الحرب التي تشنها إسرائيل وحليفتها أمريكا على العرب والمسلمين في كل الأراضي الملتهبة والتي تضطرم نارها مؤخراً في فلسطين ولبنان حرب بارعة في تجيش كل الأدوات الممكنة التي تحقق مآربها وتخدم أهدافها. ومن نافل القول وصفها بأنها حرب عارية عن كل القيم والأخلاق.
وهي وإن تنوعت أدواتها إلا أن من أهم الأدوات التي برع أعداؤنا في توظيفها في حربهم عبر تأريخ الصراع الطويل استغلال بؤر الخلاف ومواطن الاختلاف سواء كان الاختلاف عرقياً أو طائفياً أو مذهبياً أو غير ذلك من أوجه التنوع في المجتمعات التي لا تخلو منه أمة من أمم الدنيا. فعملوا جهدهم على إثارة الخلافات وتأجيج العصبيات وإحياء الفتن والنعرات وشحن النفوس بكل ما يكرس الفرقة ويباعد بين أطياف الأمة لتحقيق مآربهم.
ومن الشواهد الحاضرة التي يتبين منها خطورة هذا السلاح الذي يستعمله أعداؤنا في النيل منا جميعاً ما تشهده الساحة العراقية من فرقة بغيضة مزقت أوصال ذلك المجتمع ونثرت نظمه وشرذمته وقسمته بين عرب وكرد و غير ذلك من الأعراق، وبين سنة وشيعة، وفي كل فئة فئات وانقسامات في عراك محتدم يصطلي الجميع بناره الخاسر فيه هو كل مكونات المجتمع وأطيافه بلا استثناء، وإن تفاوتت حصص الخسارة بين تلك الفئات.
وهاهم يحاولون تكرار ذلك في الصراع الذي تدور رحاه في لبنان من خلال محاولة إظهار أن المستهدف من كل هذا التدمير والقتل والخراب الذي تنتجه آلة الحرب اليهودية إنما هو القضاء على حزب الله فقط.
لذا كان لزاماً علينا جميعاً لاسيما أهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والبصر على تنوع أصولهم واختلاف مشاربهم التفطن التام والحذر الواعي من أن يكونوا أداة من أدوات العدو في حرب الأمة من حيث لا يشعرون.
وإن مما يمكن أن يكون أداة فاعلة في تفويت الفرصة على الأعداء من إعادة استغلال هذا السلاح الذي اصطلينا بناره في أزمات عديدة -ولازلنا- هو التركيز على مواطن الاتفاق التي تجمع الطاقات حول الهدف المنشود؛ وهو توقي خطر هذا العدو الداهم الذي يتهدد الجميع، ويسعى بكل قوة إلى بسط نفوذه وسيطرته على كل أحد. وليس له ولاء ثابت ولا صديق دائم إلا مصالحه وغاياته.
إن ما يجري من عدوان غاشم في لبنان وفلسطين مهما كانت أسبابه وبواعثه فإنه ظلم وبغي يجب على كل مسلم أن ينكره، ولا يسوغ التوقف في إنكاره فتحريم الظلم مركوز في الفطر، واتفقت عليه الشرائع ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(آل عمران: 57) مهما كان فاعل الظلم أو من وقع عليه الظلم ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾(البقرة: 270)، فالله تعالى حرم الظلم كله على الناس كلهم، فقال تعالى في الحديث الإلهي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً)).
ومهما اختلفت التحليلات وتنوعت التصورات وتباينت الرؤى في توصيف ما جرى ويجري في لبنان، فإن الجميع متفقون على أن العرب والمسلمين رغم كل اختلافاتهم هم أكبر المتضررين من هذه الحرب. وأن ضرر هذه الحرب لا يميز بين سني وشيعي ولا بين مسلم وغيره ولا بين عربي وغيره. والجميع في نظر الصهاينة وحلفائهم أعداء ما داموا لا يحققون مصالحهم لا فرق في ذلك بين مسلم وغيره ولا بين سني وشيعي.
ومن هذا المنطلق فإنه لا يسوغ اختزال ما يجري في لبنان بأنه صراع بين اليهود وبين حزب أو فئة أو طائفة، بل هو بلا ريب صراع لبسط نفوذ وهيمنة وهو لبنة في مشروع ومخطط يراد للمنطقة بأسرها وبجميع من فيها كما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية مع هدير القنابل وحمم القذائف.
لذا فواجب الجميع الحيطة والحذر وبعد النظر في مآلات الأقوال والمواقف وتغليب مصالح الأمة الكبرى. كما يجب تفويت كل فرصة ينفذ من خلالها أعداء الأمة للتفريق بينها وإشغالها عن واجبات المرحلة. وإن من المفاتيح الضرورية المهمة الغائبة عن كثير من الناس فقه مراتب الولاء والعداء والموازنة بينها. والتي يمكن تلخيصه تحت هذه القاعدة الكبرى التي لا خلاف حولها؛ فكل من كان مؤمناً بما جاء به محمد r، ولو كان فيه نوع بدعة، فهو خير من كل من لم يؤمن به. وقد قيل: إن العداوات تذهب عند المصائب. وليس من لازم ذلك تصويب خطأ المخطئ ولا الغفلة عن واجب النصيحة لكل مسلم، ولا التعامي عن المخاطر القريبة والبعيدة.
وأنبه هنا إلى أنه من الخطأ الفادح في المواقف والآراء في الحوادث والنازلات بناؤها على مقولات لأهل العلم المتقدمين منهم أو المتأخرين لها ظروفها أو على نتائج تختلف مقدماتها، أو قياسها وإلحاقها بما لا يوافقها في العلة والمناط. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾(يوسف: من الآية21).