الحلقة(12) من برنامج مفاتيح

رابط المقال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، أحمده حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة صدق أرجو بها النجاة من النار، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

فأهلا وسهلا ومرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات حياكم الله في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم مفاتيح، "مفاتيح" نتحدث فيه عن مفاتيح البر، مفاتيح الجنة، مفاتيح الخير، مفاتيح السعادة، مفاتيح الطمأنينة، مفاتيح السكن، مفاتيح كل خير يرجوه الإنسان في دنياه وأخراه، إن الله تعالى جعل لكل شيء مفتاحًا، فليس شيء إلا وله مفتاح، فابحث عن المفاتيح لتصل إلى المطالب، وتفتح الأغلاق، وتصل إلى ما وراء الأبواب، اللهم أعنا على طاعتك، وافتح لنا من أبواب رحمتك ما تبلغنا به سعادة الدنيا وفوز الآخرة.

أيها الإخوة والأخوات! مفتاح هذا اليوم هو الصدق، ذاك الخلق والخصلة التي بلغت في الغاية أعلى مراتب الإنسانية والبشرية، أن يكون الإنسان من الصادقين، فأعلى المراتب بعد مرتبة النبوة، مرتبة الصديقية، أن يكون الإنسان صادقًا، الصدق مرتبة عليا ومنزلة كبرى، يدرك بها الإنسان خيرًا كثيرًا، ويفوز بها فوزًا عظيمًا، الصدق هو سبب دخول الجنة، فالصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة كما قال النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

الصدق مفتاح الفضائل كلها، فليس شيء من خير الدنيا، وخير الآخرة، إلا وينال بالصدق، لذلك يقول ابن القيم –رحمه الله-:صدق التأهب للقاء الله –عز وجل-مفتاح جميع الأعمال الصالحة  (1)  ، فالصدق هو مفتاح كل خير، ولذلك وصفه النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بهذا المفتاح، فقال:« الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة»  (2)  ، البر اسم جامع لكل خير وفضيلة، اسم جامع لكل سعة وراحة، اسم جامع لكل طاعة ظاهرة أو باطنة، اسم جامع لكل ما أمر الله تعالى به ورسوله.

فالبر يشمل حسن الصلة بالله، يشمل حسن الصلة بالخلق، يشمل أداء الحقوق، يشمل الإحسان، يشمل الإيمان، يشمل كل خصال الخير، لهذا كل منازل الخير، منازل الطاعة، منازل الإحسان، الخصال المباركة والمزايا الحسنة، إنه المفتاح الذي يدرك به الخير، والمفتاح بيد الفتاح العليم، فاصدق الله في طلبك، والرغبة فيما عنده لتفوز بذلك البر، وذلك الفضل، الله تعالى بشر الصادقين بما يكون لهم يوم العرض عليه، الله تعالى في محكم كتابه يقول: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (3) 

 الله أكبر! هذا يوم القيامة، يوم يقوم الناس فزعين خائفين وجلين مضطربين، لكن الصادقين يكونون على حال مختلفة عن هؤلاء، أنهم ينتفعون بصدقهم فيفوزن، وينجون ويدركون كل ما يؤملون من أمن، فإنه لا أمن إلا لمن أتى الله بقلب سليم  ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (4) 

 الله أكبر! إنه فوز لا فوز بعده، ولا نجاة فوقه، إنه الفوز العظيم الذي إذا أدركه الإنسان نجا من كل شر، وفاز بكل خير، هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم يعني يوم القيامة، لكن هذا لا يعني أنهم لا ينتفعون قبل ذلك.

هم ينتفعون بصدقهم في دنياهم بكل أنواع المنافع، الدينية والدنيوية، لكنهم في ذلك اليوم يظهر لهم انتفاعهم بالصدق على وجه لا يلتبس، ولا يقع فيه شك ولا ريب، يظهر لكل أحد أن الصادقين هم الفائزون، الصدق هو صدق القلب بنية العمل الصالح، وصدق اللسان في القول، وصدق العمل بأن يكون مطابقًا لما في الباطن.

إذًا الصدق ليس فقط كما يتوهمه بعض الناس ألا تقول كذبًا بلسانك، لا، الصدق يشمل كل أحوالك، يشمل ما يكون في قلبك بإرادة الله –عز وجل-، فكن صادقًا لا تطلب سواه، وهذا يكون قريبًامن معنى الإخلاص، اصدقه تنل رضاه، وتفوز بما عنده من عطايا، تصدق بلسانك فلا تقول زورًا ولا كذبًا ولا فجورًا ولا شرًّا، فيكون الإنسان صادقًا بعيدًا عن كل سوء، حتى الألفاظ السيئة يتجنبها الصادق.

ولذلك قال –صلى الله عليه وسلم-:«لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُهَدَاءَ، وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»  (5)  لأنهم أساءوا، فنزلت مرتبتهم لا يكون شفعاء للناس، لأنهم أساءوا إليهم في الدنيا، فكيف يحسنون إليهم في الآخرة.

إذًا صدق القول حتى في الألفاظ بأن يتجنب سيئها، فيصدق في قوله بألا يكذب، يصدق في قوله بألا يشهد شهادة زور، يصدق في قوله بأن يكون صالحًا في قوله منتقيًا أفضل ما يستطيع من الكلام، فبذلك ينضم إلى زمرة الصادقين، أن يكون صادقًا في أحواله وأعماله، فلا يظهر خلاف ما في باطنه، فلا يتظاهر بالصلاح وباطنه على السوء، ولا يتظاهر ما ليس في قلبه، بل قلبه مطابق لما في ظاهره، وعند ذلك يكتمل الصلاح بصلاح الجوهر، وصلاح المظهر، صلاح الباطن، وصلاح الظاهر.

إن الصدق يهدي إلى البر، لذلك قال الله تعالى في بيان خصال البر ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (6)  يقول الله بعد ذكر هذه الخصال العظيمة التي تشتمل صلاح الظاهر وصلاح الباطن ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (7) 

 إنهم صدقوا في ظواهرهم وأعمالهم، صدقوا في أقوالهم، صدقوا في بواطنهم، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-كما في الصحيح من عبد الله بن مسعود «إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكون صِدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور» مقابل الصدق سواء كان في القول، أو كان في الباطن، أو كان في النية، «وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا»  (8)  نعوذ بالله من الخسران.

الصدق مفتاح النجاة، فالله تعالى ينجي الصادقين بصدقهم، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (9)  ، حتى في الدنيا إذا صدق الإنسان أنجاه الله تعالى، فالصدق منجاة، فإذا عزم الأمر يقول الله: )فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ(  (10)  ، صدق الله تعالى سبب لنيل الخيرات، حتى في الدنيا فالصادق قريب من النجاة، ولو كان في مظهر وحال صدقه أنه يهلك، لكن الصادقين موعودون بالأجر العظيم والنجاة من رب يعطي على القليل والكثير، )لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ(  (11) 

أي بسبب صدقهم وما كانوا عليه من مطابقة للواقع، وعدم خروج وتزييف سواء كان ذلك في أقوالهم أو أعمالهم أو أحوالهم، إن الصدق أيها الإخوة والأخوات طمأنينة، يعني الصادق يدرك فائدة صدقه بأن يطمئن فؤاده، يسكن قلبه.

ولذلك قال النبي –صلى الله عليه وسلم-:«الصدق طمأنينة»  (12)  ، إذًا الصدق مفتاح الطمأنينة، به يدرك الإنسان السكون والهدوء والراحة والانشراح والبهجة، يدرك شيئًا كثيرًا من الخير ذاك أن الصدق سبب لطمأنينة النفس وسكونها، الصدق يبلغ به الإنسان مناسك قصر عنها عمله، قد جاء في حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه في الصحيح أن النبي –صلى الله عليه وسلم-قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق»

 والشهادة مرتبة عالية ومنزلة كبيرة، «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»  (13) 

 هذا ما تحرك، لم يخرج لم يقاتل، لكنه صدق في الرغبة فيما عند الله –عز وجل-فبلغه الله تلك المنزلة بصدقه.

إذًا اصدق الله يصدقك، واصدق الله تجده اتجاهك، فإن من صدق الله كان الله معه وكان الله له.

 إن الصدق مفتاح للخير والبركة حتى في المعاملات البشرية، والعلاقات الإنسانية، اصدق مع الناس، احذر الكذب تجنبه، ولو بدا لك وتخليت أنه سينجيك أو سيجلب لك كسبًا، أو ستحصل من خلاله رزقًا، فاعلم أن ما تجنيه بالصدق أبرك وأعظم وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.

لذلك يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا فإن صدقا وبيَّنا بورِكَ لَهما في بيعِهما»  (14) 

إذًا الصدق والبيان وهما وجهان متقاربان، الصدق أن تقول بالواضح، والبيان أن توضح على وجه لا يلتبس ولا يدخل فيه المتعاقد معك على نوع من الخفاء، «بورك لهما في بيعهما» أي: أحل الله تعالى البركة في بيعهما، والبركة هي الخير الكثير، بأن ينتفع البائع بما باعه، وينتفع المشتري بما اشترى، وفضل الله واسع، فالصدق سبب للخير وحلول البركة، فاصدق الله في قولك، واصدق الله في وظيفتك، واصدق الله في كل معاملاتك، اصدق الله في عقد زواجك، اصدق الله في معاملتك لأصحابك، اصدق الله في كل أحوالك، وستجد البركة مرافقة لك مصاحبة لك في كل أحوالك، لكن عندما تكذب وترجو من الله تعالى العطاء، فلا تنتظر منه جل في علاه إلا الخذلان، لأن الله لا يصلح عمل المفسدين، والكاذبين ليسوا بمصلحين، بل هم مفسدون والله لا يصلح عمل المفسدين، وإذا صدق العبد ربه بلَّغه المراتب العالية وشهد له فضل، فالله تعالى يقول في بيان منزلة الصادقين وعلو منزلتهم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (15)  .

فاحرص على الصدق، لتكون ممن أنعم الله عليهم، واحرص على صحبة الصادقين، لتكون رفيقًا للذين أنعم الله عليهم، فنحن نقول في كل صلاة :)اهدنا الصراط المستقيم(  (16)  ، أي: الطريق القويم وهو الإسلام وخصاله )صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين(.  (17) 

أرجو الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الصادقين ظاهرًا وباطنًا، وأن يجنبنا الكذب في أقوالنا وفي أعمالنا وفي أحوالنا، وفي خاصتنا، وفي عثرنا وفي يسرنا، وفي منشطنا، وفي مكرهنا، اللهم اجعلنا من الصادقين، مُنَّ علينا بصدق الإيمان، وصدق القول، وصدق المعاملة، وارزقنا بركات الصدق يا ذا الجلال والإكرام، اهدنا إلى البر، وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعلنا من أهل السعادة في الدنيا، وأهل الفوز في الآخرة، وإلى أن نلقاكم في حلقة قادمة من برنامجكم مفاتيح، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.