×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / دروس منوعة / رسالة ذم قسوة القلب / الدرس 4 من شرح رسالة ذم قسوة القلب لابن رجب الحنبلي

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:160

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى:  

(ومنها: كثرة الأكل، ولا سيّما إن كانت من الشبهات أو الحرام .

قال بشر بن الحارث: خصلتان تقسيَّان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. ذكره أبو نعيم.

وذكر المروذي في كتاب الورع قال: قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى.

ومنها كثرة الذنوب، قال تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)([1])، وفي المسند والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكره الله في كتابه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾))، قال الترمذي: صحيح. ([2])

قال بعض السلف: البدن إذا عري رق، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته.

وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك رحمه الله:

رأيت الذنوب تميت القلوب *** ويورثك الذلَّ إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب *** وخير لنفسك عصيانها

اللهم أحي قلوبنا بمحبتك وذكرك يا رب العالمين.

يقول المؤلف رحمه الله: ومنها كثرة الكلام -في سياق ذكر أسباب قسوة القلب؛ كثرة الكلام- ونقض العهد، كثرة الضحك.

قال: (ومنها كثرة الأكل) والمقصود بالأكل هنا المباح كما تقدم فيما مضى في الكلام والضحك، فإن كثرة الضحك المقصود به الضحك في المباحات؛ أما الضحك على محرم أو الاستهزاء بالشرع فهٰذا وإن كان قليلاً فإنه محرم، إنما الكلام في المباحات، وعلى هذا فإن الجامع في هذه الأمور هو الإسراف في المباحات، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كلوا واشربوا)) بل ((وتصدقوا)), فالصدقة طاعة وعبادة، ذكر الأكل والشرب ثم ذكر طاعة ((وتصدقوا من غير سرف ولا مخيلة))([3]) (سرف) أي زيادة وخروج عن الحد في البذل والعطاء والأكل والشرب. (مخيلة) أي زهو وعلو وكبر.

فقوله رحمه الله:(ومنها كثرة الأكل) أي التوسع في المأكولات, وكثرة الأكل إما من جنس واحد، أو من تنويع المأكولات، فالكثرة هنا قد تكون باعتبار الكمية، وقد تكون باعتبار الكيفية، فإن الإقبال على المطاعم والاعتناء بها والإسراف في الاهتمام بها، يخرج الإنسان عن حد الاشتغال بما ينفعه من غذاء قلبه واستقامته على الجادة.

يقول: (ولا سيما إن كانت من الشبهات) يعني من الأمور المشتبهة، وهي الأمور التي لم  يتبيّن فيها الحرام من الحلال؛ بل هي أمور مشتبهة تحتمل الحلال والحرام، وقد قال النبي  صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الصحيحين من حديث زكريا عن الشعبي عن النعمان بن بشير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام))،([4]) وذلك أن توالي الوقوع في الشبهات يفضي إلى الوقوع في الحرام، فالذي يكثر من الأكل من الشبهات فقد يأكل من الحرام، لا سيما أن ذلك سيثمر في قلبه تأثيراً رديئاً، وهو ما يكون من قسوة القلب وغفلته.

(قال بشر بن الحارث: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. ذكره أبو نعيم). ثم قال: (وذكر المروذي في كتاب الورع قال: قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة) يعني ليناً، وخشوعاً، وحضوراً، وإقبالاً (وهو شبع؟) يعني وقد ملأ بطنه من مأكل أو مشرب؟ (قال) رحمه الله: (ما أرى) يعني ما أظن أن هذا يحصل، فإن امتلاء البطن يحصل به من فتور البدن، واشتغال الذهن، وكلال القوى، ما يحول بينه وبين الخيرات، وما يصرفه عن حضور القلب، وانتباهه، ويقظته، فيصاب بالغفلة.

وقد ذكرتُ أن كثرة الكلام وكثرة الضحك وكثرة الأكل، كل هذا يصيب الإنسان بالغفلة، فإذا أصيب بالغفلة قسا قلبه؛ لأن أعظم ما يغلّف القلب من الصوارف ويقسِّيه، ويجعله بعيداً عن الاهتداء، الغفلة التي تصيب القلوب وتعكِّرها.

ثم ذكر رحمه الله خامس الأسباب التي من خلالها تحصل قسوة القلب وهي الذنوب، فقال:  (ومنها كثرة الذنوب) والحقيقة أن الذنب ولو لم يكثر سبب لقسوة القلب، لكن إذا عالج الإنسان هذا الذنب بما يزيل أثره، ويمحو تأثيره على القلب، نجا من أثر الذنوب، ولذلك قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها))([5])، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ([6])، فإذا أتبع السيئة حسنةً، وأتبع الخطيئة طاعة واستعتب من هفوته وكبوته كان هذا من أسباب صلاح قلبه؛ لأنه يزيل ويمسح أثر ما وقع في قلبه من المعصية، وقد بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأثير الذنب على القلب بياناً واضحاً جليّاً في حديث حذيفة.

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

(ومنها: كثرة الأكل، ولا سيما إن كانت من الشبهات أو الحرام؛ قال بشر بن الحارث : خصلتان تقسّيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. ذكره أبو نعيم.

وذكر المروذي في كتاب الورع قال: قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أُرى.

 ومنها: كثرة الذنوب، قال تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)([7])، وفي المسند والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكره الله في كتابه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾))، قال الترمذي: صحيح. ([8])

قال بعض السلف: البدن إذا عري رقَّ، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته.

وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك رحمه الله:

رأيت الذنوب تميت القلوب *** ويورثك الذلَّ إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب*** وخير لنفسك عصيانها

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد،

فهـٰذا السبب الذي ذكره المؤلف رحمه الله في جملة ما عد من الأسباب التي ترجع إليها قسوة القلب، هو في الحقيقة، هٰذه المسألة هي مسألة من المسائل الكبرى تحتاج إلى عناية، والمقصود من هٰذا الدرس عموماً التذكير وليس المقصود الانتهاء، هي رسالة قصيرة لو نريد أن نقرأها في مجلس واحد انتهينا منها؛ لكن ما فيه من التكرار والتذكير هو المقصود الأكبر في الحقيقة.

على كلٍّ كثرة الذنوب لها أثر بالغ على القلب، والذنوب نوعان:

·       ذنوب ظاهرة.   

·       ذنوب باطنة.

والذنوب الباطنة هي في التأثير على القلب قسوةً وفتكاً أعظم من الذنوب الظاهرة، وهذا بالنظر إلى جنس الذنوب، يعني: الكذب ذنب، السرقة ذنب، الزنى ذنب، كل هذه ذنوب تتعلق بالجوارح.

هناك ذنوب في الباطن، لا تقل عن هذه الذنوب خطورة مع كثرة الغفلة عنها، وهي ما يتعلق بذنوب القلوب: العجب ذنب، الرياء ذنب، الكبر ذنب، الغفلة ذنب، الحسد ذنب، كل هذه آفات تفسد القلوب، وتُذهب ما فيها من الخير، وتلحقها بالقلوب القاسية، فينبغي للمؤمن أن يفطن.

وإذا قرأنا نحن في الغالب مثل هذا الكلام: (كثرة الذنوب)، تنصرف أذهاننا إلى أي شيء؟ تنصرف أذهاننا إلى السرقة، إلى الزنى، إلى الكذب، إلى النميمة، إلى الغيبة، وهذا صحيح، لكن ينبغي أن نصرف الذهن  أيضاً إلى ذنوب القلوب، التي لا تقلّ خطراً، بل هي من حيث الجنس أعظم فتكاً من ذنوب الجوارح، ولذلك يقول ابن القيم: جنس ذنوب القلوب أعظم خطراً وأكبر إثماً من ذنوب الجوارح. والموازنة ليس في أفراد الذنوب -وانتبه إلى الكلام- إنما الموازنة في جنس الذنوب، فجنس ذنوب القلوب أعظم، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحترز منها، وأن يعتني بتطهير قلبه من أن يدبَّ إليه شيء منها، وهذا يحتاج إلى دوام مراقبة، ودوام نظر إلى القلب.

والذنوب صغيرها وكبيرها يؤثر على القلب، كما تقدم في حديث حذيفة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في أثر الذنوب على القلوب، كما أن التوبة لها على القلوب أثر واضح بيّن، كما دلت على ذلك النصوص، و قد سبق التنبيه إلى ذلك.

يقول رحمه الله: (ومنها كثرة الذنوب، قال تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ([9]))  ﴿كَلا كلمة ردع وزجر، ﴿رَانَأي غطّى القلب، والران طبقة تغشو القلب وتعلوه، وهي طبقة تحول بين القلب وبين الهداية، والقلب يعلوه طبقات عديدة متنوعة، أعلاها الران، وأرقها الغين، أرق الطبقات التي تغلّف القلوب الغين، وأسمكها وأغلظها وأشدها أثراً على القلب في منع الخير الران.

والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد شكا الغين فقال: ((إنه ليغان على قلبي)) كما في صحيح الإمام مسلم.([10]) (يغان) أي يغلف قلبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يصيب قلبه هذه الغشاوة، وهي طبقة رقيقة كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الحساسية لقلبه، وصلاحه، واستقامته، فكان يتأثر، ويدرك هذه الطبقة الخفيفة، التي تؤثر فيطلب زوالها  ((وإني لأستغفر الله أكثر من سبعين مرة))،([11]) في طلب إزالة هذا الأثر، وكشف هذا الغين.

فقوله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)، أي ما تتابع من العمل الظاهر والباطن، سبّب هذه الطبقة التي علت القلب حتى أصابته بالقسوة، والغفلة.

(وفي المسند والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء))) (كانت) بمعنى وجدت، كانت الظاهر أنها تامة، بمعنى وجدت (نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه) أي طهر ونقّي، والصقل نوع من التطهير للقلب، يزيل ما يعلق به من السيئ  (وإن زاد) أي في السوء والشر (زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾))).

  (قال بعض السلف: البدن إذا عري رق) إذا عري ولم يكن مكسوّاً رقّ ولان، ثم إن القلب كذلك، قال: (وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته) وهذا ملاحظ، فكلما كان الإنسان ليِّن القلب، قريب التأثر بكلام الله تعالى وكلام رسوله قربت دمعته، وانهملت، ولذلك يقول الشاعر يشكو عينه:

   ولـو أن عينـاً ساعـدت لـتوكـفت *** سحـائبهـا بالـدمـع ديمـاً وهطـلا

ولكنها عن قسوة القلب قحطها *** فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا

هكذا ينبغي للإنسان أن يربط بين هذا الجفاف في عينه، وبين هذا الغلظ واليبس في قلبه، فالقلوب تنعكس آثارها في الألسن، وفي الأعين، وفي المسلك والعمل، فكلما رق القلب سهل على الإنسان وتيسر له من الخير والتأثر ما ليس لغيره، حتى إنه إذا رق قلب الإنسان سمعت منه من الكلمات ولو كان عاميّاً، ولو لم يكن عنده من المعرفة والبصيرة ما يبلغ به شأواً كبيراً في العلم.

الجمعة الماضية اتصل علي  شخص بعد صلاة الجمعة قال: يا شيخ أنا إنسان أسرفت على نفسي إسرافاً كثيراً، ما فيه ذنب إلا أتيته، وأيقظ الله تَعَالىٰ قلبي وأردت النزوع، ومن شدة ما أجد من أثر الذنوب في قلبي أني ما  أخرج  من هذا إلا أن أمشي من بلدتي إلى المدينة، توبة لله تعالى منها. قلت: ما الذي حملك على هذا ؟ قال: والله ما حملني إلا إجلال الله وتعظيمه، يعني أني أجد في قلبي من الألم لأني أذنبت هذه الذنوب إذا ذكرت جلال الله تَعَالىٰ وتعظيمه.

هذا عامي، يمكن أنه لا درس الثلاثة الأصول، ولا درس الواسطية، ولا يحفظ إلا القليل من القرآن، لكن في قلبه معنى من تعظيم الله تعالى هو المقصود من دراسة هذه المتون، ولذلك لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى عن معروف، وكان الإمام أحمد يكثر من الثناء عليه ومدحه وإجلاله، وهو معروف الكرخي رحمه الله، قال له بعض طلابه: ولكنه قصير العلم؟ يعني علمه ليس واسعاً، باعه في العلم ليس بالكثير؟ قال: معروف أدرك ما من أجله يطلب العلم.

يطلب العلم لأجل إيش؟ لأجل خشية الله تعالى وخوفه ومحبته والإقبال عليه وتعظيمه جلّ وعلا، وهذا قد اختصر الطريق، أدرك ما من أجله يطلب العلم.

فينبغي أن ندرك هذه المعاني، وأن القلوب قسوتها بسبب غفلتها وعدم تلذّذها بالعلم بالله تعالى.

أحد الإخوان سأل قبل أيام قليلة قال: يقولون: إن العلم يلين القلب، كيف العلم يليِّن القلب؟ ما رأينا العلم يلين القلب؟ قلت: إشكالك في فهمك ما هو العلم الذي يلين القلب؟ هل العلم الذي يلين القلب هو علم أقسام الطهارة وأقسام النجاسة، والتقسيمات والتفريعات التي يذكرها الفقهاء؟ هذا لا شك أن هذا من الخير ومن البر، ومن تبليغ الشريعة وحفظها، لكن المقصود بكلام العلماء العلم الذي يرقق القلب هو العلم بالله، بأسمائه وصفاته، وما له من كمالات، هذا العلم الذي يرقق القلب ويحمله على الخير و يحمله على المسابقة في الخيرات، مع أن العلم الآخر هو الوسيلة التي من خلالها تصل إلى الله تعالى.

عندنا علمان:

علم بالله تَعَالىٰ، هو الدافع للسعي، ثم بعد وجود هذا تحتاج إلى الطريق الموصل.

الطريق الموصل هو علم الشريعة، بأحكامها، وما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تفاصيل.

قال:  (وفي هذا المعنى يقول ابن المبارك رحمه الله:

رأيت الذنوب تميت القلوب *** ويورثك الذلَّ إدمانها

والذل يكون في القلب ثم يعلو الوجه، والذل ليس بأن تكون محتاجاً إلى غيرك، لا، الذل هو القترة، والسواد الذي يعلو وجه العاصي، وهذه المذلّة ليست ناشئة عن فقر، قد يكون أغنى الأغنياء، وأكثر الناس جِدَةً، لكن في قلبه فاقة وفقر وذل، لا يسده إلا أن يتوب إلى الله تَعَالىٰ ويرجع إليه.

قال:

وترك الذنوب حياة القلوب*** وخير لنفسك عصيانها

إي والله، (ترك الذنوب حياة القلوب) فمن ترك الذنب حيي قلبه. بقدر ما تبعد عن الذنب، وتنأى بنفسك عنه، بقدر ما تفوز بحياة القلب، وصلاحه، واستقامته، وإذا حيي قلبك حييت، والله تحيا، إذا حيي قلبك استقامت أمورك، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).([12])

ثم بعد ذلك قال: (وخير لنفسك عصيانها) صح، خير لنفسك عصيانها، الإنسان إذا عصى نفسه، والمقصود بالنفس هنا ما تمليه عليه رغباته وشهواته، كان ذلك خيراً له، ويشهد لهذا ما في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((حفت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات))،([13]) فالمكاره هي ما تنفر منه النفس في المأكل والمشرب وسائر شؤون الحياة، ما تكرهه هو الذي إذا أتيت إليه طاعة لله ورغبة فيما عنده، انقلب لذة وطعماً لا تجده في غير الطاعة.

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يلين قلوبنا بذكره، وأن يعمرها بمحبته وتعظيمه .

ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 


([1]) سورة: المطففين الآية (14).

([2]) مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر، حديث رقم (7939)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب سورة المطففين، حديث رقم (3334)، وقال: هٰذا حديث حسن صحيح، قال الشيخ الألباني: صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

([3]) البخاري: في أول باب من كتاب اللباس، معلقاً. وقد وصله أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما، كما ذكر الحافظ ابن حجر.

([4]) البخاري: كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات، حديث رقم (2051). مسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم (1599).

([5]) سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس، حديث رقم (1987).

([6]) سورة: هود الآية (114).

([7]) سورة: المطففين الآية (14).

([8]) مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر، حديث رقم (7939)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب سورة المطففين، حديث رقم (3334)، وقال: هٰذا حديث حسن صحيح، قال الشيخ الألباني: صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

([9]) سورة: المطففين الآية (14).

([10]) مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، حديث رقم (2702).

([11]) البخاري: كتاب الدعوات، باب استغفار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في اليوم والليلة، حديث رقم (6307).

([12]) البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم (52).    مسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم (1599).

([13]) البخاري: كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، حديث رقم (6487).مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم (2822).

الاكثر مشاهدة

4. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات69796 )
11. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات58796 )
14. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات54219 )

مواد مقترحة

374. Jealousy
6267.