الدرس(6) من شرح رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية

رابط المقال

الدرس(6) من شرح رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ أد خالد المصلح

(فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله، العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية، وهي ربوبيته -تعالى- لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعاً من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب في الضلال؛ فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقاً عامًّا، فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا:﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ  (1)  . وقالوا:﴿وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم.  (2)   وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض).

المؤلف -رحمه الله- ما زال يتكلم في خطأ من ضلّ في معنى العبودية، فجعل العبودية التي أمر الله -سبحانه وتعالى- بها عباده وطلبها منهم وخلقهم من أجلها هي العبودية لحكم الله القدري، وهذا لا إشكال ولا شك ولا ريب أنه خطأ وضلال.

الشيخ -رحمه الله- يقول: (فغلاتهم) أي غلاة هؤلاء الذين يتعبدون لله بالقدر يجعلون ذلك مطلقاً عامًّا، يعني في كل ما يأتون (فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة). وهذا ضلال كبير، بل هو معارضة لحكم رب العالمين وكفر بالشرع الحكيم؛ لأنه إبطال لما جاءت به الرسل، فهو تعطيل للأديان وكفر برب العالمين؛ لأن مقتضى هذا أن يفعل الإنسان ما يصدر عنه ولا يلتزم بحرام ولا بحلال؛ لأن الحلال ما حل ووقع، والحرام ما امتنع ولم يحصل، فليس الحلال ما أحلته الشريعة ولا الحرام ما حرمته الشرائع، بل الحلال ما تمكن منه الإنسان، والحرام ما لم يحصل له ولم يتيسر له، هذا هو المحرم عليه، وهذا كفر بالله العظيم .

قال -رحمه الله-: (وقول هؤلاء)، أي: غلاة من يحتجون بالقدر ويعارضون الشرع بالقدر (هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى)؛ لأن اليهود والنصارى يتعبدون لله-عز وجل-بعبادات باطلة نسخت بشريعة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ-، لكنهم عندهم حلال وحرام، عندهم عبادة ومخالفة، يقول -رحمه الله-: (وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا:﴿لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم). يقول -رحمه الله-:(وهؤلاء)المشار إليهم من يحتجون بالقدر على إبطال الشرائع والأحكام، ويتخلصون بالقدر من الفرائض (وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضاً).

يبين الشيخ -رحمه الله- وجه تناقض هؤلاء، يقول -رحمه الله-: (بل كل من احتج بالقدر) علىإبطال الشرائع(فإنه متناقض)،قوله: (احتج بالقدر)يعني على إبطال الشريعة، أو في تسويغ مخالفته (فإنه متناقض).

يقول -رحمه الله- في بيان ذلك:

(فإنه لا يمكن أن يُقَرَّ كل آدمي على ما يفعل، فلا بد إذا ظلمه ظالم، أو ظلم الناس ظالم، وسعى في الأرض بالفساد،وأخذ يسفك دماء الناس، ويستحل الفروج، ويهلك الحرث والنسل، ونحو ذلك من أنواع الضرر، التي لا قوام للناس بها، أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يَكُفَّ عدوانه وعدوان أمثاله، فيقال له:إن كان القدر حجة، فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك، وبغيرك، و إن لم يكن حجة، بطل أصل قولك: إن القدر حجة).

هل يسلِّم هذا؟ هل يسلِّم بما ذكره الشيخ، يترك كل أحد يفعل به ما يشاء، دون أن يدافع ويمانع؟ إذا كان الجواب: لا، فكما هو (لا)فيما يتعلق بأمر الدنيا، هو كذلك فيما يتعلق بأمر الشريعة، وأمر الدين، وأمر العبادة.

فكما أنك لا تترك كل أحد يأخذ من مالك كما يشاء، ويستبيح من أملاكك ما يشاء، ويعتدي عليك في بدنك وعرضك ما يشاء؛ بل تدافع ذلك وتمنعه، فكذلك ما يتعلق بأحكام الله -عز وجل- فكما منعت في ذلك ولم تسلم للقدر، فكذلك هنا يجب عليك أن لا تستسلم للقدر؛ بل يجب عليك أن تدفع قدر المعصية بقدر الطاعة، قدر السيئة بقدر الحسنة.

(وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية، لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، وإنما هم يتّبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أيّ مذهب وافق هواك تمذهبت به).

لأن مقصودهم التخلص من أحكام الشريعة، فكيفما تيسّر لهم هذا، ركبوه على أي مذهب، وعلى أي طريق، فهم يطلبون الانفكاك من أحكام الشرع، ولذلك أي مذهب حصّل لهم ما يريدون من مخالفة أمر الله -عز وجل- تمذهبوا به، نعم.

(ومنهم صنف يدّعون التحقيق والمعرفة، فيزعمون أن الأمر والنهيلازم لمن شهد لنفسه فعلاً، وأثبت له صنعاً. أمّا من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد.

وقد يقولون:من شهد الإرادة سقط عنه التكليف. ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة).

(لشهوده الإرادة) أي شهوده إرادة رب العالمين-جل و علا- وأنه أراد ما كان، فلما تعبد لله بالإرادة سقطت عنه التكاليف، ولذلك خالف مقتضى الشريعة في نظر هؤلاء، حيث قتل الغلام، وأعطب السفينة، وبنى جدار من لم يضيّفه ويُوفِّه حقه بلا مقابل، فلما فعل ذلك، قالوا: إنه وافق الإرادة، يعني إرادة الله -جل وعلا- وخالف شرعه، وهم كذبوا في ذلك؛ لأن الخضر إنما فعل ذلك على وفق الشريعة، لكنّها لم تبدُ لموسى-عليه السلام- في أول الأمر، ثم لما بيّن له وجه فعله، وسبب عمله، قبل منه ذلك، ولم يخالفه، فكان ما فعله الخضر موافقاً للشريعة، لشريعة موسى وغير شريعة موسى، حتى شريعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(فهؤلاء لا يفرقون بين العامة والخاصة، الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد،وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علماً وبين من يراه شُهُودًا، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن يسقطونه عمن يشهده، فلا يرى لنفسه فعلاً أصلا).

يعني ذكر فيهم قسمين:

 القسم الأول: الذين يفرقون بين العامة والخاصة، ويجعلون إسقاط التكاليف خاصًّا بمن بلغ منزلة شهود الحقيقة الكونية، شهود الإرادة، شهود ربوبية رب العالمين، وهذه لا تحصل إلا بعد أن يُمضي وقتاً في العبادة.

القسم الثاني: يقولون هذا من أول الطريق، لا فرق بين العامة والخاصة في هذا. بل الجميع في هذا سواء؛ فكل من شهد الحقيقة القدرية، الحقيقة الكونية، الإرادة الربانية، ونظر وتعبد لله -عز وجل- بالربوبية، فإنه يسقط عنه التكليف.

(وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعاً من التكليف على هذا الوجه.

وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد، وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يُقَدَّرُ عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك).

سبحان الله! الشيخ -رحمه الله- الآن يبين لنا أصل هذه البدعة، وهذا مما تميز به شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن غيره ممن يتكلم في البدع، أنه يتتبع أصول البدع، ويذكر منشأها، وأسباب القول بها.

وهذا أمر يعين المطالع في هذه الفِرق، والناظر إلى هذه البدع، يعينه في فهم هذه الأقوال، ويعينه في الرد على هذه المبتدعات من الأقوال، فإنَّ فهم منشأ الاختلاف والابتداع مما يعين طالب العلم على فهم البدعة وردّها.

يقول-رحمه الله-: (وسبب ذلك) أي سبب الضلال السابق من الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشريعة، مخالفة الأمر والنهي (أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يُقَدَّرُ عليه خلافه)، (نطاقهم) أي فهمهم وإدراكهم للجمع بين هذين، (كما ضاق نطاق المعتزلة)، وهم الذين يقابلون الجبرية وهم القدرية، (ونحوهم من القدرية عن ذلك). فجعلوا العبد يخلق فعل نفسه، ولو نظروا بعينين صحيحتين إلى النصوص، لتمكنوا من الجمع، وسلِموا من هذا الاضطراب والزيغ، ولو أَعْمَلُوا ما دلّت عليه النصوص من أن القدر سرّ الله في خلقه، وأنه يجب التسليم لله -عز وجل- في قدره، وألاّ نعارض الشرع بالقدر، لسلِموا من هذا البلاء.

يقول -رحمه الله-:(ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي). يذكر الفرق بين مآل الفرقتين، ذكر منشأ الاختلاف والابتداع، ثم يذكر مآل الفريقين.

ما الذي ترتب على هذين القولين؟

قول الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له، بل هو كالريشة في مهب الريح، معصيتك كحركة الذي يرتعش، لا يتمكن من إيقاف الرعشة. مع أن كل أحد يدركالفرق بينحركة من لا يَحْكم تصرفاته، كحركة الذي فيه اضطراب واهتزاز، وذاك الذي يتحرك بإرادته واختياره، هل هما سواء في عقول الناس وأنظارهم؟ الجواب: لا، لا يستوي من فيه رعشة بمن يحرك يده باختياره، فرق بينهما.

وهؤلاء سوّوا بين الأمرين، فجعلوا كل فعل يفعله الإنسان، وكل خطأ يقع فيه، إنما هو بالقدر الذي لا اختيار فيهللإنسان بالكلية، وإذا كان لا اختيار له فيه، فإنه لا يُلام عليه.

وأما الآخرون الذين قابلوا هؤلاء، فلما رأوا أنّ تقدير الأمر والمطالبة، تقدير الله -جل وعلا- لأقدار الخلق، ومطالبتهم بالشرائع، فيه تعارض، قالوا: نَسْلَم من احتجاج الجبرية بالقدر، أن نقول: إن العبد يخلق فعل نفسه، فالله -جل وعلا- لا يخلق أفعال العباد؛ حركتي الآن، كلامي، كلامك جلوسك، مجيئك إلى هذا الدرس، ليس من خلق الله، فأخرجوا عن عموم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ  (3)  أفعال المخلوقين، فجعلوا أفعال المخلوقين مفعولة ومخلوقة لهم، لأنفسهم، دون إرادة الله ومشيئته، وهذا لاشك أنه تكذيب بالقرآن: ﴿وَمَا تَشَاؤونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ (4)  فالله -جل وعلا- أحاطت مشيئته بأفعال خلقه، وهو -جل وعلا- الذي لا يخرج عن خلقه وتقديره وعلمه وكتابته، لا حركة ولا سكون، فكل حركة وسكون في الدنيا، فهي بتقدير الله -جل وعلا- السابق.

يقول -رحمه الله-:

(ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين، دون القضاء والقدر، الذي هو إرادة الله العامة، وخلقه لأفعال العباد).

يعني المعتزلة عندهم أمر ونهي، عندهم طاعة ومعصية. والإنسان يُلام على المخالفة، ويمدح على الطاعة، لكنّهم نفوا التقدير السابق، كما ذكرنا قبل قليل، فأخرجوا أفعال العباد عن تقدير رب العالمين -جل وعلا-.

(وهؤلاء أثبتوا القضاء والقدر، ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر؛ إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقاً).

لأن الشريعة جاءت بالأمر والنهي، فجعلوا الأمر والنهي في حق العامة، الذين لم يدركوا الحقيقة الكونية، ولم يشهدوا الإرادة.

يقول -رحمه الله- في الموازنة بين البدع، و هذه مهمة أيضاً، تجدها في كلام الشيخ-رحمه الله- دون غيره، أو غيره قد لا ينبّه إليها، والشيخ -رحمه الله- يوازن بين البدع، والموازنة بين البدع فرع عن فهمها وفهم مآلاتها.

الموازنة أي المقارنة بين الأقوال المبتدعة:

وبهذين الأمرين، يتمكن الناظر في البدع من الموازنة بينها، أيها أقرب للحق وأيها أبعد، أيها شر وأيها أخف ضرراً وشرًّا.

يقول -رحمه الله: (وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة).

هؤلاء المشار إليهم، هم الجبرية، الذين قالوا بأن الإنسان مجبور على كل فعل له، لا إرادة له ولا اختيار. هؤلاء شر من قول المعتزلة القدرية.

وجه كون قولهم أشد ضرراً وأعظم شرًّا من قول القدرية، يقول- رحمه الله-: (ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد).

لم يكن في السلف من الجبرية أحد؛ سلِم السلف من هذه الأقوال المبتدعة، قول الجبرية؛ لأنه يبطل الشرائع.

(وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة، يسقط عنهالأمر والنهي،ويقولون:إنه صار من الخاصة، وربما تأوّلوا على ذلك قوله- تعالى-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.  (5)  فاليقين عندهم هو معرفة هذه الحقيقة).

أي الحقيقة؟ الحقيقة الكونية. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) معناه أن تعبد الله حتى تبلغ مرتبة تسقط فيها عنك التكاليف، هذا معنى الآية عند الجبرية غلاة الصوفية، والصحيح في معنى الآية: أن الله -جل وعلا- أمر رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدوام العبادة إلى الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) أي حتى يأتيك الموت.

ولماذا سمي الموت يقيناً؟ سمي الموت يقيناً؛ لأن به يرى الإنسان ما أخبره الله من حال أهل الجنة وحال أهل النار يقيناً، فيدرك صدق ما أخبرت به الرسل، ولذلك سمي الموت يقيناً ؛ لأنه يحصل به اليقين للإنسان، أنّ ما أخبرت به الرسل مما يكون في الآخرة صدق.

وهل في القرآن ما يدل على أن اليقين يراد به الموت؟

نعم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ.  (6)  قول من هذا؟ الكفار الذين سلكهم الله في سقر،قالوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47).  (7) 

وهؤلاء هل حققوا العبادة التي يزعمها غلاة الصوفية في صفوة الخلق؟

الجواب: لا، ولو كان كذلك، كيف يستحقون النار؟ فقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) اليقين هنا هو الموت.

فقوله تعالى:﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)أي اعبده -جل وعلا- حتى يأتيك الموت، لا كما تقول غلاة الصوفية والجبرية، من أن اليقين هو حتى تبلغ منزلة تسقط عنك التكاليف.

وهذه الأقوال يا إخواني قد يقول القائل: لماذا نتكلف بقراءتها وفهمها وهي ليست موجودة؟

الجواب: ليست موجودة عندنا -ولله الحمد-فبلادنا سالمة من كثير من هذه البدع، إلا أنها موجودة في بلاد المسلمين.

وقد حدثتكم قبل هذه القراءة، عن أحد المشايخ الذين زاروا جهة من جهات المسلمين، فقيل له: إن في هذا الجبل عبَّاداً صالحين، فقال: نزورهم، فطلب زيارتهم فأوصلوه إليهم، بلغ أعلى الجبل، وإذا فيه مساكن لقوم بلغواسنّاً متقدمة، فسلّم عليهم، وسألهم :كيف الصلاة؟ كيف الصيام؟ كيف العبادة؟ قالوا: نحن لا نصلي، ولا نزكي، ولا نصوم، سقطت عنا التكاليف.

هذا موجود، والذي حدثنا بهذا موجود حي يرزق.

فهذه البدع وإن سلمت منها بلادنا -ولله الحمد-لكن في بعض بلاد المسلمين التي بُلِيت بالتصوف، الذين يبطلون الشرائع، ويتّخذون الدين وسيلة للوصول إلى مآربهم ومقاصدهم الفاسدة، بُلوا بمثل هذه الأقوال، فمعرفتها مهمة ومفيدة لطالب العلم.

بل أنا أقول: كل ما ذكره العلماء من البدع السابقة، لا بد أن تجد إذا تتبعتَ وتأملت في الأقوال الحادثة ما له استناد واتصال بتلك الأقوال.

لكن هذا لا يمكن أن يصل إليه، إلا إذا تمرّس الإنسان بمعرفة الأقوال والموازنة بينها، ووَصْلِ هذهالأقوال بالبدع المتقدمة.

فدراسة هذه الأمور ليس من فضول العلم، ولا من الأمور التي يسميها بعض المنتقدين لدراسة العقائد من العلم الزائد، ومن الترف العلمي، الذي لا نحتاجه، بل هو من العلم الأصلي، لا سيما وقد كثرت البدع واشتبهت، فقراءة مثل هذه الكتب، التي تتكلم عن هذه البدع وتتتبع أصولها، وأقوالها ومآلاتها، يمرّنطالب العلم على معرفة البدع الحادثة ونقدها ومناقشتها، والسلامة منها أيضاً، والتحذير.

(وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر).

هذه فائدة مهمة، وهي أنه قد يقع الإنسان في الكفر وهو لا يعلم أنه كفر، يجهل أن ما جاء من الفعل كفر، فهل يعذر في ذلكأو لا؟هذه مسألة من المسائل الكبار وهي مسألة العذر بالجهل. نعم.

الشيخ -رحمه الله- يشير إليها في هذا (وقول هؤلاء كفر صريح) أي ظاهر لا لبس فيه ولا غبش (وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر). وكأنه يعتذر لهم -رحمه الله- وهو من أشد الناس طلباً للعذر للأعيان. حتى إنه يقول: إني من أشد الناس أن يُنسب رجل إلى تكفير أو تفسيق أو تبديع. من أشد الناس، ذكر ذلك في مناظرته لمن ناظره في العقيدة الواسطية،فهو -رحمه الله- يحكم على الأقوال، وفي حكمه وضوح وجلاء وبيان واستناد إلى الكتاب والسنة، لكن يبقى النظر إلى القائلين؛ فالحكم على القائلين يفارق الحكم على الأقوال.

وهذه مسألة مهمة تخفى على كثير من الناس، بل شيخ الإسلام -رحمه الله- صرح فقال: إن قول السلف: من قال كذا فهو كافر،أنه لا يصدق على كل من قال  بهذا القول،حتى ننظر القائل وحال القائل، هل توافرت فيه الشروط وانتفت فيه الموانع أو لا؟فإذا لم تتوافر فيه الشروط أو وُجدت فيه بعض الموانع؛ فإننا لا نحكم بكفره.

فتكفير الأقوال يفارق تكفير الأعيان. ويجب على طالب العلم أن يتروّى في مسألة التكفير، وفي مسألة التبديع والتفسيق، ليس الأمر سهلاً، هذا حكم. تجد بعض الناس يتورّع عن الحكم، تسأله: هل أمسح على الخفين في هذه الحالة أو لا؟ يقول لك: اصبر ماعندي علم، اسأل العلماء. وتقول له:هل هذا كفر؟ يقول لك:كفر، الذي يقول هذا كافر، والذي لا يكفره كافر. فتجد في هذه المسائل الكبار يتهوّكفيها بعض الصغار -علماً أو سنًّا-، وفي المسائل السهلة من مسائل العمل، يتوقف ويتورع.

لا نذم التورع في مسائل الفروع، لكننا نذم عدم التورع في مسائل التكفير والمسائل الكبار.

شيخ الإسلام -رحمه الله- لما ناظره قضاة مصر في بعض مسائل الاعتقاد، قال: أنا لو قلت بقولكم لكفرت، ولكنكم لستم كفاراً عندي. وهو لا يناقش عوامًّا، يناقش الأمراء والقضاة، يقول لهم هذا القول، كما في كتاب الرد على البَكري، وقد جمعت بعض النُّقُولات عن شيخ الإسلام في هذا الباب؛ لأهميته ولكثرة الاشتباه عند الناس في مسائل التكفير، فيظنون أن من لازم القول بأن هذا القول كفر أن يكفر القائل،ولا تلازم، لا تلازم، الحكم على القول هذا حكم عام. مثل قولك:ألا لعنة الله على الظالمين، أو لعن الكافرين على وجه العموم، لكن إذا جاءك كافر معين، ظالم معين، هل تقول: أنت ملعون؟ الجواب:لا؛ لأن اللعن العام كالحكم بالتكفير العام، لا ينزَّل على أفراد حتى ينظر حالهم، وهل توافرت فيهم الشروط وانتفت الموانع أو لا؟نعم.

يشير إلى هذا -رحمه الله- في قوله: (وقول هؤلاء كفر صريح وإن وقع فيه طوائف لم يعلموا أنه كفر).