الدرس (2) من شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود

رابط المقال

بسم الله الرحمن الرحيم

 (1)  ...لكن هذا القول تحمله عن الجعد الجهمُ بن صفوان، وهو رأس الفتنة والضلال الذي حصل به  نشر عقائد الجهمية، وإليه ينسب هذا المسلك الرديء من مسالك الانحراف والضلالة.

والجهم بن صفوان تلقى هذه المقولة وغيرها عن الجعد، وأشاعها ونشرها، حتى ظُهِر عليه وأُخذ بما أخذ الجعد، وقتل أيضا عام ثمانية وعشرين ومائة للهجرة، ثم إن هذه المقولة تلقفها بعض من زاغ قلبه وأضاع نصيبه، ومن أولئك بشر بن غيات المريسي، ودعا إليها، وأخذها عنه أحمد ابن أبي دؤاد وجماعة، وكان ذلك في عهد المأمون.

والمأمون من خلفاء المسلمين الذين كان لهم عناية بترجمة الكتب، فاجتمع له هؤلاء وتلقى عنهم هذا العقد، وشجعوه حتى حملوه على الفتنة، فكتب وهو في طرسوس في خراسان إلى الولاة بأن يمتحنوا الناس في مسألة خلق القرآن، فامتحن الناس وأصبحوا يسألون ما تقولون في القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ والناس قد تلقوا عن الأئمة ودرجوا على ما كان عليه سلف الأمة من أن القرآن كلام الله ليس مخلوقاً، فحصل بلاء وامتحن العامة والأئمة على حد سواء، ولم يكن الامتحان خاصا بفئة من الناس.

وتصدى لهذه الفتنة من يسر الله ـ تعالى ـ من العلماء، وانعزل بعضهم، وتأول بعضهم؛ وذلك أن المأمون شدّد على الناس، وكان الناس يُهَدّدون بالعزل وبأنواع من العقوبات إذا لم يقولوا بهذه المسألة، فتثبت الله ـ تعالى ـ من ثبت، وكان منهم أحمد بن نصر الخزاعي، وهو من أئمة المسلمين، وقتل بسبب هذه المسألة، ومنهم محمد بن نوح ولم يكن من أهل العلم، ولكنه كان على خير كثير، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، وهو الذي حفظ الله به الملة، وقام لله قومة حُفِظت له عبر التاريخ، حتى أصبح إمام أهل السنة والجماعة، فلا تذكر السنة إلا ويذكر هذا الإمام الجهبذ، وأقر له بالفضل أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، وقد ابتدأت فتنته زمن المأمون، وأمر بسجنه، إلا أن المأمون قُبِض قبل أن يلتقي بالإمام أحمد، وقيل: إن الإمام أحمد دعا الله أن بكفيه شر المأمون فمات، والله أعلم.

إلا أن رحى الفتنة والبلاء دارت في زمن المعتصم، فهو الذي جرى بينه وبين الإمام أحمد المناظرة المشهورة، وهو الذي جلد الإمام أحمد على مسألة خلق القرآن، والإمام أحمد إمام جليل، ذاع صيته في الأمصار، وعرف قدره في سائر بلاد الإسلام، ولذلك لما ثبت ـ رحمه الله ـ ثبّت الله الأمة بثباته، لذلك قيل: إن الإمام أحمد قام في حفظ الدين ونصر الملة، نظير ماقام به أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في الردة، فحفظ الله الأمة في زمن أبي بكر، بما يسر الله من حرب المرتدين، وحفظ الله الأمة في زمن الإمام أحمد، بما قام به من الثبات على الحق والمناظرة والمنافحة عن القرآن وأنه كلام رب العالمين.

قد يقول قائل: القول بخلق القرآن قول من أقوال أهل الضلال، فلماذا صارت فيها هذه الفتنة العظيمة؟! فالجواب: أن هذه المسألة من أصول المسائلالمتعلقة بالإيمان بالله، والرسل والكتب، ولهذا كان الذين يكذبون الرسل يكذبون أن الله أنزل إليهم كتبا، يقول الله ـ تعالى ـ:﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ (2)  -فأشار إلى أن هؤلاء تعجبوا من إنزال الوحي على أحد من البشر، وقال نوح أيضا:﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ (3)  فالقضية تتصل بأصل الإيمان بالله ـ تعالى ـ فمن لم يؤمن بأن القرآن كلام الله، لم يؤمن بأن الله أنزل كتباً على رسله، كما أنه سينخرم إيمانه بالرسل؛ إذ الرسل يبلغون عن الله ـ تعالى ـ ومن لم يؤمن بالكتاب ولا بالرسول، لم يؤمن بالله كما يجب، وقد قال الله ـ تعالى ـ في بيان عظيم هذا القول وخطورته:﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ (4)  ، يعني أن من كذّب إنزال القرآن، وإنزال سائر الكتب على النبيين، فإنه لم يعظم الله حق تعظيمه، ولذلك قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِـ في أيّ شيء؟ـإِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾، فالقضية كبيرة وخطيرة، ولهذا توعد الله ـ تعالى ـ بالنار مَن كذّب القرآن، وزعم أنه ليس كلام الله ـ تعالى ـ يقول الطحاوي ـ رحمه الله ـ وهو من الأئمة الذين كانوا قريبي عهد بهذه الفتنة: "فمن سمعه ـ يعني بالقرآن ـفزعم أنه كلام البشر فقد كفر"، وهذه عقيدة متفق عليها بين أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وتنوع طرقهم، فمن قال: القرآن ليس كلام الله فهو كافر، وقد ذمه الله ـ تعالى ـ وأوعده بسقر، قال ـ تعالى ـ عمن يقول هذا القول:﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (5)  قال الله ـ تعالى ـ في وعيده: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (6)  ،وبهذا يتبين أن هذه المسألة كبيرة، وليست من هامش مسائل الاعتقاد، بل هي من مسائل الأصول التي لا يخلو أصل من أصول الإيمان من التعلق بها، ولهذا قال شيخ الإسلام في الواسطية: "ومن الإيمان بالله وكتبه ورسله الإيمان بأن القرآن كلام الله، ليس مخلوقا، منه بدأ وإليه يعود"، فأشار إلى ارتباط هذا الأصل بالإيمان بالله، والإيمان بالكتب، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل، فعدم الإيمان بأن القرآن كلام الله ـ تعالى ـ كفر، قال الله ـ تعالى ـ:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (7)  فذكر الله ـ جل وعلا ـ حال هؤلاء الكفار، وأنهم لا يؤمنون بالقرآن.

ومما يدل على أن هذه المسألة مسألة كبيرة، أن القرآن قد أبدى وأعاد في تقرير أن القرآن كلام الله وأنه منزل من عنده، ولذلك يذكر الله ـ تعالى ـ في افتتاج بعض السور القرآنَ ويثني على نفسه بأنه أنزله، وأنه حق، يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (8)  ، ويقول ـ سبحانه وبحمده ـ:﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (9)  ، ويقول ـ جل وعلا ـ:﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (10)  ، ويقول ـ جل وعلاـ:﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (11)  ، في آيات كثيرة في القرآن العظيم، يذكر الله فيها إنزال هذا القرآن، وأنه من موجبات حمده وعلوه، وتمجيده سبحانه وبحمده.

والذين قالوا من الجهمية: إن القرآن مخلوق، يقولون: إنه كلام الله، لكن يجعلون الإضافة هنا إضافة خلق، كقوله ـ سبحانه ـ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (12)  فأضاف العبد إليه على وجه التشريف والتعظيم مع كونه مخلوقا لله ـ تعالى ـ وكذا قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ (13)   فإضافة الأرض إليه إضافة خلق، فقالوا: إن القرآن قد أضيف إلى الله ـ تعالى ـ إما على وجه التشريف، وإما على وجه الخلق، لكن ليس على وجه الصفة.

فتصدى لهم من تصدى من العلماء، وكان من أبرزهم وعلى رأسهم الإمام أحمد، حتى انكشفت الفتنة، وزال البلاء في زمن المتوكل، واستمر هذا البلاء في زمن المأمون والمعتصم والواتق حتى قيّد الله ـ تعالى ـ المتوكل، فرفعت الفتنة، وانكشف البلاء عن الأمة، وأمر الناس أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من القول بأن القرآن كلام الله ـ تعالى ـ غير مخلوق.

ثم إن الجهمية صار لهم تعددت أقوالهم، فمنهم من قال: القرآن كلام الله مخلوق، ومنهم من قال: لا أقول: إنه مخلوق ولا غير مخلوق، وهو قول الواقفة.

ومنهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وهم المعروفون باللفظية، وهذا القول الأخير إنما قالوه في آخر الوقت، لما ظهرت السنة وانقمعت البدعة، أصبحوا يتوارون بهذا القول عن قولهم الصريح: القرآن مخلوق، ومعلوم أن اللفظ قد يراد به تلاوة التالي، وقد يراد به المتلو نفسه، فجعلوا هذا القول ستارا يتوارون به، ويدلسون به عن أهل السنة، ويخفون به قولهم الذي أسروه وهو أن القرآن مخلوق، وقد جاء عن السلف ذم هؤلاء كلهم، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله.

يقول ـ رحمه الله ـ: (وقل)وقل: ليس المقصود به قول اللسان فحسب، بل المقصود به قول القلب، وقول اللسان، أي: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وهذا القول أمر الله ـ تعالى ـ به في مثل قوله ـ تعالى ـ:﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ (14)   ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (15)  ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (16)  وما أشبه ذلك من النصوص التي أمر الله ـ تعالى ـ فيها بالقول، وهو مضمن معنى الاعتقاد، فمعنى قوله: (قل) أي: اعتقد وأظهر وأشهر هذه المقولة.

قوله:(غير مخلوق كلام مليكنا)أي: أن كلام الله ـ جل وعلا ـ غير مخلوق، والمقصود هنا القرآن العظيم، كلامه الشرعي؛ لأن الله ـ جل وعلا ـ يتكلم بنوعين من الكلام من حيث الجملة أو العموم: كلام شرعي، وكلام قدري، الكلام القدري هو الذي يجري الله ـ تعالى ـ به ما شاء في هذا الكون ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (17)  فعن الكلام القدري يصدر كل شيء في هذا الكون، يقول الله ـ تعالى ـ:﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي (18)  هذا المراد به كلامه القدري، أما كلامه الشرعي فهو معلوم، وهو الكتب التي أنزلها على الرسل، فالقرآن والتوراة والإنجيل، كل هذا كلام الله الشرعي.

فقول المؤلف: (وقل غير مخلوق كلام مليكنا) قلنا المراد به الكلام الشرعي، فلماذا قصرنا المعنى على هذا؟ الجواب: أن القرآن هو محل الخلاف مع الجهمية، وإن كانت مسألة الكلام من حيث أصلها مسألة خلاف بين أهل السنة وغيرهم، يعني اختلف فيها الناس حتى قال بعض الأئمة: مسألة الكلام حيّرت الأنام، حتى بلغت الأقوال فيها إلى تسعة، وهي أقوال مضطربة، إلا ما كان عليه سلف الأمة، مما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأما بقية هذه الأقوال فهي  داخلة في قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (19)  .

وقوله:(كلام مليكنا)الإضافة هنا هو من باب إضافة الصفات، والله ـ تعالى ـ قد أضاف إليه الكلام في كتابه، ومن ذلك قول الله ـ تعالى ـ:﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ (20)  فأضاف الكلام إليه، وقد أجمعت الأمة، بل الرسل على أن الله ـ تعالى ـ يتكلم، وبهذا يرد على الجهيمة الذين قالوا إن كلام الله مخلوق واستدلوا بقوله ـ جل وعلاـ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (21)  ،قالوا: والقرآن شيء، إذا فهو مخلوق! لكن هذا كذب وضلال، وترويج للباطل، فهو إما أن يكون عن قصور في الفهم، أو سوء في القصد، وهذا كثيرا ما يحصل، وإذا تأملت في الضلالات على اختلافها، فلا تخرج عن واحد من هذين السببين، وقد يجتمعان، فالذي يعتقد أمرا ثم يأتي لتقرير هذا الأمر فإنه سيبحث عن كل ما يعزز هذا الرأي، وإن كان لا دليل فيه، ومن ذلك هذا الاستدلال، والله ـ تعالى ـ قد قال:﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ (22)  فالله شيء، فهل يكون الله ـ تعالى ـ مخلوقا  داخلا في قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟!الجواب: لا، ففي كل مقام تفهم ألفاظ العموم بحسب السياق، فلا يمكن أن نقول: إن كل هنا تشمل كل شيء مما يدل عليه السياق وما لا يدل عليه، فمثلا الله ـ تعالى ـ قال عن الريح التي بعثها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ (23)  ، فهل دمرت السموات والأرض؟ لا، ولكن دمرت ما دل عليه السياق مما يتعلق بهؤلاء المعتدين الكافرين من قوم عاد، وهذا يدل على ما ذكره أهل العلم، أن "كل" في كل مقام تدل على عموم يناسبها بحسب السياق، وليس  على العموم المطلق الذي يدخل فيه كل شيء، فهذه الآية ليس فيها دليل على أن الله ـ تعالى ـ خالق كلامه، بل هذا تزوير، فالله ـ تعالى ـ أخبر أنه تكلم به، وأضافه إليه، وأنزله من عنده، فهو صفة من صفاته، كما دل على ذلك سائر ما تقدم من الأدلة.

وعلى هذا تتابع أهل السنة في القرون المفضلة، بل إن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قال: إن المنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم من تقرير أن القرآن كلام الله لا يحيط به كتاب، يعني أنه شيء كثير يصعب أن يحاط به أو يجمع.

قال المؤلف: (وبذلك) المشار إليه ما تقدم من أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

قال:(دان)اعتقد وانقاد وذل، (الأتقياء) لأنهم اتقوا الضلالات، ولأن الله وقاهم شر البدعة والضلالة، والتقوى هي أن يكون الإنسان قائما بأمرالله ـ تعالى ـ منتهيا عما نهى عنه، على نور من الله ـ تعالى ـ رغبة ورهبة، ومن ذلك ما يتعلق بالعلم به سبحانه وبحمده.

قال: (وأفصحوا) أي: أظهروا ذلك وأبانوه بيانا لا يلتبس ولا يختل.

قال: (ولا تك في القرآن بالوقف قائلا) إذا هذه إشارة إلى ثاني أقوال الجهمية في مسألة القرآن، وهي الوقف، بأن يقول الإنسان: لا أقول القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق، وقد سبق بيان ذلك، ولذلك نهى المؤلف ـ رحمه الله ـ عن ذلك وذم هذا السبيل فقال:

ولا تك في القرآن بالوقف قائلا     كما قال أتباع لجهم وأسجحوا

أي: ومالوا وانحرفوا عن مقالتهم السابقة إلى هذا، وجعلهم من أتباع جهم والمراد بجهم هنا جهم ابن صفوان الهالك في عام ثمانية وعشرين ومائة للهجرة النبوية.

وقوله: (أسجحوا)أي: لانت نفوسهم له.

يقول ـ رحمه الله ـ: (ولا تقل القرآن خلق قراءته) أي: قراءتي ولفظي مخلوق، وهذا إشارة إلى البدعة الثالتة المتعلقة بالقرآن وهي قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.

قال:(فإن كلام الله باللفظ يوضح)أي: إن كلام الله ـ تعالى ـ إنما يتبن بألفاظه، وقولك: لفظي بالقرآن مخلوق، يوهم أن اللفظ الذي تلفظت به ـ وهو القرآن ـ مخلوق، وهذا خلاف ما كان عليه سلف الأمة، وخلاف ما دلت عليه النصوص، ولذلك نهى المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذه الأبيات الثلاثة عن مسالك الجهمية في مسألة القرآن، فنهى عن القول بخلق القرآن، ونهى عن الوقف، ونهى عن قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فالقرآن هو ماتلفظ به المتلفظ، وماتلاه التالي، وهو المحفوظ في الصدور، والمكتوب في السطور، فلا يخرج القرآن عن كونه كلام الله ـ تعالى ـ بكتابته، ولا بحفظه، ولا بتلاوته، لكن حركة اللسان التي يحصل بها قراءة القرآن هل هي مخلوقة أو لا؟ الجواب: معلوم أنها مخلوقة، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ولذلك يؤجر الإنسان على هذا العمل، لكن هذا لا ينفي أن المتلو والمتلفظ به هو كلام الله ـ جل وعلا ـ فالكلام ينسب إلى الله ـ تعالى ـ صفة، وإلى جبريل والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تبليغا، وإلى التالي تلاوة، لكن لا ينفي هذا كله أن يكون القرآن كلام الله ـ جل وعلا ـ ولو ترك الناس إلى ما اقتضته فكرتهم وما تبادر إلى أذهانهم من دلالات الكتاب والسنة، ما احتاج العلماء إلى مثل هذا الكلام لظهوره ووضوحه في عقول الناس وإدراكاتهم، لكن اضطر العلماء أن يدخلوا في مثل هذه المضايق، ويفصلوا هذه التفاصيل ردا على بدع المنحرفين، ولذلك قال الإمام أحمد: "لما تكلموا تكلمنا"، يعني أن الكلام في مثل هذه الأمور اضطرار، وإلا فسلف الأمة لم يدخلوا في مثل هذا، ولم ينقل عن أبي بكر ولا عن عمر ولا عن عثمان ولا عن علي، ولا عن سائر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولا عن التابعين، لكن لما حدثت البدع اضطر أهل السنة والجماعة أن يتكلموا وأن يبينوا بطلان ما أحدثه المحدثون.

والقرآن كلام الله بحروفه وكلماته ومعانيه، فليس القرآن اللفظ دون المعنى، كما أنه ليس القرآن المعنى دون اللفظ، بل القرآن هو مجموع الألفاظ والمعاني، وهذا يرد على بدع متنوعة حصلت في هذا الباب، فالذين قالوا: إن القرآن كلام الله المعنى دون اللفظ، كما ذهب إليه الكلابية، حاولوا أن يتخلصوا من بدعة الجهمية والمعتزلة، فما وُفقوا إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم، إنما أخذوا بنصف قول الجهمية وبنصف قول أهل السنة.