الحلقة(12)تبارك الله رب العالمين 2

رابط المقال

الحمد لله رب العالمين، تبارك الله رب العالمين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، أحمده جل في علاه حق حمده، لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صفيه وخليله، وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فحياكم الله وأهلاً وسهلاً بكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم: فادعوه بها.

إننا في هذه الحلقة سنتكلم عن اسم الله ـ تعالى ـ: رب العالمين، ذلك الاسم العظيم الجليل الذي تسمى به الله ـ سبحانه وتعالى ـ وذكره في آياته، وقد تكلمنا عن شيء من دلالات هذا الاسم، وأنه يدل على عظيم ملك الله ـ تعالى ـ وعلى رزقه، وعلى تدبيره، وعلى إحيائه وإماتته، وهذه هي الربوبية العامة التي تنتظم كل شيء، فما من شيء في السماوات ولا في الأرض إلا الله ربه، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ (1)  قال الله ـ تعالى ـ بعد ذلك: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ (2)  ، فالرب ـ جل في علاه ـ هو الذي يصنع هذه الأشياء، وهو الذي يرزق من في السماوات ومن في الأرض، وهو الذي يدبر، وهو الذي يملك، وهو الذي يحيي ويميت ـ سبحانه وبحمده ـ هذا شأن رب العالمين الذي عمَّ بربوبيته الخلق جميعاً، وأما ما يتعلق بربوبيته الخاصة فتلك ولاية وعناية وتسديد وتوفيق وهداية لمن فاز بتلك الربوبية الخاصة التي لا تكون إلا لأولياء الله المتقين، ولحزبه المفلحين، ولعباده الصالحين، من ذلك قول موسى ـ عليه السلام ـ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (3)  ، إنها ربوبية خاصة اقتضت عناية فائقة وتسديداً ورعاية فاز بها عليه الصلاة والسلام.

(رب العالمين) اسم من أسماء الله ـ عز وجل ـ وهذا الاسم له خصائص عديدة تميز بها، فهو اسم معناه مستقر في الفِطَر كلها، فإن الفطر شهدت والعقول أقرت بأن الله ـ تعالى ـ رب العالمين، فلا خروج للناس عن هذا، بل كل الناس يقرون بأن الله ـ تعالى ـ ربهم، وأنه خالقهم، وأنه رازقهم، وأنه رب السماوات والأرض، ولا يخرج عن هذا إلا المستكبرون الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، كما قال ـ جل في علاه ـ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (4)  ، فهذا فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، ماذا كانت نهايته؟ كان من آخر ما قاله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (5)  أقر في نهاية المطاف بربوبية رب العالمين، وكان قد استكبر وعلا في الأرض وقال: ما رب العالمين؟ وقال: أنا ربكم الأعلى، لكنه غلب ما في قلبه ما عنده من الجحود، فظهر في تلك الساعة وأقر بأن الله جل في علاه سبحانه وبحمده رب العالمين.

إن معنى هذا الاسم مستقر في الفِطَر، لا يمكن أن يتعالى عليه أحد، ومهما استكبر مستكبر، فإنه في نفسه وفي قراءة قلبه مقر بأن الله ربه، فهؤلاء الملحدون الذين يقولون: لا إله والحياة مادة، والذين يقولون: ليس هناك رب لهذا الكون، هؤلاء كما قال الله ـ تعالى ـ عن زعيمهم فيما قصه عن موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ (6)  ، فأيقن موسى أن فرعون إنما كذَّب بهذا بلسانه، وأما بقلبه وفؤاده فإنه مقر بأن الله رب العالمين، كما قال ـ جل وعلا ـ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (7)  .

إن من خصائص هذا الاسم بعد أن ذكرنا الخاصية الأولى وهي: أن الله ـ تعالى ـ جعل معنى هذا الاسم في القلوب، «كل مولود يولد على الفطرة»، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (8)  ، فالقلوب مفطورة على الإيمان بأن الله رب العالمين.

من خصائص هذا الاسم التي اختص بها بين الأسماء: أنه في واقعه ودلالته معناه قائم في كل خلق الله ـ جل وعلا ـ وشواهد ذلك قائمة في جميع الخلق، لا يخلو عن ذلك أحد من الخلق، فجميع الخلق لهم من ربوبية الله نصيب، فهو رب العالمين، والعالمين: جمع عالم، والعالم: هو كل ما سوى الله ـ جل في علاه ـ فكل ما سوى الله عالم وأنا وأنت واحد من هذا العالم، فالله ربنا ـ جل في علاه ـ فهو رب كل شيء سبحانه وبحمده.

إن الله ـ جل وعلا ـ منفرد ـ سبحانه وبحمده ـ بربوبية العالم والكون، فهو رب العالمين، ليس له في ذلك شريك، ولهذا كان الكفار يقرون بأنه لا شريك مع الله ـ عز وجل ـ فهذا الاسم من خصائصه أنه متعلق بجميع الخلق، وأنه لا شركة فيه لله ـ عز وجل ـ ولذلك: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ (9)  رزق، وملك، وخلق، وتدبير، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ (10)  ، هذا الجواب جواب المشركين المعاندين للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المكذبين لدعوته، إنهم يقرون بأنه رب العالمين ـ سبحانه وبحمده ـ وأنت قف في الدنيا كلها وناقش من شئت ستجد أنه سيقر بأن هناك رباً هو الذي خلق، بأن هناك رباً هو الذي صنع، بأن هناك رباً هو الذي دبَّر هذا الكون، أكبر الملحدين وأعظم أصحاب الإلحاد الذين ينكرون أن للكون إله تجد في كتاباتهم وفي نهاياتهم ما يقرون أن وراء هذا الكون مدبَّر، قد لا يقولون بأنه الله الملك الرازق الإله ويصفونه بما يجب له، لكنهم يقرون بأنه لم يوجد هذا العالم صدفة.

ولو قال لك قائل: إن سفينة في البحر اجتمع خشبها فجأة وترتب ترتيباً متناسقاً في ألواح وضُمَّت هذه الألواح وشُدَّ بعضها إلى بعض بمشدات ومسامير حتى تكون القارب وركبه من ركبه واستعمله؛ لكان قول هذا ضرباً من الجنون، ولضحك منه القريب والبعيد، فإذا كان هذا في قارب يستبعد العقل ويستهجن أن يكون مخلوقاً بهذه الطريقة العشوائية التي حصلت من غير تدبير، صدفة، اجتمعت هذه الألواح صدفة، وشُدَّ بعضها إلى بعض صدفة، وتكونت هذه المقاعد في هذه المركبة صدفة، وصارت قارباً يُركب ويُحمى من أن يتسرب إليه الماء؛ كل هذا نوع من الخَبَل والعَطَب في العقل إذا حكاه أحد، فكيف بهذا الكون بسمائه وأرضه، وأرجائه وفضائه، وسائر شأنه، فلا يمكن أن يكون إلا من صنع الذي أتقن كل شيء ـ سبحانه وتعالى ـ ولهذا قال رجل لأعرابي: كيف عرفت ربك؟ فاستدل بأبسط ما يكون، قال: سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، يعني: طرق ومسالك. وبحار ذات أمواج، ألا تدل على الله جل في علاه؟ فاستدل على الله ـ تعالى ـ بصنعه، فلا يمكن أن تكون هذه السماء المزينة ولا تلك الأرض المسهلة المبسوطة الميسرة، وتلك الأمواج الجارية إلا من صنع من بيده الملك سبحانه وبحمده.

إذاً: من خصائص هذا الاسم الكريم: أنه ليس لله فيه منازع، ومن جحده إنما جحده عن استكبار وعتو وإلا فإن الله ـ تعالى ـ لابد أن تقر النفوس بأنه رب العالمين، ما في سبيل ولا يمكن إلا على وجه الاستكبار: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ (11)  أي: بأنه رب العالمين وأنه الله ـ جل في علاه ـ ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.

إن من خصائص هذا الاسم الكريم: أنه لا يرد في الغالب إلا مضافاً، بمعنى: لا يرد اسم الرب منفرداً، بل مضاف إلى: رب السماوات، ربنا، رب العالمين، فيرد مضافاً وذلك في القرآن في كل موارد ذكر هذا الاسم، لم يرد: الحمد لله الرب، إنما: الحمد لله رب العالمين. لم يرد الخبر عن الله ـ عز وجل ـ في القرآن بهذا الاسم منفرداً، أما السنة فجاء ذلك في حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»  (12)  ، فجاء منفرداً، وهذا في السنة فقط، أما القرآن فيأتي هذا الاسم مضافاً، وهذا من سمات ومميزات هذا الاسم.

ومما يختص به هذا الاسم: أنه لا يُطلق على غير الله ـ تعالى ـ مطلقاً، بمعنى: أنه لابد إذا سُمي به غير الله ـ تعالى ـ أن يكون مقيداً، ما يصلح أن يكون مطلقاً، ولذلك تقول: رب الدار، ورب الأرض، ورب الماشية، ورب الغلام إذا كان مملوكاً وهذا في زمن مضى، وما أشبه ذلك من التقييدات، لا يوصف غير الله ـ تعالى ـ به على وجه الإطلاق، إنما يكون ذلك مقيداً، ولهذا نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يضاف ذلك إلى غير الله ـ جل وعلا ـ فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي»  (13)  ، فلا يُطلق على غير الله ـ تعالى ـ منفرداً بالضمير، بل إذا أُضيف في سياق الحديث عن أحد من الخلق، فإنه يُضاف مقيداً بذِكْر المضاف إليه لفظاً لا ضميراً، فلا يقال في البيت: ربه فلان، إنما يقول: رب البيت فلان، وهكذا من الألفاظ التي يتأدب فيها المؤمن مع الله ـ تعالى ـ ومع جناب هذا الاسم العظيم له، فلا يضيفه إلى غير من يستحقه على وجه الإطلاق وهو الله رب العالمين، تبارك الله رب العالمين سبحانه وبحمده، لا نحصي ثناءً عليه كما أثنى على نفسه.

وإلى أن نلقاكم في حلقة قادمة من برنامجكم: فادعوه بها، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.