×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / الوصية الكبرى / الدرس (10) من شرح رسالة الوصية الكبرى

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:1868

الدرس (10) من شرح رسالة الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

ثم قال -رحمه الله-:"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا تَوَاتَرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍtأَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِrعَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ : «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا » ؛وَقَالَ r:«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ tآخِرَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَقَدْ اتَّفَقَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ عَلَى أَنْ يَقُولُوا: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ؛ ثُمَّ عُثْمَانُ؛ ثُمَّ عَلِيٌّ y، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ كٌثير  لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ".

المؤلف -رحمه الله- في هذا الفصل يبين ما يجب اعتقاده في صحابة النبيr، وقد تقدم أول كلامه في هذا الفصل، فقال -رحمه الله-:"وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا تَوَاتَرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍtأَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ"،وهذا الذي ذكره -رحمه الله- هو ما أجمعت عليه كلمة أهل السنة والجماعة، واتفقت عليه النصوص، وبه تم عقد الفرقة الناجيه.

فإن تفضيل أبي بكر وعمر ، أمر متفق عليه، قد تظاهرت وتضافرت عليه النصوص ولا يخالف في ذلك إلا مخالف.

يقول -رحمه الله- في الاستدلال على تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة "وقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَا تَوَاتَرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍt"، وإنما ذكر عليtعلى وجه الخصوص لأن من يدعي مشايعته والانتصار له يقدمه على سائر صحابة رسول اللهr، فأبلغ رد على هؤلاء أن ينقل لهم قول من قدَّموه، فعلي بن أبي طالبtيقول لابنه كما في "الصحيح"عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِr؟ قَالَ:" أَبُو بَكْرٍ"، قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ:" ثُمَّ عُمَرُ".[رواه البخاري في المناقب (3671).]

وعلى هذا اتفقت الكلمة، وقد قال علي tوهو الخليفة بين من شايعه ممن ظاهره على معاوية في الكوفة، على منبرها:" لا يفضلني على أبي بكر وعمر أو لا أجد أحداً يفضلني على أبي بكر وعمر إلا وجلدته جلد حد المفتري". [رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (1219).]

وهذا منقول مستفيض عن علي بن أبي طالبt، ومثل هذا لا يمكن أن يقال أنه قاله تقية، أو قاله مداراة، أو قاله في حال إكراه، إنما قاله في وقت عز وظهور وتمكن وسلطة.

ولا يمكن هذا إلا ممن يعتقد ما يقول، وهذا يدل على تفضيل أبي بكر وعمر، وأنها مسألة محسومة، لا يخالف فيها إلا ضال.

فمن قدَّم على أبي بكر وعمر غيرهما من الصحابة فقد ضلَّ.

فما بالك بمن يسبهما، بل من يتقرب إلى الله تعالى بلعنهما، وتكفيرهما، لا شك أن هذا من الضلال المبين، والخطأ الكبير الذي زينه الشيطان لبعض من انحرف عن الجادة.

يقول -رحمه الله-:"وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِrعَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ"، في مسألة المفاضلة بين علي وعثمان، طوى المؤلف -رحمه الله- الحديث عنها، وأتى بمسألة البيعة لأنها مسألة متفق عليها.

فعندنا مسألتان: مسألة المفاضلة بين علي وعثمان، هذه مسألة وقع الخلاف فيها بين أهل السنة قديماً، وإن كان استقر قولهم في تقديم عثمان على علي رضي الله عنهما.

ومسألة البيعة لا خلاف بين أهل السنة والجماعة في تقديم عثمان في البيعة، وأنه مقدم في البيعة على علي.

ولذلك جاء النقل عن جماعة من السلف، أن من قدَّم علي على عثمان، فقد أذرى بالمهاجرين والأنصار.

وذلك لأن عثمانtبيعته بيعة شورية، فإن عمر tجعل الأمر في ستة، وجعل عليهم عبد الرحمن بن عوف، فاستشار عبد الرحمن بن عوف كل من استطاع أن يشاوره من أهل المدينة، وهم خيار الناس في هذا الزمان، فأجمعت كلمتهم على أن عثمان أحق بالولاية.

ولذلك قال بعد نظره وبحثه:"لم أر الناس يعدلون بعثمان أحداً".

وأما مسألة المفاضلة فقد اختلف فيها السلف، فمنهم من فضَّل عثمان ومنهم من فضَّل عليًّا ، ومنهم من توقف واستقرت كلمتهم على تفضيل عثمان.

لذلك لم يذكر المفاضلة لأن المتفق عليه ما يتعلق بالبيعة.

فقال -رحمه الله-:"وَاتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِrعَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ:«خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا»".[رواه أحمد (5/221).وإسناده حسن.]

كما جاء عند أحمد في مسنده من حديث سفينة بإسناد لا بأس به.

وقال :"وَقَالَ r:«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي"[رواه أبو داود في السنة(4607)، والترمذي في العلم (2676) من حديث العرباض بن سارية.] وهي ما كانت في هذه المدة، وهي مدة الثلاثون سنة بعد وفاة النبيr، انتهت في عام أربعين، لأن النبي rمات سنة عشر.

ثم انتقلت الخلافة إلى أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي الذي انتهت خلافته في الأربعين من الهجرة النبوية، فيكون بهذا قد صدق ما أخبر به النبيrمن أن الخلافة التي تكون على هدي النبوة ثلاثون سنة، وهذه خلافة الأربعة.

"وَقَدْ اتَّفَقَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ"، وهذا يدل على أن أهل السنة والجماعة ليسوا فئة من الناس، بل تكون في العلماء والأمراء والعباد والأجناد، وتكون في سائر الناس.

"عَلَى أَنْ يَقُولُوا: أَبُو بَكْرٍ"أي: في التفضيل "ثُمَّ عُمَرُ؛ ثُمَّ عُثْمَانُ؛ ثُمَّ عَلِيٌّ y، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ كٌثيرة  لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ"إنما أراد الإشارة والتنبيه

ثم قال -رحمه الله- :"وَكَذَلِكَ نُؤْمِنُ " بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " وَنَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ، وَهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ ؛ إمَّا مُصِيبِينَ لَهُمْ أَجْرَانِ؛ أَوْ مُثَابِينَ عَلَى عَمَلِهِمْ الصَّالِحِ مَغْفُورٌ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ ؛ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ -وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ الْحُسْنَى- فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا لَهُمْ : إمَّا بِتَوْبَةِ أَوْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ ؛ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ r«خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ«وَهَذِهِ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

وَنَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ tكَانَ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِمَّنْ قَاتَلَهُ مَعَهُ لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري tعَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ :«تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ».

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ حَقٌّ ؛ وَأَنَّ عَلِيًّا tأَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَعَدُوا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا yفَاتَّبَعُوا النُّصُوصَ الَّتِي سَمِعُوهَا فِي ذَلِكَ عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ".

يقول -رحمه الله-:"وَكَذَلِكَ نُؤْمِنُ "بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ" أي: ما وقع من الاختلاف بين الصحابةy، فإن الصحابة وقع بينهم خلاف بعد مقتل عثمانt، ووقع بينهم وقعات، والواجب على أهل الإسلام أن يمسكوا عما شجر بين الصحابة من الخلاف، لأنها أمور زِيدَ فيها شيء كثير، ويذكر فيها شيء كثير على غير وجهه.

وتلك أمور هم فيها بين أجر وأجرين كما قال المؤلف -رحمه الله-:"وَنَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ، وَهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ ؛ إمَّا مُصِيبِينَ لَهُمْ أَجْرَانِ؛ أَوْ مُثَابِينَ عَلَى عَمَلِهِمْ الصَّالِحِ مَغْفُورٌ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ "فإذا كانت هذه حالهم، أن المنقول ليس كله ثابتاً، وأنهم فيما نقل وثبت هم أهل اجتهاد، إما أن يكونوا مصيبين، وإما أن يكونوا مخطئين، وإذا قدَّرنا أنهم مخطئون وأن بعضهم قد اتبع هواه فيما هو فيه، فإن لهم من الحسنات الماحية ما يسقط مؤاخذته منا والوقيعة فيه.

ولذلك يقول -رحمه الله- في موجبات الإمساك، لو قيل: لماذا نمسك عما شجر بين الصحابةy؟ فالجواب : ما ذكره بعد ذلك.

 وقد بينه وذكره في "الواسطية" بسطاً جيداً، وأجمله هاهنا فقال:"وَنَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ" أي: خلاف الواقع "وَهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ ؛ إمَّا مُصِيبِينَ لَهُمْ أَجْرَانِ؛ أَوْ مُثَابِينَ عَلَى عَمَلِهِمْ الصَّالِحِ مَغْفُورٌ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ ؛ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ" وهذا يعني في الحال الثالثة، وهو أن يكونوا قد تعمدوا الخطأ، وهذه مسألة مهمة، فنحن لا نقول إن ما وقع بين الصحابة خالي من الهوى، بل نجزم أنهم غير معصومين، وأنه يقع منهم الخطأ كما يقع من غيرهم، فتجوز عليهم الذنوب في الجملة، فيمكن أن يكون بعض الواقع بينهم من الخلاف ناشئاً عن الهوى.

وهو من الخطأ والسيئ من العمل ، لكن هذا يعامل بما ذكر  -رحمه الله- :"وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا لَهُمْ؛ إمَّا بِتَوْبَةِ، أَوْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ، أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ؛ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ" أي: من موجبات العفو والمغفرة.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم ، لكن الشيخ جمعها، قرابة عشر أسباب كلها مما يوجب حط السيئات ومغفرة الذنوب.

ذكر طائفة منها وهي أعظمها وأكبرها، فالتوبة تهدم ما كان قبلها، والحسنات الماحية بأن يكون عند الإنسان من الحسنات ما تنغمر فيه سيئاته، كما قال النبيrفي أهل بدر كما في "الصحيحين" من حديث علي بن أبي طالب:«لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».[رواه البخاري في المغازي (3983)، ومسلم في فضائل الصحابة (2494).]

فهؤلاء عندهم من الحسنات وهي شهود هذه الواقعة، ونصروا الله ونصروا النبيrفي هذه الواقعة ما جَبَّ سيئاتهم وانغمرت فيه خطيئاتهم.

الثالث: مصائب مكفِّرة وهو أن الله تعالى يجري على الناس من الأقدار والبلايا ما يكفر به ذنوبهم، قال الله تعالى:]وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[.[سورة الشورى: 30.]

فهذه المصائب يجعلها الله Iسبباً لتكفير الذنوب وحط الخطايا.

وقد قال النبيrكما في "الصحيح" من حديث عائشة :«مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا».[رواه البخاري في المرضى (5640)، ومسلم في البر والصلة (2572).]

فهذا يدل على أن أدق ما يصيب الإنسان مما يكره يكفر الله تعالى به الخطايا إذا احتسب العبد؛ فكيف بالبلايا والمصائب الكبار.

يقول:"أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ" أي: من أسباب التكفير وموجبات العفو والصفح، "فَإِنَّهُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ r" يذكر فضلهم وما لهم من عظيم السبق.

قال النبيr: r«خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».[رواه البخاري في الشهادات (2651)، ومسلم في فضائل الصحابة (2535).]

وهذا الحديث في "الصحيحين" من حديث عمران بن حصين t.

قال "وَهَذِهِ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" كما قال الله تعالى:]كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[[ سورة آل عمران :110.] وخير هذه الأمة هو أولها وهم صحابة رسول اللهr، كما دلَّ على ذلك حديث «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[رواه البخاري في الشهادات (2652)، ومسلم في فضائل الصحابة(2533) من حديث عبد الله بن مسعود.] فهذا بيان لطبقات الخيرية، وذكر النبيrقرنين أو ثلاثة، كما في بعض الروايات، ثم بعد ذلك قرون الأمة لم يبين فضلها بعد القرون الثلاثة المفضلة.

فقد يكون السابق فاضلاً، وقد يكون السابق مفضولاً على حسب قدر الخير والتمسك بالسنة والعمل بالشرع.

يقول:"وَنَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ tكَانَ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِمَّنْ قَاتَلَهُ"، هذا تقرير في أن الإمساك عما شجر بين الصحابة، ليس من لازمه أن لا نقر بالحق لأهله، بل نقول الحق مع علي، ومعاوية مخطئ ولكن رضي الله عن الجميع.

ولذلك يقول الشيخ -رحمه الله-:"وَنَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ " أي: مع إمساكنا عما شجر"أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ tكَانَ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِمَّنْ قَاتَلَهُ مَعَهُ".

ممكن أن يورد هنا ويقول: كيف توصلتم إلى هذه النتيجة، وأنتم لم تدخلوا فيما شجر بينهم من خلاف، لكن إذا أردت أن تحكم لشخص أنه أقرب إلى الحق فلابد أن تكون قد نظرت إلى ما شجر من خلاف حتى تحكم بأسبقيته.

أجاب الشيخ -رحمه الله- وهذا من فقهه ودقة علمه عن هذا بقوله :"لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ""، إذاً التفضيل هنا راجع إلى النص، وليس ناتجاً عن النظر فيما شجر إنما النظر في النصوص الواردة التي دلت على أن علي بن أبي طالب tأفضل وأقرب إلى الحق من معاوية.

يقول :"لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري tعَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ :«تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ" الاختلاف وهو الواقع في زمن علي بعد خلافة عثمانt"تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ»[رواه مسلم في الزكاة (1065).]" وهم الخوارج الذي قاتلهم علي بن أبي طالبtوسُرَّ بقتلهم لأنه كان دليلًا على صحة عمله، وصدق قوله، وشهادة من النبيrلعليtأنه على الحق، وأنه أقرب إلى الحق ممن نازعه وخالفه من أهل الشام معاوية ومن معه.

فقال النبيrتَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ».

قال -رحمه الله-:"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ حَقٌّ"، لقوله: «أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ»، معناه أن الحق ليس محصوراً في جهة، وهذا في غالب مسائل الاختلاف، بل تجزم أنه ما من مسائل الخلاف مسألة إلا ومع كل طرف شيء من الحق.

حتى المبتدعة الذي خالفوا وضلوا معهم جزء من الحق هو الذي يقوِّي قولهم، ويثبت أفرادهم على ما هم عليه من الضلال، لكن ليس هذا مسوغاً لقبول ما عندهم، لكن المؤمن يجب عليه العدل في قوله، لقوله تعالى:]وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[.[سورة المائدة: 8.  ]

فيقال للحق حق، وإن كان مع المخالف وإن كان مع الضال المبتدع، بل لو كان مع الكافر المجانب للطريق المستقيم، فيقال للمحق محقٌّ ولو كان مخالفاً.

قال:"وَأَمَّا الَّذِينَ قَعَدُوا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ" وهم من أشهر الصحابة yوهذا حال غالب الصحابة.

 الذين دخلوا في الفتنة من الصحابة أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وأما جمهور الصحابة فهم ممن اعتزل الفتنة.

والصحابة لم يندموا على اعتزال الفتنة، وإنما ندموا على عدم مشاركة علي في قتال الخوارج.

وذلك لأنه ورد في فضل قتالهم ما تبين بظهور العلامات التي أخبر بها النبيr.

في حين أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ندم على عدم القتال في الفتنة.

والذين امتنعوا -وهم غالب الصحابة- اعتمدوا على نصوص بيِّنة ظاهرة في كلام النبيr، وهو ما ذكره النبيrفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرةtقال rسَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي»؛ وهذه درجات حركات الناس وعملهم، فكل من كان أقل حركة كان أسلم وأقرب إلى الحق، ثم قال r: «وَمَنَ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَئا، أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِه».[رواه البخاري في المناقب (3602)، ومسلم  في الفتن (2886).]

وهذا يدل على وجوب الفرار من الفتن صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها ، الذي تعرض للفتنة تأخذه الفتنة «وَمَنَ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ»، أما الذي يتوقى الفتن ثم يبلى بها فإنه يعان من رب العالمين.

وهذه في كل فتنة، في فتنة المال، في فتنة المنصب، في فتنة الخلاف، في فتنة القتال، في كل أمر، من صَدَّ عن الفتنة وتوقاها وبعد عن أسبابها، كان ذلك من دواعي ظَفَرهِ ونصرة الله تعالى له، والمدد من الله تعالى له، لأن الإنسان ضعيف، فلا يغتر أحد بقوته لاسيما في الفتن؛ لأن في الفتن تشتبه الأمور وتختلط، ويورط الإنسان من حيث لا يحتسب، ولذلك قال:" يقضى على المرء في زمن الفتن، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن".

لكنه إذا اعتصم بالله تعالى ولجأ إليه وصدق في اللجوء إلى الله أنجاه الله تعالى في حال الفتنة.

ولذلك خير ما تستقبل به الفتن الطاعة والصدق مع الله تعالى في الرخاء.

وهو صدق ما جاء ففي وصية النبيrلابن عباس:«تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ».[رواه أحمد في مسنده (1/307)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2961).]

فمن أعد لها إيماناً صادقاً وإخباتاً وصدقاً مع رب العالمين، فإن الله تعالى لا يخزله، ]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[.[سورة العنكبوت: 69.]

وتكون الفتنة عوناً له ويبصرها.

ولذلك جاء عن الحسن البصري وورد مرفوعاً عن النبيr:"إذا أقبلت الفتنة عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد".[مرفوعا رواه نعيم ابن حماد في الفتن(347)، ولا يصح.]

وهذا صدق مطابق للواقع، فالفتنة أول ما تقبل لا يلمحها ويعرفها إلا ألوا البصائر النافذة، والعقول الراجحة، والإيمان الراسخ، ثم إذا أدبرت انكشفت وعرفها كل أحد حتى الأطفال في الشوارع يعرفون أنها فتنة انصرفت وانقضت.

قال :"وَأَمَّا الَّذِينَ قَعَدُوا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا yفَاتَّبَعُوا النُّصُوصَ الَّتِي سَمِعُوهَا فِي ذَلِكَ عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ " كما ذكرنا في الحديث الذي رواه أبو هريرة، "وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ".

ثم قال -رحمه الله- :"وَكَذَلِكَ " آلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ r"لَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَجِبُ رِعَايَتُهَا فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ rفَقَالَ لَنَا : قُولُوا :« اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ » . وَآلُ مُحَمَّدٍ هُمْ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؛ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- فَإِنَّ النَّبِيَّ rقَالَ:«إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : ]إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إيمَانٌ؛ وَبُغْضُهُمَا نِفَاقٌ، وَفِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ rقَالَ لِلْعَبَّاسِ - لَمَّا شَكَا إلَيْهِ جَفْوَةَ قَوْمٍ لَهُمْ قَالَ:«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ مِنْ أَجْلِي» . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ : «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى بَنِي إسْمَاعِيلَ ؛ وَاصْطَفَى بَنِي كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ ؛ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ ؛ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».

ذكر المؤلف -رحمه الله- ما يجب لآل بيت النبيrمن الحقوق، لكن حق أهل البيت صنو حق الصحابة t، ويجب على المؤمن أن يتسع قلبه للقيام بالحقين، فليس من محبة آل البيت الوقيعة في الصحابة، وليس من محبة الصحابة الوقيعة في آل البيت أو التقصير في حقهم، بل كلاهما يجب حفظ حقه، ويجب التعبد لله تعالى بإيفائهما له، ومن قصَّر في ذلك فإنه قد بخس نفسه ونقص إيمانه.

ولذلك يجب أن يبين هذا وأن يوضح، ومن المهم أن يبين أهل السنة والجماعة للناس في كل مكان يتمكنون فيه من البيان أن يبينوا للناس موالاتهم لآل البيت، ومحبتهم لهم دون غلو وإفراط، وأن ذلك لا يدعو إلى الوقيعة في الصحابة، لأن بعض من ضل في هذا الباب يجعلوا محبة آل البيت سبباً للنيل من الصحابة، بل وطريقًا إلى تكفيرهم والقدح فيهم y.

فيجب على أهل الإيمان لاسيما مع ظهور بدعة الوقيعة في الصحابة والرفض، لابد من مقابلة هذا ببيان ما يكنُّه أهل السنة والجماعة لآل البيت حتى يسقط ما يدَّعيه أولئك من أن أهل السنة يناصبون آل البيت العداء، أو لا يحبونهم، أو لا ينزلونهم منزلتهم اللائقة بهم.

بل حب آل البيت عبادة نتقرب إلى الله تعالى بها.

ولا يتم إيمان أحد حتى يحب آل بيت النبيr، هذا من العقد الذي تواطأت عليه أهل السنة والجماعة، فلا تخلو عقيدة من عقائدهم المؤلفة، ولا شيء من كتبهم المسطرة بحقوق الصحابة إلا ويشار إلى حق آل البيت ويذكر ما لهم من حقوق، وبه يكتمل العقد ويتم الإيمان.

والشيخ -رحمه الله- سار على هذا المنوال فبيَّن شيئاً من حقوقهم.

قال :"وَكَذَلِكَ آلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ rلَهُمْ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَجِبُ رِعَايَتُهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِي الْخُمُسِ وَالْفَيْءِ"، وهذا من الحقوق الثابتة لهم المذكورة في كتاب الله -جل وعلا-:]وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ[.[ سورة الأنفال:41.]

فذكر الله تعالى حق آل البيت في هذه الآية، وكذلك في الفيء، فإن لهم حقًّا ثابتاً ذكره الله في سورة الحشر.[سورة الحشر: 7 ، قال تعالى :مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.  ]

قال -رحمه الله- :"وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ "وهذا الحق الثاني الذي ذكره المؤلف، إذاً هناك حق مالي، وهناك حق دعاء يقتضي الموالاة والمحبة، لأنه لا يمكن أن تدعو لهم وأنت لم يقم في قلبك حبهم.

بل لا يكون الدعاء إلا فرعاً عن المحبة، والموالاة، ولذلك تجد أن من يكره شخصاً يثقل لسانه عن الدعاء له حتى بالخير، يجده لا يتمكن من الدعاء له إلا بالشر، أما بالخير فإنه يعجز عن ذلك، حتى لو كان يحب هدايته.

المقصود أن الدعاء لهم هو أكبر النفع الذي يوصل إليهم ، وهو دال على صدق محبتهم.

قال :"وَالْفَيْءِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ rفَقَالَ لَنَا : قُولُوا :«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[ رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3370)، ومسلم في الصلاة (405).]

ثم انتقل المؤلف -رحمه الله- إلى بيان من هم آل محمد الذين تجب لهم الحقوق الماضية، فقال :"وَآلُ مُحَمَّدٍ هُمْ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؛ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعُلَمَاءِ"، وهذا مبني على ما جاء عن النبيrفي حديث ربيعة بن الحارث فيما رواه مسلم قال النبيr:«إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»[رواه مسلم في الزكاة (1072).]وآل محمد هم آل علي وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل ، بيَّنهم زيد بن أرقم tلما رواه الإمام مسلم في "صحيحه" في وصية النبيrلأصحابه بكتاب الله تعالى وآل بيته، حيث قال:«أَمَّا بَعْدُ أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّى فَأُجِيبَ وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»، وفي الحديث سئل زيد عن آل البيت قال :«هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ».[تقدم تخريجه.]

هؤلاء هم آل بيت النبيr، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وأزواجه من آل بيته، والمؤلف -رحمه الله- اكتفى بالإشارة إلى عموم من هم آل البيت، وذلك لأن هذه المسألة مبسوطة ومبيَّنة في مواضع عديدة من كلامه -رحمه الله- ومن كلام أهل العلم.

وأزواجه من آل بيتهrبنص القرآن، فإن قوله تعالى:]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[[سورة الأحزاب:33.  ] جاء في تعليل بعض الأحكام المتعلقة بأزواج النبيr.

وما جاء فيما رواه الإمام مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها في حديث الكساء، فإنه محمول على أن ذلك بيان لأحق الناس بوصف آل البيت، ولا يعني أن المذكورين في هذا الحديث هم آل البيت فقط، فإن آل جعفر، وآل عقيل ، وآل العباس من آل البيت ولم يشملهم حديث عائشة في صحيح مسلم قالت:خَرَجَ النَّبِيُّ rغَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ:]إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[.[رواه مسلم في اللباس والزينة (2081).]

فآل البيت لا ينحصرون في هؤلاء، بل إن هؤلاء أحق من وصف بهذا الوصف، وغيرهم يدخل في هذا الوصف، فيدخل آل جعفر وآل علي غير المذكورين كمحمد بن الحنفية، وكذلك آل عقيل، وآل العباس، يدخلون في آل البيت، ويدخل كذلك أزواجه r.

فإن زوجتي إبراهيم من آله، وزوجة موسى من آله، وزوجتي أيوب وزكريا من آله، فهؤلاء من باب أولى، زوجات النبيr.

كما دل على ذلك أيضاً حديث في صيغ الصلاة على النبيrمنها:«قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ...».[رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3369)، ومسلم في الصلاة (  407).]

فهذا فيه بيان وتفصيل وتفسير لما أجملته الرواية الأخرى في معنى الآل «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ».[تقدم تخريجه.]

يقول المؤلف -رحمه الله- :"وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إيمَانٌ؛ وَبُغْضُهُمَا نِفَاقٌ"، ولا ريب في هذا ، وحب بني هاشم إيمان وبغضهم نفاق، ولا ريب في هذا، فأولئك حبهم ونصرتهم وعظيم ما كانوا عليه عند النبيr، وآل البيت بنو هاشم حبهم لقرابتهم من النبيr.

قال :"وَفِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ rقَالَ لِلْعَبَّاسِ- لَمَّا شَكَا إلَيْهِ جَفْوَةَ قَوْمٍ لَهُمْ قَالَ:«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ مِنْ أَجْلِي»"[رواه الترمذي في سننه(3758)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (12/109)، والطبراني في "الكبير" (10/126). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.]، وهذا بيان لسبب محبة آل البيت، وأنه بسبب قرابتهم وصلتهم بالنبيr.

وهذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم، وضعفه آخرون لضعف يزيد بن أبي زياد في إسناد هذا الحديث.

وفي "الصحيح" عن النبيrأنه قال:«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِى هَاشِمٍ».[رواه مسلم في الفضائل(2276).]

فالنبيrخيار اصطفاء وراء اصطفاء وهذا لا يكون إلا لأمر ومعنى يخص هؤلاء في الاصطفاء.

يقول رحمه الله :"وَقَدْ كَانَتْ الْفِتْنَةُ لَمَّا وَقَعَتْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَافْتِرَاقِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ صَارَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ عُثْمَانَ وَيَغْلُو فِيهِ يَنْحَرِفُ عَنْ عَلِيٍّ tمِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ؛ مِمَّنْ كَانَ إذْ ذَاكَ يَسُبُّ عَلِيًّا tوَيُبْغِضُهُ، وَقَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ عَلِيًّا tوَيَغْلُو فِيهِ يَنْحَرِفُ عَنْ عُثْمَانَtمِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ مِمَّنْ كَانَ يُبْغِضُ عُثْمَانَ وَيَسُبُّهُ t، ثُمَّ تغلظت بِدْعَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ حَتَّى سَبُّوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَزَاد الْبَلَاءُ بِهِمْ حِينَئِذٍ".

المؤلف -رحمه الله- يشير هنا إلى مبدأ الفتنة، فمبدأ الشر هو مقتل عثمان t، لذلك يقول:"وَقَدْ كَانَتْ الْفِتْنَةُ "، أي: حصلت ووقعت "لَمَّا وَقَعَتْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَافْتِرَاقِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ "، وهو الباب الذي كسر[الباب الذي كسر هو مقتل عمر لما رواه ابن حجر في الفتح (13/50) قال:"  قال ابن بطال إنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله، ومن ثم قال له: إن بينك وبينها بابا مغلقا، ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم أنه الباب فعرض له بما فهمه ولم يصرح".]، ولن يوصد إلى يوم القيامة، فكان قتل عثمان مفتاح شر على الأمة، وذلك كان في بدايته فئة تحزبت لعثمان وغلت فيه، وفئة تحزبت لعليtوغلت فيه، ثم تطور الأمر إلى ما قبل عثمان فيمن تحزبوا لعلي حيث ذموا أبا بكر وعمر وسبوهما، وغلا بهم الأمر حتى كفروهم، كما هو في قول بعض الرافضة.

قال:"وَزَاد الْبَلَاءُ بِهِمْ حِينَئِذٍ" أي: زادت الفتنة والشر بهؤلاء الذين استطالوا في خيار أصحاب النبيr.

وأهل السنة والجماعة وفقهم الله تعالى للقيام بالحقين، بحق الصحابة محبة وإجلالاً، وبمحبة آل بيت النبيrوالتقرب إلى الله تعالى بإجلالهم وتقريرهم على وفق ما أمر الله ورسوله، لا غلو ولا تفريط.

يقول:"وَالسُّنَّةُ مَحَبَّةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ جَمِيعًا، وَتَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَيْهِمَا رَضِيَ اللَّهُعَنْهُمْ لِمَا خَصَّهُمَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي سَبَقَا بِهَا عُثْمَانَ وَعَلِيًّا جَمِيعًا، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ؛ وَأَمَرَ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ وَيَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللَّهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، وَالِاتِّبَاعِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ r".

بيَّن المؤلف -رحمه الله- الذي يجب في هذين الصحابيين الجليلين اللذين هما بعد أبي بكر وعمر في الفضل والخير "وَالسُّنَّةُ مَحَبَّةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ جَمِيعًا"، فلا تحزب لهذا ولا تعصب لذاك، "وَتَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَيْهِمَا" أي على علي وعثمان، "لِمَا خَصَّهُمَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي سَبَقَا بِهَا عُثْمَانَ وَعَلِيًّا جَمِيعًا".

ثم قال:"وَقَدْ نَهَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ"، وهذا فيه النهي عن التحزب والتفرق بموالاة ومغالاة، "وَأَمَرَ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ" أي بشرعه، فحبل الله هو دينه الذي جعله سببًا للوصول إليه، فمن استمسك به فقد هدي.

يقول:"فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ وَيَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ" السنة تقوم على العلم والعدل الذين بهما يكمل الإنسان، ليس هناك سبيل يكمل به العبد بمثل العدل والعلم، فالعلم والعدل بهما يكمل خلق الإنسان، ويستقيم دينه ودنياه.

قال:"فَإِنَّ السُّنَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعِلْمِ" أي: العلم بشرع الله تعالى وما له من الحقوق.

"وَالْعَدْلِ" الذي جاءت الشرائع كلها لإقامة العدل، قال الله تعالى :]وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[[سورة الحديد:25.]، فجعل العلة من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو قيام الناس بالقسط وهو العدل.

وقد قال الله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى[.[سورة النحل: 90.]

فأمر الله تعالى بالعدل في كل أمر.

 

ثم قال -رحمه الله- :"وَالِاتِّبَاعِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ r" الاتباع لكتاب الله وسنة رسوله بهما يتحقق العلم والعدل، فلا يمكن أن يكون عدل في غير شريعة الله تعالى، ولا يمكن أن يكون علم في غير هدي النبيr، بل العلم والعدل والكمال في طريقتهr.

الاكثر مشاهدة

4. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات92288 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات87557 )

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف