×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / الوصية الكبرى / الدرس(12) من شرح رسالة الوصية الكبرى

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:1704

الدرس(12) من شرح رسالة الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

يقول المؤلف -رحمه الله-:"فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ بِهَا، وَلَا يُوَالِيَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يُعَادِيَ عَلَيْهَا، بَلْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ مِنْ أَيِّ طَائِفَةٍ كَانَ، وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ: هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُتَّقِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ]لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[[البقرة:177.] ، وَالتَّقْوَى هِيَ فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ rعَنْ حَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمَا صَارُوا بِهِ أَوْلِيَاءَ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ rقَالَ : «يَقُولُ اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِيبِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ».

المؤلف -رحمه الله- ابتدأ هذا المقطع المهم من كلامه ببيان أنه لا يجوز أن يوالى وأن يعادى على الألقاب سوى لقب الإيمان والإسلام، وأما ما عاداه فإنه ليس مناط الموالاة والمعاداة.

"فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَمْتَحِنَ النَّاسَ بِهَا وَلَا يُوَالِيَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يُعَادِيَ"، فلا يوالي على وصف من الأوصاف غير وصف الإسلام والإيمان.

ثم بيَّن ما الذي جعل وصف الإيمان والإسلام هو المدار على الموالاة والمعاداة، قال :"بَلْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ مِنْ أَيِّ طَائِفَةٍ كَانَ" حنفيًّا كان، أو شافعيًّا أو قادريًّا أو قيسيًّا أو عدويًّا، فأكرم الخلق عند الله تعالى أتقاهم، فمن كان قائماً بالتقوى فهو المقدم على غيره، ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[، كما ذكر الله تعالى في آية اختلاف الناس، قال تعالى:]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[.[سورة الحجرات:13.]

ثم قال: "بَلْ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ مِنْ أَيِّ طَائِفَةٍ كَانَ"، وهذا يلغي التعصب والتحزب، فمن كان متصفًا بالتقوى فهو المقدم على غيره من أي حزب أو صنفٍ كان.

ثم بيَّن من أين تحصل الولاية، فقال :"وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ"، يعني على الحقيقة، لا بالدعوى والادعاء والكذب، "هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ"، فهؤلاء هم الأولياء على الحقيقة، وهذا يبين أن الولاية ليست حكراً على أشخاص، وليست درجة لا يبلغها إلا فئة من الناس لهم مواصفات خلقوا بها.

إنما الولاية نتاج عمل، فكل من سلك هذا الطريق وصل إلى الغاية ]أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[ذكر الله من هم هؤلاء، فقال]الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[.[سورة يونس:62- 63.]

فذكر الله تعالى وصفين، بهما تتحقق الولاية للعبد، الإيمان والتقوى.

يقول الشيخ -رحمه الله- :"وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُ: هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ"، كما قال الله تعالى: ]أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[جاء البيان فقال:]الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[.

والإيمان يقتضي سلامة الباطن، والتقوى تقتضي إسلام الظاهر، فإنه ذكر الإيمان والتقوى فلابد أن نعرف ما الإيمان وما التقوى، الإيمان هو سلامة الباطن، والتقوى هي فعل ما أمر الله تعالى وترك ما نهى عنه.

قال:"فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ وَقَدْ بَيَّنَ الْمُتَّقِينَ"، والقرآن مليء بذكر أوصاف المتقين، وما أعده الله تعالى لهم، لكن اصطفى المؤلف -رحمه الله- آية جمعت أصول أوصاف التقوى، كيف يحقق الإنسان التقوى.

نحن نسمع دائماً الخطباء وغيرهم يوجهون ويقولون اتقوا الله، يا عباد الله اتقوا الله، ما هذا الأمر؟، هذا أمر بلغز أو أمر واضح؟ هو أمر بأوضح ما يكون، والذي ذكره إجمالاً فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، هذه هي التقوى.

قال -رحمه الله-:"وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ rعَنْ حَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمَا صَارُوا بِهِ أَوْلِيَاءَ"، عن حال أولياء الله، أي: ما لهم من الله تعالى من الفضل والأجر، وما لهم من الله تعالى من المثوبة والعطاء، وكيف صاروا أولياء لله تعالى.

أي: أنه ذكر الطريقة والنتيجة الموصلة إليها، فالنتيجة الموصلة إلى الولاية، هي ما ذكره النبيrفي هذا الحديث الإلهي:«فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي...»[ رواه البخاري في الرقاق (6502).]، هذه حالهم إلى آخر ما ذكر في الحديث، وهذا نتاج عملهم المقارن لنتاج الله تعالى سابقا ولاحقاً، أو المصاحب لفضل الله تعالى، ففضل الله تعالى سابق لاحق، فبه حصلت لهم الولاية، وبه أدركوا هذه الفضيلة.

أما الطريق الذي يوصل إلى هذا، وهو ما أشار إليه "وَمَا صَارُوا بِهِ أَوْلِيَاءَ"، هو أنهم قاموا بما فرض الله تعالى، فتقربوا لله تعالى بالفرائض فأدوا حقوق الله تعالى الواجبة، ثم لم يقتصروا على هذه الحقوق الواجبة، بل سارعوا في الحصول على الأعمال المستحبة والنوافل.

يقول النبيrفي هذا الحديث وهو حديث الولاية المشهور والمعروف، وهو من أشرف الأحاديث وأجلها، يقول:"إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ"، أي أعلمته، وحرب الله تعالى لمن آذى أولياءه ليست في الآخرة فقط، بل حربه إياهم في الدنيا والآخرة، ومن يقوم برب السماوات والأرض، فلا يقوم له أحد سبحانه وبحمده، إليه يرجع الأمر كله، هو القائم على كل نفس بما كسبت سبحانه وبحمده.

"مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ" ثم قال في بيان تحصيل الولاية "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ"، والفرائض هنا تشمل الواجبات الشرعية في جميع الأعمال، الظاهرة والباطنة في حقوق الله تعالى وفي حقوق الخلق،"وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ"، ثم بيَّن ما الذي يحصل بعد هذا "فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ" إلى آخر ما ذكر مما يدل على عظيم المعية، عظيم معية رب العالمين لمن حقق الولاية، ]إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[.[سورة النحل: 128.]

ثم ذكر بعد ذلك، قال المؤلف معلقاً على الحديث :"فَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَرَجَتَيْنِ : (إحْدَاهُمَا): التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالْفَرَائِضِ، (وَالثَّانِيَةُ):هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، فَالْأُولَى دَرَجَةُ " الْمُقْتَصِدِينَ" الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ . وَالثَّانِيَةُ دَرَجَةُ " السَّابِقِينَ " الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ]إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ * وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا وَيَشْرَبُهُ الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ".

"التَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِالْفَرَائِضِ"، هذه هي المنزلة الأولى، والثانية: "هِيَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ".

ثم قال:"فَالْأُولَى دَرَجَةُ "الْمُقْتَصِدِينَ" الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِيَةُ دَرَجَةُ "السَّابِقِينَ" الْمُؤْمِنِينَ"، وقد ذكر الله تعالى المؤمنين على مرتبتين في مواضع من كتابه؛ منها ما ذكره بيِّنا في سورة الواقعة: ]وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[[ سورة الواقعة :10- 11.] ثم قال :]وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ[.[سورة الواقعة :27.]

فجعلهم على مرتبتين في العمل وفي الثواب، وهم على مرتبتين في أعمالهم وثوابهم في الدنيا وثوابهم في الآخرة.

يقول -رحمه الله-:"]إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ * وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ["[سورة المطففين (22- 26).]

وهذا فيه ما أعده الله تعالى للأبرار، وقوله: ]إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ[، أي دائم في الدور الثلاثة كلها، ليس في الدار الآخرة.

لكنه يكمل ويتم ويظهر في الدار الآخرة، وإلا لهم الفضل والسبق من رب العالمين في الدور كلها.

قال:"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا وَيَشْرَبُهُ الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا"، وذلك في قوله تعالى :]عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[[سورة المطففين : 28.]، بعد أن ذكر -جل وعلا- حال الأبرار في شربهم ]إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[.[سورة المطففين (22- 28).]

فذكر أبرارا وذكر مقربين، فالأبرار والمقربون ليسوا صنفاً واحداً، بل هم صنفان، صنف سبقوا بأداء الواجبات والمسابقة إلى القربات وهؤلاء هم المقربون، وقسم اقتصروا على آداء الواجبات وهم أصحاب اليمين الأبرار.

يقول:"وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقَى اللَّهَ فَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ "، وهذا يدل على أن الولاية ليست خاصة بجنس ولا بصفة إنما بعمل، فمن تحقق فيه هذا العمل، فاز بالثواب والأجر.

بعد هذا قال المؤلف -رحمه الله- :"وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَوْجَبَ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مُعَادَاةَ الْكَافِرِينَ، ]وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[.فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ وَلِيَّ الْمُؤْمِنِ هُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعِبَادُهُ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ نِسْبَةٍ، أَوْ بَلْدَةٍ، أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ طَرِيقَةٍ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[".

هذه المعاني تغيب عن كثير من الناس، فتجد أن ولاءه وبراءه ومحبته وبغضه وتقريبه وإبعاده إنما على شيء مما ذكر المؤلف رحمه الله، إما لنسبة أو لبلدة أو لمذهب أو لطريقة أو غير ذلك من الأسباب التي تحصل بها الموالاة والمعاداة، وتحصل بها الإدناء والإبعاد، وهذا لا شك أنه خلاف ما يجب أن يسعى إليه المؤمن، ولابد لأهل العلم وأهل الفضل أن يشيعوا هذا بأقوالهم وأعمالهم.

]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[[ سورة التوبة:71.]، يجب على أهل الإيمان أن يبينوا بأعمالهم وأقوالهم ويتحقق هذا في طلبة العلم، فيتركوا وينبذوا كل نوع من الولاء والبراء وكل نوع من البغض والحب إلا ما كان لله تعالى، لا يعني هذا أن لا يأنس الإنسان بقريبه أو من يوافقه في بعض الأمور؟ الجواب: هذا لا يعارض الولاء والبراء الحقيقي الذي يجب أن يكون.

فالإنسان يأنس بأهل بلده، ويأنس بمن ينتسب إلى شيخه، لكن لا يعني أن يكون ولاؤه لهذا الشيخ، أو محبته لمن انتسب إليه، وبغضه لمن فارقه أو لمن خالفه، هذا لاشك أنه من العصبية الجاهلية التي ذمها الله ورسوله.

ولذلك يؤكد المؤلف هذا المعنى فيقول:"وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَوْجَبَ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مُعَادَاةَ الْكَافِرِينَ"،وذكر ما ذكر من الأدلة التي تقتضي الموالاة أو المعاداة.

الموالاة لله تعالى، والمعاداة لمن حادَّ الله ورسوله.

فقد أخبر Iأن ولي المؤمن هو الله ورسوله ]إنَّمَا وَلِيُّكُمُ[أي محبكم وناصركم.

]إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[،ثم بيَّن فضيلة من حقق هذه الولاية فقال :]وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[.[سورة المائدة:55- 56.]

ثم يقول -رحمه الله-:"وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ" فكل مؤمن تحقق فيه الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإنه ينبغي أن ينال نصيبه المناسب الذي يستحق من هذه الولاية.

يقول الله -جل وعلا-:]وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[[سورة التوبة: 71.]، أي بعضهم ينصر بعضاً، وبعضهم يحب بعضاً.

ثم قال بعد ذلك:"]إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[[سورة الأنفال: 72.]أي: يحب بعضهم بعضاً، وينصر بعضهم بعضاً، فالولاية مدارها على أمرين، على تحقيق المحبة والنصرة.

ثم قال:"وَقَالَ تَعَالَى:]إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [إلَىقَوْلِهِ: ]وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ [[سورة الأنفال:72-75.]، وَقَالَ تَعَالَى: ]وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [إلَى قَوْله تَعَالَى: ]فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [[الحجرات:9-10.]. وَفِي "الصِّحَاحِ" عَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ:«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وَفِي "الصِّحَاحِ" أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ :«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» وَفِي "الصِّحَاحِ" أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ :«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَقَالَ r«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ»[صحيح البخاري(2442).] وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَجَعَلَهُمْ إخْوَةً، وَجَعَلَهُمْ مُتَنَاصِرِينَ مُتَرَاحِمِينَ مُتَعَاطِفِينَ، وَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بالائتلاف وَنَهَاهُمْ عَنْ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فَقَالَ : ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [، وَقَالَ : ]إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللَّهِ [الْآيَةَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ rأَنْ تَفْتَرِقَ وَتَخْتَلِفَحَتَّى يُوَالِيَ الرَّجُلُ طَائِفَةً وَيُعَادِيَ طَائِفَةً أُخْرَى بِالظَّنِّ وَالْهَوَى ؛ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ نَبِيَّهُ rمِمَّنْ كَانَ هَكَذَا .

ذكر الآية التي فيها وجوب الولاية بين المؤمنين والمناصرة ، ثم ذكر جملة من الأحاديث.

يقول رحمه الله:"وَفِي "الصِّحَاحِ" عَنْ النَّبِيِّ rأَنَّهُ قَالَ:«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»[رواه مسلم في البر والصلة (2586).]، وهذا يدل على عظيم اللُّحمة الكامنة بين أهل الإيمان، وأن ما أصاب أطرافهم أرَّق سائر جهاتهم، وهكذا يجب أن يكون المؤمن مع إخوانه.

ثم قال :"«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ»[رواه البخاري في الصلاة(481)، ومسلم في البر والصلة (2585).]"، ومعلوم أن البنيان إذا وهى من جانب فإن ضعفه يمتد إلى سائر أطراف البناء.

 

ثم قال:"«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[ رواه البخاري في الإيمان (13)، ومسلم في الإيمان (45).]"، وهذا يدل على وجوب النصح ومحبة الخير لأهل الإيمان، وأن ذلك من الإيمان الواجب الذي إذا خلا منه القلب نقص إيمان العبد.

"«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»"[رواه البخاري في المظالم (2442)، ومسلم في البر والصلة (2580).] وهذا فيه

كف الأذى، وبذل الندى، ففيه صيانة المسلم وحفظه، والإسلام هنا أي: لا يُسلِمه إلى ما يكرهه، ولا يظلمه فهو ساع في كف الشر عنه من كل وجه، أن يكف الشر عنه ما استطاع ولا يعتدي عليه بظلم ونحوه.

قال: "وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ"، وهي بحاجة إلى أن تذكر ويذكر بها الناس في الخطب، والمجامع واللقاءات.

قد يقول القائل هذا من المعروف؟ نعم قد يكون معروفاً من جهة الحفظ والقول، لكن ليس معروفاً من جهة العمل والتطبيق، فيجب على المؤمن أن يذكِّر به، وأن يعيد ويبدي في هذا الأمر حتى يشيع بين المؤمنين ما يقتضي دفع الشر عنه، وكف الفتن عن الوقوع بينهم.

قال -رحمه الله-:"وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ وَجَعَلَهُمْ إخْوَةً وَجَعَلَهُمْ مُتَنَاصِرِينَ مُتَرَاحِمِينَ مُتَعَاطِفِينَ وَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ بالائتلاف"، وهو الاجتماع.

وَنَهَاهُمْ عَنْ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ فَقَالَ:]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[[ سورة آل عمران :103]

 

وَقَالَ : ]إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[[سورة الأنعام: 159.]، أي: في أي عمل من أعمالهم، لا في قليل ولا في كثير.

ثم قال المؤلف -رحمه الله-:"فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا"أي مع النصوص الكثيرة التي تدعو إلى الائتلاف والمودة بين المؤمنين وتنهى عن الفرقة، وتوطد أواصر المودة بينهم وتقيم الموالاة من النصرة والود بين أهل الإيمان.

"فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ rأَنْ تَفْتَرِقَ وَتَخْتَلِفَ" فالافتراق والاختلاف ليس من شأن هذه الأمة.

ثم قال :"حَتَّى يُوَالِيَ الرَّجُلُ طَائِفَةً وَيُعَادِيَ طَائِفَةً أُخْرَى بِالظَّنِّ وَالْهَوَى ]إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا[[سورة النجم: 28.]

فليس عندهم برهان يوالون ويعادون عليه، إنما هي ظنون وأوهام، وهذا كثير في القديم والحديث، فكثير من سبل الشر الواقع بين المؤمنين هو سبب الظن الفاسد، إما ظن في أقوال أو في نوايا وأعمال، وقد قال الله -جل وعلا-:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ[[سورة الحجرات :12.]، فكيف بمن بنى عمله وصلاته، وسائر حاله على الظنون والأوهام.

يقول:"بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ بَرَّأَ اللَّهُ نَبِيَّهُ rمِمَّنْ كَانَ هَكَذَا" أي: يبني عمله على الظنون والأوهام، ويعادي ويوالي على غير الكتاب والسنة ، وما كان عليه خير الأمة من عمل.

يقول -رحمه الله- :"فَهَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ كَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ فَارَقُوا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ".

يعني أقل ما يكون مما يتحقق به ما تقدم من العمل المذموم واتباع الهوى والظن، أن يقدم الرجل من يوافقه على هواه، وهذا ما أكثره، لا في المسائل العلمية، ولا في المسائل العملية، ولا في المسائل المنهجية، بل حتى في بعض الأمور الدنيوية، تجده يقدِّم من يوافقه على أمر من الأمور وإن كان من أمور الدنيا على من هو أتقى لله تعالى منه، وهذا لا شك أنه لم يحقق الولاء والبراء، ولم يحقق الحب والبغض الذي هو أوثق عرى الإيمان، وإن ادعى أنه ينصر كتاب الله، أو أنه يغضب لسنة النبيr، أو أنه ينصر مذهب أهل السنة والجماعة، فإنه بهذا العمل خارج عن صراطهم، منابذ لطريقهم، فإن العبد المؤمن يقدم من كان لله أتقى، لا يقدم من كان موافقاً لهواه.

ولذلك تجد الآن بعض من يشتغل بالعلم، ولو كان اشتغاله قليلاً، إذا رأى عالماً أو شيخاً يوافقه في ما اختار من الأقوال العلمية، فإنه يتعصب له ويجلُّه، ويذكره، ويثني عليه، فإذا خالفه في مسألة من المسائل جعلها منابذة ومفاصلة على هذه المسألة، ولو كانت هذه المسألة من مسائل الفروع .

 فكم من شخص ترك عالماً، أو نال منه، أو وقع في عرضه لكونه خالفه في مسألة من مسائل العلم، وقد يكون الجمهور مع من خالف، يعني قد يكون قول الجمهور قول هذا الشيخ الذي خالفه، أو هذا العالم الذي خالفه هذا الرجل.

في حين أنه يطالب أن يوافقه الناس، ويرى أن كل من خالفه فقد خالف الدليل، وكأنه هو الدليل، سبحان الله العظيم.

الإمام أحمد على عظيم قدره في السنة والقيام بها يقول لبعض أصحابه:"لا تحمل الناس على مذهبك، دع الناس يترخصون بمذاهب الناس".

الواحد منا الآن إذا اقتنع بقول من الأقوال يريد أن العالم كله يصير على هذا القول.

وأين يا أخي عقلك؟ هذا لا يمكن أن يكون، ولا يمكن أن يتحقق لأحد ، النبيrما ألزم الناس بفهمٍ واحد، بل أقر اختلاف أفهامهم فيما هو مظنة الاختلاف.

فلما قال لأصحابه: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[الحديث رواه البخاري في الجمعة (946)، وفي المغازي (4119).] فصلى بعضهم في الطريق ، وقالوا: إنما أراد أن نبادر في المسير، وأخَّر بعضهم الصلاة إلى أن وصل إلى بني قريظة، ما عنَّف هؤلاء ولا أولئك، لأن النص يحتمل فعل هؤلاء وفعل أولئك، فكيف يريد الواحد منا أن يحمل الناس على قوله في مسائل الخلاف ومسائل الاختيارت العلمية.

ولذلك كل مسائل الفروع على اختلافها، حتى لما لا يشع من الأقوال في بلدك ينبغي أن يسع صدرك لها، وأن تعلم أن القائل بها إن كان يقول بها بدليل، أو حتى يقلد عالماً معتبراً، فينبغي لك أن لا تضيق بذلك ذرعاً، وأن يتسع صدرك لمثل هذا الخلاف، وأن لا تعده نقصاً في دينك، وأن الدين والورع والتقى هو الأخذ بقولك.

ليس الدين والورع في قول أحد من أهل العلم، إنما الدين والورع أن يكون قلب العبد مع الحق تابعاً، يريد مراضي الله جل وعلا ويريد أن يتبع ما يحب -جل وعلا- في التيسير وفي التثقيل، فإن من الناس أن يظن الحق، وهي الهدى وهي الطريق المستقيم الذي ينبغي التزامه.

وهذا مذهب الخوارج، وهذا هو طريق الخوارج حيث إنهم شددوا على أنفسهم وشددوا على الناس حتى أوصلوهم إلى الكفر.

ينبغي أن تتسع الصدور إلى الخلاف، ويحتاج الإنسان أن يعيد ويبدي في هذا الموضوع ويكرر، لأن كثيرًا ممن ينتسب إلى العلم لا يطيق أن يخالفه واحد.

ثم إذا نصح، وقيل له :" يا أخي اتق الله، ولا تحمل الناس على قولك" يقول: يا أخي لتتسع صدوركم للنصيحة.

ليست النصيحة أن تحمل الناس على قولك، النصيحة هي أن تبين قولك بدليله على وجهٍ لبق، أما أن تقول: "المتعين في هذه المسألة"، بعض الكلمات تسمعونها من بعض طلبة العلم تدل على إلغاء الأقوال الأخرى، "المتعين في هذه المسألة هو كذا"، "الصواب الذي لا صواب غيره هو كذا"، "القول الذي لا يقبل المناقشة هو كذا".

يا أخي! أي مسألة تجد جماهير أهل العلم مخالفين لك فيها، ثم تقول: "الصواب المتعين هو كذا وكذا"، كيف المتعين؟ المتعين أي الذي يجب أن يقال به، وهو الذي خلافه هو الخطأ.

وهذا ما يمكن أن يجرأ عليه عالم.

لكن سبحان الله، الإنسان إذا قلَّ نصيبه من العلم صدرت منه مثل هذه الأقوال، وأصبح لا يطيق أن يخالفه أحد.

وهذا ليس لقوة في علمه، أو رسوخ في علمه ويقين فيما يعتقد، إنما لضعف في علمه.

ولذلك لو أتيت لمثل هذا وتناقشه وتحرر معه المسألة، ما الجواب عن القول الفلاني؟ ما الجواب على الدليل الفلاني؟ يسقط في يدك، ليس عنده جواب؛ لأن اعتقاده مبني على أنه رأى المسألة بعين واحدة، وأغفل الأقوال، وأغفل الأدلة، وتعصب لقوله لضعف علمه.

هذه المسألة مهمة، والشيخ -رحمه الله- يشير ويبين أنه ينبغي لطالب العلم أنه لا يوالي وأن يعادي إلا على الكتاب والسنة،وليس في أنه يوافقك في مسألة أو يخالفك فيها.

قال :"وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَضِّلَ الرَّجُلُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُأي: على ما يشتهي ويحب- وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ" .

ثم قال -رحمه الله- :"وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤَخِّرَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبَّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَرْضَى بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً، فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ".

يقول :"فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ"؟بعدما بيَّن الواجب في الحب والبغض والولاء، وأن يكون المؤمن على هذه الحال، أن يقدم ما قدَّم الله ورسوله.

يا إخواني! هذا الكلام عظيم ومهم، ونحن في غاية الضرورة إليه، أن يقدم ما قدمه الله ورسوله، وأن يؤخر ما أخره الله ورسوله، فليس التقديم للهوى ولا للعصبية، ولا لنوع من الموافقات التي يكون التقديم والتأخير عليها عند الناس، إنما التقديم لما قدمه الله ورسوله، والتأخير لما أخره الله ورسوله.

ثم بعد أن فرغ مما هو من لوازم هذا قال :"وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً" أي: أن يسعى في التأليف والجمع، لا في التفريق والتشقيق، حتى في المسائل إذا خالفك في مسألة جعلت له حزباً ونبذته، وأخرجته ممن تحب وتوالي.

"وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً فَكَيْفَ إذَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَى أَنْ يُضَلِّلَ غَيْرَهُ وَيُكَفِّرَهُ " ما الحجة والبرهان؟ "وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَهُ - أي مع الغير -وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، وهذه طامة كبرى ، وهذا ناشيء عن جهل، لا يمكن أن يصدر عن علم راسخ، ولا عن بصيرة نافذة، إنما يكون هذا عن علمٍ قاصرٍ وفهم قليل.

ولذلك تجد أن العالم إذا رسخ علمه وعظم فقه، وجلَّ تعظيمه للكتاب والسنة، وجدت عنده من قبول للخلاف ما ليس عند غيره، ووجدت عنده من الاحتياط في طلب العذر للآخرين ما ليس عند غيره.

ولا أدلَّ على ذلك من موقف الشيخ – ابن تيمية- من مخالفيه، يقول لمن يناظره في "الواسطية" :" وأنا من أشد الناس أن ينسب أحد إلى تكفير، أو تبديع، أو تفسيق".

فكلما عظم علم الإنسان وجدت عنده من محبة العذر للناس، ومن اتساع الصدر لقبول الأقوال المخالفة، والرضا بالمخالفين ما ليس عند غيره، ولا معنى هذا ضعف في الولاء والبراء، نحن نتكلم في المسائل التي تقبل الاختلاف، ويسوغ فيها الاجتهاد.

ولابد أن يميز طالب العلم بين ما يُقبل فيه الخلاف، وما لا يُقبل فيه الخلاف.

بعض الناس "جلسة الاستراحة" لا يقبل فيها الخلاف إما أن توافقه عليها، وإما أنك خارج عن السنة، وهي مسألة من مسائل الخلاف، وجمهور العلماء قد يكون على القول الآخر وهو عدم مشروعية هذه إلا للحاجة.

فالمقصود لطالب العلم أن يفقه هذه المسائل، وينبغي لطلبة العلم أن يشيعوها وينشروها بين إخوانهم، وأن يبينوا مثل هذه القواعد وهذه الأصول التي تضيق دائرة الخلاف، وتضيع الفرصة على أولئك الذين يسعون جهدهم في التفريق بين المؤمنين وبين أهل السنة والجماعة.

الاكثر مشاهدة

4. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات92294 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات87561 )

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف