الجمعة 21 رمضان 1440 هـ
آخر تحديث منذ 3 ساعة 26 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

صوتيات المصلح / دروس / الفقه وأصوله / القواعد الفقهية2 / الدرس(6) من قول المؤلف"ومن قواعد شرعنا التيسير"

الدرس(6) من قول المؤلف"ومن قواعد شرعنا التيسير"
00:00:00

الدرس(6) من قول المؤلف"ومن قواعد شرعنا التيسير"

تاريخ النشر : 5 شوال 1437 هـ - الموافق 11 يوليو 2016 م | المشاهدات : 852

الحمد لله حمداً  كثيرًا طيبًا مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى, أحمده حق حمده وله الحمد كله أوله وآخره، ظاهره وباطنه، وأشهد أن لا إله إلا الله, إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد.
فكنا قد قرأنا ما ذكره المصنف رحمه الله من النظم في قاعدة التيسير، حيث قال رحمه الله:
ومن قواعد شرعنا التيسير***في كل أمرٍ نابه تعثير.
وفرغنا من القسم الأول فيما يتعلق بهذه القاعدة وهو ما يتصل بقاعدة اليسر في الشريعة، وأنه أصلٌ من أصولها، وما تفرع على ذلك من أن الشريعة لاحظت التيسير في جوانب عديدة، ومنها ما يتصل بحالات المشقة، فالمشقة تجلب التيسير كما ذكر ذلك أهل العلم، وهي قاعدة من القواعد الكبرى التي يبنى عليها التشريع.
فقوله رحمه الله : "في كل أمرٍ نابه تيسير"، هذا خصوصٌ بعد عموم، فإن الشريعة من قواعدها التيسير على وجه الإجمال، ويظهر ذلك ويتجلى في مواطن المشقة، والمشقة هي العسر، فقوله: "في كل أمرٍ نابه تعثير"؛ أي نابه واعتلاه واعتراه مشقة، ونماذج هذا في الشرع الحكيم كثيرة، فالمرض مشقة اقتضت تيسيرًا، والسفر مشقة اقتضت تيسيراً، والخوف مشقة اقتضت تيسيرًا.
و هنا المجر في أحوال عديدة يرى فيها الناظر يسر الشريعة في مواطن منها المحال التي طرأت عليها المشاق، ولذلك كانت هذه القاعدة قاعدة مستقرة في كل أحكام الشريعة، فالشريعة في كل أحكامها إذا طرأ ما يوجب المشقة جاء اليسر، وهذا لا يعني أن اليسر لا يكون إلا في هذه الحال، بل اليسر هو الأصل في الشريعة، لكن يراعى في مواطن الحاجة إلى مزيد تيسير، فتشرع من الأحكام ما يكون يسرا للمكلفين، كحال السفر، وكحال المرض، وكحال الخوف، وما أشبه ذلك من الأحوال.
بعد ذلك قال _ رحمه الله _ هذه القاعدة الخامسة:
وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلا اقْتِدَارِ ... وَلا مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِّرَارِ
نعم اقرأ
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، ربنا اغفر لنا ولشيخنا واجعله مباركًا أينما كان، واجعل مجلسنا هذا مباركا يا رب العالمين، قال الإمام السعدي رحمه الله:
قاعدة الشريعة التَّيْسِيرُ ... فِي كُلِّ أَمْرٍ نَابَهُ تَعْسِيرُ
وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلا اقْتِدَارِ ... وَلا مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِّرَارِ
وَكُلُّ مَحْظُورٍ مَعَ الضَّرُورَهْ ... بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ الضَّرُورَهْ
وَتَرْجِعُ الأَحْكَامُ لِلْيَقِينِ ... فَلا يُزِيلُ الشَّكَّ لِلْيَقِينِ
طيب يقول رحمه الله، من ثمار قاعدة اليسر في الشريعة ما ذكره من قاعدتين، حيث قال:
و ليس واجبٌ بلا اقتدار ... ولا محرمٌ مع اضطرار
فإن هاتين القاعدتين هي من ثمار اليسر التي اتسمت به الشريعة، ولذلك ليس التيسير مقصورًا على ما نابه تعسير، بل يكون فيه وفي غيره من المواضع، فيكون التيسير فيهما ؛ أي فيما إذا نابه تعسير، وكذلك في حالة الاضطرار والضرورة، فحالات الاضطرار والضرورة لها ما يقتضي التخفيف، وكذلك في حالة العجز فثمة ما يقتضي التخفيف.
و منه ما ذكره في هذين الشطرين، وهما قاعدتان فقهيتان حيث قال: "و ليس  واجبٌ بلا اقتدار"؛ أي لا يثبت الواجب، فقوله ليس واجب؛ أي لا يثبت واجبٌ ولا يستقر على المكلف بدون قدرة، فقوله بلا اقتدار؛ أي بدون قدرة وبدون استطاعة، فالأحكام كلها تتبع الاستطاعة، قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[البقرة:186]، وقال جل وعلا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]، فكل ما أمر الله به من الأوامر شرطه الاستطاعة، فإذا عجز عنه الإنسان سقط عنه الوجوب، إما أن يسقط إلى بدل، وإما أن يسقط إلى غير بدل.
فلا وجوب؛ أي ليس ثمة ما يثبت وجوباً على المكلف دون قدرته واستطاعته، ونظائر هذا، أو أمثلة هذا كثيرة فيما يتعلق بشواهده في العبادات، فمن أمثلة ذلك في الصحيحين من حديث عمران: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، وفي الصوم يقول الله عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[البقرة:184]، فهذه الآية لم تنسخ في كل صورها، بل هي في الشيخ الكبير،  كما قال بن عباس في الصحيح، والعجوز، والمرأة العجوز لا يستطيعان الصيام، فيفطران وطعمان عن كل يومٍ مسكينًا، وكذلك في الحج يقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[آل عمران:97]، فشواهد هذا كثيرةٌ جدًا في أصول التشريع وأركان الإسلام، فضلًا عن فروعه وسائر فرائضه وواجباته.
ثم قال: "و لا محرمٌ مع اضطرار"، هذه القاعدة السادسة التي ذكرها المصنف رحمها الله، وأرجو أن نكون قد أصبنا في العد، نحن قلنا نعد القواعد حتى إذا فرغنا تكون مضبوطة، أحصوها ونقرأها قاعدةً قاعدة. فهذه القاعدة قاعدة جديدة، وهي أيضًا فرعٌ من فروع  قاعدة اليسر التي تقدم الحديث عنها، "و لا محرمٌ مع اضطرار"؛ أي ولا يثبت حكم التحريم في شيء مع الاضطرار، والاضطرار؛ المقصود به الضرورة، والضرورة؛ هي كل حالٍ يلحق الإنسان فيها مضرة تفضي إلى الهلاك أو تعثر الحال.
و تعريف الضرورة في كلام كثيرٍ من الفقهاء بما يبيح أكل الميتة وهو خشية الهلاك  والموت، هو من باب التعريف بالمثال، وإلا فالضرورة أوسع من أن تكون مقصورة على هذه الصورة، فليست مقصورة على هذه الصورة بل هي أوسع لتشمل كل ما يلحق الإنسان فيه ضررٌ، فإن الضرورة من المضرة، وإذا لحقت الإنسان مضرة يتعثر بها معاشه ولا تستقيم بها حياته فإنها ضرورة تسقط الواجب.
إلا أنه ينبغي أن يُعلم أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، ويعبر عنها الفقهاء في استعمالاتهم التقعيدية بأن الضرورات تبيح المحظورات، وهذا معنى قوله: "و لا محرمٌ مع اضطرار"؛ أي أن التحريم يرتفع ويحل محله الإباحة، فقوله: "لا محرم"؛ أي لا يثبت حكم التحريم، وإذا انتفى حكم التحريم ثبت حكم ضده، وهو: الحل، ولذلك كانت القاعدة جلية في هذا المعنى، حيث قالوا: الضرورات تبيح المحظورات.
لكن ينبغي أن يُعلم أن الضرورة التي تبيح المحظور لابد فيها من وصفين: الوصف الأول: أن يتعين ارتكاب المحرم. والثاني: أن يتيقن زوال ضرورته بالمحرم. هذان شرطان لابد من حضورهما وتوافرهما لاستباحة المحرم لأجل الضرورة، ما هما الشرطان؟، الشرط الأول: أن يتعين فعل المحرم، والثاني: أن يتيقن اندفاع الضرورة به.
فمن كان في صحراء وأكل ما غص به، فوقفت اللقمة في حقله، وإما أن يدفعها أو يهلك، وليس عنده إلا خمر، هذا تصوير قد يقول متى تأتي هذه الحال!، لكن المقصود التمثيل لتقريب المعنى، وليس أن هذه صورة جارية وعامة ويمكن أحد يقول من أين أتى بالخمر؟، لماذا يحمل الخمر ؟، نحن لا نبحث عن لماذا، هذا خارج. من الأمثلة المشهورة يقول النقاش في المثال ليس من شيم الرجال، ولكن سياق المثال هو للتقريب وليس لأجل الدخول في هذه الصورة هل هي واقعة أو لا، صح إذا مثل بصورة لا يمكن أن تقع يقال هذا لا يصلح للمثال لأنه مستحيل الوقوع.
على كلٍ لو كان على هذه الصورة التي ذكرت فإما أن يدفع هذه الغصة بما لديه من خمر، وإما أن يهلك، نأتي نقول: هل هذه الضرورة تبيح المحرم وهو شرب الخمر أو لا؟.
أولا: هل تعين ارتكاب المحرم؟، ما معنى هل تعين ارتكاب المحرم؟، يعني هل هناك شيءٌ آخر يمكن أن تندفع به الضرورة غير هذا الخمر، ما عنده إلا خمر، إذن تعين فعل المحرم، الآن التعين تحقق، الشرط الأول.
لابد من النظر في الشرط الثاني وهو: هل إذا شرب الخمر ستندفع ضرورته ؟، أم هل إذا ارتكب المحرم سيدفع ضرورته أو لا؟، الجواب نعم، ستندفع ضرورته، وإذا كانت ستندفع ضرورته، لأنه لا يحتاج إلا إلى سائل حتى يدفع هذا، ففي هذه الحالة الضرورة تبيح المحرم , لأنه توافر في الصورة الشرطان.
صورة أخرى بنفس المثال، رجل في صحراء وعطش حتى شارف الهلاك، وليس عنده إلا خمر، هل يجوز له أن يشرب الخمر ليدفع عطشه ؟، الآن هل تعين فعل المحرم ؟، نعم، ليس عنده سائل لشربه إلا الخمر. هل تندفع ضرورته بشرب الخمر ؟، الجواب لا، لماذا ؟  لأن الخمر لا تزيده إلا عطشًا، ولذلك يقول الفقهاء ليس له أن يشرب، لأنه إذا شرب زاد عطشًا، وهو إنما يشرب لدفع عطشه، فهنا الآن لا يقول أشرب الخمر لأجل أن أدفع الضرورة، لماذا ؟، لأن الضرورة لا تندفع بهذا.
فلابد من تحقق هذين الشرطين، وهما شرطان مهمان في كل الضرورات، كل ما يقال يباح للضرورة اسأل نفسك هذين السؤالين: هل يتعين فعل المحرم، أو يمكن تحقيق المطلوب دون المحرم ؟، فإذا كان يمكن تحقيق المطلوب دون المحرم فليس بضرورة.
ننتقل إلى السؤال الثاني: هل إذا ارتكبت المحرم ستندفع الضرورة ؟، إذا كانت الضرورة ستندفع فهنا تمت الشروط، فالضرورات تبيح المحظورات، إذا كانت لا تتحقق فهنا لا يتحقق المطلوب، وبالتالي لا يجوز استباحة المحرم في هذه الحال لأنه ليس بضرورة.
آخر ما أقول في هذه القاعدة ما يتعلق بالخوف، والالتباس الذي يقع عند كثيرٍ من الناس في مسألة عدم التفريق بين الحاجة والضرورة، فتجده يطلق  هذه القاعدة في مقام الحاجة، تقول له ما يجوز يقول مضطر، وهو لا يقصد أنه مضطر وصل إلى حد الهلاك أو لحوق مضرة كبيرة لا تستقيم الحياة إلا بارتكاب هذا المحرم، إنما يقصد أنه محتاج، ثمة حاجة، هذا الخلط بين الضرورة والحاجة في المفهوم العام اختلطت به الأحكام، فتجد أن أناساً يستبيحون المحرمات لأجل الحاجة وليس للضرورة، والحاجة لا تبيح المحرم، الحاجات الخاصة لا تبيح المحرم، وإنما الحاجات تبيح المكروهات، وأما الضرورات فهي التي تبيح المحظورات والمحرمات.
فإذا كان حاجة فهنا نقول إذا احتجت زالت الكراهة، مثال ذلك : السير في المقبرة بين القبور بالنعال مكروه , فإذا قال والله أنا عندي أذى في قدمي، الطبيب قال لا تخلع النعال، أو الأرض فيها ماء، شوك وأذى لا أستطيع أن أتوقاها إلا بلبس النعال، نقول هنا: الحاجات تبيح المكروهات، بمعنى أنها تزيل وصف الكراهة، لكن ليس هذا كالضرورة، ففرقٌ بين الضرورة وبين الحاجة.
بعد ذلك قال المصنف رحمه الله:
وَ كُلُّ مَحْظُورٍ مَعَ الضَّرُورَهْ ... بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ الضَّرُورَهْ
هذا البيت هو تتمة للقاعدة السابقة، عندما نقول الضرورات تبيح المحظورات، هل يعني هذا أن الإباحة مطلقة دون قيد فينتقل من التحريم إلى الإباحة ؟، الجواب : لا، إنما هذا مضبوط بقدر، وهو : ما يحصل به اندفاع الضرورة، ولذلك قال: "و كل محظور" ؛ أي كل محرم، "مع الضرورة"؛ يعني إذا قارنته الضرورة المبيحة لارتكابه، فالألف واللام هنا للعهد الذكري، وهو ما تقدم مما تبيحه الضرورة، الضرورة التي تبيح المحرمات، كل محظورٍ مع الضرورة السابقة فإنه يباح ويحل بقدر ما تحتاجه الضرورة، وليس ذلك على وجه الإطلاق الذي لا قيد فيه، بل هو مقيد بالقدر الذي يندفع به الضرر.
دليل هذا قوله تعالى: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}[البقرة:173]، فالله تعالى عندما أباح أكل الميتة لم يجعل ذلك على وجه الإطلاق، قال : {فَمَنْ اضْطُرَّ}، ثم قيد بقيدين : {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ}، غير باغ ؛ غير معتد . ولا عاد ؛ ولا متجاوز للقدر الذي يحتاجه لدفع ضرورته، غير باغ ولا عاد، الباغي بأن يأكل في الحال التي لا تحل له، والاعتداء هو أن يأكل أكثر مما تقتضيه وتدعو إليه الحاجة، ولهذا كانت هذه الآية دليلًا على هذا القيد، وهو أن ما أباحته الضرورة فإنها تبيحه بقدر اندفاع الضرورة وليس على وجه الإطلاق الذي لا قيد فيه، بل يرجع الحكم إلى التحريم عندما تندفع الضرورة.
ثم بعد ذلك انتقل إلى قاعدةٍ جديدة ؛ وهي : قاعدة اليقين لا يزول بالشك. وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكبرى الخمس , وقد ذكرت في الدرس السابق سبب وصفها بالكبرى، وهو أنها تدخل في أبواب الفقه كلها، لا يخلو منها بابٌ من أبواب الفقه، وهناك من قال إنها سميت بهذا الاسم لكون فروع الفقه ترجع إليها، فروع الفقه والقواعد الفقهية التي تضبط الفقه ترجع إليها، وقلنا أن هذا ليس بسديد لأنه يقتضي أن يتكلف في إدخال الفروع الفقهية تحت هذه الأصول الخمسة.
هذه القاعدة _ قاعدة اليقين لا يزول بالشك _، عبر عنها المصنف فقال: "و ترجع الأحكام"، ترجع ؛ أي ترد الأحكام، والأحكام هنا جمع حكم ؛ وهو خطاب الشارع للمكلفين بالاقتضاء والتخيير، بالاقتضاء ؛ أي بالطلب أو النهي، والتخيير : الإباحة. وهذه خمسة أحكام، فخطاب الشارع إما أن يأتي بإيجاب أو بندب، أو بتحريم , أو بكراهة، أو بإباحة، وهي التخيير.
فقوله: "و ترجع الأحكام"، الأحكام الفقهية، الأحكام التكليفية، وهي الخمسة التي ذكرت، ترجع لليقين، بل حتى الأحكام الوضعية، وهي الشرط، والسبب، والعزيمة، والرخصة، وما إلى ذلك، ترجع إلى اليقين، فالأحكام ترد إلى اليقين، فقوله : "لليقين"، اللام هنا بمعنى إلى، أي: إلى اليقين، وذلك فيما إذا طرأ شكٌ فإنها ترد إلى اليقين، واليقين هو العلم الجازم الذي لا يتطرق إليه شكٌ ولا ريب، هذا معنى اليقين، العلم الجازم الذي لا يتطرق إليه شكٌ ولا ريب، وهو أعلى مراتب العلم، أو أعلى مراتب الإدراك.
فقوله رحمه الله: " وترجع الأحكام لليقين" ؛ أي إذا التبس حكمٌ أو اشتبه على أحدٍ شيءٌ في الأحكام الشرعية فإنه يرجع فيها إلى اليقين، فلا يثبت إلا ما اقتضاه اليقين، ولا يُفعل الشك ولا ينظر إليه.
و قوله رحمه الله : " فلا يزيل الشك لليقين "، هذا البيت فيه نوع قلق، وقد تقدم أن المصنف رحمه الله اعتذر عما في النظم من انكسار، وعد بالرجوع إلى إصلاحه، وقد يكون رجع إن شاء الله وأصلح بعضًا، المهم أن هذا البيت فيه شيءٌ من القلق، والمقصود في قوله : " فلا يزيل الشك لليقين "، أي أن الشك لا يصار إليه لأجل اليقين، فاللام في قوله : " لليقين "؛ أي لأجل اليقين، فالشك لا يزيل الحكم ولا يرفعه لأجل اليقين، لأن الأحكام ترجع إليه، وليعلم أن الشك يدفع إما باليقين، وإما بغلبة الظن في حالة تعذر اليقين، وقال بعض أهل العلم : وإما بالبراءة الأصلية، والبراءة الأصلية في الحقيقة نوعٌ من اليقين، ولذلك نقول: الشك يندفع بأمرين : إما باليقين وإما بغلبة الظن في حال تعذر اليقين.
و لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي يجد شيئًا في بطنه ولا يجد ريحًا ولا يسمع صوته، قال : " لا ينصرف حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا "، فمن أشكل عليه شيءٌ في بطنه فإنه لا ينصرف في الصلاة أو في غيرها حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا، وقوله حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا رد إلى اليقين، وهو ما يتيقنه بالحس، إما سماعاً وإما شماً، ويدع ما يمكن أن يتطرق إليه من الشكوك والظنون التي قد تدخل عليه فتشوش عليه عبادته.
قوله رحمه الله بعد هذه القاعدة ذكر جملة من الأصول المرتبة عليها، القواعد المرتبة أو المتفرعة على قاعدة اليقين لا يزول بالشك.

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف