِّي، ذاك ثمرة طاعة الله عز وجل، وبركة هذا الموسم المبارك، فإنه يُعان فيه الإنسانُ على خيرٍ كثيرٍ، ويُدفَع عنه شرٌّ كثيرٌ.
    أيها المؤمنون.. عباد الله.. لو سئل أحدنا فقيل له: ألا تحب أن تكون جَوَادًا، لَبادر: بلى، أحب أن أكون جَوَادًا، كيف والجود خَصلة ممدوحة عند القريب والبعيد، وقد كانت خُلُقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كان أجود الناس.
    فالسؤال الذي يلي هذا: كيف أكون جوَادًا؟
    إن الجود لا يقتصر على بذل المال، كما هو المتبادر إلى كثير من الأذهان، فالجود معنى أوسع من سخاء اليد، وإنفاق المال، فالجود خُلق ينطبع في النفس، وينعكس على كل تصرفاتها، ويظهر في كل حركاتها وسكَناتها، فالجود يكون في العبادة، بطاعة الله عز وجل فيما أَمَرَ، والانتهاء عما نهَى عنه وزَجَر، ويكون في العبادة بأن يتحرى الإنسان أن تكون عبادته خالصةً لله، لا رياءَ فيها ولا سُمعة، ولا يرجو فيها من الناس جزاءً ولا شكورًا، صومًا كان أو صلاة، زكاة أو صدقة، ظاهرة أو باطنة، لا يرجو الثواب إلا من الله، لا يسأله من سواه، ولا يرغب فيه عند غيره، فما عند الله خير وأبقى.
    فالجود في العبادة أن تحرص على أن تكون طاعاتك، على وفق هَدْيِ خيرِ الأنامِ، الذي هديُه أكمل هديٍ صلى الله عليه وسلم، فلقد قال ربكم جل في عُلاه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الأحزاب: 21.
    فجود العبادة أن تكون وفق ما كان عليه عمله صلى الله عليه وسلم، فيتحرى المؤمن في كل أحواله، في صلاته، في زكاته، في صومه، في حجه، أن يكون على وفق ما كان عليه عملُ النبي صلى الله عليه وسلم، فشرُّ الأمورِ مُحدَثاتُها، وكلُّ محدثةٍ بدعةٌ.
    لذلك تجده يسأل: كيف صلى؟ كيف صام؟ كيف حج؟، كيف زكى؟ «خُذُوا عنِّي مَنَاسِكَكُمْ، لَعَلِّي لا أَلقَاكُمْ بَعدَ عَامِي هَذا»، «صَلُّوا كما رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي». هكذا يحقق المؤمن الجود في عبادته.
    ومن الجود في العبادة أن يسارع إليها الإنسانُ راغبًا في ثواب الله عز وجل، لا يأتي إليها متكاسِلًا، ولا متوانيًا، ولا متثاقِلًا، بل يُقبِل عليها فرِحًا بها أن الله يسَّرها له، فإن تيسير العبادة أمر عظيم يَستوجب شكرًا من الله عز وجل، ويستوجب ثناءً عليه، كيف لا وأنت ترى القاعدين عن طاعته أكثر الناس، كما قال ربك: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الأنعام: 116.
    وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ يوسف: 105.
    وقال جلَّ في عُلاه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ سبأ: 13.
    فإذا وفَّقك الله لطاعةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ فاحمَدِ اللهَ، فذاك فضل الله، واللهُ امتنَّ بها عليك، وشرح صدرك، ويسر لك ذلك، وبيَّن لك الهدى، فكن لاهجًا بالشكر له، فهو المتفضِّلُ بالتوفيق إليها، والمتفضلُ بالقبول لها جل في علاه.
    إن الجود في العبادة أن يُقدِم الإنسانُ على مواسم الخير بنشاطٍ، وأن يجدَّ فيها بكل نوع من أنواع البر، فمن جُود النفس في العبادة أن تغتنم مواسمها، وأن تستكثِر فيها من الخيرات، فذاك فضل الله أن بلغك مواسم البر والخير، فلماذا التواني، والكسل؟ لماذا التأخر؟ لماذا التباطؤ؟ والخيرات بين يديك.
    أرأيت لو أن قصرًا مشيدًا فُتح لك، فيه من أنواع الأموال، وصنوف الخيرات ما ترغب فيه النفوس، وقيل لك: خذ ما شئت فإنه لك، أكنتَ تتوانى في أخذ ما تحب، وما تريد، وما ترى، مما يشوق عينك ويجلب نفسك؟ الجواب: لا، بل ستجدك مغتنِمًا كل لحظة، وتصل الثانية بالأخرى لتغتنم كل بر وخير تحبه من متاع الدنيا.. فكيف وأنت تغتنم هذه المواسم في بر يبقى ثوابه عند الله.. لما غاب عن النفوس استحضار الآخرة، استحضار الجنة، وما فيها من النعيم؛ تباطأتْ وتأخرت في الاستكثار من الخيرات.
    فالجود في مواسم الخير أن تسابق إلى كل بر، وأن تسارع إلى كل خير، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب: 21 كيف كان صومه؟ كيف كانت صلاته؟ كيف كان قيامه؟ كيف كانت مدارسته للقرآن وتلاوته؟ كيف كان جوده وبذله؟ فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة، بالخير في كل صنوفه، وبكل أبوابه، وبكل أشكاله وصوره، الخاص والعام، للقريب والبعيد، للموافق والمخالف، فذاك سبيل الفطناء، طريق الأذكياء الألباء الذين يبادرون مواسم الخير بكل خير، يرجون ثواب الله ويخشَون عقابه.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



    الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
    وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى حق التقوى، وكونوا على أجود ما تكونون من خير وبر، وارجُوا ثواب ذلك عند برٍّ رؤوفٍ رحيمٍ، يعطي على القليل الكثيرَ.
    إن المؤمن يجود بكل خير يمكنه في معاملته لربه، بالإخلاص له، وبمحبته، وبتعظيمه، وبحفظه في الغيب والشهادة؛ فإن ذاك أصل كل جود، أن ترقب ما عند الله عز وجل، وأن تعامله على وجه من الإحسان، تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
    ومن الجود أيها المؤمنون في معاملة الخلق السعي إليهم بكل خير، وتقديم كل بر، ولا يَتَصَوَّرَنَّ أحدٌ أنَّ ذاك مقصورٌ على دراهمَ تَبذُلها؛ فإن ذلك نوع من أنواع الإحسان، وصورة من صور الجود، لكن الجود يفوق هذا بمراحل، إنه طيب النفس، إنه حسن المعاملة، إنه كريم المخالطة، إنه بذل كل معروفٍ تستطيع أن توصله إلى غيرك، فإذا عدمت، وخلَتْ يدُك، فاتقِ النارَ ولو بشق تمرةٍ، فإذا عدمت، وخلت يدك، فاتقِ النار ولو بكلمة طيبة، فالكلمة طيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، فلن يعدم أحد سبيلًا من سبل الجود، وطريقًا من طرق المعروف في معاملة الخلق، ولو قُدر أنك لا تلقى أحدًا فيكفي منك جُودًا أن تحقق قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ».
    إن طِيب السريرة بأن يخلوَ قلبُك من حقدٍ أو حسدٍ أو كراهية خيرٍ يصل إلى الناس؛ هذا من الجود، وهو مما تسمو به وتزكو وتصلح به أعمالك، وتنال خيرًا عظيمًا.
    إن الصوم ورمضان دورة تدريبية تسمو بالنفوس لعليائها، وتخلصها من الرذائل، لكن لمن؟
    لمن فطن إلى ما فيه الخيرات، وليس ذاك الذي دخل رمضان كسائر الشهور، لا يعرف له قدْرًا، ولا يبادر إلى خيراته، ولا يتفطن إلى أنه موسم يرتقي فيه في معاملة الله بالاستكثار من الطاعات، والتخفف من السيئات، وفي معاملة الخلق بالإحسان.
    أيها المؤمنون.. إن مما يزيد جُودَك أن تُقبِل على كتاب ربك؛ فإن القرآن أعظم هداية، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء: 9 لكن تفطَّن، ليس ذلك في قراءة حروفه فقط مع الغياب عن معناه، بل أن تستحضر المعانيَ، ولو بعضها، حتى لا يشقَّ عليك، فعندما تمر بآيةٍ تشكِل عليك اطلب معناها، وعندما تمر بآيةٍ تجد لها أثرًا في قلبك، توقف عندها، ورددها وتأمَّل معناها، وعالجْ بها نفسك، فالقرآن لم ينزل لتتحرك به الألسن فحسْب، بل أنزله الله ليحرك القلوب صلاحًا واستقامةً، وينعكس ذلك على الجوارح هدايةً وبرًّا وإحسانًا.
    قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الإسراء: 9.
    فإذا سمعت آيةً ووجدتَ لها في نفسك أثرًا، ردِّدْها، فرُبَّ آيةٍ أنقذتْ نفسَك من هلاكٍ مؤبدٍ، وهدتْك إلى علياء لا تصلها إلا بفضلِ الله عز وجل والوقوف عند آياته.
    جُبير بن مُطعِم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم كافرًا، جاء إليه وهو يصلي المغرب، فاستمَع إليه وهو يقرأ في المغرب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الطور: 35، قال رضي الله تعالى عنه: «كاد قلبي أنْ يطيرَ» هذا وهو كافر، لم يكن مؤمنًا، لكن وجد لهذه الآية من التأثير في قلبه، ما لم يملك أن يصفه إلا بهذا الوصف: «كاد قلبي أن يطير» لمعرفة الله عز وجل، ودلالة هذه الآية على عظمته وجلاله.. وكم من آية نسمعها في كتاب الله لا نجد لها أثرًا، وقد نجد لها أثرًا لكن سرعان ما يزول بغفلتنا عنها.
    فينبغي لنا أن نعرف أن الجود في قراءة القرآن هو أن نتأمل معانيَه، وأن نقف عند عجائبه، وأن نحرك به القلوب.
    قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ».
    وإذا علمت أن سيد ولد آدم يقوم ليلة كاملة بآيةٍ تقف مستغربًا، كيف يقوم ليلة كاملة بآية، لا يكون ذلك إلا لقلب متدبر لما في هذه الآية، أما التكرار اللفظي فهذا ليس مقصودًا، ولا منشودًا، إنما هذا وسيلة للوصول إلى المعاني.. تدبروا القرآن ستجدوا خيرًا، وصاحبوا الأخيار ستزكوا.
    هذا رسول الله سيد ولد آدم، كمَّل الله له الفضائل، ومع ذلك إذا قرأ القرآن والتقى بأهله - التقى بجبريل - زاد.
    هذا ابن عباس يقول: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ» صحبة الأخيار.. ثم انظر إلى الأثر «فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» يعني في هذا الحال.
    إن النفوس تتأثر مهما سمت، فإذا صاحبت أخيارًا وفضلاء، واجتمعت على بر وحسن، زاد ذلك في خيرها وبرها.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    اللهم طهر أسماعنا عما يُغضِبك، اللهم طهر أبصارنا عما لا يرضيك.
    اللهم استعملنا في مراضيك يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم استعملنا فيما تحب وترضى، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى.
    اللهم أعنا على طاعتك، واصرف عنا معصيتك، واجعلنا من حزبك وأوليائك يا رب العالمين.
    اللهم أعنا ولا تُعِنْ علينا، اللهم انصرنا على من بغى علينا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا.
    اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم يسر الهدى لنا، اللهم يسر الهدى لنا.
    اللهم اجعلنا لك ذاكرين شاكرين، إليك راغبين، راهبين، إليك أواهين منيبين.
    اللهم تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، واغفر زلتنا، وأقِل عثرتنا.
    ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
    اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
    اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، اللهم سدده في أقواله وأعماله.
    اللهم اجعل له من لدنك سلطانًا نصيرًا يا رب العالمين.
    اللهم انصر جنودنا الذين يقاتلون لإعلاء كلمتك، ويذودون عن بلادك يا رب العالمين.
    اللهم سدد رميهم، واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم.
    اللهم عليك بالحوثيين المعتدين، اللهم شتِّتْ شملهم، وأفسِد سلاحهم، وفرِّق كلمتهم، واكفِ المسلمين شرهم.
    اللهم أنجِ إخواننا المستضعفين في اليمن، وفي سوريا، وفي العراق، وفي سائر البلدان.
    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
    ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

    التفاصيل
    0
    42
  • خطبة الجمعة المخدرات آفة العصر
  • إن الحمد لله نَحمَدُه ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا.
    وأشهد أنْ لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، صفيه وخليله، خِيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعدُ:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، فالله أمركم بتقواه، ووعدكم على التقوى خيرًا عظيمًا وأجرًا جزيلًا، ورتب على تقواه -جل في علاه- فوز الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الزمر: 61.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    نعمة عظمى تلك التي تفضل الله تعالى بها على الإنسان؛ بأن منحه عقلًا يميز به بين الخير والشر، نعمة كبرى تلك التي منَّ الله تعالى بها على الإنسان، فوهبه عقلًا يعرف به الحق من الباطل، ويعرف بها الهدى من الضلال، ويدرك بها مصالح الدنيا والآخرة، ويعرف كيف يتوقى الأشرار والأضرار، ويجني الفوائد والخيرات والمصالح، إنها نعمة عظمى ميز الله بها الإنسان، فبها يَصلُح دينه، وبها تَصلُح دنياه، وبها يستقيم في شأنه الخاص وفي شأنه العام، فبقدْر كمال العقل ونضوجه، وصلاحه وسلامته، وكماله وجماله؛ يتحقق للإنسان الفوز في الدنيا والآخرة.
    أيها المؤمنون عباد الله..
    نعمة عظمى أن جعلنا الله تعالى على هذا النحو من الخلق، فأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ووهب لنا آلاتٍ ندرك بها شيئًا فشيئًا مصالحنا، حتى تكتمل تلك الآلات، وما تثمِره من المعارف والمنافع، فتَكمُل للإنسان النعمة بتمام العقل الذي يدرك به صلاح دينه ودنياه، وصلاح معاشه وأخراه.
    إن من أعظم الجنايات خطرًا، وأكبرها ضررًا، وأعظمها أثرًا في مسيرة الإنسان، في شخصه ونفسه، وفي من حوله، وفي مجتمعه، أن يغيِّب العقل، وأن يَعبَث به، وأن يزول ذلك الميزان الذي يعرف به الإنسان الخير من الشر، ويميز به الحق من الهدى، ويميز به ما ينفع مما يضر.
    إن الجناية على العقل جناية تفوق كل الجنايات، وهي مصدر كل بلاء، وهي مصدر كل آفة، فبها تَفسُد حياة الناس، وبها يفسد دينهم، وبها تفسد مصالحهم، وبها تضطرب حياتهم، وبها ينالون كل ضرر، ويدركون كل شر، وبها يَهلِك معاشهم ومعادهم.
    أيها المؤمنون عباد الله..
    احمدوا الله على ما منَّ به عليكم من العقل، فهذا العقل نور يقذِفه الله تعالى في قلوب الناس، وهو يَكمُل كلما اعتنى به الإنسان، فكلما اقتَرب من الله طاعةً، والتزم شرعه ديانةً؛ كان ذلك من أسباب كمال عقله، ولذلك يقول جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ آل عمران: 191، فكلما كمُل دين الإنسان، وفَر عقلُه، وكلما نَقَص دينُه نَقَص مِن عقله بقدْر ما يَنقُص من دينِه.
    أيها المؤمنون..
    إن الأعداء من شياطين الإنس والجن عرفوا مكمن الفلاح، وأدركوا أن العقول بها تَكمُل المصالح، لذلك جعلوا حربًا ضروسًا شرسةً لا تعرف هوادة في تغييب العقل وإذهابه، وفي إفساد التفكير وتعطيله، وفي إيقاع الناس في ألوان من المفاسد والأضرار؛ لتغييب عقولهم، فجاءوا بالخمور؛ تلك الخبائث التي تغيِّب العقول، والتي حرمها الله في كتابه، وأخبر عن عظيم خطرها وضررها، وأن الشيطان يسعى من خلالها لإفساد معاش الناس وعلاقاتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة: 90.
    وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ المائدة: 90-91.
    قال الصحابة: انتهينا، انتهينا، فكمُل دينُهم، وصلُحت أحوالُهم، وتمَّ لهم من الإيمان، وصلاح العقل، وصلاح الحال والمآل ما هو معروف في سيرهم، وأعمالهم، وما تركوه من الآثار المباركة.
    أيها المؤمنون عباد الله..
    إن آفة العصر التي يئن منها الناس في غرب الأرض وشرقها، من أقصاها إلى أقصاها؛ آفة المخدرات، تلك الآفة التي إذا طرقت نفسًا أفسدتها، وإذا دخلت عقلًا خرَّبته وهدَمته، وإذا دخلت بيتًا دمرته وأفسدته، إنها تُحِيل الإنسان إلى أردأ من الحيوان، إنها تحيل الإنسان من نافع مثمِر يسعى في صلاح في معاشه أو صلاح معاده، إلى آلةِ هدمٍ وتدميرٍ، يبدأ بتدمير نفسه وهدمها، ثم مجتمعه.
    وإذا عرفتَ هذا، وأدركت خطورة الأمر، وأن المخدرات بكافة أنواعها على هذا النحو من الخطورة في إفساد العقول، وفي إفساد الأبدان، وفي إفساد الأديان، وفي إفساد كل شأن من شؤون الإنسان، أدركتَ لماذا نشهد هذه الهجمة الشرسة من أعداء المسلمين على بلاد الإسلام؛ بترويج المخدرات وتسريبها وإدخالها إلى بلاد الإسلام.
    إن الإحصاءات مفجِعة في كمية ما يُقبض عليه مما يُسرَّب من المخدِّرات إلى بلادنا، وهو ما يبين لنا خطورة الهجمة التي تُقصد بها هذه البلادُ، ويُستهدَف بها المسلمون في كل مكان على وجه العموم، إلا أن هذه البلدة يَتوجَّه إليها من الكيد والمكر والاستهداف ما ليس لغيرها من البلدان.
    ولذلك وجب علينا أن ندرك خطورة الأمر، وأن نتكاثف، وأن نتعاون في التوعية والتبصير وإيقاف هذه الهجمة الشرسة بوعي رصين، وعقل رشيد، وإدراك بصير بخطورة الأمر، وقطع الطريق على هؤلاء الذين يتسللون إلى أبنائنا، وإلى بناتنا، وإلى بيوتنا، وإلى مجتمعنا؛ لإفساده بهذه الآفة التي تُفسِد العقل، وإذا فسَد العقلُ فسد الدين والدنيا.
    اللهم أجرنا من سوء الخاتمة، وأعِذْنا من سوء العمل، واكفنا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته.
    أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده حق حمده، لا أُحصِي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَن اتبع سنته، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله عباد الله.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب:70-71.
    أيها المؤمنون..
    إن المخدرات بكافة أنواعها، القليل منها والكثير، المشروب والمدخَّن والمحقون، كلها آفة كبرى، وهي بوابة خطر، فيجب أن نقف جميعًا تجاه الكيد الموجه إلينا من خلال أعدائنا؛ لصد هذا الهجوم الشرس الذي يَستهدِف بلادنا، ويستهدف ديننا، ويستهدف أُمتنا، ويستهدفنا جميعًا، فإن المجتمعات التي تفشو فيها هذه الآفات مجتمعاتٌ معطَّلة، لا تُدرِك فلاحًا في دنيا، ولا تدرك نجاحًا في آخرة.
    أيها المؤمنون عباد الله..
    إن المخدرات ليست أمرًا خفيًّا، أو أمرًا غائبًا لا يُعلَم، وإنما يحتاج في معالجته، وكف شره عن مجتمعنا، وعن أبنائنا وبناتنا وأنفسنا إلى وعيٍ تامٍّ بخطورةِ الأمر، وإلى إدراكٍ لمظاهرِه وعلاماتِه، وإلى مبادرة إلى معالجته وقطع دابره.
    إن المخدرات بشتى أنواعها: من حبوب الكابتاجون، أو الكوكايين، أو الأفيون، أو الحشيش، أو غير ذلك كلها بوابة جحيم تُفتح على من تعاطاها أو تورط فيها، فلنكن عونًا لأبنائنا وبناتنا، ولنكن حصنًا لمجتمعنا أمام مثل هذه الآفات.
    إن تهوين هذه الأخطار، أو تقليلها، أو تهميشها، أو الغفلة أو التغافل عنها؛ ليس سبيلًا للمعالجة، بل المعالجة الصحيحة أن يبادر كل واحد منَّا –حسب طاقته ومسؤوليته- إلى معالجة الأمر بما يستطيع؛ تنبيهًا للأبناء والبنات، والصغار والكبار، والنساء والرجال.
    فيجب علينا أن نبذل الوُسْع في التنبيه والتوعية لمخاطر هذه الآفات التي تدب في مجتمعاتنا، ويسعى أعداؤنا من خلالها إلى النيل منَّا.
    فإذا اكتشف الإنسان شيئًا من البلاء بالمخدر في أهله، أو ولده، أو جاره، أو قريبه، فليبادر إلى المعالجة، فالصمت ليس حلًّا، إنما هو مشاركة في إيجاد البلاء، وتوريط الناس في الشر.
    إن المخدرات آفة لا تقتصر شرورها وأضرارها على المتعاطي، إنها تنال المتعاطي ومن حوله، بل تطال المجتمع بأسره، فإذا بُلي الإنسان بالإدمان كان عنصرًا مشلولًا هدامًا في مجتمعه، وكان عنصرًا مفسِدًا ساعيًا بالفساد في نفسه وأهله ومحيطه، إنه يسعى لكل ضرر، ويبذل كل جهد في الإفساد لنيل مآربه ومقاصده، إضافة إلى ما يكلفه من أعباء عظيمة في المعالجة أو ما يترتب على هذه الآفة من الأمراض.
    لذلك من المهم أن يبادر الإنسان إلى معالجة هذه الظاهرة إذا اكتشفها في بيته أو في ولده، وليسعَ في ذلك من طريق الحكمة والبصيرة، وليراجِعْ أهل الخبرة والاختصاص، فمن كان عنده ابن أو كان عنده ابنة، أو كان عنده قريب، أو كان عنده أخ، أو كان عنده جار مُبْتَلًى بهذه الآفة، فلا ينبغي أن يسكتَ، بل الواجب عليه أن يبادر للمعالجة.. والمعالجةُ تؤخذ من أهل الاختصاص، فلْيراجع المراكز، وليقرأِ المواقع، ولْيستبصِر كيف يعالج المدمن أو المتورط في المخدرات، وبقدْر ما تبادر إلى المعالجة تتوقى الأخطار.
    ولا يقول قائل: إننا لا نستطيع المعالجة، أو إنه قد فات الأوان، بل ليس ثمة فوات، فما عجزت عن معالجته بنفسك، فثمة جهات مسؤولة لها من الوسائل والطرق ما يعين على المعالجة، وييسر الطريق في الخروج من هذه الآفة.
    إن المسؤولية علينا جميعًا.. «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فلنبادر أيها المؤمنون، ولنعلَمْ أننا بهذا قائمون بما أمرنا الله تعالى به، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ آل عمران: 104.
    وبه نحقق خصال الإيمان؛ قال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ التوبة:71.
    وبه نحوز الخيرية؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ آل عمران: 110.
    اللهم أعنَّا على طاعتك، واصرِفْ عنا معصيتك، واهدنا سبل السلام يا ذا الجلال والإكرام.
    إخواني..
    تفقدوا أبناءكم، وإخوانكم، بل تفقدوا آباءكم، فهذه الآفة لا تقتصر على صغار أو كبار، بل هي شاملة للصغار والكبار، والرجال والنساء. وما يجري في الاستراحات أو في بعضها من الترويج للمخدرات، والتسهيل لتعاطيها من طريق ترويج التدخين وإشاعته، أو ما أشبه ذلك من وسائل تقريب الشر؛ من (الشيش) وما أشبه ذلك، كل ذلك مقدمات وخطوات في طريق الهاوية.. فبادروا إلى المعالجة، ولا تستسلمْ، بل استعِنْ في ذلك بالله عز وجل دعاءً، وابذل الأسباب التي تستطيع، ثم بعد ذلك إذا عجزت فبادر إلى الطرق التي يمكن أن يُلجَأ إليها في المعالجة البدنية أو الأمنية، فرجال الأمن يبذلون جهدًا واسعًا في محاصرة هذه الشرور والإيقاع بأهلها، وإنقاذ من يستطيعون إنقاذه ممن تورط فيها.
    اللهم اكفنا شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم احفَظْ علينا ديننا، وعقولنا، وأنفسنا، وأموالنا، وأهلينا، وبلادنا، يا ذا الجلال والإكرام.
    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى.
    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبَع رضاك، يا رب العالمين.
    اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخُذْ بناصيته إلى البر والتقوى، وسدِّدْه في القول والعمل، واجعل له من لَدُنْكَ سلطانًا نصيرًا، وأعِزَّ به دينك، واجعله رحمة لأوليائك، واكفِهِ شرَّ كل ذي شر أنت آخذ بناصيته.
    اللهم يا ذا الجلال والإكرام واكتب مثل ذلك لسائر ولاة المسلمين.
    اللهم إنا نسألك من فضلك إيمانًا صادقًا، وعلمًا راسخًا، وعملا مُتَقَبَّلًا، ورزقًا طيبًا.
    اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

    التفاصيل
    0
    40
  • خطبة الجمعة- الدنيا ميدان سباق
  • إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا. وأشهد أنْ لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين.
    وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله تعالى بطاعته فيما أمر، وبترك ما نهى عنه وزَجر، وبفعل ذلك رغبةً فيما عنده، وخوفًا من عقابه.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102.
    أيها الناس، إن هذه الدنيا ميدان سباق، ومضمار اختبار، يختبر الله تعالى فيها الناس، في إيمانهم وصدقهم، وفي عملهم وما يكون منهم، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الملك: 2، وحُسن العمل لا يتحقق إلا بتمام الإخلاص لله عز وجل، وبأن تكون على وفق هدي خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
    هذان معياران يتميز بهما العمل الصالح، ويتحقق بهما السبق في حُسن العمل، فبقدر ما مع الإنسان من الإخلاص لله عز وجل، والاشتغال بالعمل الصالح يكون قد فاز ونجح في اختبار الدنيا الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ الملك: 2.
    إن هذه الدنيا مزرعة يزرع فيها الإنسان ما يجنيه بين يدي ربه، فلذلك كان الفطناء يشتغلون فيها بكل ما يعود عليهم بالنفع للقاء ربهم، لكن هذا لا يكون إلا لقلوبٍ امتلأت إيمانًا بالوقوف بين يدي الله عز وجل، وبالرجوع إليه بأنه سيحاسبهم ويسألهم، فإذا امتلأ القلب إيمانًا باليوم الآخر، جد واجتهد، وبذل كل طاقته في فكاك نفسه، وفوز ذلك اليوم.
    أما القلوب الغافلة، والقلوب الغارقة في الدنيا، والقلوب التي لا ترى إلا يومها، ولا تدرك غَدَها، فهي عن هذا غافلة، والله تعالى أعاد وأبدى في كتابه ذكر اليوم الآخر؛ لتتهيأ النفوس، ولأن الغفلة تغلب على القلوب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ البقرة: 281، هذه آخر آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم.
    فذكّر الله تعالى باليوم الآخر تذكيرًا ملأ كتابه، فقلَّ سورة إلا وفيها من ذكر اليوم الآخر ما يشحذ الهمم، وينشط النفوس على الاجتهاد في العمل الصالح، حتى إذا جاء يوم القيامة جاء وقد اشتغلتْ بعمل صالح تفرح به في لقاء ربها جل في علاه.
    وإنه ليس من الحكمة، ولا من العقل، ولا من الرشد، أن ننظر إلى ذلك اليوم مؤمنين به، أن ننظر إلى يوم تظلِّل الناسَ فيه أعمالُهم، أن ننظر إلى يوم يؤتى الإنسان ليس معه إلا عمله، ثم بعد ذلك نشتغل بألوان وأعمال لا تنفعنا في ذلك اليوم؛ يوم العرض على الله عز وجل.
    إن المؤمن يبذل قصارى جهده في فكاك نفسه، ويعلم أن كل خطوة في طريق الصلاح، في طريق الاستقامة هي خير له عند ربه، وهي خير من الدنيا وما فيها، إذا صدق الله عز وجل، وكان له مخلصًا، وعلى وفق هَدي النبي صلى الله عليه وسلم سائرًا.
    فبادروا أيها المؤمنون أيامكم وأعماركم بالصالحات؛ فإننا لا ندري متى نرحل، ولا نعلم متى نغادر، فمهما كانت الدنيا حلوة أو مرة فلا بد من رحيل، يستوي في ذلك الصغير والكبير، الغني والفقير، الصحيح والمريض، كلهم عن هذه الدنيا مغادرون، وإلى الآخرة صائرون، والحكيم العاقل مَن استكثر من نفع اليوم الآخر، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة: 197، هكذا أمركم ربكم جل في علاه، أن تتزودوا بخير زاد تلقون به ربكم، وزاد التقوى ليس شيئًا يُحمل في المخابئ أو الجيوب، أو ما إلى ذلك مما يُحمَل فيه المتاع والنقود، إنما هو شيء تُسطَّر أحواله، وتُبيَّن صفاته في دواوين الأعمال، فتزودوا بالصالح من العمل، واحتسبوا الأجر عند الله، واعلموا أن شيئًا لا يضيع عند ربك، دقيق أو جليل، صغير أو كبير، سر أو علن، في معاملته أو في معاملة الناس.
    فإنه ما من شيء يضيع عند الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ البقرة: 143 أي: أعمالكم، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ آل عمران: 195، فاحتسِبِ الأجر عند الله، واعلم أن ما يضيع بين الناس، وما تنساه من صالح العمل مقيد؛ قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ الطارق: 4، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾الجاثية: 29.
    اللهم أعِنَّا على طاعتك، واجعلنا من حزبك وأوليائك، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


    الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن اتبع سُنته، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون؛ فإن تقوى الله نجاة لأهلها في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الزمر: 61.
    عباد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث مَعقِل بن سِنان: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» أي: العبادة وقت ظهور الفتن، وكثرة الفساد بين الناس في المنزلة والمكانة كهجرة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأجر والثواب، وفي الحفظ والصيانة، فحق على كل مسلم، وقد ملأت الدنيا بألوان من الفتن، وأنواع من الشرور، أن يجد ويجتهد، ويزيد من ذلك في مواسم الخير والبر، وأنتم في موسم من مواسم الله عز وجل، فيه الخيرات والهبات، فيه العطايا والمنح، فيه الفضائل والخيرات.
    العاقل من اغتنم هذا الزمان بما يرضى الله تعالى به عنه، ابتداءً بتكميل الواجبات، والتفتيش عنها، فما تقرب عبد إلى الله بشيء أحب إليه من أن يتقرب إليه بما فرضه عليه.
    فتش نفسك في الصلاة، في الزكاة، في الصوم، في الحج، في حقوق الوالدين، في حقوق الجيران، في الأمانات التي تحملتها، فتش نفسك في السر، في العلن، فتش قلبك أهو خالٍ من الآفات والمهلكات، من العُجب والكبر، وسائر الآفات، كالحسد والحقد والغل، وغير ذلك، فتش لسانك أهو ممسك عن الغيبة والنميمة وسيئ القول، فتش أحوالك، فإذا كملت الواجبات فأبشر؛ فإنه أفضل ما تتقرب به إلى الله، في كل زمان، وفي أزمنة الخير، ومواسم البر، هو أفضل ما يكون من القربات إلى الله عز وجل، ثم بعد ذلك باب الطاعة والخير مفتوح، ليس له حد، ولا قصر، ولا صاد، ولا مانع، إلا ما يكون من نفسك من كسل وتهاون.
    ثم «مَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» أربع تمثل المعية الكاملة للعبد في النصر، والتأييد، والحفظ والصيانة، والتوفيق والتسديد، فمعك الله في سمعك، إذا أحبك، ومعك الله في نظرك، إذا أحبك الله فهو معك في خطوك، إذا أحبك الله فهو معك في حركاتك وسكناتك. ثم لن تخلو من حاجةٍ تريدها، أو مخوّف تتوقاه، فأبشر «وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» لا يكون ذلك إلا لمن يحبهم الله، ألا تحبون أن تكونوا من أولئك؟ الطريق مفتوح، ليس بينك وبين بلوغ هذه المنزلة حائل، ولا مانع، إلا قصورك وتقصيرك، فجد واجتهد.. إذا لم نجد ونجتهد في هذه الأيام، فمتى تكون الهمة! ومتى يكون العمل! ومتى يكون الجد! فإذا لم يكن منا ترك للمعاصي، وإقبال على الله، وندم على الخطأ، وحرص على الخير، ومبادرة إلى أداء الواجبات في الصلوات وغيرها، إذا لم يكن ذلك منا في هذا الموسم فنحن أبعد عنه في غيره.
    فقد أُعنا بتهيؤ الجو، وكثرة الطائعين، وتصفيد الشياطين، وإعانة رب العالمين بتفتيح أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران، فلنكن صادقين في إقبالنا على الله، ولنبشر فإن الله جل في علاه يعطي على القليل الكثير، وإذا علم من قلبك الصدق في الإقبال عليه، يسر لك السبب.
    الإشكال يا إخوان ليس في عدم وجود العمل، إنما في ضعف الرغبة فيه، فإذا صدقت الرغبة تذللت الصعاب، وإذا صدقت الرغبة في طلب الهداية والاستقامة يسر الله لك الأسباب.
    فجدّ واجتهد، واعلم أن لك من الله معينًا إذا صدقت معه في الإقبال على طاعته، قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ العنكبوت: 69.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين.
    اللهم أعنا على طاعتك، واصرف عنا معصيتك، اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى، واصرف عنا السوء والفحشاء.
    اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، اجعلنا لك راغبين، راهبين، إليك أواهين، منيبين.
    اللهم تقبل توبتنا، وثبت حجتنا، واغفر زلتنا، وأقل عثرتنا، ربنا إنك على كل شيء قدير.
    اللهم ادفع عن بلادنا كل سوء وشر، اللهم ادفع عنا وعن المسلمين كل سوء وشر، اللهم من أراد بالمسلمين شرًّا وفسادًا فأشغله في نفسه، اللهم رد كيده في نحره، اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعداء المسلمين، ونعوذ بك من شرورهم.
    اللهم إنا نعوذ بك من الصفويين الحاقدين، ومن المفجرين المخربين، ومن كل سوء وشر يا رب العالمين.
    اللهم اهدِ ضال المسلمين يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم انصر جنودنا الذين يقاتلون حماية لبلادنا، اللهم سددهم، اللهم سدد رميهم، واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، اللهم اجمع كلمتهم على الحق والهدى، اللهم ادفع عنهم بقوتك يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله، واجعل له من لدنك سلطانًا نصيرًا يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    التفاصيل
    0
    34
  • خطبة أثر الصيام في تحقيق التقوى
  • إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا الله شهادةً أرجو بها النجاة من النار.
    وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سُنته، واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله حق التقوى؛ فقد أمركم بذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾آل عمران: 102.
    وإن تقوى الله تعالى هي القيام بما أمر، والأخذ بما شرع، وترك ما نهى عنه وزجر، رغبةً فيما عنده، وخوفًا من عقابه، فالمتقي هو الذي يطيع الله تعالى في أمره، ويجتنب ما نهى عنه في شرعه، ويرجو في تركه وفعله ثواب الله تعالى وأجره.
    وإن الله تعالى إنما شرع الشرائع، وحدَّ الحدود لتَزيد في القلوب التقوى، وتستقر فيها المعاني الصالحة، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183 أي: لأجل أن تحققوا التقوى.
    وفي الحج قال بعد أن ذكر شيئًا من فرائضه وشرائعه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة: 197.
    فإن كل عبادة صغيرة أو كبيرة، ظاهرة أو باطنة، إنما غايتها وغرضها أن تستقر التقوى في القلب، وأن تتمكن، وأن تزيد، وتربو في قلوب الناس.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
    الحمد لله رب العالمين، أحمده حق حمده، له الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
    أما بعد:
    فاتقوا لله عباد الله، واعلموا أن التقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الزمر: 61.
    أيها المؤمنون، إن تقوى الله تعالى تستوجب عملًا وجهدًا، ونيةً صادقة، فليست التقوى بالتمني، ولا بالتحلي، ولكنه شيء يقر في القلب، يصدقه العمل.
    فاجتهدوا في تحقيق التقوى في كل أعمالكم، وارجوا الثواب من الله؛ فإنه لا أهنأ، ولا أطيب، ولا أنعم من حياة المتقين.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحِزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    العبادات والشرائع إذا جُردت عن معانيها، وكانت صورة بلا رُوح؛ لم تنفعْ صاحبها، ولم تأتِ بثمارها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
    فالصوم تربية للنفوس حتى تسمو وتزكو وتطيب، «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» فاحرصوا على أن تفتشوا عن آثار العبادات في سلوككم، في قلوبكم، في أخلاقكم، في معاملاتكم، فتشوا عن أثر الصلاة في نهيها عن الفحشاء والمنكر، وإقامة ذكر الله في قلوبكم، فتشوا عن الصيام في معاملاتكم، هل أنتم حققتم ما أراده الله من صيامكم من أن تكفوا أنفسكم عمَّا حرم عليكم، وأن تقبلوا على ما فرضه لكم، وأن تصححوا مقاصدكم ونياتكم، كذلك في سائر العبادات.
    كل شريعة وكل فريضة لها مقصد، فتش عنه في سلوكك، وفي خلقك، حتى ترى هل حققت الغاية من الصوم، من الحج، من الزكاة، من الصلاة، من سائر الأعمال.
    إن كثيرًا من الناس يعبد الله عز وجل دون فكر ولا عقل، إنما على نحو من العادة والإلف، وهذا يغيِّب عنه لذة العبادة، ويُفقِده كثيرًا من ثمارها، وخيراتها، فاجتهدوا في تفتيش قلوبكم وأعمالكم عن آثار طاعاتكم لتعرفوا مدى تحقيقكم لمقصود ربكم في تلك العبادات.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين.
    اللهم اسلك بنا سبل الطاعة، وأعنا على الطاعة والإحسان، ووفقنا إلى ما تحب وترضى من الأعمال، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
    اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم انصرهم في سوريا والعراق، وفي اليمن، وفي سائر البلدان.
    اللهم من أراد بلادنا والمسلمين بشر فأشغله بنفسه، واجعل تدميره في تدبيره، واكفِ المسلمين شره، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
    اللهم اكفنا شرهم بما شئت، اللهم اكفنا شرهم بما شئت، اللهم اكفنا شرهم بما شئت.
    ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    التفاصيل
    0
    44
  • خطبة : من علامات الساعة ظهور الشح
  • إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله عباد الله، تقوى الله تَقيكم كل ما تكرهون، وتجلب لكم كل ما تُحبون من خير الدنيا، وفوز الآخرة.
    اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين.
    بُعث محمدُ بنُ عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- بالهدى ودين الحق. بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وجاء -صلوات الله وسلامه عليه- بما يسعد به الإنسان في دنياه، ويفوز بها في أخراه.
    جاء -صلى الله عليه وسلم- بالفضائل والمكرمات؛ الظاهرة والباطنة، الخاصة والعامة، في معاملة الله وفي معاملة الخلق، يجمع ذلك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا بُعِثْتِ لِأُتَمِّمُ مُصَالِحَ الْأَخْلَاقِ». هذا القول النبوي يكشف حقيقةً دارت عليها أحكام الشريعة من الأمر والنهي، دارت عليها الشرائع على اختلافها، فكل ما أمر الله تعالى به، وكل ما نهى الله تعالى عنه، هو لتحقيق هذه الغاية، وإدراك هذا الغرض؛ ألا وهو تمام صالح الأخلاق، وإذا صلُح الخلق صلُحت الدنيا والآخرة، أثقل شيءٍ في الميزان حُسن الخلق. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، كَمِّلنا بالفضائل في السر والإعلان يا رب العالمين.
    إن أصل الرذائل ومنبع الشرور والفساد في مسلك الإنسان وعمله خِصالٌ عدة، أهم ذلك وأخطره: الشُّح، ذاك الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجاءت النصوص بالتحذير منه في موارد كثيرة.
    الشُّح: هو شدة الحرص على الشيء، وشدة السعي في تحصيله مع جشعٍ في النفس، وهلعٍ، وخوفٍ، وجزع من فوات حظه من ذلك الشيء.
    فالشُح -أيها الإخوة- يجمع خصالًا رذيلة متنوعة، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في التحذير منه: «اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّمَا أَهَلَكَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ». هكذا يُجمِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر خطورة هذه الخَصلة، وأنها منبع كل رذيلة: «اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّمَا أَهَلَكَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ؛ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ». وجاء في السنن من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحُّ»، احذروه، وفِروا منه، وتخلصوا من آثاره «فَإِنَّمَا أَهَلَكَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ؛ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا».
    هكذا يتبين لك باختصارٍ موجزٍ عظيمُ تأثير الشُّح على سلوكك، على دينك ودنياك، على أمر حاضرك ومستقبلك، فاحذر هذه الخصلة.
    إنها خصلةٌ تُفسد عليك دينك، وتُوقِعك في رذائل وشرورٍ لا منتهى لها. فالشُّح ليس له نهاية فيما يتعلق بصور الشر وأنواع الفساد المترتبة عليه.
    أيها الإخوة، النفس مجبولةٌ على حب المال، النفس مجبولةً على الحرص كما قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ الفجر: 20.
    لكن الشُّح هو معنًى أعظم وأوسع مما يتعلق بالمال، كما يتوهمه بعض الناس أن الشُح هو البخل فقط، والشُّح معنًى يزيد على البخل؛ فهو: حبس كل خصلةٍ حسنةٍ، والبخل بكل واجبٍ أو مستحب مما يتعلق بحق الله، أو مما يتعلق بحق الخلق، ولذلك هذه الخصلة لا تقتصر فقط على حبس المال، فالشُّح ليس حبسًا للمال.
    الشُّح إذا وقع في القلوب حملها على الاعتداء والبغي، حملها على كراهية الخير للناس، حملها على الكبر، حملها على الحسد، حملها على البخل، حملها على منع الحقوق والواجبات المادية والمعنوية.
    ولذلك حَرِيٌّ بالمؤمن: أن يسعى في سلامة نفسه من هذه الخصلة التي متى قامت فيه أوردته المهالك.
    يقول الله -جل وعلا- في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر: 9. إن السلامة من الشُّح مصدر كل فضيلة؛ لذلك قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر: 9. والفلاح: إدراك المحبوبات، والأمل من المرغوبات أن تُحصل ما تُحب، وتنجو مما تكره.
    طاف عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه-، فكان في طوافه يُكرر دعوةُ يقول: "اللهم قني شُحَّ نفسي، اللهم قني شُح نفسي، اللهم قني شُح نفسي، يُكرر ذلك في طوافه، فقال له قائلٍ: لمَ تدعو بهذه الدعوة يا عبد الرحمن، قال: إنك إن وُقيت شُح نفسك فقد أفلحت كل الفلاح، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الحشر: 9.
    اللهم قِنا شُح أنفسنا، وأعمرها بالفضائل والخيرات, أعنَّا على الطاعة والإحسان، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الشُّح، فإن انتشار الشُّح بين الناس من علامات القيامة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ». وذكر الهرج بعد الشُّح؛ لأن الشُّح يحمل على أقصى الاعتداء وأشده، وهو سفك الدم الحرام بغير حق؛ لذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّمَا أَهَلَكَ مِنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ؛ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ».
    عباد الله، الشُّح هو خصلة تحملك على أن تمنع الحق الذي عليك، الشُّح خصلة تحملك على أن تكره كل خيرٍ يجري على يدي غيرك.
    هذا مختصر الشُّح الذي جاءت النصوص بالتحذير منه: إنه خصلةٌ تقوم في النفس تحملها على منع الحقوق في المال، وسائر ما يكون من الحق والإحسان الذي ينبغي أن يُبذل، كما أنها تكره الخير للناس، وتُبغض أن يجري لهم من الفضل والخير شيءٌ مما قدَّره الله تعالى لهم.
    إن إلقاء الشُّح الذي أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: «وَيُلْقَى الشُّحُّ» ليس مقصورًا على حبس المال والبخل به، بل هو أوسع من ذلك، فالمراد: إلقاء الشُّح في القلوب الذي يحمل الناس على منع الخير؛ فيبخل العالِم بعلمه، فيترك التعليم والفتوى، ويبخل الصانع بصنعته حتى يترك تعليمها وبذلها للناس، ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير، وليس المراد: وجود شيءٍ أو صورةٍ من هذه الصور، بل الشُّح يشمل كل هذه الصور التي تقتضي حبس الخير وكراهية بذله، وكراهية أن يجري الخير على يديك أو على يدي غيرك.
    أسأل الله -عز وجل- أن يُعيننا وإياكم على الطاعة والإحسان، وأن يُكملنا بصالح الأخلاق وطيب الأعمال.
    اللهم ألهمنا رُشدنا، وقِنا شر أنفسنا، أعِنَّا على الطاعة والخير، والفضل والبر، وخُذ بنواصينا إلى كل ما تحبه من الفضائل، يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم أمِّنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم وفِّق وليَّ أمرنا إلى ما تحب وترضى، وخُذ بناصيته إلى البر والتقوى، يسر له اليسر، يا ذا الجلال والإكرام، وَفِّقه إلى ما تحب وترضى.
    اللهم إنا نسألك لجنودنا في كل مكان التوفيق والسداد، والحفظ والتسديد والنصر، يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم إنا نسألك للمسلمين عامةً الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن توفقهم إلى ما تحب وترضى من الأعمال، وأن تُنزل الأمن في بلادهم، وأن تكفيهم شر كل ذي شرٍّ أنت آخذ بناصيته.
    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوفٌ رحيم.
    أكثروا من الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن صلاتكم في هذا اليوم معروضةٌ عليه.
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

    التفاصيل
    0
    1156
  • خطبة الجمعة : ليكن همك أن يقبل الله عملك.
  • إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأوَّلين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله، صفيه وخليله، خيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن أتبع سُنَّته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين. أمَّا بعد،

    فاتقوا الله عباد الله، فإنَّ تقوى الله هي الغرض والغاية والمقصود من كل ما شرعه الله تعالى لعباده، فالله - جلَّ في علاه - شرع التوحيد لتزيين القلوب بالإخلاص له، والإقبال عليه كما شرع الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وسائر شرائع الدين؛ لعمارة القلب بتقوى العزيز الغفار الرحيم الرحمن، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ولا طمأنينة لها إلا بأجمل لباس، وأجمل وشاح تتشح به وهو التقوى، قال الله - جلَّ وعلا -: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الأعراف:26، فإذا عرى القلب عن هذا اللباس لن يستر سوءاته ستر ولا يسكن ولا يقر، فإنَّ تقوى الله تعالى تجلب له كل طمأنينة وبهاء وزين.

    أيُّها المؤمنون عباد الله:

    تقرَّب عباد الله إليه بألوان من القرُبات كلها تهدف إلى غرض واحد وهو تحقيق التقوى، فمن المهم لكل مؤمن أن يفتش عن نصيبه، وعن رصيده فبعد مواسم التجارات يحسب التُّجار ما كسبوا، وما حصَّلوا ليدركوا كم ربحوا وكم خسروا فيكون عونًا لهم على التعويض، والاستزادة، والتقدم إلى الربح والفوز والنجاح.

    إنَّ كل عامل يظن أنَّ عمله يذهب دون أثر فهو مخطئ، فما من عمل يعمله العبد في دنياه إلا ولا بُدَّ له من أثر، أثره ليس في رصيد في مصارف وبنوك، إنَّما رصيده في القلوب من التقوى والإيمان. «تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيُّما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء» وهذا هو الرصيد في الإقبال على السيئات والأخذ بها، «وأيُّما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء» وهذا الرصيد الأخر، رصيد الصالحات ومحله القلب. «حتى تصير القلوب على قلبين، على أسود مرباد كالكوز مجخيًّا، وعلى أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة» أخرجه مسلم (144). هكذا يبين النبي صلى الله عليه وسلم منتهى تأثير العبادات والصالحات، وما طلبه الله تعالى من عباده في طاعته والتقرب إليه. ففتشوا عن زادكم الذي تزودتم به من ذكر الله، والصلاة، ومن الصوم، وسائر القربات، ومن الطاعات الظاهرة والباطنة، فإذا وجدتم نقصًا فلا تلوموا إلا أنفسكم، وبادروا، بادروا، بادروا في تعويض ما حصل من نقص، فإنَّ الحياة مرحلة تزود، قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة:197 ، لا يُقطع سفر الأخرة، ولا يفوز الفائزون عند رب العالمين إلا بالسبق إليه بالتقوى، فإنَّ التقوى خير المراكب ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ الزمر:61. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، وحزبك المفلحين، وأوليائك الصالحين يا رب العالمين. 

    وإذا وجدت في رصيدك من أثر الطاعة ما تُسر به فاحمد الله، فذاك فضله، وسله القبول، فإنَّما يتقبل الله من المتقين، وجِدَّ في سؤال الله الزيادة، والثبات على الحق والهدى، فإنَّ الطاعة إذا وُفِّق إليها العبد فرأى لنفسه فضلاً على ربه، وأُعجب بعمله كان ذلك من دواعي حبوطه، وعدم قبوله. فاحذر أن تفسد ما أصلحت، واحذر أن تهدم ما بنيت، وكن لله ذليلاً، وإليه مقبلاً، فحقه أعظم من أن يفيه عمل الإنسان مهما بلغ إتقانًا، وصلاحًا، وجودة، «واعلموا أنَّ أحدًا منكم لن يدخل الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» أخرجه البخاري (6102)، ومسلم (2818).، فإذا وفِّقت إلى ذكر، إلى حج، إلى صوم، إلى صدقة، فاحمد الله فإنَّه فضل الله عليك.

    سله القبول، فإنَّه إذا لم يقبلك؛ كنت من الخاسرين، واحذر أن تفوِّت وصف وشرط القبول، فقد قال ربك: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ المائدة:27  وقد تفطَّن عباد الله الصالحون إلى هذا الأمر فهذا إبراهيم - عليه السلام - وابنه إسماعيل يرفعان القواعد من البيت حتى إذا استتم قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ البقرة:127 لم يبادر إلى ذهن واحد منهما أنَّه قد بنى البيت الذي عظَّمه الله، وأعلى شأنه، وجعل عظمته وحرمته منذ أن خلق السماوات والأرض، فمكة لم يحرِّمها الناس بل حرَّمها الله يوم خلق السماوات والأرض، وأعاد إبراهيم وابنه إسماعيل بناء البيت الذي بقيت حرمته من ذلك الزمان إلى ما يشاء الله - عزَّ وجلَّ - من أخر الزمان.

    أيُّها المؤمنون، عباد الله:

    ألهجوا بقلوب صادقة، وضراعة مُلِحَّة أن يقبل الله صالح أعمالكم، فإنَّ العمل إذا لم يقبله الله كان خسارة، واعلم أنَّ القبول ليس خبطة عشواء، ولا حظوظ عمياء، بل هو منَّ الله وفضله وفق أسباب وشروط، فما جعل الله شيئًا في الدنيا والآخرة إلا وله سبب، من أتى بالسبب؛ أدرك النتيجة، فالمقدمات تُفضي إلى نتائجها. أقول هذا القول، واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السماء والأرض، وملء ما شاء من شيء بعد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سُنَّته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أمَّا بعد،

    فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا العمل في السر والعلن، فتقوى الله ليست ثيابًا تظهر، ولا مظاهر تُرى، بل تقوى الله في الأصل صلاحٌ في القلب، واستقامة في السر، وقيامٌ بما فرض الله تعالى في الغيب والشهادة، فتقوى الله - سبحانه - إنَّما تكون بأن يكون العبد مقبلاً على الله، راغبًا فيما عنده، صادقًا في طلب رضوانه، وعند ذلك يدرك تقوى الله - عزَّ وجلَّ - ولا بُدَّ أن تنصاع جوارحه لطاعة ربه فيما أمر فعلاً، وفيما نهى تركًا واجتنابًا، فكونوا من عباد الله المتقين. سلوا الله تقواه، واستعينوا به على حصول الطاعة في السر والعلن.

    فإذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده

    اللهم أعنَّا على طاعتك، واصرف عنا معصيتك، وخذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى. 

    حجَّ الحجاج بيت الله الحرام، ووجدوا من طاعة الله - عزَّ وجلَّ - ما أسأل الله أن يثبته في صحائفهم، وأن يجعلهم من المقبولين، وأن يعيدهم إلى بُلدانهم فائزين بمغفرة وعفو ورضوان وجنة عرضها السماوات والأرض، وأن يعيننا وإيَّاكم على الطاعة والإحسان، وحق أهل الفضل أن يُذكر فضلهم. كان حج هذا العام على نحو من الخير والبر والأمن والسلام والطمأنينة ما يُشاد به ويُذكر، ويُثنى على الله تعالى به، ويُثنى على من قام بجهد في إنجاح موسم هذا العام، فلله الحمد والشكر، له الفضل أولاً وأخيرًا أن وفَّق القائمين على الحج أن يدبِّروه على أحسن تدبير، وأن ينظِّموه على أحسن ما يُمكن أن يُنظَّم فكان - ولله الحمد - على أحسن ما يُرام. قطع الله به ألسنة المعتدين، وخيَّب به ظنون المتربصين، وأبطل به كيد الكائدين فله الحمد وحده، لا شريك له. 

    كما أنَّ حق أهل الإحسان أن يُذكروا بالجميل، فجزى الله حكومة هذه البلاد على رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، ونائبيه، وجميع من كان سببًا لنجاح هذا الحج خيرًا على ما قدَّموا وبذلوا، ونسأل الله  - عزَّ وجلَّ - أن يجدوه في موازين حسناتهم، وأن يجعلهم قرة عين لأهل الإسلام، وأن يدفع بهم الشر عن بلادنا وعن سائر المسلمين يا رب العالمين، كما نسأله - جلَّ في علاه - أن يُخيب من سعى بالفساد والشر، وأذاع الريب والشكوك، وسعى بالفساد قولاً وعملاً، نسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يخيب سعيه، وأن يرد كيده في نحره، وأن يقطع عن المسلمين شره، وأن يجعل تدبيره تدميرًا، وأن يأتيه من حيث لا يحتسب.

    فادعوا الله فإنَّ دعاء المؤمن الصادق مع بذل السبب أقوى ما يكون من الأسلحة «إنما تنصرون بضعفائكم» أخرجه البزار (1159). بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم، فسلوا الله بصدق فإنَّ سلاح الدعاء يُمضي الله به من النصر والتمكين والعز وإبطال كيد المجرمين ما لا يخطر على بال أحد، فاسألوا الله من فضله، واشكروه على نعمه، وقوموا بحقه، وسلوه من كل خير في الدنيا والآخرة؛ تجدوا منه عطاءً وبرًّا.

    أيُّها المؤمنون:

    يُقدِم طلابنا من الذكور والإناث على مدارسهم متعلمين قريبًا بعد إجازة طويلة، وحقهم أن يُعانوا على ما أقبلوا عليه من تعلم، فالتعلم هو أساس بناء الأمم، لا علم إلا ببناء، كان مفتاح بناء هذه الأُمَّة أول كلمة أوحاها الله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1].  فالقراءة خيرٌ وبناءٌ للأُمَّة، والتعليم سبب لتحصيل هذه المعارف التي تُبنى بها الأُمم في صلاح دينها، وصلاح دنياها، فمن المهم ومن الضروري لكل أُمَّة تنشد تقدمًا لاسيما ونحن نعيش تحديات ضخام، لا تُجتاز إلا ببصيرة وعلم ومعرفة وإتقان لمعارف شتى في أمور الدين، وأمور الدنيا أن نبني مجتمعًا متعلمًا. أن نُحفِّز رغبة التعليم، والحرص على التحصيل في نفوس أبنائنا، فهذا الكسل، وذاك التواني في التحصيل، وأخذ المدارس على أنَّها محاضن تحفظ أبنائنا من الشوارع فقط، لا شك أنَّ هذا انتكاسٌ في فهم مفهوم التعليم، التعليم بناء، التعليم ارتقاء، التعليم تشييد لإنسان يُمكن أن يصلح في دينه، ويصلح في دنياه، ويحقق الغاية من الوجود في حق ربه، وفي حق الخلق بعمارة الأرض.

    فضروري أن نعي هذه الحقيقة، فبعض الناس لا يرى المدرسة إلا أنَّها تكفيه مؤنة السفر بأولاده، وتكفيه مؤنة المتابعة لهم صباحًا، فلا يبقى عليه إلا جزء من النهار يتابعهم، ثم ينامون ويذهبون إلى المدرسة في اليوم التالي، وهكذا دواليك حتى ينتهي الموسم التعليمي، فيتخرج الطالب بشهادة لا قيمة لها، ليس لها وزن ولا قيمة في بناء مستقبله، ولا في فتح مجالات الكسب له، ولا في نفع أُمَّته وبلده ووطنه، فكونوا على علم بغاية التعليم، غاية التعليم وغرضه بناء الإنسان الذي إذا تحقق كسبه كان أقوى مقومات بناء البلدان.

    أسأل الله أن يصلح لنا التعليم، وأن يعيننا على أنفسنا وأبنائنا على ما تقوم به حضارة لأهل الإسلام تصلُح بها دنياهم، وتتقدم بها منازلهم، ويعلون بها على غيرهم، فيكونون أسوة وقدوة.

    اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، أعنَّا على ما فيه الخير، ويَسِّر لنا اليسر. اهدنا سبل السلام، وادفع عنا الشر والفساد يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم من أراد بلادنا والمسلمين بسوء أو شر فأشغله بنفسه، وردَّ كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا قوي يا عزيز. اللهم إنَّا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى. اللهم أغننا بفضلك عن من سواك، اللهم أغننا بفضلك عن من سواك، اللهم أغننا بفضلك عن من سواك، اللهم إنَّا نسألك القبول لصالح العمل، وأن تمد لنا في الطاعة والإحسان، وأن تجعلنا من أوليائك وحِبِّك يا عزيز يا غفار.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    وصلى الله وسلم على النبي المختار، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه الأطهار.

    التفاصيل
    0
    1736
دروس
  • الدرس(7)والأخير "وأهل هذا الشأن هم الغرباء، وغربتهم أعز الغربة".
  •     قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :"وأهل هذا الشأن هم الغرباء، وغربتهم أعز الغربة، فإن الغربة عند أهل الطريقة غربتان: ظاهرة وباطنة.

    فالظاهرة: غربة أهل الصلاح بين الفسَّاق، وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق، وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق، وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سُلِبوا الخشية والإشفاق، وغربة الزاهدين بين الراغبين فيما ينفد وليس بباق.
    وأما الغربة الباطنة: فغربة الهمة، وهي غربة العارفين بين الخلق كلهم حتى العلماء، والعباد، والزهاد؛ فإن أولئك واقفون مع علمهم، وعبادتهم، وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم لا يعرجون بقلوبهم عنه.
    فكان أبو سليمان الداراني يقول في صفتهم:"وهِمَّتهم غير همة الناس، وإرادتهم الآخرة غير إرادة الناس، ودعاؤهم غير دعاء الناس".
    وسئل عن أفضل الأعمال، فبكى وقال: "أن يطلع على قلبك فلا يراك تريد من الدنيا والآخرة غيره".
    وقال يحيى بن معاذ:"الزاهد غريب الدنيا، والعارف غريب الآخرة".
    يشير إلى أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الآخرة، لا يعرفه العباد ولا الزهاد، وإنما يعرفه من هو مثله وهمته كهمته.
    وربما اجتمعت للعارف هذه الغربات كلها أو كثير منها أو بعضها فلا يسأل عن غربته حينئذ، فالعارفون ظاهرون لأهل الدنيا والآخرة.
    قال يحيى بن معاذ:"العابد مشهور والعارف مستور".
    وربما خفي حال العارف على نفسه لخفاء حالته وإساءة الظن بنفسه.
    قال إبراهيم بن أدهم:"ما أرى هذا ألأمر إلا في رجل لا يعرف ذلك من نفسه ولا يعرفه الناس".
    الحمد لله رب العلمين , وأصلي وأسلم نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
    أما بعد :-
    هذا المقطع من كلام المؤلف رحمه الله بين فيه درجات الغربة , وأن الغربة أقسام ودرجات ومراتب وليس على منزلة واحدة , بل هي متفاوتة بتفاوت أحوال الناس ,ولذلك قال رحمه الله :"إن الغربة عند أهل الطريقة غربتان : ظاهرة , وباطنة".
    "ظاهرة" يعني يشهدها الناس بأبصارهم , "وباطنة" وهي ما يتصل بأعمال القلوب وأحوالها, وهي شأن لا يوقف له على حقيقة في التفاوت بين الناس, التفاوت فيه عظيم , بل وصفه ابن القيم رحمه الله قال:
    هذا بينهما كما بين السما   *** والأرض في فضل وفي رجحان
    هذا التفاوت بين قلوب الناس في تحقيق العبودية بين أيضًا ما يترتب على ذلك من الإثابة والأجر كما بين السماء والأرض في فضلٍ وفي رجحان .
    يقول رحمه الله:"فالظاهرة غربة أهل الصلاح بين الفساق, وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق, وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق, وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سلبوا الخشية والإشفاق, وغربة الزاهدين بين الراغبين فيما ينفد وليس بباق،
    وأما الغربة الباطنة" وهي غربة أعمال القلوب"فغربة الهمة وهي غربة العارفين بين الخلق كلهم حتى العلماء والعبَاد والزُّهاد"، يقول:"فإن أولئك واقفون مع علمهم وعبادهم وزهدهم".
    "أولئك": أي العباد والزهاد والعلماء "واقفون مع علمهم", لكنَّ العارفين يقول :"وهؤلاء واقفون مع معبودهم", وهذه المعرفة منزلة عالية كبيرة وهي غاية العلم ومنتهاه . 
    يعني هي المقصود من المعارف والعلوم , أن يرى الإنسان الأمور على حقائقها , وأن تجلو عن عينه الغشاوة والحواجب والكدر الذي يمنعه من الرؤيا.
    يقول رحمه الله :" فكان أبو سليمان الداراني في صفاتهم وهمتهم غير همة الناس, وإرادتهم الآخرة غير إرادة الناس, ودعاؤهم غير دعاء الناس"، وذلك ليس في الصورة إنما في الحقيقة وما يكون في قلوبهم.
    قال رحمه الله: سئل عن أفضل الأعمال, قال : فبكى وقال : أن يطلع على قلبك"، أي الله جل وعلا "أن يطلع على قلبك فلا يراك تريد من الدنيا والآخرة غيره "، وهذه هي مرتبة الإخلاص التي قال الله تعالى فيها ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ سورة القصص.، نسأل الله أن يبلغنا على هذه المنازل .
    يقول :" وقال يحي بن معاذ : الزاهد غريب الدنيا , والعارف غريب الآخرة".
    " غريب الآخرة"، لآن أمثاله قلة , فمقصوده من الآخرة غير مقصود غيره, وإن كان يقصد الجنة وعملها, لكن طمحه ونظره إلى ما هو أعلى ما يكون في الجنة من النعيم, وهو النظر إلى رب العالمين جل في علاه.
    يقول :"فالعارفون ظاهرون إليه في الدنيا والآخرة , قال يحي : العابد مشهور , والعارف مستور , وربما خفي حال العارف على نفسه لخفاء حالته وإساءة الظن به". 
    وهذا معنى كلام إبراهيم بن أدهم :"ما أرى هذا الأمر"، يعني يبلغ منزلة المعرفة التامة بالله تعالى "إلا في رجل لا يعرف ذلك من نفسه", يعني ذاب في قلبه النظر إلى عمله وأصبح لا يرى لعمله شيء, ولا له منزلة , ولا له مكانة , "ولا يعرفه الناس"، والناس لا يعرفونه فهو خفي عنهم , لا يظهر لهم عمله, بل يستره عنهم, كما يستر عنهم سيئاته, وهذه الواحد إذا تدبرها قال:"يا رب عفوك" , ونسألك يا رب أن تسلمنا من الرياء", فالواحد منا إذا فعل العمل صالحًا ظل يقول سويت ورحت وجيت وعملت وصليت وصمت , ولكن إذا قلت له تعالى: ماذا عملت من السيئات؟ ما يمكن يقول لك ولا شيء.
    فينبغي أن يكون حرصنا على إخفاء أعمالنا إذا لم تكن مصلحة كحرصنا على إخفاء سيئاتنا.
     إذا بلغنا هذه المنزلة بلغنا منزلة كبرى في الإخلاص لله جل وعلا , نأسأل الله أن يبلغا صدق معرفته , وعظيم الإخلاص له .
    يقول رحمه الله : "وفي حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد الخفي التقي» أخرجه مسلم (2965)، وأحمد (1441)، (1529)..
    وفي حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله يحب من عباده الأخفياء الأتقياء الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفقدوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم» أخرجه ابن ماجه رقم (3989) بلفظ مقارب. قال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف..
    وعن علي بن أبي طالب  رضي الله عنه  قال: «طوبى لكل عبدٍ لم يعرف الناس، ولم تعرفه الناس وعرفه الله منه برضوان، أولئك مصابيح الهدى تُجلى عنهم كل فتنة مظلمة».
    وقال ابن مسعود رضي الله عنه : «كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، مصابيح الظلام، تَخفون على أهل الأرض، وتُعرفون في أهل السماء».
    فهؤلاء أخص أهل الغربة، ومن ظهر منهم للناس فهو بينهم ببدنه، وقلبه معلق بالنظر الأعلى"
    " يعني "ومن ظهر منهم" أي من اضطر إلى الظهور لتحقيق مصلحة وإدراك منفعة شرعية, فإنه لا يعنيه هذا الظهور عن أن يكون معلق بالقلب بالله تعالى , لا يرقب من الناس نفعًا ولا ضرًا , وما أصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الأعرابي الذي جاء  فقال له: يا محمد اعطني إن مدحي زين وذمي شين, يعني إذا مدحت يطير مدحي في الآفاق, وإذا ذممت ذمي يشين من أذمه , فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال :« ذاك هو الله »، يعني الذين مدحه يزين وذمه يشين هو الله , وأما الخلق فمدحهم لا يزين وذمهم لا يشين .
    قال رحمه الله:" كما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه  في وصفهم:
    جسمي معي غَيْرَ أَنَّ الروحَ عِنْدَكُمُ *** فالجسمُ في غُرْبةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ
    وكانت رابعة العدوية رحمها الله تعالى تنشد في هذا المعنى:
    ولقد جعلْتُكَ في الفؤادِ محدثي  ***وأبحتُ جِسْمِي مَنْ أراد جلوسي 
     فالجسمُ مني للحبيب مؤانس***وحبيبُ قلبي في الفؤادِ أنيسي
    وأكثرهم لا يقوى على مخالطة الخلق، فهو يفر إلى الخلوة ليستأنس بحبيبه؛ ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة.
    «وقيل لبعضهم: ألا تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني».
    وقال آخر:«وهل يستوحش مع الله أحد؟».
    وعن بعضهم:«من استوحش من وحدته فذلك لقلة أنسه بربه».
    وكان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد، فعاتبه أخوه فقال له: إن كنت من الناس فلابد لك من الناس.
     فقال يحيى: إن كنت من الناس فلابد لك من الله.
     وقيل له: إذا هجرت الخلق فمع مَن تعيش؟ قال: مع مَن هجرتُهم له.
    هجرتُ الخلق طُرًّا في هواكا*** وأَيْتَمَتُ العيال لكي أراكا
    فلو قَطَّعْتَني في الحبِّ إربًا  *** لما حنَّ الفؤادُ إلى سِواكا
    وعوتب ابن غزوان على خلوته فقال:«إني أصبت راحة قلبي في مجالسة مَن لديه حاجتي».
    ولغربتهم من الناس ربما نُسب بعضهم إلى الجنون لبعد حاله من أحوال الناس كما كان أويس يقال ذلك عنه".
    أويس القرني الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (يأتيكم في أمداد أهل اليمن، وقال لعمر إذا لقيته فسأله أن يستغفر لك، فلما جاءه عرف عمر قال أكتب لك إلى أمير الكوفة لأنه كان متوجه إلى الكوفة، قال أكون في غبراء الناس أحب إليَّ.
     فهو يشير إليه رحمه الله ورضي عنه , وهو خير التابعين , قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم«خير التابعين».
    والعمل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ما هو ؟ كان له أمٌّ هو بها بَر فهذا كان عمله الذي بلغ به تلك المنزلة العليا , نسأل الله من فضله .
    قال رحمه الله :" وكان أبو مسلم الخولاني كثير اللهج بالذكر لا يَفْتُر لسانه، فقال رجل لجلسائه: أمجنون صاحبكم؟ قال أبو مسلم: يا ابن أخي! لكن هذا دواء الجنون". 
    يعني دواء الجنون هو ذكر الله, كما قال الله تبارك وتعالى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ سورة الرعد:28.
    قال رحمه الله :" وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : «اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون» أخرجه أحمد (11653) وابن السني (4)، والحاكم (1/499)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وهو حديث ضعيف. انظر الأحاديث الضعيفة (517)..
    هذا الحديث لا يصح، ضعيف . 
    "وقال الحسن في وصفهم:«إذا نظر إليهم الجاهل حسبهم مرضى وما بالقوم من مرض». ويقول: «قد خولطوا وقد خالط القوم أمر عظيم هيهات، والله مشغول عن دنياكم».
    وفي هذا المعنى قال:
    وحرمة الودِّ ما لي عنكم عوضُ  *** وليس لي في سواكم سادتي غرضُ
    وقد شرطتُ على قوم صَحِبْتُهُم ***بأنَّ قلبي لكم مِن دونهم فَرَضُوا
    ومن حديثي بهم قالوا: به مرضُ *** فقلتُ: لا زال عني ذلك المرضُ
     
    وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم  أوصى إلى رجل فقال: «استح من الله كما تستحي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك» أخرجه ابن عدي (53/2، 203/1) عن صفدي بن سنان: ثنا جعفر ابن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا. وهو حديث ضعيف جدًا. انظر الأحاديث الضعيف (1500)..
    وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم  قال:«أفضل الأعمال أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، من حديث عبادة ابن الصامت رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف. انظر الأحاديث الضعيفة (2589)..
    وفي حديث آخر أنه سئل صلى الله عليه وسلم : ما تزكية المرء نفسه؟ قال: «أن يعلم أن الله معه حيث كان».
    وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة في ظل الله يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلى ظله». فذكر منهم: «رجلاً حيث توجه علم أن الله معه» أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وهو حديث ضعيف جدًا. انظر الأحاديث الضعيفة (2444)..
    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الإحسان فقال:«أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أخرجه البخاري (50)، (4777)، ومسلم (9، 10)..
    ولأبي عبادة في هذا المعنى أبيات حسنة أساء نُقُولها في مخلوق وقد أصلحت منها أبياتًا حتى استقامت على الطريقة:
    كأن رقيبًا منك يرعى خواطري  *** وآخر يرعى ناظري ولساني
    فما بَصرَتْ عيناي بعدك منظرًا  *** يسوؤك إلا قلت قد رمقاني
    ولا بدرت من فِيَّ بعدك لفظة  *** لغيرك إلا قلت قد سمعاني
    ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة *** على القلب إلى عرَّجا بعناني
    إذا ما تسلَّى القاعدون على الهوى *** بذكر فلانٍ أو كلام فلان
    وجدت الذي يُسلي سواي يشوقني*** إلى قربكم حتى أملَّ مكاني 
    وإخوان صدق قد سئمت لقاءهم *** وأغضيت طرفي عنهُمُ ولساني
    وما الغض أَسْلى عنهُمُ غير أنني *** أراك كما كل الجهات تراني
     
    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين".
    هذا آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب المبارك "كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة".
     ويلاحظ أن الشيخ رحمه الله ذكر جملة من الأحاديث التي لا تصح من حيث الإسناد لكنهم يذكرونها إسنادًا إلى نقل العلماء لها وأنها تصلح في الاستشهاد والاعتضاد لا أنها أحاديث تثبت أحكام لها شواهد تعضدها.
    والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد .
    التفاصيل
    0
    790
  • الدرس(6)"وإنما أنس هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون".
  •    قال المؤلف رحمه الله :" وإنما أَنِسَ هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون؛ لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها؛ لأنهم لا يعرفون سواها فهي أُنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك ويستأنسون بالله وبذكره، ومعرفته، ومحبته، وتلاوة كتابه.. والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس به.

    ومن صفاتهم التي وصفهم بها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنهم صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالنظر الأعلى، وهذا إشارة إلى أنهم لم يتخذوها وطنًا، ولا رضوا بها إقامة ولا مسكنًا، إنما اتخذوها ممرًا ولم يجعلوها مقرًا. 
    وجميع الكتب والرسل أوصت بهذا، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه في وعظه لهم: ﴿يقَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39].
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم  لابن عمر: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل» أخرج البخاري شطره الأول رقم (6416).... وفي رواية: «وعدَّ نفسك من أهل القبور».
    ومن وصايا المسيح المروية عنه عليه السلام، أنه قال لأصحابه: «اعبروها ولا تعمروها».
    وعنه عليه السلام أنه قال: «من الذي يبني على موج البحر دارًا؟! تلك الدنيا فلا تتخذوها قرارًا»".
    هذا صلة بيان ما ذكره الإمام علي رضي الله عنه في وصف حملة العلم وأقسام الناس، يقول :"وإنما أَنِسَ هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون؛ لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها؛ لأنهم لا يعرفون سواها فهي أُنسهم"، هذه حال هؤلاء لا يعرفون إلا المتع والملذات ، يعرفون تنعيم الأبدان، وليس لهم من لذة القلوب وبهجتها، ليس لهم من تنعيم القلوب وطمأنينتها، ليس لهم من سكونها وسرورها نصيب.
    ولذلك اشتغلوا بعمارة أبدانهم وتنعيم هذه الأبدان بما يستطيعونه من الملاذ .
    فلذلك إذا قيل لهم انظروا إلى ما في القلوب من ملاذ، وما في الطاعة من طمأنينة وما فيها من سكون وأمان استوحشوا، لم يجدوا في الطاعات إلا أنها آصار، إلا أنها أثقال، إلا أنها حواجز وموانع.
     وشتَّان بين من يقبل على الطاعة وهو يعلم أنها غذاء لقلبه، يطيب بها القلب ويقر، ويسكن ويطمئن، وبين من يقدم عليها وهو يشعر بأنها حمل على ظهره يريد أن يزيحه عنه بأسرع ما يكون.
    وهذا سر جمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين النوعين من الملاذ يقول:«حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا : النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» أخرجه أحمد (3/128)، والنسائي(3939)، من حديث أنس، وصححه الألباني..
    يعني النبي لم يهمل التمتع بالدنيا، ولم يجعل الدنيا منصَرفا عنها بالكلية، بل قال:«حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا : النِّسَاءُ ، وَالطِّيبُ»، وهذا أمر طبيعي تهواه النفوس وتميل إليه القلوب، لكن أين الملذة الحقيقية الدائمة الثابتة التي هي غاية القرار والسكون يقول :« وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»، قرة العين هو سكونها، هو بهجتها، هو طمأنينتها، لا يوصف شيء بأنه قر عينه إلا إذا أدرك مطلوبه على الغاية والمنتهى .
    فهؤلاء جمعوا بين الخيرين، بين خير الدنيا وخير الآخرة، وعرفوا منزلة ملاذ الدنيا وملاذ الآخرة ، بخلاف أولئك الذين أقبلوا على الدنيا فليس في قلوبهم من الآخرة نصيب، ولا من الطاعة لذة، ولا من الطمأنينة نصيب، هؤلاء أبعد ما يكونون عن السكون والقرار، ولهذا هم في أمر مريج، قلوبهم ملئ بمراجل الحريق الذي لا يسكنه ولا يطفئه إلا السكون واللجوء إلى الله جل وعلا.
    يقول رحمه الله:" لأنهم لا يعرفون سواها فهي أُنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك"، يستوحشون من الدنيا وملاذها، "ويستأنسون بالله وبذكره، ومعرفته، ومحبته، وتلاوة كتابه"، هذه لذتهم، وهذه طمأنينتهم، لا يسكون إلا بذلك.
    يقول :" والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس به"، وهذا صنف بعض الناس تقول له : اقرأ القرآن يطيب قلبك، يقول : قرأت ولم أجد.
    لأنه قرأ بلسانه ولم يجعل لهذه القراءة تأثيرا على قلبه.
    يقول رحمه الله :"ومن صفاتهم التي وصفهم بها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنهم صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالنظر الأعلى"، أي بالنظر إلى الجنة، والنظر إلى الله تعالى وما أعده لأوليائه.
    فمحط أنظارهم ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين، وأوليائه المتقين، ليس لهم نظر إلى الدنيا وملاذها.
    ولذلك كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نظر من الدنيا إلى ما يعجبه قال:«لبيْك، إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة» أخرجه ابن خزيمة (4/260)، ح(2831)، والحاكم (1/465)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/45)، من حديث داود عن عكرمة عن ابن عباس ، قال الحاكم:" قد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بداود، وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه".، ليصرف النفس أن تميل أو تتعلق بهذه المظاهر والزخارف .
    فهي مهما كانت بهيجة  فهي لا تعادل شيئاً مما يكون في الآخرة من النعيم والملاذ.
    « لبيْك، إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة»، قلوبهم وأرواحهم معلقة بما عند الله تعالى مما أعده لأوليائه.
    يقول :"وهذا إشارة إلى أنهم لم يتخذوها وطنًا "، ما جعلوها وطنا ومقرا ومسكنا.
    " ولا رضوا بها إقامة ولا مسكنًا، إنما اتخذوها ممرًا ولم يجعلوها مقرًا".
    " وجميع الكتب والرسل أوصت بهذا، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه في وعظه لهم: ﴿يقَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾".
    وفي وصية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  لابن عمر :" كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل» ، وفي رواية: «وعدَّ نفسك من أهل القبور»".
    ثم ذكر جملة من الوصايا.
    ما معنى الغربة التي أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها في قوله:«كُنْ في الدنيا كأنك غريب»، أي حالك كحال الغريب الوافد على مكان لا يعهده ولا يسكن فيه ولا يقر، لأن المتاع الذي فيها ليس له فيه حظ.
    الآن لو قام مزاد - أنتم يا إخواني الذين جئتم لهذه الدورة- لو سمعتم أن في حراج على قطع أراضي، يهمكم هذا؟ لا يهمكم هذا ولو بيع بتراب الفلوس، لماذا؟ لأنه ليس من شأنكم، وأنتم مرار، عما قريب تنصرفون، فأنتم غرباء، فلا يهمكم ما فيها من رخص وفرص شراء،وما إلى ذلك، لا يهمكم هذا، لماذا؟ لأنك إنسان غريب.
    بخلاف هذا الذي وطَّن قلبه ووطن نفسه في مكان يهمه فيها الشاردة والواردة والقليل والكثير، لأنه من أهل الإقامة.
    هكذا ينبغي أن يكون الإنسان في دنيا كالغريب ، لا يلتفت إلى غير غايته ومقصوده وهدفه وهو الوصول إلى قصده.
    فلو مر الإنسان بهذه البلدة وهو في طريقه إلى المدينة أو إلى مكة ما تجده يتلفت يجلس هنا قليلاً، ويذهب يميناً ويشوف ماذا صار للأسواق، وما هي حال البيع والشراء، وما هي حال بيع العقار، ما يهمه.
    إذا كان سيفعل هذا بكل منزل ينزله لن يصل .
    لكنه يقضي حاجته على وجه سريع ويدرك مقصوده وغايته ولا ينقطع عن سيره، بل إذا وجد الناس قد أغلقوا لعارض ضاقه ذلك أنه سيحبه عن الوصول إلى هدفه.
    هكذا ينبغي أن يكون الإنسان في مسيرة في الدنيا ، هذه الدنيا لم نأتها لنقيم فيها، إنما جئناها لنعمرها بالطاعة والإحسان، لنغتنم منها ما يسره الله تعالى من أنواع البر والطاعة وفعل الخير الذي نتزود به إلى اللقاء الأعظم ، لقاء رب العالمين،﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ سورة البقرة:197..
    فلذلك ينبغي أن يكون هذا هو الهم ، وكل ما يكون من الأمور الأخرى إنما هي حواشي، إنما هي من فضول الاهتمام، وليس من صلب الهم، ومن صلب ما يعتني به الإنسان.
    لذلك يقول:"فالمؤمن في الدنيا كالغريب المجتاز ببلدة غير مستوطن فيها يشتاق إلى بلده وهمه الرجوع إليها، والتزود بما يوصله في طريقه إلى وطنه، ولا ينافس أهل ذلك البلد المستوطنين فيه في عزهم، ولا يجزع مما أصابه عندهم من الذل"، لأنه ليس مقيماً وعما قريب مرتحل.
    قال رحمه الله :" قال الفضيل بن عياض: «المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مَرَمَّةُ جهازه»"، مَرَمَّة إي إصلاح وترميم وإعداد جهازه الذي يتجهز به في مسيره، والجهاز  هنا ما يتجهز به إلى لقاء ربه.
    " المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مَرَمة "، يعني غاية ما يهتم به هو التهيئة والإعداد لما يعينه في وصوله إلى غايته.
    وقوله :" مهموم"، أي أنه يحمل هماً.
    و"حزين"، المقصود بالحزن هنا أنه منصرف عن كل ما يشغله، وليس المقصود بالحزن هنا الكآبة، والكدر، فإن الكآبة والكدر ليست من صفات المؤمنين، بل الله تعالى شرح الصدور بالطاعة والإحسان،﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ سورة الزمر:22..
    والآية الأخرى:﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ سورة الأنعام:125..
    فالقرآن والهداية هي من أعظم ملاذ القلوب وسعادتها.
    والله تعالى يقول:﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ سورة الانفطار:13.، وهم في نعيم في الدنيا قبل الآخرة.
    وقد قال جماعة من العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمة :" إن في الدنيا لجنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة" انظر "المستدرك على مجموع الفتاوى" (1/154)..
    جنة الدنيا هي ما يجده المؤمنون من لذة الطاعة والإحسان، ومن لذة العبادة، ومن لذة الإقبال على الله تعالى ، هذه لذة لا يعدلها شيء، وكل من قام بالطاعة وترك المعصية وترك المحرم، فإن كانت الطاعة من أشق ما يكون، ولو كانت المعصية من ألذ ما يكون إذا فعل الطاعة وتحمل مشاقها وترك المعصية وصبر على بريقها فسيعقبه الله في قلبه من النعيم ما لا يدرك شأوه، ولا يوازن قدرة بقدر ما يدركه من الراحة بترك الطاعة، أو الملذة بفعل المعصية.
    لهذا يقول الله تعالى في كتابه ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ سورة النور:30.، إطلاق البصر في الملذات هو مما تميل إليه النفوس، وبعض الناس إذا فات عليه المنظر وشعر أنه فات منه شيء من هذه الملاذ المحرمة شعر أنه فَقَد شيئاً.
    لذلك تجده يبحث عن تعويض هذا الذي فقده.
    في حين أنه إذا رأى ما يحرم عليه فصرف بصره، أو تسهل له النظر إلى ما يحرم عليه فغض بصره، أدرك من اللذة في قلبه أضعاف ما يدركه من اللذة بنظره إلى ما حرم الله.
    لذلك يقول الله تعالى:﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، انظر النتيجة من غض البصر.
    يقول الله تعالى ﴿ ذَلِكَ﴾ أي غض البصر ، وحفظ الفرج ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾، أزكى لقلوبهم وأطهر لها.
     وليس الطهارة هنا المقصود بها أنها تستقيم على الطاعة فقط، بل ألذ وأسر وأنعم وأبهج وأطيب وأصلح لقلبه من أن يدرك ما يشتهيه من المحرمات، لأن هذه المحرمات سهام تصيب قلبه.
    ولذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ» أخرجه مسلم (144)..
    الثوب الأبيض تنكت فيه نكتة سوداء أكيد أنها ستؤثر عليه، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى يسود كما قال النبي  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا»، أبيض في اللون، والصفا في القوة، «وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا».
    ثم قال رحمه الله:"وقال الحسن: «المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن»"، وهذا حال الغريب "لا يجزع من ذلها"، لأنه عما قريب مرتحل، "ولا ينافس في عزها"، لأن عزها مهما ارتفع وعلا فهو إلى زوال، بخلاف عز الآخرة وذلها، فإنه عز لا ينقطع، وذل لا يرتفع، نسأل الله أن يعزنا وإياكم بطاعته.
    قال رحمه الله:"وفي الحقيقة فالمؤمن في الدنيا غريب لأن أباه لما كان في دار البقاء ثم خرج منها فهمُّه الرجوع إلى مسكنه الأول، فهو أبدًا يحن إلى وطنه الذي أُخرج منه، كما يقال: حب الوطن من الإيمان، وكما قيل:
    كم منزلٍ في الأرض يألفه الفـ   ***     ـتى وحنينه أبدًا لأوَّل مَنْزِلِ
     
    ولبعض شيوخنا في هذا المعنى:
    فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها     *** منازلُكَ الأُولى وفيها المخيَّمُ
     
    ولكنَّنا سَبْي العدوِّ فهل ترى  *** نعود إلى أوطاننا وَنسْلَمُ
     
    وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى *** وشطت به أوطانه فهو مغرم
     
    فأي اغتراب فوق غربتنا التي ***لها أضحت الأعداءُ فينا تَحْكُمُ انظر "طريق الهجرتين"لابن القيم ص(92).
     
    هذا المقطع بيَّن وجه أن الشعور بالغربة هو شعور فطري، وذلك أن الإنسان في هذه الأرض طارئ وليس أصلياً، فوجوده في هذه الأرض طارئ.
    فالله تعالى خلق آدم وأسكنه جنته، وعلى خلاف في أقوال العلماء في الجنة التي سكنها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى خلقها الله تعالى الله أعلم بها.
     على قولين، وغالب العلماء على أنها جنة الخلد، وأن دخوله كان دخول امتحان واختبار، إذ أن الله تعالى منعه من أكل الشجرة، فخرج منها لما خالف أمر الله تعالى وأطاع عدوه، فمجيئه إلى هذه الدنيا هو مجيء ابتلاء، ثم هو صائر إما إلى داره الأولى ، وإما إلى عذاب وجحيم، نسأل الله السلامة والعافية.
    وهذا في الآخرة فإن الناس ينقسمون إلى هذين القسمين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ سورة الشورى: 7..
    يقول المؤلف رحمه الله:"وفي الحقيقة فالمؤمن في الدنيا غريب"، هذا بيان تأصل الغربة في وصف الإنسان، أنه شيء متأصل في وصف الإنسان، وأنه يخرج عنه بأنواع من الانحرافات.
    قال:"لأن أباه لما كان في دار البقاء"، وهي الجنة التي أدخلها "ثم خرج منها فهمُّه الرجوع إلى مسكنه الأول، فهو أبدًا يحن إلى وطنه الذي أُخرج منه، كما يقال: حب الوطن من الإيمان"، وهذا ليس حديثاً ولا يثبت، وإنما حكاه على وجه الاشتهار في كلام الناس، "حب الوطن من الإيمان".
    " وكما قيل: كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى"، يألفه أي يعتاد عليه، ويتمرس في الإقامة فيه.
    "وحنينه أبدًا لأوَّل مَنْزِلِ"، أي يجد في قلبه اشتياقاً وميلاً إلى أن يعود إلى منزله الأول.
    "ولبعض شيوخنا في هذا المعنى"، هو ابن القيم رحمه الله، هذه الأبيات في "ميمية ابن القيم" وهي مشهورة.
    فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها *** منازلُكَ الأُولى وفيها المخيَّمُ
     
      أي الإقامة.
    " ولكنَّنا سَبْي العدوِّ"، وهو الشيطان نعوذ بالله منه.
    " فهل ترى *** نعود إلى أوطاننا وَنسْلَمُ"،
    الناس في هذه الدنيا سبي للعدو ، إما أن ينعتقوا منه وينفكوا من شره ويسلموا من ضرره فيعودون إلى أوطانهم، وإما أن يستحوذ عليهم فيكبهم على وجوههم في النار نسأل الله السلامة والعافية.
    ولكنَّنا سَبْي العدوِّ -وهو الشيطان- فهل ترى *** نعود إلى أوطاننا وَنسْلَمُ
     
    وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى *** وشطت به أوطانه فهو مغرم
     
    من الغرام، وهو الاشتياق ، وشدة الوجد.
    فأي اغتراب فوق غربتنا التي  *** لها أضحت الأعداءُ فينا تَحْكُمُ
     
    يقول رحمه الله بعد هذا :"والمؤمنون في هذا القسم أقسام: منهم من قلبه معلق بالجنة، ومنهم من قلبه معلق عند خالقه وهم العارفون. ولعل أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه إنما أشار إلى هذا القسم؛ فالعارفون أبدانهم في الدنيا وقلوبهم عند المولى.
    وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه: «علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي معلقًا، فإذا كان كذلك لم ينسني على كل حال، وإذا كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ينساني، فإذا لم ينسني حركت قلبه، فإذا تكلَّم تكلم بي، وإذا سكتَ سكت بي، فذلك الذي تأتيه المعونة من عندي»".
    يقول رحمه الله :" والمؤمنون في هذا القسم أقسام"، يعني المؤمنون ليسوا على حال واحدة في نظرهم وتعلق قلوبهم بالآخرة، وتعلق قلوبهم بالنظر الأعلى، والنظر الأعلى قلنا إما إلى الجنة وما أعده الله لأوليائه أو إلى الله جل في علاه.
    يقول :" والمؤمنون في هذا القسم أقسام: منهم من قلبه معلق بالجنة"، وهي ما أعده الله تعالى لأوليائه وحزبه.
    "ومنهم من قلبه معلق عند خالقه وهم العارفون"، فهذا قلبه معلق بالنظر إلى الله يرقب ذاك النعيم ويأمل ذاك اللقاء.
    قال:"ولعل أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه إنما أشار إلى هذا القسم"، يعني الذين تعلقت قلوبهم بالله تعالى.
    "فالعارفون أبدانهم في الدنيا وقلوبهم عند المولى"، قلوبهم عند المولى اهتماماً ونظراً وارتقاباً وفكراً وأملاً، وما إلى ذلك.
    يقول :"وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه"، وهذا من أضعف المراسيل، مراسيل الحسن من أوهى المراسيل مراسيل الحسن رحمه الله.
    "علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي معلقًا، فإذا كان كذلك لم ينسني على كل حال"، يعني لا ينسى ما أمره الله تعالى به، ولا ينسى ذكره على كل حال.
    "وإذا كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ينساني"، فيشغل بدنه بطاعة ربه .
    "فإذا لم ينسني حركت قلبه، فإذا تكلَّم تكلم بي، وإذا سكتَ سكت بي، فذلك الذي تأتيه المعونة من عندي".
    وهم الذين بلغو الغاية في الولاية، هذا وصف للذين بلغوا الغاية في الولاية، كما جاء في "صحيح البخاري" من حديث شريك بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:« إنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ -وهذه منزلة الواجبات-  وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ...» "صحيح البخاري"(6502). وهذا يدل على ولاية الله تعالى لأوليائه ، ومصداق ما ذكر هنا.
    "فذلك الذي تأتيه المعونة من عندي"، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل المعونة.
    التفاصيل
    0
    705
  • الدرس(5)فقسم أمير المؤمنين حملة العلم إلى ثلاثة أقسام"
  •    قال المؤلف رحمه الله:" فقسَّم أمير المؤمنين رضي الله عنه حملة العلم إلى ثلاثة أقسام:

    قسم هم أهل الشبهات: وهم من لا بصيرة له من حملة العلم، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة فتأخذه الشبهة فيقع في الحيرة والشكوك، ويخرج من ذلك إلى البدع والضلالات.
    وقسم هم أهل الشهوات، وحظهم نوعان:
    أحدهما: من يطلب الدنيا بنفس العلم فيجعل العلم آلة لكسب الدنيا.
    والثاني: من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها.. وكل هؤلاء ليسوا من رعاة الدين وإنما هم كالأنعام. ولهذا شبه الله تعالى من حُمِّل التوراة ثم لم يحملها بالحمار الذي يحمل أسفارًا، وشبه عالم السوء الذي انسلخ من آيات الله وأخلد إلى الأرض واتبع هواه بالكلب، والكلب والحمار أخس الأنعام وأضلُّ سبيلاً.
    والقسم الثالث من حملة العلم: هم أهله وحملته ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته. وذكر أنهم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا؛ إشارة إلى قلة هذا القسم وغربته من حملة العلم.
    وقد قسَّم الحسن البصري رضي الله عنه  حملة القرآن إلى قريب من هذا التقسيم الذي قسمه علي رضي الله عنه لحملة العلم..
    قال الحسن: قُرَّاء القرآن ثلاثة أصناف: «صنف اتخذوه بضاعة فيتأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستندوا به لطلب الولاية، أكثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثَّرهم الله، وضرب عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم، فركدوا به في محاريبهم وحنوا به في برانسهم واستشعروا الخوف، وارْتَدَوا الحزن، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء، والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن».
    فأخبر أن هذا القسم – وهم قراء القرآن – جعلوه دواء لقلوبهم فأثار لهم الخوف والحزن أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن.
    ووصف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هذا القسم من حملة العلم بصفات، منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة".
    هذا البيان من الإمام ابن رجب رحمه الله في تعليقه على كلام الإمام علي رضي الله عنه مما ينبغي الوقوف عنده والتأمل له.
     وكذلك ينبغي أن يعرض الإنسان نفسه على هذه الأقسام لينظر من أيها هو، فإن هذا هو فائدة مثل هذه القراءات ومثل هذه المطالعات حتى ينظر الإنسان إلى ما معه من نقص فيكمله، وما معه من خير فيزيده.
    يقول رحمه الله :"فقسَّم أمير المؤمنين رضي الله عنه حملة العلم إلى ثلاثة أقسام"، هذا تعليق على الكلام الذي قرأناه قبل ذلك.
    " قسم هم أهل الشبهات"، " وقسم هم أهل الشهوات"، وقسم هم أهل العلم والعمل.
    سلموا من الشبهات والشهوات.
    هذه أقسام ثلاثة، قوم طغت عليهم الشبهات فصرفتهم عن الحق، وقوم انقادوا للشهوات فأعاقتهم عن الهدى.
    وقوم سُلِّمُوا من سطوة الشبهة وشؤم الشهوة ، فنقى باطنهم وسلمت ظواهرهم.
    يقول رحمه الله:"قسم هم أهل الشبهات: وهم من لا بصيرة له من حملة العلم"، البصيرة "هي النور الذي يقذفه الله تعالى في قلب العبد يميز به بين الحق والباطل"، هذا معنى البصيرة.
    هؤلاء ليس لهم بصيرة، يقول:"لا بصيرة له من حملة العلم، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة فتأخذه الشبهة فيقع في الحيرة والشكوك، ويخرج من ذلك إلى البدع والضلالات".
    ما زالت الشبهات تغزو قلبه *** حتى تشحط بينهن قتيلا انظر "الصواعق المرسلة" لابن القيم (3/980).
     
    0
    هذا حال من استسلم للشبهة ولم يكن عنده من نور البصيرة ما يميز به الحق من الباطل، ويدفع به عن نفسه الشر.
    هذا القسم الأول.
    علاج الشبهة ما هو؟ العلم، ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل:43..
    علاج الشبهة العلم، فإن الشبهة تضمحل وتزول بالعلم سؤالاً وطلبا.ً
    الثاني "وقسم هم أهل الشهوات"، وصنفهم صنفين، فقال:"وحظهم نوعان:أحدهما: من يطلب الدنيا بنفس العلم فيجعل العلم آلة لكسب الدنيا"، هذا الذي يتكسب بعلمه، ويريد بالعلم المال.
    لا يعني أن كل من أخذ على علمه شيئاً أنه من هذا الصنف، لكن فرق بين من يتعلم ويشتغل بالعلم ثم يأخذ عليه شيء يستعين به على الحق والهدى، فهذا داخل في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه في "الصحيح" من حديث ابن عباس، «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»"صحيح البخاري"(5737)..
    هذا فرق بينه وبين ذاك الذي جعل الهم للدنيا والدين وسيلة لكسبها.
    ولذلك هؤلاء همهم الدنيا ليس همهم العلم، إنما همهم الدنيا يتكسبون بالدين منها ويأخذونها بالدين، هذا هو موطن الذم.
    "والثاني: من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها، وكل هؤلاء ليسوا من رعاة الدين وإنما هم كالأنعام"، من يطلب الدنيا بنص العلم ، يعني يجعل الدنيا محلاً وغرضاً وغاية يتكسبها بالعلم " من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها".
    يعني هو لم يجعل الدين وسيلة لكسب الدنيا لكن أخذت الدنيا قلبه، حتى أصبح همه الاستكثار من المتع والأنوار وسائر ما في الدنيا من زخارف وملذات.
    فأعمى حب الدنيا قلبه ، لكن لم يجعل الدين وسيلة لكسب الدنيا.
    فرق بين الصنفين، لكن كلاهما من أهل الشهوات.
    "والقسم الثالث من حملة العلم: هم أهله وحملته ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته. وذكر أنهم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا؛ إشارة إلى قلة هذا القسم وغربته من حملة العلم".
    ثم ذكر قريباً من هذا التقسيم ما ذكره الحسن البصري رحمه الله وهو صاحب بيان وعلم ونسك، ولكلماته رحمه الله نور يشبه كلام الصحابة والأنبياء.
    " قال الحسن: قُرَّاء القرآن ثلاثة أصناف:«صنف اتخذوه بضاعة فيتأكلون به"، أي يتكسبون به، ووسيلة إلى التزيد من الدنيا.
    " وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستندوا به لطلب الولاية"، يعني هؤلاء فتنتهم ليس في المال، إنما في الجاه.
    الصنف الأول فتنته في المال، جعل القرآن موطن للتكسب.
    والثاني جعل القرآن وسيلة لطب العلو والارتفاع والولاية على الخلق.
    يقول :" أكثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثَّرهم الله".
    والقسم الثالث وهو أشرفها قال:"وضرب عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم"، الله تعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ سورة يونس:57..
    ولذلك كان القرآن دواء للقلوب إذ أنه يشفيها من أمراضها وآفاتها، وهمومها، وأحزانها، وأقذارها، فمن أراد طب قلبه فعليه بالقرآن العظيم.
    وَوَاظِب عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنهُ   *** يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِيًا مِثْلَ جَلْمَدِ
    فإن المحافظة على تلاوة القرآن وتدبره من أعظم ما تداوى به القلوب، نسأل الله ان يطب قلوبنا بذكره.
    يقول:" فركدوا به في محاريبهم"، أي سكنوا، الركود هنا معناه السكون وهو ما يكتسبه صاحب القرآن من سكينة تحمله على الطاعة والعبادة.
    "فركدوا به في محاريبهم وحنوا به في برانسهم واستشعروا الخوف، وارْتَدَوا الحزن"، أي ظهر عليهم أثر خوف الآخرة، خوف الله جل وعلا، فالحزن هنا ليس المقصود به ما يقذفه الشيطان في قلوب المؤمنين من الضيق، إنما الحزن الذي يراد به الخوف والوجل والاستعداد للآخرة.
    "فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء، والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر"، يعني أندر من النادر، والكبريت الأحمر مثل يضرب للشيء الذي يقل ويعز وجوده.
    يقول:"فأخبر أن هذا القسم – وهم قراء القرآن – جعلوه دواء لقلوبهم فأثار لهم الخوف والحزن"، وأنهم قلة.
    ثم بدأ يعلق على ما ذكره علي رضي الله عنه في وصف حملة الكتاب الذين هم أهله القائمون به.
    يقول رحمه الله:" ووصف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه  هذا القسم من حملة العلم بصفات، منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة.
    ومعنى ذلك أن العلم دلَّهم على المقصود الأعظم وهو معرفة الله فخافوه وأحبوه حتى سَهَّل ذلك عليهم كل ما تعسر على غيرهم.
     فلم يصل إلى ما وصلوا إليه ممن وقف مع الدنيا وزهرتها واغتر بها ولم يباشر قلبه معرفة الله وعظمته وإجلاله، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون؛ فإن المترف الواقع مع شهوات الدنيا وزينتها ولذاتها يصعب عليها ترك لذاتها وشهواتها؛ لأنه لا عوض عنده من لذات الدنيا إذا تركها فهو لا يصبر على تركها.
     فهؤلاء في قلوبهم العوض الأكبر بما وصلوا إليه من لذة معرفة الله ومحبته وإجلاله، كما كان الحسن يقول: «إنَّ أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم...» من كلام يطول ذكره هنا في هذا المعنى.
    وإنما أَنِسَ هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون؛ لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها؛ لأنهم لا يعرفون سواها فهي أُنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك ويستأنسون بالله وبذكره، ومعرفته، ومحبته، وتلاوة كتابه، والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس به".
    هذا التعليق في غاية الأهمية لبيان ثمرة العلم.
    ثمرة العلم هي معرفة الله تعالى، ثمرة العلم هي كمال العلم بالله جل في علاه، ولذلك يقول رحمه الله في تفسير كلام الإمام علي رضي الله عنه:"منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة"، على غايتها، ولبها وجوهرها.
    يقول:"ومعنى ذلك أن العلم دلَّهم على المقصود الأعظم"، الذي ينبغي لكل من طلب العلم واشتغل به أن يكون حاضراً في ذهنه هو معرفة الله تعالى، معرفة الله تعالى هي أصل العلوم، معرفة الله تعالى هي منبع الخيرات، معرفة الله تعالى هي سعادة الدنيا ونجاة الآخرة.
    ولذلك كان أول ما أمر الله تعالى به رسوله من العلوم قوله جل وعلا:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ سورة محمد:19.، فأعلى ما يجب على المؤمن أن يجتهد به وأن يصرف جهده وطاقته في تحصيله هو العلم بالله تعالى، لأن العلم بالله تعالى يحصل للعبد به كل سعادة.
    ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أسعد الناس وأعبد الناس لأنه كان أعلم الخلق بربه  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
    وقد أخبر بذلك فقال:«إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا» أخرجه البخاري(20)..
    ثم ذكر الثمرة فقال:«أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ» أخرجه مسلم (1108)..
    فالعلم بالله تعالى هو أصل المعارف، أصل الخيرات، عنه يصدر كل بر وخير، ولذلك هؤلاء الذين وصفهم الإمام علي رضي الله عنه "هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة"، فعلموا ما للرب من الكمالات، تعرفوا على الرب الذي يعبدون، الذي له يصلون، وله يزكون، وله يصومون، ومن أجله يحجون، عرفوا ذلك فكان هذا غاية العلم الذي مكنهم من تحقيق غاية العبودية الظاهرة والباطنة.
    بخلاف الذي يتعبد وهو جاهل بقدر ربه جل وعلا، فإنه مهما اجتهد في العمل الظاهر يبقى القلب فارغاً من لذة العبودية، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في "الصحيحين" من حديث أنس « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ» أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43).، لذته التي تغني عن كل لذة.
    ولهذا لذة الطاعة لا يوازيها أبداً لذة من لذات الدنيا.
    ولهذا الذين تم علمهم بالله والتذوا بمعرفته، تكون كل الملذات بالنسبة لهم لا شيء.
    هذا ما أشار إليه الإمام الحسن البصري رحمه الله حيث قال:"لَوْ يَعْلَمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ لَجَالَدُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ" انظر " الجواب الكافي" ص(77).، يعني لحاربونا عليها ولقاتلون عليها بالسيوف.
    هذه السعادة ما مصدرها ؟ ما سببها؟ العلم بالله تعالى، فبقدر ما مع الإنسان من العلم بالله، والعلم بما له من الكمالات بقدر ما يكون معه من السعادات، وبقدر ما يكون معه من تحقيق العبودية، فأنت تجتهد في التعرف على الله تعالى .
    سافرت في طلب الإله فدلني *** الهادي عليه ومحكم القرآن
    مع فطرة الرحمن جل جلاله *** وصريح عقلي فاعقلي ببيان" متن القصيدة النونية" ص(35). 
    الذي يريد أن يتعرف على الله تعالى هذا هو طريقه، عليه أن يقبل على القرآن، عليه أن يقبل على ما جاء عن خير الأنام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبه يَعلم ما لله جل وعلا من الكمالات، ثم تأتي الخيرات.
    يقول ابن رجب رحمه الله في تفسير:"هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، ومعنى ذلك أن العلم دلَّهم على المقصود الأعظم وهو معرفة الله فخافوه وأحبوه"، والخوف لا يكون إلا عن تعظيم وإجلال.
    قال :" فخافوه وأحبوه حتى"، لما خافوه وأحبوه هان عليهم كل شيء حتى أنفسهم تهون عليهم .
    ولذلك يقدمونها في سبيل مرضاته، وإذا كان رضاه لا يكون إلا ببذل أنفسهم بذلوا أنفسهم لله جل في علاه.
    ولذلك يقول:"حتى سَهَّل ذلك عليهم كل ما تعسر على غيرهم"، ولهذا تجد الشخص الصلاة أثقل عليه من الجبل، وآخر تراه ما ينام الليل ينتظر الصلاة، وقلبه يفر ويطير إلى وقت الصلاة، فقلبه معلق بالصلاة ينتظر الصلاة بعد الصلاة.
    ما الذي جعل هذا على هذه الحال، وذاك على تلك الحال.
    يعني هذا الذي قلبه معلق بالصلاة وينتظر الصلاة بعد الصلاة، هذا ما عنده من شهوة، وما عنده محبة للتلذذ، بلى هو كذاك، كلاهما مركب تركيباً واحداً في المحاب والملذات وفي المخاوف وفي ما تنفر منه الطباع وما تنجذب إليه.
    لكن هذا علم شيئاً ورأى شيئاً فجعل الصعب عليه سهلاً، والعسير عليه يسيراً ، لأنه علم ما يسعى إليه.
    لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله في التعليق على قوله تعالى في وصف عباد الرحمن قال:﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ سورة السجدة :16..
    تتجافى أي تتباعد، الجنوب تتباعد عن الفرش، تتباعد لماذا؟ طلباً للخلو بالله تعالى ومناجاته، فهؤلاء ما تقر جنوبهم إذا ناموا تجد أن نومهم نوم القلق، الذي يخشى أن يفوته شيء.
    مثل تماماً إذا كان عندك موعد مهم وضروري ومستقبلي ، يعني عليه أهمية كبرى، تجد الإنسان ما يقر في نومه لأن نفسه تعلقت .
    هؤلاء هذه حالهم لكن ليس في مقابلة الخلق، ولا في تحصيل أمر دنيوي.
    إنما في مناجاتهم لله تعالى، لهذا يقول الحسن:" لأمر ما" يعني هناك شيء معين، " أسهر القوم ليلهم" ذكر هذا الأثر ابن أبي الدنيا في "التهجد" من طريق حجاج بن يوسف، حدثنا أبو أحمد عن سفيان عن رجل عن الحسن، قلت: وإسناده ضعيف لجهالة الراوي عن الحسن.، أسهروه لأنهم ذاقوا لذة لا يجدها غيرهم.
    وهذه اللذة يا إخواني هي السر في إقبال أهل الطاعة على طاعتهم.
    وهي السر في صبرهم ومكابدتهم، في تحمل المتاعب لتحصيل طاعة الله تعالى، وهذا من نعمة الله تعالى على العبد أن يريه نتيجة عمله في الدنيا قبل الآخرة.
    «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً» أخرجه مسلم(34)..
    إذاً: هؤلاء الذي سهل عليم كل ما تعسر على غيرهم هو علمهم بالله، فلما علموا ما له من الكمالات، وعلموا أن بيده الدنيا والآخرة، وأنه يعطي ويمنع كانت قلوبهم في غاية التعلق به، ترقبه وتبحث عن رضاه لأنه إذا رضي فإنه تيسر كل شيء.
    وإذا غضب على العبد فإنه لا فلاح له لا في دنياه ولا في أخراه.
    اللهم ألهمنا رشدنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    التفاصيل
    0
    657
  • الدرس(4)"وروى ابن المبارك عن الفضيل عن الحسن أنه ذكر الغني المترف"
  •    قال المؤلف رحمه الله :" وروى ابن المبارك عن الفضيل عن الحسن أنه ذَكَر الغني المترَف الذي له سلطانٌ يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين.

    ثم قال: «سنتكم – والذي لا إله إلا هو – بينهما: بين الغالي، والجافي، والمترف، والجاهل، فاصبروا عليها؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس الذين لم يأخذوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في أهوائهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا».
    ثم قال: «والله لو أن رجلاً أدرك هذه المنكرات يقول هذا: هلم إليَّ، فيقول: لا أريد إلا سُنَّة محمد صلى الله عليه وسلم  يطلبها ويسأل عنها، إن هذا ليعرض له أجر عظيم، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى»".
    ووعده بالأجر هنا وجهها هو شدة الداعي إلى الخروج على الصراط المستقيم، ولهذا من يعرض له فتنة ويصبر عليها له من الأجر والثواب ما ليس لذاك الذي لم تعرض عليه الفتنة، ويعاني ويكابد أضرارها وأثرها.
    فلذلك الامتناع مثلاً عن الزنا هذا مما يؤجر عليه الإنسان، يقول الله تعالى:﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سورة الإسراء:32..
    لكن أيهما أعظم أجراً، الذي عرض له الزنا وتيسر له وقال له هذا الفعل القبيح "هيت لك"، أو ذاك الذي لم يتعرض لهذه الفتنة؟.
    لا شك أن كلاهما مأجور، ذاك مأجور على التزام النهي والعزم عليه، وهذا مأجور على الالتزام والعزم وعلى الصبر على الداعي الذي دعاه.
    ولهذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: "إني أخاف الله " الحديث أخرجه البخاري (660)، ومسلم(1031)، من حديث أبي هريرة.، وامتنع، هذا بيان لكون الإنسان عندما تحيط به دواعي السقوط، دواعي الفتنة ويصبر عليها هو أعظم أجراً من الذي سلم منها.
    وهذا وجه مضاعفة أجور المتأخرين على المتقدمين من الأمة.
    ومضاعفة أجور المتأخرين من الأمة وكونها تصل كما في بعض الأحاديث " كأجر خمسين من الصحابة " أخرجه أبو داود(4341)، والترمذي(3058)، وقال :" حسن غريب"، وقال الألباني :" ضعيف لكن فقرة أيام الصبر ثابتة" رضي الله عنهم إنما هو لعظم ما يكابده هؤلاء من الصوارخ والدواعي التي تدعو إلى الخروج عن الحق والمواقعة للشر والفساد سواء كان ذلك في العقائد والأعمال والآراء.
     أو كان ذلك في المسالك والأعمال، لا فرق بين هذا وذاك في كون كل فتنة تدعو الإنسان لخروج عن الصراط المستقيم أعظم من أجر من لم تعرض له فتنة ويكابد ردها.
    قال رحمه الله :" ومن هذا المعنى ما رواه أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه  أنه قال: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق».
    ثم ذكر كلامًا في فضل العلم إلى أن قال: «إن ها هنا لعلمًا جمًا – وأشار بيده إلى صدره – لو أصبت له حَمَلَة، بل أصيب لَقِنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهرًا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه".
    قال :" أصيب لَقِنا"، أي يأخذ العلم ويتلقاه، " غير مأمون عليه"، يعني هذا الذي أجده ممن يحمل عني العلم.
    " بل أصيب لَقِنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا"، هذا كلام مَنْ؟ علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف مَنْ لقيهم ممن يأخذون عنه، الله المستعان.
    قال رحمه الله :"بل أصيب لَقِنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهرًا بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه، أو منقادًا لحملة الحق لا بصيرة في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذلك، أو منهومًا باللذة سلس القياد للشهوة، أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليس من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته. وكم ذا وأين أولئك؟ والله الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه... آه شوقًا إلى رؤيتهم، انصرف إذا شئت!» الحلية 1/79-80.".
    الله أكبر.. كلمات من نور ، وهي توصيف دقيق لحال الناس في حمل العلم وأثر العلم عليهم.
    سيعلق ابن رجب رحمه الله تعليقاً ماتعاً على كلام الإمام علي رضي الله عنه الخليفة الراشد، يقول :" ومن هذا المعنى ما رواه أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد"، وهو من أصحاب الإمام علي رضي الله عنه.
    " عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه  أنه قال: «الناس ثلاثة"، وهذا التقسيم إجمالي لأحوال الناس ، وقد يكون هذا ليس في كل الأحوال، وقد يكون في حال دون حال.
    " عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق". إذاً هم ثلاثة.
    إما " عالم رباني"، وهذا في أعلى المنازل والمراتب.
    " ومتعلم على سبيل نجاة"، يرجى له النجاة والسلامة ما دام مشتغلاً بالتعلم.
    " وهمج رعاع أتباع كل ناعق"، يقول :"يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق".
    ثم يقول بعد ذلك في وصف المتلقين الآخذين للعلوم في زمانه رضي الله عنه، يقول :" إن ها هنا لعلمًا جمًا"، يشير إلى ما حواه صدره من العلم الذي تلقاه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو من أعلم الناس بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع.
    فهو من علماء الصحابة الأبرار، ومن أصحاب النظر والبصر منذ نعومة أظفاره نشأ بين يدي رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا عجب أن يقول ما قاله، وهذا ليس من تزكية النفس، فلا يدخل في قول الله تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ سورة النجم:32.، بل هذا من بيان ما يحمله الإنسان حثاً للناس على أخذه ، كما قال يوسف عليه السلام للملك ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ سورة يوسف:55..
    هذا ليس من التزكية المنهي عنها.
    التزكية المنهي عنها هي التي يطلب بها العلو والشرف والارتفاع ، وأما التزكية التي تبين الحق وتوضحه ، وتدل عليه فهذه مما يطلب وقد يكون واجباً في بعض الأحيان إذا كان الحق لا يقوم إلا بالبيان.
    يقول رضي الله عنه:"بل أصيب لَقِنا غير مأمون"، يعني ما يوجد حملة اقتنع بهم رضي الله عنه.
    " بل أصيب لَقِنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا"،أنا ما أقول يا - أخي - طبق هذا على الناس ، ترى نحن دائماً نهتم بالآخرين قبل أن نهتم بأنفسنا، أقول ينبغي لكل واحد منا أن يطبق هذا الكلام على نفسه ، هل هذه الخصال موجوده فيه، هل هو لقن غير مأمون، هل هو يستعمل آلة الدين للدنيا يتكسب به ويدرك بها شرفاً في الدنيا.
    " ومستظهرًا بنعم الله على عباده"، مستظهراً أي يطلب الظهور، بنعم الله من العلم والمعرفة والدراية والفهم على عباده.
    يقول:"وبحججه على أوليائه، أو منقادًا لحملة الحق"، هذا القسم الثاني الذي لا اشتغال له بالعلم عنده، فهو منقاد يتبع أهل العلم، وهذا معنى قوله "منقادًا لحملة الحق"، لكن على غير بصيرة ، ليس له بصيرة، بمعنى أنه منقاد دون نظر وفكر وتأمل وبصيرة فيما يأتي ويذر.
    يقول :" لا بصيرة في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة"، فليس هناك رسوخ إنما هو تقليد لا معنى له.
    يقول :" ألا لا ذا ولا ذلك"، يعني لا هذا ممدوح، ولا ذاك ممدوح.
    " أو منهومًا باللذة سلس القياد للشهوة"، يعني هناك من سلم مما تقدم، لكنه مشتغل بشهوات نفسه.
    "سلس القياد للشهوة"، كلما عرض له بارق من بوارق الشهوة انقاد إليه.
    " أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليس من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى"، وهذه "بلى" للإضراب عما تقدم من كلام، "لا تخلو الأرض من قائم بحجة"، يعني هذا الكلام الذي ذكره متقدماً في وصف حال نقلة العلم رضي الله عنه لا يعني أنه ما هناك من هم أهل بصيرة يدخلون في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله » تقدم تخريجه..
    القائم بحجة نوعان: " إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته"، يعني هؤلاء محفوظون باقون؛ " لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته"، كيف تبطل "حجج الله وبيِّناته "؟، لأنه لو مات حملة الشريعة الثقات، ما الذي يبقى؟ يبقى النص، والنص إنما يحفظ بحملته الذي حوته صدورهم وعقلته قلوبهم.
    فقول الله تعالى ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر:9..
    هذا فيه بشارة لهذه الأمة بأن الله سيحفظ من أهل العلم من يحفظ بهم العلم، لأن حفظ القرآن حفظ أمرين:
    حفظ ألفاظه: وهذا ما زال، ولذلك ما تزال ألفاظ القرآن وحروفه لا يختلف فيها المسلمون منذ أن جمعه عثمان رضي الله عنه وأجمع على ذلك الصحابة إلى يومنا هذا القرآن متفق لفظه بين المسلمين، لا ينقصون منه حرف، لو رحت إلى أقاصي الدنيا شرقاً أو أقاصيها غرباً وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة الفاتحة.، وأسقطت ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لرد عليك الصغير قبل الكبير، أليس كذلك؟ هذا من حفظ ألفاظه.
    لكن أيضاً هناك حفظ آخر لا يتم حفظ الكتاب إلا به، وهو حفظ معانيه.
     وحفظ معانيه إنما يكون بحفظ حملته الذين يفقهون ويعرفون ما فيه من الأسرار والحكم، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام الخليفة علي رضي الله عنه حيث قال:"اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته. وكم ذا وأين أولئك؟ والله الأقلون عددًا، والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم"، «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ - أي من كل طبقة من طبقات الأمة - «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه » أخرجه البيهقي (10/209 )ح( 20700) ، وابن عساكر (7/38) والعقيلي (4/256 ، ترجمة 1854 معان ابن رفاعة السلامي) ،وقال الهيثمي (1/168):"رواه البزار وفيه عمرو بن خالد القرشي كذبه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع".، يعني أمثل من في هذا العصر.
    لذلك العلماء هم أمثل أهل العصر في كل طبقة من طبقات الزمان.
    مرة من المرات شيخنا عبد الله البسام، يقول :" صليت عند إمام يخطب ، ضعيف في اللغة، يقول :" يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له"، هذا قلب المعنى.
    هنا جعل الذين يحملون العلم هم أعداؤه.
    والصحيح في الحديث « يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»، يعني أمثل من فيه ، وأطيب أهله.
    وهذا ما أشار إليه علي رضي الله عنه حيث قال:" والله الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة".
    " هجم"، يعني أوقعهم ، وأدخلهم على "حقيقة البصيرة"، والبصيرة هي إدراك حقائق ما أخبر الله تعالى به ورسوله.
    " البصيرة"، نور يقذفه الله في القلب يبصر به الإنسان الطريق الموصل إلى الله دون غبش ولا إلتواء.
    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم على بصيرة.
    قال :" وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون"، المترفون هم أهل الدنيا الذين أسرفوا في الأخذ منها، ويقابلهم "وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون"، وهم أهل الشبهات، " وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى"، يعني بالآخرة، فهم في الدنيا لكن قلوبهم نافذة إلى ما عند الله "أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه"، نسأل الله أن يجعلنا منهم ، وأن يمن علينا بسلوك طريقهم.
    يقول :" آه. آه شوقًا إلى رؤيتهم، انصرف إذا شئت"، هذا كلامه لمن؟ لزياد بن كميل.
    بارك الله فيكم نقف على هذا، ونكمل غداً إن شاء الله تعالى.
    التفاصيل
    0
    689
  • الدرس(3)"وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث".
  •    قال المؤلف رحمه الله :" وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذي يصلُحون إذا فسد الناس، وهم الذين يُصلِحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النُزَّاع من القبائل، لأنهم قلوا، فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحدٌ كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر كذلك، وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث.

    قال الأوزاعي في قوله :«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ».
     أَمَا إنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلة". 
    الآن المؤلف رحمه الله بعد أن فرغ من ذكر حال الأمة، ووجه كون الإسلام يبدأ غريباً وينتهي غريباً «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»، بيَّن بأنه كان في الأول العدد قليل، والناصر قليل، وبعد ذلك حصل ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك ظهرت الفتن، فتن الشبهات والشهوات، فعاد الحال كما كان.
    لكن هذه الغربة التي ذكرها المؤلف غربة نسبية، بمعنى أنها ليست في كل مكان وفي كل زمان.
    فلا تطلق الغربة على الدنيا كلها، بمعنى أنه لا يزول الحق، بل يبقى طائفة وفرقة متميزين بالحق وعاملين به ، يظهرون في زمان وتقوى شوكتهم ويقلون في زمان، ويضعف سلطانهم، لكن لا يزال هذا الدين ظاهراً كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» تقدم تخريجه..
    ثم بعد هذا البيان لكون الإسلام بدأ غريباً، وكشف كيف عاد غريباً كما كان في حاله أول الأمر .
    قال :"وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث"، ذكر صفاتهم، وهي ما علمناه قبل:
    1- الذين يُصلحون إذا فسد الناس.
    2- وهم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من السنة.
    3- وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن.
    4- وهم النزاع من القبائل، وبيَّن ذلك بقوله " فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحدٌ كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر كذلك".
    إذاً: ذكر المؤلف أربع صفات للغرباء في آخر الزمان.
    وهذه الصفات مستفادة من مجموع الروايات التي قدَّم بها في رسالته رحمه الله.
    ثم بعد ذلك يقول:"وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث"، أي بهذه المعاني فسَّر الأئمة هذا الحديث.
    الآن ينقل ما يعزز ما ذهب إليه من الرأي، والآن قال: إن غربة الإسلام في آخره هي بكثرة الفتن، فتن الشبهات والشهوات، ينقل عن العلماء شيئاً يؤكد هذا المعنى فيقول:"قال الأوزاعي"، وهذا تعزيز لقوله :"وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث".
    من الأئمة ذكر في تفسير الحديث على نحو ما ذكر من أن غربة الإسلام في آخره هو تأثر أكثر الناس بفتن الشبهات والشهوات، قال:"قال الأوزاعي في قوله :«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ»، أَمَا إنه ما يذهب الإسلام"،  يعني لا يرتفع الإسلام بالكلية، ولا يغيب اسمه، الآن المسلمون ربع العالم تقريباً أو ثلث العالم على اختلاف الإحصاءات.
    هذا عدد قليل أو كثير؟ هل هذا غربة بالنظر إلى هذه الكثرة ؟ لا , ليس غربة فالإسلام لم يذهب، اسمه باقٍ، وهو ظاهر من حيث أتباعه كثرة ووفرة.
    "ولكن يذهب أهل السنة"، وهم الذين يلتزمون ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما كان عليه أصحابه عقداً وعملاً، وهذا أمر مهم يغفل عنه كثير من الناس.
    العمل يلزمون ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقداً وعملاً في العقيدة وفي العمل، وهؤلاء لا شك أنهم قلة، أندر من النادر.
    يقول رحمه الله:"ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلّة"، يذكر مثالاً لذلك فيقول :"فكان الحسن رحمه الله تعالى يقول لأصحابه"، من هو الحسن؟ الحسن البصري.
    في أي زمان عاش؟ في زمن التابعين، وهو ممن أدرك الصحابة رضي الله عنهم.
    " يا أهل السنة ترَّفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس"، وهذا في خير القرون، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ » أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533)..
    فإذا كان في القرون المفضلة بهذا الحجم، وهذه القلة، فلا شك أنهم قليلون في كل زمان ومكان .
    ثم قال رحمه الله :"وقال يونس بن عبيد: «ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها». وروي عنه أنه قال: «أصبح من إذا عرف بالسنة فعرفها غريبًا، وأغرب منه من يعرفها!».
    وعن سفيان الثوري قال: «استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء».
    ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي صلى الله عليه وسلم  التي كان عليها هو وأصحابه؛ السالمة من الشبهات والشهوات".
    وهذا مهم "السالمة من الشبهات والشهوات"، كثير من الناس في عصرنا يتصور أن السُّنة تقتصر فقط على جانب الاعتقاد دون جانب العمل، وهذا غلط، فهناك غربة في الاعتقاد وهناك غربة في العمل.
    فإذا قلَّ عمل الناس عما كان عليه عمل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما كان عليه عمل أصحابه فهذا نوع من الغربة العملية.
    وإذا اختلط على الناس عقدهم وخرجوا عما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه من صفاء الاعتقاد وسلامة الإيمان فإنه نوع آخر من الغربة.
    فالغربة تكون في الاعتقاد وتكون في العمل، وسيعزز هذا بشيء من النقل بعد قليل.
    يقول رحمه الله:"ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول:«أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال»"، وهذه كلمة تتعلق بالاعتقاد أو العمل؟ تتعلق بالعمل، يعني الذي يتوقى أكل الحرام هو من أهل السنة، ومن يأتي في باله مثل هذا المعنى؟
    أكثر الناس يغيب عن بالها هذا المعنى، لا ينظر إلى مسألة المسلك والعمل وأنها مما يحكم به على الإنسان هل هو من أهل السنة أو لا.
    لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:«من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» تقدم تخريجه.، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على عقيدة وعمل، أو على عقيدة فقط؟ على عقيدة وعمل.
    ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا عقيدة ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ سورة البقرة:25..
    فلابد من الجمع بين الأمرين، وبه يتحقق للإنسان النجاة والسلامة ، ولهذا انظر لهذه الكلمة من عياض رحمه الله فإنها تبين أن أهل السُّنة ليسوا هم أولئك الذين يبينون العقائد الصحيحة، بل لابد أن ينضاف إلى هذا أن يكون العمل أيضاً على منهاج النبوة، على طريق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
    "أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال"، وعلى هذا الذين يسرفون على أنفسهم بالمشتبهات وأكل المحرمات، هؤلاء ينقص من وصف السُّنة في مسلكهم بقدر خروجهم عما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النقاء في مكسبه وماله.
    قال رحمه الله :"وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي  صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
    ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم السنة عبارة عما سَلِمَ من الشبهات في الاعتقادات خاصةً في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة.
    وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السُّنة".
    هذا بيان مصدر الإشكال في فهم بعض الناس أن السنة تختص بالاعتقاد، هو أن العلماء اصطلحوا على إطلاق السنة على العقائد، فأورث هذا نوعاً من الاشتباه حتى ظن بعض الناس أن السنة لا صلة لها بالعمل.
    يقول رحمه الله :"وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة؛ لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة!
    وأما السنة الكاملة فهي الطريق السالمة من الشبهات والشهوات كما قال الحسن، ويونس بن عبيد، وسفيان والفضيل، وغيرهم.
    ولهذا وُصف أهلها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه؛ ولهذا ورد في بعض الروايات كما سبق في تفسير الغرباء:«قومٌ صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».
    وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم؛ ولهذا جاء في أحاديث متعددة مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، وأن للعامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم، لأنهم لا يجدون أعوانًا في الخير أخرج أبو داود (4341)، والترمذي (3060)، وابن ماجه (4014).".
    هذه الأوصاف التي ذكرها المؤلف رحمه الله للغربة، هي أوصاف حالية لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الحال قد يحصل للإنسان ولا يكون من أهل الغربة التي جاء الثناء على أهلها في قوله «فطوبى للغرباء» .
    يقول :" ولهذا وُصف أهلها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم"، وهذه من أوصافهم الحقيقية "وغربتهم فيه؛ ولهذا ورد في بعض الروايات كما سبق في تفسير الغرباء:«قومٌ صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم"، هذه الصفات يا إخواني ليست هي سبب وصفهم بالغربة فقط، يعني قد توجد هذه الصفات، يكون الإنسان في مكان لا يطيعه الكثير، وفي مكان يقل المستجيب له، وفي مكان يكثر المخالف له، وذكر مثل هذه الصفات، لكن هذا لا يكون غربة صحيحة.
    لأن ذاك الرجل الذي جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود، يقول : يا محمد اتق الله واعدل أخرجه البخاري (3344)، ومسلم( 1064)..
    هذا غريب، ولا ما هو غريب؟ هذا غريب في زمن الصحابة، ولذلك جاء بشيء لم يأبه به أحد، يأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بالعدل .
    وأنا أشير إلى ملحظ وأنه ينبغي أن لا نأخذ هذه الصفات ونطبقها على أنفسنا دون النظر إلى صحة ما ندعو إليه.
    الإشكالية في بعض الأحيان ليست فر رفض الناس لما تدعو، الإشكالية بعض الأحيان أن ما تدعو إليه غير صحيح.واحد.
    أو أن ما تدعو إليه لا يقدم بأسلوب مناسب وصحيح.
    وبالتالي لا يسوغ لك الاستمرار على الخطأ بحجة أنك غريب ، والله  هذه طوبى للغرباء"، هؤلاء الذين يفجرون في بلاد المسلمين هؤلاء يرون أنهم غرباء، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وأنهم قوم يُصلحون، يعني يطبقون هذه الأوصاف على حالهم، لكن الكلام ليس في انطباق الأوصاف على حال الشخص، إنما الكلام هل ما عندك صحيح أو لا، هل ما تدعو إليه موافق لما عليه النبي أو لا.
    فقد يأتي إنسان يدعو إلى ضلالة ويكون على هذه الأوصاف التي ذكرها النبي  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذه لا تدخله في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فطوبى للغرباء».
    وهذه إشكالية إنما نبهت إليها لأن بعض الناس يلتبس عنده الأمر ويظن أن رد الناس لما يدعو إليه أن هذا تزكية له، " طوبى للغرباء"، والله ما سمعوا.
    طيب . يا أخي أنت هل راجعت ما تدعو إليه هل هو صحيح أو لا، هل راجعت طريق عرضك للحق صحيح أو لا.
    هذه المسائل لابد من البحث فيها، ثم إذا كان ما عندك حق مثل الشمس واضح وصريح ولا التباس فيه ولا اشتباه، وطرقت كل سبيل مناسب لتبليغ الحق ورفض عند ذلك أبشر "فطوبى للغرباء" لا يضرك أن لا يطيعك الناس.
    ولهذا لابد من النظر في المضمون الذي يدعو إليه الإنسان، النظر إلى المسلك والمنهج الذي يحمله الإنسان حتى يكون حقيقاً بهذه الصفات التي ذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله:«فطوبى للغرباء».
    المؤلف الآن يبين لنا أقسام أهل الغربة، يقول رحمه الله :"وهؤلاء الغرباء قسمان:
    أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يصلح ما أفسد الناس من السنة وهو الأعلى القسمين، وهو أفضلهما.
    وقد خرَّج الطبراني وغيره بإسناد فيه نظرٌ من حديث أبي أمامة عن النبي : «إن لكل شيء إقبالاً وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قُمعا وقهرا واضطهدا.
     وإنَّ من إدبار هذا الدين أن تجفوا القبيلة بأسرها حتى لا يُرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا وقهرا واضطهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا» قال الهيثمي في المجمع (7/262): «رواه الطبراني وفيه علي بن يزيد وهو متروك».!.
    فوصف في هذا الحديث المؤمن العالم بالسنة الفقيه في الدين بأنه سيكون في آخر الزمان عند فساده مقهورًا ذليلاً لا يجد أعوانًا ولا أنصارًا".
    هنا الآن أقسام الغرباء قسمان:
    من يُصلح نفسه عند فساد الناس، وصلاح النفس بماذا يا إخواني؟ يكون بصلاح الباطن والظاهر.
     بأن يأتي بما يمكنه وما يستطيعه من صلاح قلبه، واستقامة عمله ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ سورة فصلت:30..
    ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قالوه بقلوبهم وبصحة عقائدهم، و﴿ اسْتَقَامُوا﴾، على الشريعة ما استطاعوا.
    هذا صلاح الإنسان في نفسه، أن يصلح قلبه وأن يصلح عمله ما استطاعه.
    وصلاح العمل بأن يأتي بما يستطيع من الواجبات ، وبما يقدر عليه من التكاليف، ويترك ما نهاه الله تعالى عنه حسب طاقته لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجه البخاري (7288)، ومسلم(1337)..
    الحال الثانية: أن يُصلح ما أفسد الناس من السُّنة، فهو يجتهد في إصلاح ما أفسده الناس من شريعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
    والفساد هنا لا يلزم الفساد الاعتقادي، بل الفساد الاعتقادي والعملي.
    فيُصلح ما أفسده الناس في العقائد، ويصلح ما أفسده الناس أيضاً في الأعمال.
    وما ذكره من حديث أبي أمامة عند الطبراني بيَّن المؤلف رحمه الله أن إسناده فيه نظر وهو حديث ضعيف، «إن لكل شيء إقبالاً وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به»، يعني من الحق والهدى والنور، «وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها»، إطلاق الفقه على صلاح الأعمال، وليس المقصود بالفقه هنا العلم، إنما الفقه هنا هو العمل الصحيح الموافق لما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولذلك جعل في مقابل الفقه الفسق، حيث قال:«أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان»، وهذا يبن أن الفقه المقصود به صلاح العلم والعمل .
    وهذا غاية الفقه، إنما يطلق على الإنسان أنه فقيه إذا كمل علمه وعمله، أما من كمل علمه دون عمله فهذا ليس فقيه، وما علمه حجة عليه.
    قال:"فوصف في هذا الحديث المؤمن العالم بالسنة الفقيه في الدين بأنه سيكون في آخر الزمان عند فساده مقهورًا ذليلاً لا يجد أعوانًا ولا أنصارًا".
    ثم قال رحمه الله:"وخرَّج الطبراني أيضًا بإسناد فيه ضعف عن ابن مسعود عن النبي  صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في ذكر أشراط الساعة قال:«وإن من أشراطها أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النقد» أخرجه الطبراني في "الكبير" (10/228)ح(10556)، وفي "الأوسط "(5/127 )ح(4861)، وقال الهيثمي (7/323) : "فيه سيف بن مسكين وهو ضعيف".، والنقد: هم الغنم الصغار"، والذي يعرف الغنم الصغار يعرف أنها في القطيع ذليلة، لا تجد ناصراً وكلٌّ يتعرض لها، وهي أول من يصيبه الذئب إذا عدا على الغنم، فهكذا وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حال المؤمن في القبيلة في آخر الزمان.
    قال رحمه الله :"وفي مسند الإمام أحمد المسند (4/125، 126). عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: «يوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد  صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبداه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت».
     ومثله قول ابن مسعود: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة» أخرجه نعيم بن حماد (1/188)ح(501) ، وأخرجه من حديث علي رضي الله عنه هناد في "الفتن" (1/191)ح(516) ، والديلمي (5/439)(8672) ..
    وإنما ذَلَّ المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه"، لكن هذا لا يعني منافاة ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» تقدم تخريجه.، والظهور يقتضي القوة والعزة والارتفاع.
    فهذا الذل هو بالنسبة لقبول القول، ومضائه لا بالنسبة لحال الشخص وما يكون عليه من ظهور قوله، فرق بين هذا وذاك، فهما وصفات لحالين مختلفين، وليس لأمرين مختلفين في ما يتعلق بتمسكهم بالحق وقيامهم به هم كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهري».
     أما هذا الذل الذي جاءت به الأخبار في حال أهل الإيمان ووصف حال أهل الغربة هو في عدم قبول ما جاءوا به ، وعدم إقبال الناس على ما جاءوا به وما عملوا به من الهدى والحق.
    قال :" ولما مات داود الطائي قال ابن السَّمَّاك: «إن داود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بقلبه بصر العيون، فكأنه لم ينظر إلى ما أنتم إليه تنظرون وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون، وهو منكم يعجب، استوحش منكم أنه كان حّيًا وسط الموتى".
     ومقصوده أنه نفذ ببصره من النظر إلى الدنيا وحالها إلى الآخرة وما فيها من نعيم وما فيها من عقاب.
    وهذا هو النظر الذي ينفع الإنسان ويزكي الأعمال، ويصلح به القلب وتستقيم به الحال، أن ينفذ الإنسان ببصره من ساعته الحاضرة إلى داره الآخرة.
    وبالتالي فإنه يعمل لدار يستقبلها لا يهمه ما يصيبه في هذه الدنيا، وهذا ما أراده ابن السَّمَّاك في كلامه عن داود "إن داود نظر بقلبه إلى ما بين يديه"، مما جاءت به الأخبار من حال الآخرة، "فأعشى بقلبه بصر العيون"، بصر قلبه يشير إلى البصيرة التي لا حد لقوة إدراكها، ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ سورة الحج:46..
    فالقلب له عين، هذه العين تبصر وترى، وبقدر قوة بصرها ورؤيتها، بقدر ما تدرك من الحق ويستقيم العمل،، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم قلوباً باصرة.
    التفاصيل
    0
    1386
  • الدرس(2)"ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز".
  •    قال المؤلف رحمه الله :"ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعزَّ، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله  والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

     ثم أعمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات.
     ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي  بوقوعه".
    في هذا المقطع من قول المؤلف رحمه الله من قوله:"بدأ الإسلام غريباً" إلى حيث وقفنا ، يبين وجه غربة الإسلام.
    غربة الإسلام في أوله ذكرنا أنها كما أفاد المؤلف بقلة أتباعه ، وبضعفهم، وظهور الكفار والمعاندين لهم.
    هذا أبرز ما اتسمت به الغربة في أول الوقت ، وحصل ما حصل من ظهور الإسلام فانتشر وظهر حتى كما قال المؤلف رحمه الله :"وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله  والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، "يقول:" ثم أعمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم"، وذلك بعد مقتل عمر رضي الله عنه، حيث فتحت أبواب الفتن.
    قال :" وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات"، وهاتان الفتنتان مصدر كل بلاء وشر، فما من فساد في الدنيا ولا شر إلا وسببه إما شبهة أو شهوة.
    وقوله رحمه الله:"فتنة الشبهات والشهوات"، هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، الفتنة التي سببها الشبهة، الفتنة التي سببها الشهوة.
    " الشبهات"، جمع شبهة، والشبهة هي حائل يمنع من رؤية الحق، هذا تعريف الشبهة.
    وأما"الشهوات"، فجمع شهوة، والشهوة هي ميل النفس إلى معصية الله.
    ويمكن أن تعرف بتعاريف أخرى: فالشهوة مخالفة أمر الله ورسوله، لكن هذا أجود ما يقال في تعريف الشهوة أنها "ميل النفس إلى مخالفة أمر الله، أو إلى معصية الله".
    والمعصية قد تكون بترك واجب أو انتهاك محرم.
    هذا مختصر ما يقع من فساد في حال الناس، إما بسبب شبهة وهي ما يعرض لقلوبهم من عوارض تمنعهم من رؤية الحق ومعرفته.
    وإما أن تغلبهم نفوسهم فتحملهم على مخالفة أمر الله ورسوله.
    فكلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة وهو الخروج على الصراط المستقيم، لكن سبب الخروج مختلف، فمن الخروج ما يكون بسبب عدم الوضوح، ومن الخروج ما يكون بسبب عدم القدرة على الثبات، عدم الاستمرار على الهدى والعمل به.
    فالنتيجة في كلا الأمرين، أو في كلا السببين واحد، وهو الخروج عن الصراط المستقيم.
    والشيطان لا يبالي ما أصاب من الإنسان، أصاب منه شهوة أو أصاب منه شبهة.
    لأن غرضه الصد عن سبيل الله، فكيف ما حصل هذا الصد تحقق غرضه المقصود .
    لكن من حيث خطورة، ومراتب الخطورة في الشبهة أو الشهوة، الشبهة أخطر من الشهوة وكلاهما خطير، لكن نتكلم عن جنس الشبهة، وليس كل شبهة أخطر من كل شهوة.
    إنما جنس الشبهات أخطر من جنس الشهوات.
    يعني فتنة الشبهات في الجملة أخطر من فتنة الشهوات، لأن الشهوات يعرف الإنسان من نفسه المخالفة فقد يرجع.
    ولكن الشبهة لا يعرف المخالفة ، بل يظن أنه على حق، ولهذا في ميزان البدعة والمعصية أيهما أشد خطورة؟ البدعة أشد خطورة، لماذا؟ لأنها تتصل بالشبهات؟
    أما المعصية ، والمقصود بالمعصية جنس المعصية، أقل خطورة من الشبهة، لأن صاحبها يعرف أنه مخالف، ويعرف أنه عاص وخارج عند حدود الشريعة، فأوبته ورجعته قريبة بخلاف صاحب الشبهة فإنه زيِّن له سوء عمله.
    قال الله تعالى:﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ سورة فاطر:8.، وإذا كان يرى أن عمله حسناً، فإنه قلَّ أن ينزع أو أن يرجع عنه.
    يقول المؤلف رحمه الله :"وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات"، والمقصود أنه ابتدأ فشوها وظهورها، وبذر أسبابها، " ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا حتى استحكمت مكيدة الشيطان"، أي تمكنت، فالاستحكام هو التمكن من الشيء، "وأطاعه أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما" شبهة وشهوة "وكل ذلك مما أخبر النبي  بوقوعه"، 
    الآن يفصِّل أين أخبر بوقوع الشهوات، وأين أخبر بوقوع الشبهات.
    يقول:"فأما فتنة الشبهات: فقد روي عن النبي  من غير وجه أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة على اختلاف الروايات في عدد الزيادات على السبعين، وأن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه  انظر السلسلة الصحيحة حديث رقم 203 و 304..
    وأما فتنة الشهوات: ففي "صحيح مسلم"، عن عبد الله بن عمرو عن النبي  قال: «كيف أنتم إذا فُتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله، قال: «أوَ غَير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون»"صحيح مسلم" (2962)..
    وفي صحيح البخاري عن عمرو بن عوف عن النبي  قال: «والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»" صحيح البخاري" (3158)، (4015)، ومسلم (2961)..
    وفي "الصحيحين" من حديث عقبة بن عامر عن عمر عن النبي  معناه أيضًا".
    إذاً: هذا هو خبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فتنة الشهوات وفتنة الشبهات.
    وابتدأ المؤلف رحمه الله بذكر فتنة الشبهات لكونها أخطر ، ولكون الوعيد فيها أكبر، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:«كلها في النار إلا واحدة ».
     وأما في فتنة الشهوات فإنه أخبر عن فساد حال الناس بذكر أعمالهم، ولم يذكر الحكم على تلك الأعمال بالنص.
    يقول:"فأما فتنة الشبهات: فقد روي عن النبي  من غير وجه"، أي من طرق كثيرة، من حديث أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث معاوية، ومن حديث أنس، ومن حديث عوف بن مالك، ومن أحاديث عدة وطرق كثيرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورد عنه خبر افتراق الأمة ، فقال :" أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة على اختلاف الروايات"، على إحدى وسبعين، أكثر أو أقل ، " في عدد الزيادات على السبعين، وأن جميع تلك الفرق في النار"، لكونها خالفت ما عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " إلا فرقة واحدة وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه "، كما جاء ذلك في ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الفرقة الناجية، فقال :« من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في "المستدرك"(1/219)، ح(444)،والطبراني في "الأوسط" (5/137)ح(4886) ، وأخرجه أيضًا : في "الصغير" (2/29)ح(724) ، قال الهيثمي (1/189) : فيه عبد الله بن سفيان . قال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"..
    والحديث في إسناده مقال إلا أنه جاء من طرق تقويه وتعضده وترقيه إلى درجة القبول، هذا من جهة.
    ومن جهة المعنى ، المعنى لا إشكال في صحته أنه لا نجاة إلا بما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، دل على هذا أحاديث كثيرة، «تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي»" المسند"(3/59)، وأخرجه البيهقي (10/114)، ح(20124) . وأخرجه أيضًا : اللالكائي (1/80 )، ح(90)، بلفظ « إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يَرِدَا علىَّ الحوضَ» .، كما في مسند الإمام أحمد.
    وهذا يدل على أن التمسك بكتاب الله تعالى وبسنته وبعمله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحصل النجاة.
    يقول :" وأما فتنة الشهوات: ففي "صحيح مسلم"، عن عبد الله بن عمرو عن النبي  قال: «كيف أنتم إذا فُتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟»"، يعني كيف تكون حالكم إذا فُتحت عليكم الخزائن وكثرت عندكم الأموال.
    " قال عبد الرحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله"، أي نعمل ونلتزم ونحكم " كما أمرنا الله"، تعالى وهذا من الفأل الحسن والظن الحسن.
    فبيَّن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الأمر غير ذلك ، أطلعه الله على علم لم يطلع عليه غيره.
    " قال: «أوَ غَير ذلك- يعني يكون الأمر على غير هذه الحال- تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون»"، وذكر هنا تسلسل الإشكال، تسلسل البلاء، يبتدأ بالتنافس، والتنافس هو التزاحم على الشيء والتسابق إليه.
    فإذا تسابقوا وتزاحموا النتيجة أن يسبق بعضهم بعضاً، أليس كذلك، فإذا سبق بعضهم بعضاً حصل التحاسد، حسد بعضهم بعضاً.
    والحسد بلاء إذا دبَّ إلى القلب فإما أن يكتمه الإنسان ويستعيذ بالله تعالى منه وهنا لا يضره.
    وإما أن يترجمه قولاً أو عملاً، فإذا ترجمه قولاً أو عملاً كان من نتائجه التدابر.
    والتدابر: هو كناية عن التفرق ، لأنه إذا تدابر الشخصان فقد تيمما جهتين ، أليس كذلك، أنا الآن أعطيت ظهري للجدار، فإذا كان شخص في مقابلي في الجهة الأخرى كان التدابر، كل أعطى دبره ، وجهته الخلفية إلى الآخر، فكان هذا تفرقاً، فلا يلتقيان.
    ولهذا من النكت التي تقال : الرجل والمرأة وجهان لعملة واحدة، هذا مدح أو ذم؟ هذا قد يتبادر للذهن أنه مدح هذا، وجهان لعملة واحدة هذا يعني أنهم متصافيان جميعا.
    لكن له وجه آخر وهو أنه لا يمكن أن يتقابلان ، صح أم لا؟ وجه العملة الذي هنا لا يمكن أن يقابل وجه العملة الذي هنا، فكل منها قد تيمم جهة أخرى.
    المقصود أن التدابر هو كناية عن التفرق والاختلاف في الأمة.
    والتدابر ليس فقط بالأبدان، بل يكون بالأفعال، ويكون الأقوال، ويكون بغلظ القلوب.
    فالتدابر له مظاهر عديدة، وهو أن يدبر الإنسان عن أخيه، وخلافه الحال الذي وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  من التضام والاجتماع والتعاطف.
    والتعاطف ضد التدابر،«تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ» أخرجه البخاري (6011). ، والتعاطف هو نوع من الالتحام بين أفراد الأمة، بخلاف التدابر الذي هو نوع من التفرق والاختلاف.
    ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "«أوَ غَير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون».
    وفي "صحيح البخاري" عن عمرو بن عوف عن النبي  قال: «والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»".
    ثم قال المؤلف ترجمة - أي بيان وإيضاح لما وقع لما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:"ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب  بكى فقال: «إن هذا لم يُفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم». أو كما قال".
    يقصد بقوله :"إن هذا"، يعني الدنيا والمال، "لم يُفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم".
    يقول رحمه الله:"وكان النبي  يخشى على أمته هاتين الفتنتين كما في "مسند الإمام أحمد" عن أبي برزة عن النبي  قال:&