موقع فضيلة الشيخ خالد بن عبدالله المصلح almosleh.com




الدروس
خطب الجمعة
المؤلفات
المحاضرات
كلمة الموقع

مشاركات
شرائد الفوائد
قضية ورأي

الفتاوى
مواعيد
البث الحي
بحث
اتصل بنا
حول الموقع


خطب الجمعة - العبادات

سيد الأيام يوم الجمعة سيد الأيام

الخطبة الأولى

الحمد لله خالق كل شيء ومبدعه له مافي السماوات ومافي الأرض يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه وتعالى عما يشركون أحمده تعالى حمداً كثيراً مباركاً فيه وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه المباركين وعلى سائر عباد الله الصالحين

أما بعد. . .

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى هذه الأمة الإسلامية على سائر الأمم ونحلها وخصها بخصائص كثيرة وفضائل عديدة ومناقب عظيمة فبعث فيها خاتم رسلِه وأنزل إليها أعظم كتبه ودلها على أحسن شرائعه، حتى غدت خير أمة أخرجت للناس، ومما خص به الله تعالى هذه الأمة وميزها به هذا اليوم المجيد العظيم يوم الجمعة الذي هو سيد الأيام وخيرة الله منها، إذ خصه الله سبحانه بكثير من الحوادث الكونية والشعائر الدينية التي تميز بها عن سائر الأيام. فمن خصائصه الكونية أنه خير يوم طلعت فيه الشمس وأن الله تعالى قدر في هذا اليوم أهم حوادث الخلق وأبرز وقائع التاريخ الكبار ففيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((خيرُ يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها))(1) وفي رواية له: ((ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة))(2) وعند الترمذي بسند لا بأس به قال r: ((وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس))(3). وقد فرض الله تعالى على عباده تعظيم يوم الجمعة فضلّ اليهود عليهم لعنة الله فعظموا يوم السبت وضلّ النصارى لعنهم الله فعظموا يوم الأحد وهدى الله أمة الإسلام إلى خير الأيام وسيدها يوم الجمعة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فُرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله إليه فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد))(4) فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وخصنا بأشرف الأيام. . .

وأما خصائصُ يوم الجمعة الدينيةُ الشرعيةُ فكثيرة متنوعة فقد خص الله هذا اليوم بآداب شرعية وشعائر دينية تعبدية واجبة ومستحبة فيجب على المسلمين أن يحتفوا بهذه الخصائص وأن يهتموا بها علماً وعملاً فمن أبرز خصائص هذا اليوم الشرعية صلاة الجمعة التي فرضها الله على كل مسلم بالغ ذكر حر ودليل وجوبها أمر من الله تعالى بالسعي إليها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾(5). وقد ورد التحذير الشديد عن النبي r في حق من تهاون بها أو تركها ففي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله r على أعواد المنبر يقول: ((لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين))(6) فترك الجمعة سبب للختم على القلب وهذا من أعظم العقوبات وأشدها فإذا ختم عليه ضعفت بصيرته وعمي وإذا عمي القلب أظلم وانتكس وفاتته خيرات الدنيا والآخرة. وقد جعل الله سبحانه وتعالى صلاة الجمعة سبباً لتكفير السيئات فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر))(7) وعنه أيضاً: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له مابينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام))(8) ولما كانت هذه الصلاة بهذه المنزلة وهذه المكانة فقد خصت بآدابٍ وأحكام منها ماهو سابق لها ومنها ماهو في أثنائها أما الآداب السابقة:

فمنها سنية الاغتسال والتنظيف والتطيب قبلها فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))(9) متفق عليه وقد أخرج الامام أحمد بسند جيد عن أوس بن أوس الثقفي قال: قال رسول الله r: ((من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنةٍ أجرُ صيامها وقيامها))(10) ويتأكد الاغتسال في حق من به رائحة يحتاج إلى إزالتها ويستحب تأخيره إلى ما قبل خروجه للصلاة وأما استعمال الطيب فقد قال النبي r: ((حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويتسوك ويمس من الطيب ما يقدر عليه))(11) أخرجه أحمد.

ومن الآداب السابقة للصلاة يوم الجمعة لبس أحسن الثياب التي يقدر عليها فعن عبدالله بن سلام أنه سمع النبي r يقول على المنبر يوم الجمة: ((ماعلى أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته))(12) أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند جيد.

ومن الآداب أيضاً التبكير في المجيء إلى صلاة الجمعة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا للخطبة ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشاً ثم دجاجة ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر))(13) متفق عليه. ومن المؤسف والمحزن أنك تدخل المسجد قبل مجيء الإمام بوقت قليل ولا ترى إلا عدداً يسيراً من المصلين حتى إذا قارب الامام أن يفرغ من خطبته أو قل فرغ منها اكتظت المساجد وغصت بالمصلين فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن الآداب المشروعة أثناء صلاة الجمعة الإنصات والاستماع للخطبة فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت))(14) متفق عليه فالكلام أثناء الخطبة حرام لا يجوز حتى ولو كان أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر إلا أن يكلم الإمام نفسَه، فالواجب الإنصات وترك المشاغل عن الخطبة فليست صلاة الجمعة ملتقى لتبادل الأخبار ولا مكاناً لتداول الكلام بل هي شعيرة من شعائر الدين لإقامة ذكر الله تعالى.

ومن الآداب الدينية أثناء الخطبة أن من جاء متأخراً يجلس حيث انتهت الصفوف ولا يجوز له تخطي رقاب الناس فقد رأى النبي r رجلاً يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي r يخطب فقال له: ((اجلس فقد آذيت))(15) رواه أبو داود بسند لا بأس به وهذا يدل على تحريم التخطي إذ إن أذية المسلمين محرمة. ومن رغب في الخير وفي الصفوف الأولى فليبادر إلى الصلاة ولا يتأخر فإن الفضائل والدرجات والمراتب لا تحصل بالكسل بل هي كما قال الأول:

بعيد عن الكسلان أو ذي ملالة       وأما من المشتاق فهو قريب

ومن الآداب الشرعية أيضاً أن من دخل والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي r يخطب فجلس فقال رسول الله r: ((إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم ليجلس))(16). رزقنا الله وإياكم التأدب بآداب الشرع والأخذ بأحكامه ظاهراً وباطناً.

 الخطبة الثانية

الحمد لله الذي هدانا إلى أحسن الأديان وسيد الأيام وخصنا بذلك دون سائر الأنام والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد. .

فإن من الخصائص الشرعية التي خُصَّ بها هذا اليومُ أن فيه ساعةً لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله تعالى من خير الدنيا والآخرة إلا أجاب الله دعاءه فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((إن في الجمعة لساعةً لايوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وقال بيده يقللها))(17) فيالها من نفحة عظيمة وفرصة جليلة ومنحة كريمة يفتح فيها الله تعالى أبوابه لعباده ليسألوه فالمحروم من حرم فضلَ هذا اليوم وبركة هذه الساعة المباركة التي تتكرر علينا كل أسبوع، وأرجح الأقوال في تحديد وقت هذه الساعة أنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة يريد ساعة لايوجد مسلم يسأل الله عز وجل شيئاً إلا آتاه الله عز وجل فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر))(18). ومن خصائص يوم الجمعة أنه يُسن فيه قراءة سورة الكهف فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور مابين الجمعتين))(19).

ومن خصائص هذا اليوم أن الصلاة على النبي e فيها مزيد فضل فعن أوس بن أوس الثقفي قال: قال رسول الله r: ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ))(20) رواه أحمد وغيره بسند لابأس به فأكثروا أيها المؤمنون من الصلاة والسلام على نبيكم محمد r فإنه من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.

أيها المؤمنون اعلموا أن الله العليم الخبير سبحانه وتعالى قد خص بعض البقاع والأمكنة وبعض الأوقات والأزمنة بمزيد فضل دون غيرها من الأماكن والأزمان ولله تعالى في ذلك حكمة بالغة قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾(21) فهو سبحانه يجتبي من خلقه مايشاء ويخصه بما يشاء من الفضائل والخصائص، فيجب تعظيم ما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأمكنة والأزمنة فإن من امتهن ما عظمه تعالى يوشك أن تنزل به عقوبته أو يحل به سخطه قال الله تعالى في حق من لم يعظم حرمته: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(22) وقال في حق الأشهر الحرم: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾(23) وهذا اليوم يوم الجمعة عظمه الله تعالى واختاره على الأيام فيجب تعظيمه بالإكثار من الطاعات المشروعة فيه والتخفف من المعاصي والسيئات فإن الطاعة تضاعف في المكان المبارك والزمان الفاضل والمعصية تعظم في المكان الفاضل والزمان المبارك، فطاعة يوم الجمعة وليلتها ليست كطاعة غيره من الليالي والأيام إلا أنه لا تخص ليلتها بقيام ولا يومها بصيام دون سائر الليالي والأيام والمعصية في يوم الجمعة وليلتها ليست كالمعصية في غيرها وإنه لمما يفطر القلب ويدمع العين أن ترى كثيراً من المسلمين جعلوا ليلة الجمعة ويومها محلاً ومرتعاً للمعاصي والسيئات فليلة الجمعة عند كثير من الناس تُعمر بالمعاصي والذنوب وتحيا بالسهر على المحرمات وألوان من السيئات ولعمر الله إن هذا لمما يغضب الله تعالى إذ كيف يرضى ربنا سبحانه علينا وقد جعلنا خير أيامه وأفضلها عنده محلاً لمعصيته وتعدي حدوده وقد ذكر بعض أهل العلم أن سنة الله تعالى في تعجيل عقوبة من ينتهك حرمة هذا اليوم بالمعاصي والذنوب مشهودة عافانا الله من عقوبته وعذابه وسخطه وجعلنا من المسارعين إلى مغفرته وطاعته واغتنام مواسم فضله ونفحات كرمه.

ومما أحدثه بعض الناس الاحتفال بليلة السابع والعشرين من رجب وقيامها والإكثار من العبادة فيها زعموا أنها ليلة الإسراء ولاشك أن مايفعله هؤلاء في هذه الليلة لا أصل له في الدين وهو من البدع المردودة على أصحابها وهي لا تزيدهم من الله إلا بعداً فإننا نقول في الجواب على فعل هؤلاء:

أولاً: أنه لم يثبت بالنقل الصحيح تحديد الشهر الذي أسري فيه بالنبي r فضلاً عن تحديد ليلة الإسراء.

ثانياً: أنه لو ثبت أنه أسري به في شهر رجب في ليلة السابع والعشرين فإن هذا لا يسوغ الاحتفال بهذه الليلة ولا خصها بشيء من العبادات أو الطاعات بل هي ليلة كسائر الليالي وذلك أن النبي r والصحابة والتابعين من بعده لم ينقل عنهم تخصيصها بشيء وهم أحرص منا على الخير والطاعة فالواجب التمسك بما جاء به السلف الصالح

فخير الأمور السالفات على الهدى             وشر الأمور المحدثات البدائع



(1) أخرجه مسلم في الجمعة 854.
(2) أخرجه مسلم في الجمعة 854.
(3) أخرجه أبو داود في الصلاة برقم 1046 وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 9930 وأخرجه مالك في النداء للصلاة برقم 243 وأخرجه الترمذي في الجمعة برقم 488.
(4) أخرجه البخاري في الجمعة برقم 876 وأخرجه مسلم في الجمعة برقم 855.
(5) الجمعة : 9 .
(6) أخرجه مسلم في الجمعة برقم 865 .
(7) أخرجه مسلم في الطهارة برقم 233 .
(8) أخرجه مسلم في الجمعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 857 .
(9) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم 879 وأخرجه مسلم في الجمعة برقم 846.
(10)أخرجه أحمد من حديث أوس الثقفي رضي الله عنه برقم 15740. السنة 4/236 ،إتحاف السادة 3/391 .
(11) أخرجه أحمد برقم 15963.
(12) أخرجه أبوداود في الصلاة 1078 وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة 1096.
(13) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 929 وأخرجه مسلم في الجمعة برقم 850.
(14) أخرجه البخاري في الجمعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 934 وأخرجه مسلم في الجمعة برقم 851.
(15) رواه أبوداود من حديث عبدالله بن بسر بسند لا بأس به في الصلاة برقم 1118 .
(16) أخرجه مسلم في الجمعة برقم 875 واللفظ في مسند أحمد برقم 14759 .
(17) أخرجه البخاري في الدعوات برقم 5295 وأخرجه مسلم في الجمعة برقم 852 .
(18) أخرجه أبوداود بسند لا بأس به في الصلاة برقم 1048 .
(19) رواه الحاكم في مستدركه برقم 3392 والبيهقي برقم 5792 بإسناد لابأس به .
(20) أخرجه أحمد من حديث أوس بن أوس الثقفي برقم 15729 .
(21) القصص : 68 .
(22) الحج : 25 .
(23) التوبة : 36 .





 
حقوق النشر والطبع © 1424هـ -2003م الشيخ خالد المصلح. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 almosleh.com . All rights reserved
info@almosleh.com