الحلقة (1) فاعلم أنه لا إله إلا الله.

رابط المقال

الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون أحمده ـ جل في علاه ـ وله الحمد كله، أوله وآخره، ظاهره وباطنه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، لا أحصي ثناءً عليه كما أثنى هو على نفسه.

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صفيه وخليله، خيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، داعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، أخرج الله ـ تعالى ـ به الناس من الظلمات إلى النور، به أبصر الناس ربهم الذي يعبدون، وعرفوا الطريق الموصل إليه ـ جل في علاه ـ فعرَّف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بربه، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها، وأنارت السبل، وأضاء الله به القلوب، وترك الناس على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين.

هذا بعض حقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نذكره وأن نحبه، وأن نصلي عليه، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أما بعد:

فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم أيها الإخوة والأخوات.

هذا البرنامج هو برنامجكم، وفيه سنتناول شيئاً مما يعرِّفنا بالله ـ عز وجل ـ ومما يقربنا إليه، مما نتعرف به على الله الذي نعبده، الله الذي نتقرب إليه بأنواع القربات، الله الذي له نصوم وله نصلي وإليه نسعى ونحفد، ونرجو رحمته ونخاف عذابه.

إننا في هذا البرنامج سنتناول ما يتصل بالله تعريفاً وتعليماً وتجلية وتوضيحاً، ذلك أن العلم بالله أجلُّ العلوم. وهذا البرنامج عنوانه: فادعوه بها، واخترنا هذا الاسم؛ لأنه جزء من قوله ـ جل وعلا ـ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (1)  وهو بيان الثمرة والمقصود من المعرفة بالله جل في علاه.

هذا البرنامج هو أحد البرامج الذي تشرف عليه وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، توعية وتبصيراً وإرشاداً وتعريفاً بالحق ودلالة عليه، فجزاهم الله خيراً.

أيها الإخوة والأخوات! إننا في هذا البرنامج في أولى محطاته وفي أولى حلقاته، نحتاج أن نعرف ما أهمية العلم بالله، نحتاج أن نعرف ما معنى العلم بالله؟

العلم بالله:هو معرفة الرب ـ جل في علاه ـ معرفة ما له ـ سبحانه وبحمده ـ من الكمالات، معرفة ما له من الأسماء، معرفة ما له من الصفات، معرفة ما له من الأفعال الجليلة الجميلة، هذا هو العلم بالله.

العلم بالله:هو أن تعرف الله ـ جل في علاه ـ أن تتعلم ما له من كمال صفاته وكمال أسمائه، وجميل أفعاله ـ سبحانه وبحمده ـ هذا العلم هو أشرف العلوم على الإطلاق، فكل العلوم عنه صادرة، كل العلوم تنبثق من العلم بالله عز وجل.

وحتى يتبين أهمية مثل هذه الموضوعات أو هذا الموضوع على وجه الخصوص نحتاج أن نقف مع أنفسنا في بداية طرقنا لهذا الموضوع: ما نصيبنا من علمنا بالله ـ عز وجل ـ ومعرفتنا به؟ كثير من الناس يقول: أنا أعرف ربي، نعم، لكن هذه المعرفة الناس فيها متفاوتون تفاوتاً كبيراً؛ ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: «والذي نفسي بيده! إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له»  (2)  ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبيناً ما خصه الله وما أعطاه الله ـ تعالى ـ إياه من مزية كبرى، وهي أنه أعلم الخلق بربه ـ جل في علاه ـ وكلما زاد علمك بالله زادت عبوديتك له ـ جل في علاه ـ ولذلك من المهم أن نعرف هذا العلم ما منزلته، ما مكانته في الشريعة.

إن أولى آيات الكتاب الحكيم، أول ما أنزله الله على الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو قوله ـ جل وعلا ـ في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3)  قف مع هذه الآية، قفيِ مع هذه الآيات وتأملوا: ما هذا الذي أمر الله ـ تعالى ـ به؟ في أول خطاب إلهي لخاتم المرسلين أمره بالقراءة، ثم لما أمره بالقراءة وجهه إلى أن يقرأ باسمه، أي: يبتدئ قراءته باسم الله ـ عز وجل ـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (4)  ، وهو لم يقتصر فقط على الأمر بالاسم الذي قد لا يُعلَم معناه، إنما أمر بقراءة الاسم وبيَّن من الصفات والأفعال التي توجِب أن ينجذب القلب إلى هذا الرب جل في علاه.

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (5)  خلق ماذا؟ خلق كل شيء، والله خالق كل شيء، فأمره بأن يقرأ باسمه جل في علاه.

ثم ذكر أول المخلوقات: الإنسان؛ لأن الخطاب موجَّه إليه، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (6)  فبدأ بنفسه، قبل أن ينظر في هذا الكون الفسيح، وهذا الفضاء الواسع، أمره أن ينظر إلى نفسه، الإنسان خلقه الله من علق، وهذا هو أحد المراحل التي يكون فيها الإنسان قطعة من الدم تتكون وتنشأ عن تلقيح البويضة بالحيوانات المنوية، فينشأ هذا الخلق العجيب الذي له من الحكمة في وجوده والأسرار في خلقه ما الله به عليم.

ثم بعد ذلك عاد إلى أشرف المعلومات، فقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (7)  أمره بالقراءة ثم لفته إلى أمر مهم، وهو أوصاف الله ـ تعالى ـ أسماؤه ـ جل في علاه ـ أفعاله ـ سبحانه وبحمده ـ فقال:﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (8)  وأتى بصيغة المبالغة: الأكرم في كل شيء، الدال على تمام السعة وكمال العطاء وواسع الإحسان منه جل في علاه.

هذا هو التعريف بالله، فبدأ الله ـ جل وعلا ـ خاتم الرسالات بالتعريف به؛ لأن الرسل جميعاً على اختلاف أقوامهم، وعلى اختلاف أزمانهم، وعلى اختلاف أماكنهم؛ كلهم جاءوا بالله معرِّفين.

ما من رسول أرسله الله، وما من نبي بعثه الله إلا وهذه مهمته، إن المهمة الأولى لكل رسول هي التعريف بالله ـ عز وجل ـ ولذلك كانت خاتم الرسالات مبتدأة بالتعريف بالله، وأنه الخالق، وأنه الأكرم جل في علاه، وأن حقه أن يُعبَد سبحانه وبحمده.

إذاً: منه يتبين أن العلم بالله أشرف العلوم؛ لأن الله افتتح به رسالة خاتم المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن المهم لكل مؤمن ومؤمنة أن يبحث عن نصيبه، وأن يسأل نفسه: ما نصيبه من العلم بالله عز وجل؟ وما مدى معرفته به جل في علاه؟ كم أنا على علم به؟ وكم أنا على معرفة به؟ وكم أنا على إحاطة وإدراك بهذا الرب الذي له أصلي وله أسجد وله أتصدق وله أصوم وإليه أسعى وأحفد وإليه المصير والمرجع.

لابد أن تعرف ولابد أن تعرفي صفات الله ـ عز وجل ـ ولذلك ما من سورة؛ بل ولا من آية في كتاب الله ـ عز وجل ـ إلا وفيها من ذكر أسمائه أو صفاته أو أفعاله، أو ما يجب له ما يتحقق به الإيمان، لهذا أصل العلوم والمعارف هو العلم بالله ـ عز وجل ـ ولذلك قال العلماء  (9)  : أول واجب على المكلَّف هو العلم بالله ـ عز وجل ـ لأنه لا يمكن أن تتحقق عبودية، ولا يمكن أن يتحقق عمل صالح إلا بعد العلم بالله ـ عز وجل ـ قال الله ـ جل وعلا ـ لرسوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (10)  ، فالعلم به هو أول المعارف الواجبة التي لا يستقيم قلبٌ ولا يصلح دين ولا تتحقق عبودية إلا به، إذا لم نعرف الله كيف نعبده؟، وإذا لم نعرف الله كيف نحبه؟، وإذا لم نكن على علم بكمالاته كيف تنجذب قلوبنا إليه تعظيماً وخوفاً ورجاءً؟، وما إلى ذلك من أعمال القلوب الكثيرة إنها لا تكون إلا ثمرة العلم به ـ جل في علاه ـ لذلك تواطأت كلمات العلماء على شريف منزلة هذا العلم، وأنه في العلو والارتفاع والذروة في العلم والعلوم والمعارف.  (11) 

إن الناس يطلبون أنواعاً ويطلبون في طرق كثيرة لتحصيل العلم، لكن أشرف العلوم هو العلم بالله، ومما يشير ويؤكد إلى أهمية هذا العلم؛ أن أول سؤال يسأله الإنسان في قبره: من ربك؟ ولا يمكن أن يجيب على هذا السؤال الخطير الذي به نجاح الآخرة وفوزها إلا من كان بالله عالماً وبه عارفاً ـ جل في علاه ـ ولا يمكن أن يجيب أحد لا يعرف ربه، وليست المعرفة هي أن يعد الأسماء، سيأتي كيف تكون المعرفة؟، المعرفة أصلها هي معرفة القلب بالله عز وجل.

إذاً: أول ما تُسأل في أول مراحل الآخرة في القبر: من ربك؟ وهذا يبين أنه من أخطر العلوم، كيف تعرفه؟ تعرفه بأسمائه تعرفه بصفاته، تعرفه بأفعاله، فإذا لم تكن عالماً بأسمائه ولا بصفاته ولا بأفعاله، ولا بما له من الكمالات ـ جل في علاه ـ كيف ستجيب؟! الموقف مدهش، وليس المقصود هو الآن أننا لو سألنا أي واحد حتى الصغار وقلنا له: من ربك؟ قال: ربي الله.

فالجواب في حال السعة ليس كالجواب في حال الضيق، والجواب في حال السكون ليس كالجواب في حال الاضطراب  فإن الناس إذا آوى إلى قبره ووضع في لحده، أتاه ملكان على هيئة مزعجة فيسألانه: من ربك؟ فيقول الموفق المسدد: ربي الله؛ لأن العلم قد رسخ في قلبه، فلا يغيب عنه مهما كانت الدهشة، ومهما كان الحال مخيفاً، فهو سيسدد إلى الجواب لكنه فيما إذا كان على غير علم ولا دراية، قال: (ها ها لا أدري).  (12)  وهذه حال الكافر وحال المنافقين، نعوذ بالله من الخسران.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم العلم به، اللهم اجعلنا من العالمين بك، العارفين بما لك من الكمالات، وأثمِر ذلك يا ربنا في قلوبنا محبة وتعظيماً.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.