×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

خطب المصلح / خطب مرئية / خطبة الجمعة / سرور القلب

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

تاريخ النشر:15 جمادى أول 1443 هـ - الموافق 20 ديسمبر 2021 م | المشاهدات:3505

إنَّ الحمْدَ لله نَحمَدُهُ وَنسْتعينُهُ ونَسْتغفرِهُ، ونَعوُذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلْنْ تَجِدَ لهُ وَلِّياً مُرشدًا، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ اللهُ وحْدَهُ لاَ شَريكَ لهُ إلهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، وأشْهَدُ ُأنَّ مُحمَّدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُهُ، وصَفِيُّهُ وخليلُه وخِيرَتُه مِنْ خَلْقهِ، صَلىَّ اللهُ عليْهِ وعلىَ آلهِ وصحبهِ ومنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ، واقْتَفَىَ أثَرَهُ بإحسانٍ إلىَ يوْمِ الدِّينِ.

أما بعدُ:

فإنَّ أصْدَقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محُمَّدٍ صَلَّىَ اللهُ عليهِ وسلمَ، وشرَّالأمورِ محُدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ.

أيها المؤمنون عباد الله، إن سعادةَ الدنيا ونعيمَ الآخرةِ لا يُنالُ إلا بقلوبٍ ذاكيةٍ، وصدورٍ منشرحةٍ، وأفئدةٍ بمحبةِ اللهِ تعالى وتعظيمهِ مليئةٍ، فشرْحُ الصدورِ وابْتهاجُها وسرورُ القلوبِ هو مِفتاحُ كُلِّ خَيْرٍ في الدنيا والآخرةِ، كما أنَّ ضيقَ الصدرِ منبعُ كلِّ شرٍ في الدُّنيا وفي الآخرةِ، قال أبو بكرٍ الوراقُ: "إذا غلبَ الهوىَ أظلمَ القلبُ" يُنظرُ: روضةُ  المحبينَ, ص(482).

والهوىَ هُوَ اتباعُ الشهواتِ، ومحابِ النفوسِ وميلِهاِ وملاذِّهاِ، إذا غلبَ الهوى أظلمَ القلبُ، وإذا أظلمَ القلبُ ضاقَ الصدرُ، وإذا ضاقَ الصدرُ ساءَ العملُ، وإذا ساءَ العملُ أبغضهُ الخلقُ، وأبغضَهُم, فانظرْ ماذا يتولدُ من التباغضِ من الشرِّ والعداوةِ وترْكِ الحقوقِ وغيرِها.

لهذا كانَ أعظمُ نعيمٍ يمنُّ اللهُ تعالى بهِ على العبدِ في الدنيا أنْ يشرحَ صدرَه، فأيُّ نعيمٍ ِّأطيبُ مِنْ شرْحِ الصدرِ! وأيُّ عذابٍ أمرُّ مِنْ ضيق الصدرِ!

امتنَّ اللهُ تعالى على نبيهِ الكريمِ صلىَّ اللهُ عليهِ وسلمَ بشرْحِ صدْرهِ فقالَ جلَّ في عُلاهُ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرحُ:1]. فكانَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أجودَ الناسِ صدرًا، كانَ بأبي هُوَ وأمي صلىَّ اللهُ عليه وسلمَّ أبرَّ الخلقِ قلبًا وأكثرَهمْ خيرًا، فالخيرُ يتفجَّرُ مِنْ صدرهِ تفجيرًا صلى الله عليهِ وسلمَ، فهوَ مُنْطوٍ على كلِّ خُلقٍ جميلٍ، وكلِّ خيرٍ وبرٍّ كما قال بعضُ أهلِ العلمِ: "ليس في الدنيا كُلِّها محلًا كانَ أكثرَ خيرًا مِنْ صدرِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ" قد جُمعَ الخيرُ بحذافيرهِ وأُودِعَ في صدرهِ صلى الله عليه وسلمَ.

ألاَ وإنَّ انشراحَ الصدْرِ وسرورَ القلبِ ونعيمَهُ بقدرِ ما يكونُ فيهِ مِنْ نورِ الهدايةِ وضيائِها، يقولُ اللهُ جلَّ في علاهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[الزمر:22].

شرْحُ الصدْرِ هو ثمرةُ النورِ الذي يمُنُّ اللهُ تعالى بهِ على عبادهِ، فتستنيرُ قلوبُهم، وتُضيءُ أفئدتُهم، وتُشرقُ صدورهُم بأنوارِ الهدايةِ ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ[النور:35].. روىَ الإمامُ أحمدُ والترمذيُ مِنْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إنَّ اللهَ تعالى خلق خلقَه في ظُلمةٍ، فألقَى عليهم من نورِه، فمن أصابه من ذلك النُّورِ يومئذٍ اهتدى، و من أخطأَه ضَلَّ»أحمد(6644), والترمذيُ حسن.، وتلكَ الهدايةُ هي سببُ كلِّ سعادةٍ في الدنيا وفي الآخرةِ. وقد قيلَ في الحديثِ للنبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّم: كيفَ انشراحُ الصدرِ؟ قال: «إذا دخلَ النُّورُ القَلبَ انفسحَ وانشرَحَ. قالوا : فَهَل لذلِكَ أَمارةٌ يُعرَفُ بِها، قالَ: الإنابةُ إلى دارِ الخلودِ والتنحِّي عَن دارِ الغرورِ، والاستِعدادُ للموتِ قبلَ الموتِ» أخرجهُ الحاكم(7863), ورُوي من أوجُهَ؛ لذا قال ابنُ كثيرٍ بعد إيرادِ طُرقهِ في تفسيره 3/336: "فهذه طرقٌ لهذا الحديثِ مرسلةٌ ومتصلةٌ,يشدُّ بعضُها بعضاً, والله أعلمُ". .

أيها المؤمنونَ, إنَّ شرحَ الصدرِ مُنيةُ كلَّ بني آدمَ فكلهُم يؤمِّلونَ انشراحَ صدورهِم، ويبتغونَ سُرورَ قلوبِهمْ، لكنَّ الطُرقَ قد أُغلقت والأبوابَ قد أُوصدت دونَ إدراكِ ذلكَ إلا مِنْ طريقِ هدايةِ اللهِ جلَّ وعلا، مِنْ طريقِ دينهِ سبحانهُ

والقيامِ بحقهِ، يقولُ الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ[الأنعامُ:125]فالإسلامُ أعظمُ ما يشرحُ اللهُ بهِ الصدورَ، فبقدرِ التزامِ العبدِ بهذا الدينِ القويمِ ظاهرًا وباطنًا، غيبًا وشهادةً يدركُ من البهجةِ والسرورِ، ويحصلُ من ألوان الحبورِ في الدنيا قبلَ الآخرةِ، وإنَّ في الدنيا جنةًّ من لم يدخلْها لم يدخلْ جنةَ الآخرةِ.

إنَّ جنَّةَ الدنيا هي ما يدركه المؤمنون من نعيمِ الإيمانِ ولذتهِ، ذاقَ طعْمَ الإيمانِ مَنْ رضِيَ بالله ربًا، وبالإسْلامِ دينًا، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا.

إنَّ شرْحَ الصَّدْرِ يُدركُ باللجوءِ إلىَ اللهِ جلَّ وعلا فمهما كانتِ المتعُ بينَ يديكَ، ومهما جرتِ الملذاتُ أمامَ عينيك،َ فإنها لنْ تُغْنيَ عن شرْحِ صدرٍ يكونُ من اللهِ جلَّ في علاهُ الذي بيدهِ قلوبُ العبادِ يُصرِّفها كيفَ شاءَ، اللهمَّ مُصرِّفَ القلوبِ صرِّفْ قلوبنا على طاعتكَ.

إن نبياً من أنبياءِ اللهِ استقبلَ رسالةً عظيمةً لأعظمِ طغاةِ الأرضِ ممن عُرف وذُكر اسمهُ، وجاءَ خبرهُ وهو فرعون قالَ في أولِ بعثته ورسالتهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي[طه:25 ل28]، فكانَ أولُ مطالبهِ أن يشرحَ اللهُ صدرهُ بعدما عاينَ من علاماتِ النبوةِ، وصدقِ ما جاء قال: ربِّ اشرحْ لي صدري، فهوَ مبدأُ كلِ خيرٍ في الدنيا والآخرةِ. لذلكَ من أرادَ شرحَ الصدرِ فعليهِ أنْ يتوجهَ إلى من بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ، الذي به تنشرحُ الصدوُروتطيبُ، ومِنْ دونهِ لا سبيلَ إلى شرحِ صدرٍ ولا إلى طُمأنينةِ فؤادٍ، ولا إلى سكنٍ، ولا إلى بهجةٍ وسرورٍ.

هذهِ المعاني لا يُدركها إلا مَنْ أشرقَ قلبُهُ بالإيمانِ فأدركَ عظيمَ منةِ اللهِ تعالى على أوليائهِ. قالَ

إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رحمه اللهُ: "إنا لفي سعادةٍ لو علمَ بها الملوكُ وأبناءُ الملوكِ لجالدونا عليها بالسيوفِ، أي لقاتلونا لتحصيلها بالسيوفِ"أخرجه أبو نُعيمٍ في الحليةِ(7/ 370)، تلكَ السعادةُ ليستْ لذةَ بدنٍ ولا بهجةَ جسمٍ، إنها لذةُ القلوبِ التي إذا حصلتْ وتمكنَ منها الإنسانُ فمهما كان في الضيقِ وفواتِ ملذاتِ الدنيا ونعمِها ونعيمِها فإنهُ في خيرٍ عظيم،ٍ رسولُ اللهِ أنعمُ الناسِ قلبًا، رسولُ اللهِ أسعدُ الخلقِ صدرًا ومعَ هذا كانَ صلى الله عليهِ وسلم َيربطُ على بطنه الحجرَ من الجوعِ، وكان ينامُ على الحصيرِ، وكان يمضي الهلالُ تُلْوَ الهلالِ لا يوقدُ في بيتهِ نارٌ فصلى اللهُ عليهِ وعلى آله وسلَّمَ.

ليستِ السعادةُ بكثرةِ المالِ، ولا بكثرةِ الغنىَ، ولا بكثرةِ مُتَعِ النساءِ، ولا بكثرةِ الأولادِ وسائرِ المناصبِ، كلُّ هذا لا يُغني عنكَ شيئًا إذا أظلمَ قلبُك لكنْ إذا أنارَ اللهُ قلبكَ بالاستقامةِ على الطاعةِ والإحسانِ وشرحَ صدركَ بمعرفتهِ والتنعمِ بذكرهِ كان ذلكَ مِنْ أعظمِ أسبابِ السعادةِ ولو فاتَ ما فاتَ، فما جاءكَ من الدنيا بعدَ ذلكَ فهو نورٌ على نورٍ، وخيرٌ على خيرٍ لكنه يُسخَّرُ في طاعة اللهِ، ويُرقَبُ فيه حقُّ الله ظاهرًا وباطنًا.

أيها المؤمنون, دعاءُ اللهِ، الاطِّراحُ بينَ يديهِ، سؤالُهُ جلَّ في علاهُ، مِنْ أعظمِ ما يُدركُ بهِ الإنسانُ السعادةَ، ويدركُ به شرحَ الصدرِ وطمأنينةَ الفؤادِ ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي[25]وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي[26]وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي[27]يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾[طه:25-28] هكذا دعا بها موسى عليه السلامُ وهوَ مِنْ أُولي العزْمِ من الرُّسلِ في أوَّلِ خُطوةٍ من خُطواتِ التكليفِ فإنَّ مَنِ انشرحَ صدرُهُ صلُحَ عملُهُ، ومنِ انشرحَ صدرهُ اتسعتْ رؤيتُهُ، ومنِ انشرحَ صدرُهُ وثَقَ بوعدِ ربِّهِ جلَّ في عُلاُه، وكانَ علىَ خيرٍ في كُلِّ ما يأتي ويذرُ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له»مسلم(2999).

ولا يكونُ ذلكَ إلا للمؤمنِ, قومٌ أشرقتْ قلوبُهُم باليقينِ فانفسحتْ وابتهجتْ وسُرَّتْ وأُضيئتْ بأنوارِ الهدايات.ِ

أيها المؤمنونَ, إنَّ من أعظمِ ما يبلِّغُكَ شرحِ الصدرِ أن تحُققَ العبوديَّةَ للهِ عزَّ وجلَّ في كُلِّ لحظةٍ  ليسِ فقطْ في صلواتٍ في المساجدِ في أوقاتٍ محددةٍ أو وظائفَ معددةٍ، بل في كُلِّ لحظةٍ، في كُلِّ نفسٍ يقولُ اللهُ جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ[الحجر:97]يخاطبُ النبيَّ صلى الله عليه وسلمَ، يضيقُ صدركَ بما تسمعهُ من أذيَّةِ المؤذينَ وتكذيبِ المكذبينَ وهجومِ المهاجمينَ واستهزاءِ المستهزئينَ لكنَّ ذلكَ يتبددُ ويزولُ إذا لزمتَ ما وَجَّهَ إليهِ ربُّ الأرضِ والسماءِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ[الحجر:98].

لحظةٌ، يومٌ، غدوةٌ، عشيٌ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[الحجر:99]، عبوديةٌ دائمةٌ يرقبٌ فيها العبدٌ حقَّ اللهِ معَ كُلِّ نفَسٍ، وعندَ ذلكَ يفوزُ المؤمنُ بانشراحِ الصدرِ لأنهُ لنْ ينفكَّ عنْ ذكرِ اللهِ في كُلِّ حالٍ، وذكرُ اللهِ بالقلبِ واللسانِ والجوارحِ سببُ انشراحِ الأفئدةِ وطمأنينتِها ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد:28]، وقد جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلمَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إن شرائعَ الإسلامِ كثرتْ عليَّ فأخبرني بشيءٍ أتشَّبثُ بهِ، وتخيَّل التشُّبثَ كيفَ يكونُ؟

هو شدةُّ التَمَسُّكِ --، ذِكْرُ اللهِ حياةٌ القلوبِ وبهجتُها، سرورُها ونعيمُها، مثلُ الذي يَذْكرُ ربَّه والذي لا يذكُرُ ربَّهُ كمثلِ الحيِّ والميِّتِ، اللهمَّ ارزقْنا ذكركَ وشُكركَ وحسنَ عبادتِكَ، واجعلنا منْ حِزْبِكَ وأوليائكَ، أعنَّا علىَ الطاعةِ والإحسانِ وخُذْ بنواصينا إلىَ ما تُحبُّ وترْضىَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، أقولُ هذا القولَ وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكُم فاستغفروهُ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.

* * *

الخطبةُ الثانيةُ:

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيهِ، أحمدُهُ حقَّ حمدهِ لا أُحْصي ثناءً عليهِ كما أثنىَ علىَ نفسهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهد أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبهِ ومن اتبعَ سُنته واقتفىَ أثرَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنونَ، الزموا تقوىَ اللهِ جلَّ في علاهُ في السرِّ والعلنِ، في الظاهرِ والباطنِ في المنشطِ والمكرهِ في كُلِّ أمرٍ من أمورِكم وشأنٍ من شؤونكم؛ فإنهُ من يتَّقِ اللهَ يجعلْ لهُ من أمرهِ يُسرًا، لا يقفُ أمامَهُ صعابٌ، ولا يحولُ دونهُ ودونَ ما يريدُ حوائلُ بل كلُّ ذلكَ يزولُ، فإنه من يتَّقِ اللهَ يجعل له مخرجًا ويرزقهُ من حيثُ لا يحتسبُ.

أيها المؤمنونَ, إن شرْحَ الصدورِ وسرورَ القلوبِ ونعيمَها مُنيةُ كلُّنا نتمناها؛ فلنبذلْ الأسبابَ لإدراكها, ترجوُ النجاةَ ولا تسلكْ مسالكها إنَّ السفينةَ لا تجري على اليبَسِ، فمنْ أرادَ شيئًا وسعىَ لهُ لابدُ أن يدركهُ، وإنْ لمْ يدركهُ فإنهُ يقاربُ وقد قالَ صلىّ للهُّ عليهِ وسلم: «فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا»البخاري(39)، وهذا هو الهدفُ في المسيرِ إلىَ اللهِ أنْ نُصيبَ الهدفَ فإن لم نستطعْ إصابتَهُ فلا أقلَّ من أن نكونَ قريبينَ منهُ، سددوا وقاربوا.

ونحنُ نأملُ أنْ يمنَّ اللهُ تعالىَ علينا بهذهِ البهجةِ التي سمعناها في كلامِ اللهِ وكلامِ رسولهِ، وفيما ذكرهُ العلماءُ وفيما جاءت به الأخبارُ، وذلك لا يكونُ إلا بأسبابٍ فمنْ تلك الأسبابِ ما تقدمَّ ذكرُهُ ومنها: أنْ يملأَ الإنسانُ قلبهَ إحسانًا إلى الخلقِ؛ فإنَّ الله يحبُّ المحسنينَ، والقلبُ المفعمُ بمحبةِ الإحسانِ إلىَ الخلقِ وبذلِ الخيرِ لهُم قلبٌ نقيٌّ طاهرٌ يوشكُ أن يكونَ من أهلِ الجنَّةِ، فإنَّ من أوصافِ قلوبِ أهلِ الجنةِ كلُّ ذي قلبٍ رحيمٍ علىَ ذي قُربىَ ومسلمٍ، هذهِ من أوصافِ القلوبِ التي تستحقُ وتتأهلُ فضلَ اللهِ بدخولِ الجنةِ فنسألُ اللهَ منْ فضلهِ.

وإنَّ ملخصَ ذلكَ أن يمتلأَ القلبُ بمحبةِ الإحسانِ إلىَ الخلقِ «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»البخاري(13),ومسلم(45)، وهذا عملٌ قلبيٌ ومنْ أحبَّ أن يَدخلَ الجنةَ ويُزحزَحَ عن النارِ فلتأتهِ منيتُهُ وهوَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأْتِ إلىِ الناسِ الذي يحبُّ أنْ يؤتىَ فالإحسانُ إلى الخلقِ مِنْ دواعي انشراحِ الصدرِ, وكلما أحسنَ العبدُ في صلتهِ بربهِ انعكسَ ذلكَ على خُلقهِ في معاملتهِ للناسِ، وفي سائرِ شأنهِ مع الخلقِ فإنه حريصٌ على إيصالِ كلِّ خيرٍ وكفِّ كلِّ شرٍ عنهم.

الإحسانُ إلى الخلقِ والسعيُ في نفعهم بالمالِ أو الجاهِ أو البدنِ أو غيرِ ذلك مِنْ أنواعِ الإحسانِ هو من سجايا الكرامِ، هو من أسبابِ انشراحِ الصدورِ وابتهاجِها، هو من نعيمِ القلوبِ وطيبِها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ الناسِ فيما يصدرُ عنه، وفيما يأتيه صلى الله عليه وسلم وقد فُتح البابُ لألوان الإحسانِ، ليس ذلك مقتصرًا على الإحسانِ الماديِّ حتى الذي لا يستطيعُ أن يقدِّمَ أيَّ صورةٍ من صورِ الإحسانِ يكفيهِ أنْ يملأَ قلبهُ محبةً للخيرِ للناسِ، فإذا ملأَ قلبَهُ بهذا الشعورِ فإنهُ من المحسنينَ ولو لم يصْدُرْ عنه قولٌ أو فعلٌ، فإذا تمكَّنَ من فعلٍ أو قولٍ فإنه لن يترددَ؛ لأنَّ قلبَهُ سيقودهُ إلى أنْ يحُسنَ إلى الخلقِ.

أماَّ القلبُ المليءُ بكراهيةِ الناسِ وبُغضهِمْ أو الحقدِ عليهمْ أو غيرِ ذلكَ من الآفاتِ فإنهُ مهما جرتِ الأموالُ في يديه، ومهما تيسرت المكْنَةُ له فإنه لن يقدمَّ للناسِ خيرًا؛ لأن المشكلةَّ في قلبهِ ليسَ في قلةِ ذاتِ يدهِ، وليس في قلَّةِ ما في يدهِ، إنما في قلبٍ بِخلَ فانعكسَ ذلك على مسلكهِ وخُلقهِ. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ندبنا إلى كلِّ خيرٍ حتى في الابتسامةِ، يقولُ صلى الله عليه وسلم: «لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ»مسلم(2626).

أنا أسألُ نفسي واسألوا أنفُسَكُمْ: ما مدىَ أخذِنا بهذه الصورةِ من صورِ الإحسانِ التي لا تكلفُ الناسَ شيئًا، قليلونَ هم المبتسمونَ مع إنه منَ الإحسانِ إلى الخلقِ، والإحسانُ إلىَ الخلق مدعاةٌ لإحسانِ اللهِ عزَّ وجلَّ فكُنْ للناسِ كما أنَّ تُحبُّ أن يكونَ لك ربُّ العالمينَ فإنهُ يعاملُكَ بما تعامِلُ به الخلقَ، قال جلَّ وعلا: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ[الرحمن:60].

 إنمَّا العلمُ بالتعلُّمِ ، والحلمُ بالتحلُّمِ، وهذهِ الأخلاقُ وتلكَ السجايا والفضائلُ قد يقولُ قائلُ: ما تعودتُ عليها، بيئتي لا تؤهلُ لي ذلكَ، بعضُ الناسِ يقولُ: إذا ابتسمتُ قال الناسُ: هذا صحيحٌ، كل هذا من الثقافةِ التي ينبغي أن نخلِّصَ أنفسَنا ومجتمعَنا منها، هذه أمورٌ تجري بها أجورٌ، هذه أعمالٌ ميسرةٌ تدركُ بها فضائلَ وخيراتٍ من ربٍّ كريمٍ يُعطي علىَ القليل الكثيرَ فكم من سرور تدخله يكون سببًا لسرور يدخله الله تعالى عليك، ثم نحن ينبغي في معاملة الخلق أن نشهد ملحظًا مُهمًا أننا نعامل اللهَ في الخلقِ لا نرقبُ منهم شيئًا، وهذا يُريحك من عناءَ انتظارِ المجازاةِ فإنهُ من انتظرَ المجازاةَ من الناسِ على ما يقدِّمهُ من إحسانٍ فسيطولُ انتظارهُ ذلك أنَّ الناسَ في غالبِ شأنهم وحالهم كما قالَ ربُّهم عنهم: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ[العاديات:6] جحودٌ.

 فإذا كانوا لم يوفُّوا اللهَ حقهُ في الشكرِ وهو أعظمُ المُنعمينَ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ[النحل:53] فلا تنتظرْ إحسانًا منَ الخلقِ على إِنعامٍ، أوْ شُكرًا على إحسانٍ بل ارقبْ ذلكَ من اللهِ فإنَّ اللهَّ جلَّ وعلا الذي بيدهِ قلوبُ العبادِ سيصرفها إليكَ، ويُقبِلُ بقلوبِ الخلقِ عليكَ لكنْ لا تنتظرْ من الناسِ جزاءً ولا شكورًا  ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا[الإنسان:9].

إذا ملء المؤمنُ قلبهُ بالإخلاصِ والرغبةِ فيما عند الله تعالى فإنهُ سيخرجُ عن كلِّ انتظارٍ لإحسانٍ أو مقابَلةٍ أو مجازاةٍ من الخلقٍ وبذلكَ يستريحُ ويُعطي، لأنه يعلمُ أنَّ ما يقدمهُ من الخيرِ هو في يدِ ربِّ العالمينَ، لا يضيعُ اللهُّ تعالى دقيقًا ولا جليلاً ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً[النحل:97]، واللهُ جلَّ وعلا يقيمُ القسطَ يومَ القيامةِ فيحاسِبُ الناسَ على أدنىَ المثاقيلِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه[7]وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه[الزلزلة:7-8].

اللهمَّ املأْ قلوبَنا بمحبَّتِكَ، واعْمُرْها بتعظيمكَ، وارزقنا يا ذا الجلالِ والإكرامِ سرورَ القلوبِ وبهجتَها، اللهمَّ اشرحْ صدورنا يا ذا الجلالِ والإكرامِ إلى ما تُحبُّ وترضىَ، اللهمَّ اشرحْ صدورنا إلى ما تحبُّ وترضىَ، اللهمَّ اشرحْ صدورنا إلى ما تحبُّ وترضى، خذْ بنواصينا إلى البرِّ والتقوى يا ذا الجلالِ والإكرامِ، اللهم استعملْنا في طاعتكَ، واصرفْ عنا السيئاتِ، اللهم استعملْنا في طاعتِكَ واصرفْ عنا السيئاتِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلحْ أئمتَنا وولاةَ أمورِنا، واجعلْ ولايتَنا فيمنْ خافكَ واتقاكَ واتبعَ رضاكَ يا حيُّ يا قيومُ. اللهمَّ لا تؤاخذْنا بما فعلَ السُّفهاءُ منا، اللهمَّ لا تؤاخذْنا بما فعل السُّفهاءُ منا، اللهمَّ لا تؤاخذنا بما فعل السفهاءُ منا، اللهمَّ إنا نسألُك فرجًا عاجلًا لإخوانِنا في سُوريا واليمنِ وفي سائرِ البلادِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

اللهم ألِّفْ بين قلوبهم وأصلحْ ذات بينِهمْ، اللهمَّ خلِّصهُمْ ممنْ أضرَّ بهم يا حيُّ يا قيُّوم، اللهمَّ أبرِمْ للأمةِ أمرًا رشيدًا يُعزُّ فيها أهلُ الطاعةِ، ويُذَلُّ فيها أهلُ المعْصيةِ يُجتَمَعُ فيها على الحقِّ ويُصرَفُ فيهِ الناسُ عنِ الشَّرِّ. اللهُمَّ إنا نسألُك مِنْ فضلِكَ استقامةً ظاهرةً وباطنةً يا ذا الجلالِ والإكرامِ، ربَّنا ظلمْنا أنفُسَنا وإنْ لمْ تغْفِرْ لنا وترْحمنْا لنكونَنَّ من الخاسرينَ، ربَّنا اغْفِرْ لنا ولإِخْوانِنا الذين سبقونا باالإيمانِ ولا تجعلْ في قلوبِنا غِلاَّ للذين آمنوا، ربَّنا إنك رءوفٌ رحيمٌ، اللهمَّ صلِّ علىَ محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صليتَ علىَ إبراهيمَ وعلىَ آل إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ. 

 

 

 

 

الاكثر مشاهدة

4. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات67435 )
11. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات57603 )
13. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53950 )

مواد مقترحة

370. Jealousy
6592. م