×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح
مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

فقد نقل النووي رحمه الله في باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))رواه مسلم+++ حديث رقم (2638)---.روى البخاري+++حديث رقم (3336)--- قوله: ((الأرواح جنود مجندة)) إلخ من رواية عائشة رضي الله عنها.

هذا الحديث أو هذان الحديثان؛ حديث أبي هريرة، وحديث عائشة فيه ما يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر غيبي ففي حديث أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" الناس معادن أي أصناف وأجناس, كأصناف المعادن من ذهب وفضة, فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الناس وإن استووا واشتركوا في وصف الإنسية وأنهم بنو آدم إلا أنهم مختلفون كاختلاف المعادن، وإن اشتركت في كونها مقيمة مستقرة في الأرض.

فالمعادن جمع معدن وهو ما كان في الأرض مما استقر بها من المواد التي تطلب وتدرك بها مصالح الناس من ذهب وفضة وغير ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث عن شيء يتعلق بالإنس من جهة صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم وطبائعهم، وأنها متنوعة ليست على شكل واحد، بل على أنواع وأصناف كما هي حال المعادن، فإنها مختلفة اختلافا متنوعا ومثل بمعدنين شهريين معروفين, قال: كمعادن الذهب والفضة وهما من أنفس المعادن وذلك لشراف بني آدم في الجملة ولذلك مثل لاختلاف الناس باختلاف أشرف معادن الأرض، فذكر الذهب والفضة فذكرهما إما لشهرتهما وإما لشرفهما وإما للأمرين، ثم قال صلى الله عليه وسلم : "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" خيارهم يعني أفضلهم والمتقدم فيهم خيرا أي أسبقهم خيرية أفضلهم خيرية أعلاهم خيرية خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.

والناس من جهة معادنهم متفاوتون في إسلامهم وفي جاهليتهم، والمقصود أن معادن الناس ليست على درجة واحدة؛ بل هي متفاوتة وأن من كان في المعدن أشرف وأعلى وأفضل قبل الإسلام، فإنه إذا أسلم وتحلى بخصاله لم يزدد بذلك إلا شرفا وعلوا، فكان من خير أهل الإسلام فلا ينقصه الإسلام شيئا مما كان عليهم من الخيرية، بل يزيده وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى ودين الحق، جاء بالنور والخير كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»+++مسند الإمام أحمد (8952)---فجاء يبني صلى الله عليه وسلم ما نقص من خيرية الناس وطيب خصالهم وأخلاقهم وأعمالهم في قلوبهم وفي جوارحهم وأقوالهم في صلتهم بالله عز وجل وفي صلتهم بالخلق فيقول صلى الله عليه وسلم : "خيارهم في الجاهلية" يعني قبل الأخذ بالإسلام خيارهم في الإسلام أن يسبقون غيرهم في الإسلام لكن شرط في ذلك شرطا قال: "إذا فقهوا" أي إذا فهموا ما جاءت به الشريعة ما جاء به الإسلام والفهم مفتاح العمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»+++صحيح البخاري (71)/ وصحيح مسلم (1037)---فإنه لا عمل راشد ولا سلوك صالح إلا بالعلم، فالعلم مفتاح الخيرات، وهو أفضل ما يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله عز وجل فإنه نور على نور يهدي الله بنوره من يشاء، ولهذا يعلو الإنسان في الإسلام بقدر ما معه من فقهه ومعرفته به، فإن الإسلام إذا دخله الناس كانوا على حد سواء، ثم يكون التفاوت بينهم بقدر ما معهم من العلم به والعمل بما فيه يرفع الله بهذا الكتاب أقواما ويضع آخرين، والرفعة بما فيه من العلم والهدى ودين الحق، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم من الخيرية في الإسلام الفقه، فقال: "إذا فقهوا" فمن كان خيارا في الجاهلية وأسلم ولم يتفقه فهو على خير بإسلامه لكن لا يبلغ الدرجة في الخيرية في الإسلام العالية إلا بالفقه في الدين.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : "إذا فقهوا"، ثم قال صلى الله عليه وسلم وهذا في حديث أبي هريرة, وكذلك فيما رواه البخاري من حديث عائشة: "الأرواح جنود مجندة" الأرواح وهي ما تقوم به الأبدان، فالأرواح: جمع روح والروح هي ما يقوم به بالبدن، وهي مناط الصلاح والفلاح، وهي ما يكون به حياة الإنسان في هذه الدنيا، فإن حياته بقرار روحه في بدنه، فإذا فارقت الروح البدن مفارقة تامة مات وفني الجسد، فالأرواح سابقة في الخلق للأجساد، وهي باقية بعدها ثم بعد ذلك يكون اجتماع الأرواح والأجساد مرة ثانية بعد الموت عند البعث والنشور، فتعاد الأرواح إلى الأجساد فقوله صلى الله عليه وسلم : "الأرواح جنود مجندة" أي: جموع مجمعة أي أنها فئات تجتمع، ومجموعات تتجمع وتتفق هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "الأرواح جنود مجندة" أي مجموعات مجمعة على أنواع وأصناف مختلفة كاختلاف معادن الأرض.

وقوله: "جنود مجندة" كقوله: ألوف مؤلفة أي: مجتمعة على جماعات وعلى مجموعات، وقوله صلى الله عليه وسلم : "الأرواح جنود مجندة" خبر عن أمر غيبي، فالروح لا يعلم شأنها إلا الله عز وجل وقد قال الله تعالى : ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾+++[الإسراء: 85]--- فلا يعلم كيف اجتماعها، وكيف تجنيدها الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لكن المعنى في الجملة، هو هذا أن مجموعات مجمعة لكن كيف ذلك ومتى ذلك هذا أمره إلى الله؛ لأن الروح لا يعلم منها إلا ما أطلعنا الله تعالى عليه من اليسير ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾+++[الإسراء: 85]--- ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مقتضى هذا التجميع، وهذا التفريق في جماعات وفئات وأجناس متفرقة مختلفة، قال صلى الله عليه وسلم : "ما تعارف منها ائتلف" يعني ما كان متفقا من هذه الأرواح في مجموعة في صفاتها وسلوكها ورغباتها وميولها ائتلف أي اجتمع وانضم بعضه إلى بعض "وما تناكر منها اختلف" أي: وما حصل بينها وبين غيرها من التناكر وهو عدم الاتفاق، فإنها تختلف أي تتفرق، فالاختلاف المعنى أنها لا ينضم بعضها إلى بعض بل تتنافر وتتفرق وتتوزع، وقد قال الله تعالى : ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾+++[الإسراء: 84]---.

فالإنسان ينظر إلى هذا المعنى الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ويراه مشاهدا فيما يتعلق بالأرواح انضماما اجتماعا وتفرقا، فإن ذلك مشاهد ملموس، ولذلك قيل: ولا يصحب الإنسان إلا نظيره، وإن لم يكون من قبيل ولا بلد لا يصحب الإنسان إلا نظيره أي الذي يشابهه ويضارعه، وإن لم يكون قد اجتمع في بلد أو مكان وقد قيل: إذا أردت ترى فضيلة صاحب، فانظر بعين البحث من ندمائه، فإذا أردت أن تنظر لشخص وتعرف من هو فانظر إلى من ينادمه ويشاركه، فالمرء مطوي على علاته طي الكتاب وتحته عنوانه، وإذا صاحب الرجل من يكشف عن ذلك الطي، كان ذلك من طريق معرفة قرينه وصاحبه، فالمقارن بالمقارن يقتدي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي.

ولذلك إذا تآلفت الأرواح كان ذلك دليلا على اجتماعها، دليلا على أنها متوافقة في الأصل في طباعها وفيما تميل إليه وفيما تتناسب فيه، فيكون هذا التجانس وذلك الاجتماع وذلك الائتلاف وذلك التوافق بين هذه الأرواح هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".

هذا الحديث فيه جملة من الفوائد:

من فوائده: أن الناس مراتب ودرجات ليسوا على درجة واحدة، وأن هذا التفاوت هو بطباع الناس وأصل خلقتهم.

وفيه: أن السبق في صفات الشرف والفضل في الجاهلية، ينتقل مع الإنسان في الإسلام إذا فقه وفهم وزاد نورا بمعرفة ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفيه:شرف العلم والفقه فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعله سببا للخيرية في الإسلام والسبق في الإسلام ولا ريب.

ولهذا كان أهل العلم في ذروة منازل أهل الإيمان، والمقصود بأهل العلم ليسوا الحفظة والنقلة للكلام دون العمل به، بل المقصود بالعلماء أهل الخشية الذين جمعوا النور في قلوبهم بمعرفة الله ومعرفة رسوله، وفهم كلام الله وكلام رسوله، والعمل بذلك، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾+++[فاطر: 28]---.

وفيه:أن الأرواح تلتقي وتجتمع على ما يكون من توافقها واختلافها، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وفيه: أن الإنسان ينبغي له أن يراقب روحه وما تميل إليه، فإنها تكشف عن معدنه وعن ميله، فإذا وجد الإنسان من روحه ميلا لأهل الصلاح والطاعة، فرح بذلك ونشط إلى زيادة ذلك بالموافقة في العمل حتى يكون من الصالحين، وإذا وجد غير ذلك فليحذر ولينقي قلبه، وليقوم روحه، فقد قال الله تعالى : ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾+++[الشمس: 9-10]--- فالأرواح قابلة للتهذيب والتقويم والتزكية والإصلاح الذي ينقلها من منزلة إلى منزلة، فينبغي أن يكون على بصيرة من روحه ونفسه، فيرعاها رعاية من يصلحها ويقيمها.

وفيه: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله عز وجل وقبول الصحابة لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في خبره عن الله جمع الأمرين أخبر صلى الله عليه وسلم  بأمور غيبية تتعلق بالآخرة وتتعلق بأحوال الناس، وتتعلق بأنواع كثيرة والمؤمن يسلم ويصدق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه بالقبول والإيمان، وينتفع به فيما يتعلق بالتوفيق إلى صالح الأعمال هذا بعض ما في هذا الحديث من الفوائد، نسأل الله تعالى العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تاريخ النشر:25 جمادى أول 1443 هـ - الموافق 30 ديسمبر 2021 م | المشاهدات:2435

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد.

فقد نقل النووي ـ رحمه الله ـ في باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم:

عن أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((النَّاسُ مَعَادِنٌ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلاَمِ إِذَا فَقهُوا، وَالأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، ومَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))رواه مسلم حديث رقم (2638).روى البخاريحديث رقم (3336) قوله: ((الأَرْوَاحُ جنود مجندة)) إلخ مِنْ رواية عائشة رضي الله عنها.

هذا الحديث أو هذان الحديثان؛ حديث أبي هريرة، وحديث عائشة فيه ما يخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمر غيبي ففي حديث أبي هريرة، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" الناس معادن أي أصناف وأجناس, كأصناف المعادن من ذهب وفضة, فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر أن الناس وإن استووا واشتركوا في وصف الإنسية وأنهم بنو آدم إلا أنهم مختلفون كاختلاف المعادن، وإن اشتركت في كونها مقيمة مستقرة في الأرض.

فالمعادن جمع معدن وهو ما كان في الأرض مما استقر بها من المواد التي تطلب وتدرك بها مصالح الناس من ذهب وفضة وغير ذلك، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر في هذا الحديث عن شيء يتعلق بالإنس من جهة صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم وطبائعهم، وأنها متنوعة ليست على شكل واحد، بل على أنواع وأصناف كما هي حال المعادن، فإنها مختلفة اختلافًا متنوعًا ومثل بمعدنين شهريين معروفين, قال: كمعادن الذهب والفضة وهما من أنفس المعادن وذلك لشراف بني آدم في الجملة ولذلك مثل لاختلاف الناس باختلاف أشرف معادن الأرض، فذكر الذهب والفضة فذكرهما إما لشهرتهما وإما لشرفهما وإما للأمرين، ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" خيارهم يعني أفضلهم والمتقدم فيهم خيرًا أي أسبقهم خيرية أفضلهم خيرية أعلاهم خيرية خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.

والناس من جهة معادنهم متفاوتون في إسلامهم وفي جاهليتهم، والمقصود أن معادن الناس ليست على درجة واحدة؛ بل هي متفاوتة وأن من كان في المعدن أشرف وأعلى وأفضل قبل الإسلام، فإنه إذا أسلم وتحلى بخصاله لم يزدد بذلك إلا شرفا وعلوًا، فكان من خير أهل الإسلام فلا ينقصه الإسلام شيئًا مما كان عليهم من الخيرية، بل يزيده وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بالهدى ودين الحق، جاء بالنور والخير كما قال ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»مسند الإمام أحمد (8952)فجاء يبني ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما نقص من خيرية الناس وطيب خصالهم وأخلاقهم وأعمالهم في قلوبهم وفي جوارحهم وأقوالهم في صلتهم بالله ـ عز وجل ـ وفي صلتهم بالخلق فيقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "خيارهم في الجاهلية" يعني قبل الأخذ بالإسلام خيارهم في الإسلام أن يسبقون غيرهم في الإسلام لكن شرط في ذلك شرطا قال: "إذا فقهوا" أي إذا فهموا ما جاءت به الشريعة ما جاء به الإسلام والفهم مفتاح العمل، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:«من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»صحيح البخاري (71)/ وصحيح مسلم (1037)فإنه لا عمل راشد ولا سلوك صالح إلا بالعلم، فالعلم مفتاح الخيرات، وهو أفضل ما يؤتاه العبد بعد الإيمان بالله ـ عز وجل ـ فإنه نور على نور يهدي الله بنوره من يشاء، ولهذا يعلو الإنسان في الإسلام بقدر ما معه من فقهه ومعرفته به، فإن الإسلام إذا دخله الناس كانوا على حد سواء، ثم يكون التفاوت بينهم بقدر ما معهم من العلم به والعمل بما فيه يرفع الله بهذا الكتاب أقوامًا ويضع آخرين، والرفعة بما فيه من العلم والهدى ودين الحق، فاشترط النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الخيرية في الإسلام الفقه، فقال: "إذا فقهوا" فمن كان خيارًا في الجاهلية وأسلم ولم يتفقه فهو على خير بإسلامه لكن لا يبلغ الدرجة في الخيرية في الإسلام العالية إلا بالفقه في الدين.

ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إذا فقهوا"، ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا في حديث أبي هريرة, وكذلك فيما رواه البخاري من حديث عائشة: "الأرواح جنود مجندة" الأرواح وهي ما تقوم به الأبدان، فالأرواح: جمع روح والروح هي ما يقوم به بالبدن، وهي مناط الصلاح والفلاح، وهي ما يكون به حياة الإنسان في هذه الدنيا، فإن حياته بقرار روحه في بدنه، فإذا فارقت الروح البدن مفارقة تامة مات وفني الجسد، فالأرواح سابقة في الخلق للأجساد، وهي باقية بعدها ثم بعد ذلك يكون اجتماع الأرواح والأجساد مرة ثانية بعد الموت عند البعث والنشور، فتعاد الأرواح إلى الأجساد فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الأرواح جنود مجندة" أي: جموع مجمعة أي أنها فئات تجتمع، ومجموعات تتجمع وتتفق هذا معنى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الأرواح جنود مجندة" أي مجموعات مجمعة على أنواع وأصناف مختلفة كاختلاف معادن الأرض.

وقوله: "جنود مجندة" كقوله: ألوف مؤلفة أي: مجتمعة على جماعات وعلى مجموعات، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الأرواح جنود مجندة" خبر عن أمر غيبي، فالروح لا يعلم شأنها إلا الله ـ عز وجل ـ وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[الإسراء: 85] فلا يعلم كيف اجتماعها، وكيف تجنيدها الذي ذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن المعنى في الجملة، هو هذا أن مجموعات مجمعة لكن كيف ذلك ومتى ذلك هذا أمره إلى الله؛ لأن الروح لا يعلم منها إلا ما أطلعنا الله تعالى عليه من اليسير ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[الإسراء: 85] ثم ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقتضى هذا التجميع، وهذا التفريق في جماعات وفئات وأجناس متفرقة مختلفة، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ما تعارف منها ائتلف" يعني ما كان متفقًا من هذه الأرواح في مجموعة في صفاتها وسلوكها ورغباتها وميولها ائتلف أي اجتمع وانضم بعضه إلى بعض "وما تناكر منها اختلف" أي: وما حصل بينها وبين غيرها من التناكر وهو عدم الاتفاق، فإنها تختلف أي تتفرق، فالاختلاف المعنى أنها لا ينضم بعضها إلى بعض بل تتنافر وتتفرق وتتوزع، وقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ[الإسراء: 84].

فالإنسان ينظر إلى هذا المعنى الذي ذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويراه مشاهدًا فيما يتعلق بالأرواح انضمامًا اجتماعًا وتفرقًا، فإن ذلك مشاهد ملموس، ولذلك قيل: ولا يصحب الإنسان إلا نظيره، وإن لم يكون من قبيل ولا بلد لا يصحب الإنسان إلا نظيره أي الذي يشابهه ويضارعه، وإن لم يكون قد اجتمع في بلد أو مكان وقد قيل: إذا أردت ترى فضيلة صاحب، فانظر بعين البحث من ندمائه، فإذا أردت أن تنظر لشخص وتعرف من هو فانظر إلى من ينادمه ويشاركه، فالمرء مطوي على علاته طي الكتاب وتحته عنوانه، وإذا صاحب الرجل من يكشف عن ذلك الطي، كان ذلك من طريق معرفة قرينه وصاحبه، فالمقارن بالمقارن يقتدي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي.

ولذلك إذا تآلفت الأرواح كان ذلك دليلًا على اجتماعها، دليلًا على أنها متوافقة في الأصل في طباعها وفيما تميل إليه وفيما تتناسب فيه، فيكون هذا التجانس وذلك الاجتماع وذلك الائتلاف وذلك التوافق بين هذه الأرواح هذا معنى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف".

هذا الحديث فيه جملة من الفوائد:

من فوائده: أن الناس مراتب ودرجات ليسوا على درجة واحدة، وأن هذا التفاوت هو بطباع الناس وأصل خلقتهم.

وفيه: أن السبق في صفات الشرف والفضل في الجاهلية، ينتقل مع الإنسان في الإسلام إذا فقه وفهم وزاد نورًا بمعرفة ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

وفيه:شرف العلم والفقه فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعله سببًا للخيرية في الإسلام والسبق في الإسلام ولا ريب.

ولهذا كان أهل العلم في ذروة منازل أهل الإيمان، والمقصود بأهل العلم ليسوا الحفظة والنقلة للكلام دون العمل به، بل المقصود بالعلماء أهل الخشية الذين جمعوا النور في قلوبهم بمعرفة الله ومعرفة رسوله، وفهم كلام الله وكلام رسوله، والعمل بذلك، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر: 28].

وفيه:أن الأرواح تلتقي وتجتمع على ما يكون من توافقها واختلافها، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وفيه: أن الإنسان ينبغي له أن يراقب روحه وما تميل إليه، فإنها تكشف عن معدنه وعن ميله، فإذا وجد الإنسان من روحه ميلًا لأهل الصلاح والطاعة، فرح بذلك ونشط إلى زيادة ذلك بالموافقة في العمل حتى يكون من الصالحين، وإذا وجد غير ذلك فليحذر ولينقي قلبه، وليقوّم روحه، فقد قال الله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[الشمس: 9-10] فالأرواح قابلة للتهذيب والتقويم والتزكية والإصلاح الذي ينقلها من منزلة إلى منزلة، فينبغي أن يكون على بصيرة من روحه ونفسه، فيرعاها رعاية من يصلحها ويقيمها.

وفيه: إخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله ـ عز وجل ـ وقبول الصحابة لذلك، فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خبره عن الله جمع الأمرين أخبر ـ صلى الله عليه وسلم  ـ بأمور غيبية تتعلق بالآخرةـ وتتعلق بأحوال الناس، وتتعلق بأنواع كثيرة والمؤمن يسلم ويصدق ما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتلقاه بالقبول والإيمان، وينتفع به فيما يتعلق بالتوفيق إلى صالح الأعمال هذا بعض ما في هذا الحديث من الفوائد، نسأل الله ـ تعالى ـ العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الاكثر مشاهدة

6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات63227 )
11. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53281 )
13. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات53099 )

مواد مقترحة

369. Jealousy
6472.