المطلب الثاني: ضابط الغرر الممنوع في المعاملات

رابط المقال

المطلب الثاني: ضابط الغرر الممنوع في المعاملات: 
منع الغرر أصل عظيم من أصول الشريعة في باب المعاملات في المبايعات، وسائر المعاوضات  (1)  ؛ فإنه لما كان الخلق في ضرورة إلى المعاوضات اقتضت حكمة أحكم الحاكمين تحقيق هذا المقصود، مع نفي الغرر عن مصادر العقود ومواردها؛ لتتمم بذلك مصالح العباد  (2)  ، وتُحصن أموالهم من الضياع، وتُقطع المنازعات والمخاصمات بينهم  (3)  .
والأصل في ذلك ما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- قال: «نهى رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- عن بَيْعِ الغَرَرِ»  (4)  ، وقد دخل تحت هذا النهي مسائل كثيرة؛ فمن ذلك النهي عن بيع حَبَل الحَبَلة  (5)  ، والملاقيح  (6)  ، والمضامين  (7)  ، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع الملامسة  (8)  ، وبيع المنابذة  (9)  ، وبيع المعجوز عن تسليمه، كبيع الطير في الهواء، ونحو ذلك من البياعات التي هي نوع من الغرر  (10)  ، المجهول العاقبة، الدائر بين العطب والسلامة، سواء كان الغرر في العقد أو العوض أو الأجلّ  (11)  .
ومما ينبغي ملاحظته في معرفة الغرر الممنوع أن نهي الشارع عن الغرر لا يمكن حمله على الإطلاق الذي يقتضيه لفظ النهي، بل يجب فيه النظر إلى مقصود الشارع، ولا يتبع فيه اللفظ بمجرده؛ فإن ذلك يؤدي إلى إغلاق باب البيع، وليس ذلك مقصودًا للشارع  (12)  ؛ إذ لا تكاد تخلو معاملة من شيء من الغرر  (13)  . ولذلك اشترط العلماء- رحمهم الله- أوصافًا للغرر المؤثر، لا بد من وجودها، وهي كما يلي:
أولًا: أن يكون الغرر كثيرًا غالبًا على العقد.
فقد أجمع العلماء على أن يسير الغرر لا يمنع صحة العقود  (14)  ؛ إذ لا يمكن التحرز منه بالكلية  (15)  ، وذلك كجواز شرب ماء السقاء بعوض، ودخول الحمام بأجرة، مع اختلاف الناس في استعمال الماء، أو مكثهم في الحمام، وما أشبه ذلك  (16)  .
ثانيًا: أن يمكن التحرز من الغرر دون حرج ومشقة.
فقد أجمع أهل العلم  (17)  ، على أن ما لا يمكن التحرز فيه من الغرر إلا بمشقة كالغرر الحاصل في أساسات الجدران، وداخل بطون الحيوان، أو آخر الثمار التي بدا صلاح بعضها دون بعض، فإنه مما يتسامح فيه، ويعفى عنه  (18)  .
ثالثًا: ألَّا تدعو إلى الغرر حاجة عامة.
فإن الحاجات العامة تنزل منزلة الضرورات، قال الجويني : ((الحاجة في حق الناس كافة تُنزل منزلة الضرورة))  (19)  ، وضابط هذه الحاجة هي كل ما لو تركه الناس لتضرروا في الحال، أو المآل  (20)  ، فإذا دعت حاجة الناس إلى معاملة فيها غرر لا تتم إلا به؛ فإنه يكون من الغرر المعفو عنه، قال ابن رشد في ضابط الغرر غير المؤثر: ((وإن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه ضرورة، أو ما جمع بين أمرين))  (21)  ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه من ذلك))  (22)  .
ومما استدل به أهل العلم على إباحة ما تدعو الحاجة إليه من الغرر؛ أحاديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يبدوَ صلاحُها، نَهَى البائعَ والْمُبتاعَ»  (23)  .
وجه الدلالة:
أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أرخص في ابتياع ثمر النخل بعد بدو صلاحه مبقاة إلى كمال صلاحه، وإن كان بعض أجزائها لم يخلق، فدل ذلك على إباحة ما تدعو إليه الحاجة من الغرر  (24)  .
رابعًا: أن يكون الغرر أصلًا غير تابع.
فإن الغرر التابع مما يعفى عنه؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان دليل ذلك: ((وجوَّز النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا باع نخلًا قد أُبِّرت أن يشترط المبتاع ثمرتها  (25)  ، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه التبع للأصل، فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنًا وتبعًا ما لا يجوز من غيره))  (26)  .
خامسًا: أن يكون الغرر في عقود المعاوضات، وما فيه شائبة معاوضة كالنكاح.
أما عقود التبرعات، كالصدقة، والهبة، والإبراء، وما أشبه ذلك، فقد اختلفوا في وجوب منع الغرر فيها، على قولين، بعد اتفاقهم على جوازه في الوصية  (27)  :
القول الأول: لا يمنع الغرر في عقود التبرعات:
وهو مذهب المالكية  (28)  ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية  (29)  ، وابن القيم  (30)  ، والحارثي من الحنابلة  (31)  .
القول الثاني: يمنع الغرر في عقود التبرعات، كما في عقود المعاوضات:
وهو مذهب الحنفية  (32)  ، والشافعية  (33)  ، والحنابلة  (34)  ، وابن حزم من الظاهرية  (35)  .
أدلة القول الأول: 
الأول: حديث صاحب كُبّة  (36)  الشعر، التي أخذها من الغنائم ثم رفعها بيده وسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يهبه إياها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ  (37)  ، فَهُوَ لَكَ»  (38)  . 
وجه الدلالة:
أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهبه نصيبه ونصيب بني عبد المطلب من كبة الشعر، وهذا القدر مشاع مجهول، فدل ذلك على أن الغرر لا يمنع في عقود التبرعات  (39)  .
المناقشة:
يناقش هذا الاستدلال: بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- وَهَبَ نصيبه، ونصيب بني عبد المطلب من تلك الكُبَّة التي رفعها الرجل، وهذان نصيبان مشاعان معلومان؛ إذ إن نصيب النبي- صلى الله عليه وسلم- خمس الخمس، ونصيب بني عبد المطلب خمس الخمس، فيكون قد وهب الرجل خمسي خمس الكبة، فلا جهالة في الهبة.
الثاني: أن الأصل في العقود الحل والصحة، حتى يقوم الدليل على المنع، وقد جاءت النصوص مانعة من الغرر في عقود المعاوضات؛ لما في إباحته من الضرر وإضاعة المال، أما التبرعات فلم يأت ما يدل على تحريم الغرر فيها، ولا يمكن إلحاقها بعقود المعاوضات لاختلافهما، فتبقى على الأصل، وهو الإباحة.
أدلة القول الثاني: 
الأول: حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- وفيه: «نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغَرَرِ»  (40)  .
وجه الدلالة:
أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر، وهذا نص في منع الغرر في المبايعات والتجارات، فيلحق بذلك عقود التبرعات؛ لاتفاقها في المعنى؛ وهو حفظ المال الذي هو أحد مقاصد الشارع  (41)  .
المناقشة:
نوقش هذا الاستدلال بأن الغرر منع في عقود المعاوضات، وما فيه شائبة معاوضة؛ لأن المال في هذه العقود مقصود تحصيله أو مشروط، فمنع الشارع الحكيم الغرر فيهما؛ صونًا للمال عن الضياع في أحد العوضين أو كليهما. أما عقود الإحسان والتبرعات فمقصودها بذل المال وإهلاكه في البر، فلذلك لم يأتِ ما يدل على منع الغرر فيها، وليست كعقود المعاوضات، فتلحق بها  (42)  .
الثاني: أن الأصل في العقود الحظر حتى يدل الدليل على الإباحة، ولم يرد عن الشارع ما يدل على إباحة الغرر في عقود التبرعات، وهذا الدليل استدل به ابن حزم على تحريم الغرر في التبرعات  (43)  .
المناقشة:
يناقش هذا الاستدلال: بأن الأدلة قد دلت على أن الأصل في العقود الحل، حتى يقوم دليل المنع  (44)  .
الترجيح:
الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني، وعدم سلامتها من المناقشات، ولعدم ما يدل على المنع، فيبقى الحكم على الأصل، وهو الإباحة، كما تقدم تقريره، والله أعلم.
وقال عنه في مجمع الزوائد (6/88): "رواه أحمد، ورجال أحد إسناديه ثقات"، وقال أحمد شاكر عن الحديث في تحقيقه للمسند (11/18): "إسناده صحيح"، ثم قال معلقًا على كلام صاحب المجمع: "وهذا صنيع غير جيد، يوهم أن أحد الإسنادين فيه طعن، في حين أن إسناديه في المسند.. كلاهما رجاله ثقات"، وقد حسّن الحديث الألباني في إرواء الغليل (5/36-37).
39) ينظر: إعلام الموقعين (2/9).
40) رواه مسلم في كتاب البيوع- باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر-، رقم (1513)، (3/1153).
41) ينظر: الفروق للقرافي (1/150).
42) ينظر: الفروق للقرافي (1/150)، الذخيرة للقرافي (6/243-244)، (7/30)، مجموع الفتاوى (31/270-271).
43) المحلى (9/320).
44) ينظر: ص (21).