×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / الوصية الصغرى / الدرس(2) من شرح رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:571

الدرس(2) من شرح رسالة الوصية الصغرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

ثم قال -رحمه الله- :"(الثَّالِثُ) الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الْمُكَفِّرَةُ: أَمَّا "الْكَفَّارَاتُ الْمُقَدَّرَةُ "كَمَا يُكَفِّرُ الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ، وَالْمُظَاهِرُ وَالْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ، أَوْ تَارِكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ أَوْ قَاتِلُ الصَّيْدِ بِالْكَفَّارَاتِ الْمُقَدَّرَةِ وَهِيَ "أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ"؛ هَدْيٍ، وَعِتْقٍ، وَصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ، وَأَمَّا "الْكَفَّارَاتُ الْمُطْلَقَةُ "كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ لِعُمَرِ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ؛ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ"[صحيح البخاري(525)، ومسلم(144).]، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي التَّكْفِيرِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمْعَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَسَائِر الْأَعْمَالِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَنْ قَالَ كَذَا وَعَمِلَ كَذَا غُفِرَ لَهُ أَوْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ لِمَنْ تَلَقَّاهَا مِنْ السُّنَنِ خُصُوصًا مَا صُنِّفَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ".

يقول -رحمه الله- في المكفِّر الثالث من المكفرات أو المزيل الثالث من مزيلات آثار الذنوب "الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الْمُكَفِّرَةُ"، أي التي تستر السيئات، وتُذهب آثارها.

 فالتكفير للسيئة هو سترها من كفر الشيء إذا غطَّاه، وإزالة ما يترتب عليها من المؤاخذة.

الأعمال الصالحة المكفرة، وهي نوعان:

"الْكَفَّارَاتُ الْمُقَدَّرَةُ "أي التي جاءت بها النصوص ،"الْكَفَّارَاتُ الْمُطْلَقَةُ "وهذا يشمل كل الأعمال الصالحة.

الأول: يقول :"أَمَّا "الْكَفَّارَاتُ الْمُقَدَّرَةُ "كَمَا يُكَفِّرُ الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ وَالْمُظَاهِرُ وَالْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ، أَوْ تَارِكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ أَوْ قَاتِلُ الصَّيْدِ بِالْكَفَّارَاتِ الْمُقَدَّرَةِ "هذا النوع الأول هذه كلها كفارات مقيدة، وتقيدها أنه جاء نوع التكفير في الشرع، فما جاء نوع كفارته في الشرع فهو من الكفارات المقيدة، وسميت لذلك لأنها جاءت بها النصوص فهي مقيدة بالنصوص الشرعية، في الكتاب والسنة.

ومثَّل لها "كَمَا يُكَفِّرُ الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ، وَالْمُظَاهِرُ -الذي قال لزوجته أنت عليَّ كظهر أمي -وَالْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ، أَوْ تَارِكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِهِ، أَوْ قَاتِلُ الصَّيْدِ بِالْكَفَّارَاتِ الْمُقَدَّرَة".

ثم بيَّن -رحمه الله- أن الكفارات المقيدة أربعة أنواع :"وَهِيَ "أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ" هَدْيٍ"، وهو ما يذبح، والثاني: "وَعِتْقٍ "والمقصود به عتق الرقاب، والثالث: "صَدَقَةٍ"، والصدقة إما أن تكون نقدًا، وإما أن تكون طعامًا، صدقة النقد ككفارة من وطئ في الحيض، وكفارة الصدقة في الطعام ككفارة اليمين، والرابع: "وَصِيَامٍ" والصيام تختلف عدده باختلاف العمل، فصيام ثلاثة أيام بالنسبة لمن لم يجد إطعامًا، وشهرين للمظاهر والمجامع في رمضان إذا لم يستطع العتق.

ثم قال -رحمه الله- بعد أن فرغ من القسم الأول:"وَأَمَّا "الْكَفَّارَاتُ الْمُطْلَقَةُ "كَمَا قَالَ حُذَيْفَةُ لِعُمَرِ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ"، أي: اختباره وابتلاؤه "فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ" اختباره وابتلاؤه في أهله بأن يخالف أمر الله فيهم،"وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ" بأن يعصي الله Uفي شيء من ذلك.

هذه الأمور يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن هذه من كفارات الذنوب، كما قال النبيr: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».[ رواه مسلم في الطهارة (233).]

"وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي التَّكْفِيرِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمْعَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَسَائِر الْأَعْمَالِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَنْ قَالَ كَذَا وَعَمِلَ كَذَا غُفِرَ لَهُ أَوْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، وهذا كثير في الكتاب والسنة.

ثم قال :"وَهِيَ كَثِيرَةٌ لِمَنْ تَلَقَّاهَا مِنْ السُّنَنِ خُصُوصًا مَا صُنِّفَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ".

ثم قال -رحمه الله-:"وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِهَذَا مِنْ أَشَدِّ مَا بِالْإِنْسَانِ الْحَاجَةُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ الْجَاهِلِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ أَهْلِ عِلْمٍ وَدِينٍ قَدْ يَتَلَطَّخُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعِدَّةِ أَشْيَاءَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ هَذَا؟ ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ النَّبِيِّ rمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ t: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِحَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : فَمَنْ ؟ ».

يقول:"وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِهَذَا مِنْ أَشَدِّ مَا بِالْإِنْسَانِ الْحَاجَةُ إلَيْهِ"، لماذا يحتاج الإنسان إلى هذا حاجة شديدة، كما ذكر الشيخ -رحمه الله- في المنزلة، يقول:"فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ "، والشيخ -رحمه الله- يتكلم عن آخر القرن السابع وأول القرن الثامن الهجري.

يقول:"فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ" أي: من الأزمنة التي فتر فيها الوحي، فقلَّ فيها أهله، وكثر فيها مضاده، فقلَّ العلم وكثر الجهل، وإن الإنسان ليعجب من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- الذي يصف زمانه بهذا الوصف.

كيف به لو أدرك زماناً، الإنسان فيه يرضع المعصية منذ نعومة أظفاره، بل يرضعها مع حليب أمه، فإن المعاصي أحاطت بالناس حتى أنهم لا يكادون ينفكون منها في دقيق أمر أو جليله، الذي يسلم منها لا يسلم من غبارها، الذي لا يباشرها لا يسلم من مخالطة من يباشرها.

يقول:"فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حِينِ يَبْلُغُ؛ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ "التي يقل فيها العلم وأهله "الَّتِي تُشْبِهُ الْجَاهِلِيَّةَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ"، أي تشبه أزمنة الجاهلية، ومن هذا نفهم أن الجاهلية ليست وصفاً موقوفاً على زمن معين لا يتعداه، فإن من الناس من لا يفهم من الجاهلية إلا ما كان عليه أبو جهل وأبو لهب، وما كان عليه كفار مكة، وهذا غلط في الفهم.

فالجاهلية هي عدم العلم، أو عدم العمل بالعلم، فكل زمان يظهر فيه الجهل، أو يقل فيه العلم، أو يكون فيه علم، لكن لا يعمل أهله بهذا العلم فإنه من أزمنة الجاهلية، وفيه شبه من الجاهلية.

إذ الجاهلية كما ذكرنا هي عدم العلم، أو عدم العمل بالعلم هذه هي الجاهلية، ولذلك قال النبيrلأبي ذر وهو من خيار الصحابة t: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ».[رواه البخاري في الإيمان (30)، ومسلم في الإيمان (1661).]

والجاهلية التي في أبي ذر tإما هي عدم العلم، وإما أن يكون علم ولم يعمل بما علم في تلك القضية التي قال فيها رسول اللهr«إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ».

المراد أن الجاهلية ليست وصفاً على فترة وحقبة زمنية لا تتعداها، بل هي أعمال وأوصاف متى انطبقت على زمان من الأزمنة فإنه يوصف بها.

يقول :"فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ أَهْلِ عِلْمٍ وَدِينٍ"، أي أهل علم وعمل صالح، فيجتمع له العلم النافع والعمل الصالح، "قَدْ يَتَلَطَّخُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعِدَّةِ أَشْيَاءَ فَكَيْفَ بِغَيْرِ هَذَا"، كيف بمن ينشأ عند أهل الجهل أو أهل الفسق، أو الذين ليس لهم من العلم نصيب، أو العمل الصالح حظ، فإن تلطخه بالمعصية وظهور الشر في أعماله أكثر وأكبر.

يقول -رحمه الله-:"وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ النَّبِيِّ rمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ t:«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ "اللام هنا الواقعة في جواب القسم، والتقدير "والله"، فرسول اللهrيقسم قسماً مقدَّرا، والله لتتبعن، أي لتقتفُن، ولتسيرن على آثار من كان قبلهم، والسَّنَن هي الآثار والطريقة.

"حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ" أي: كما تقابل رياش السهم في أسفله وفي الجهة الأخرى، السهم له رياش في آخره تجد أن كل قذة تقابل القذة من كل وجه، في الموضع وفي المقاس والحجم، فلا يمكن أن تكون واحدة أكبر من الأخرى، لأن اختلاف هذه القذذ في الحجم وفي المكان يحرف السهم عن مكانه، ويعيقه عن سيره.

ولذلك تجدها متقابلة في المكان، متساوية في الحجم، فكذلك هذه الأمة ستتبع سَنَن من كان قبلها، كما توافق القذة ما تقابلها من القذة في السهم.

قال rفي بيان تمام المطابقة لسَنَن السابقين لهذه الأمة: "حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ"، يعني حتى لو أفضى الأمر إلى أن يدخلوا جحر ضبّ، وهو أمر لا يوصل ولا يطلب، بل يهرب منه "لدَخَلْتُمُوهُ" أي: متابعة لهم.

"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟"، يعني المراد بمن كان قبلنا، اليهود والنصارى، "قَالَ:«فَمَنْ ؟»"[صحيح البخاري(3456)، ومسلم(2669).]هذا الاستفهام استفهام إنكاري، أي فمن القوم إلا أولئك، كما في بعض الروايات.

يعني الذين يتبعون ويُقتدى بآثارهم هم أهل الكتاب، أما أهل الشرك وأشباههم ليسوا أهل قدوة ولا أهل أسوة.

فهذا الحديث يدل على ما تقدم من أن هذه الأمة سيشيع فيها من أمور الجاهلية كما شاع في الأمم السابقة بعد ظهور الوحي وأنوار الرسالة في أول وقتها.

يقول -رحمه الله- :"هَذَا خَبَرٌ تَصْدِيقُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ]فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا[، وَلِهَذَا شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ يَسْرِي فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ مِنْ الْخَاصَّةِ؛ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ عُيَيْنَة ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْيَهُودِ قَدْ ابْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ، وَكَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ النَّصَارَى قَدْ ابْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ، كَمَا يُبْصِرُ ذَلِكَ مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا r، ثُمَّ نَزَّلَهُ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ.

يقول -رحمه الله- "هَذَا خَبَرٌ "يشير إلى ما تقدم من حديث أبي سعيد t«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».

"تَصْدِيقُهُ"أي: ترجمته وبيانه وصدق وقوعه، قول الله تعالى :]فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا[،[سورة التوبة: 69.]

الخلاق المقصود به العمل، أي استمتعتم بأعمالكم وأخذتم حظوظكم، واتبعتم الشهوات كما حصل ذلك من قبلكم، أي من الأمم السابقة لكم، ]وَخُضْتُمْ[أي: ولجتم في الباطل، فالخوض هو في الأصل الولوج في الشيء، يقال: خاض في البحر أي دخل في الماء وولج.

ويطلق على الدخول في الأمر والغالب في الأمر الباطل، ولذلك قال الله U:]وَخُضْتُمْ[- أي: دخلتم في الباطل وولجتم فيه - ]كَالَّذِي خَاضُوا[، كما خاضوا ودخلوا فيه.

ثم قال -رحمه الله- :"وَلِهَذَا "أي ولصدق هذه السنة "شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ "أي: في الكتب الجامعة للأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة، والصحاح والحسان الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة.

ثم قال -رحمه الله-:"وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ يَسْرِي فِي الْمُنْتَسِبِينَ" هذا المشار إليه اتباع سَنَن من كان قبلنا،"وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ يَسْرِي فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ مِنْ الْخَاصَّةِ "أي: من خُلَّص عباد الله المؤمنين، يعني ليس وقفاً على أهل التفريط ولا أهل التقصير، ولا على أهل الذنوب والمعاصي والسيئات، إنما يَدبُّ وينتشر حتى في أهل الخير وأهل العلم والعمل.

يقول -رحمه الله-:"كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ ابْنُ عُيَيْنَة؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْيَهُودِ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ"، وغالب ما ابتلي به هؤلاء هو عدم العمل بالعلم – نسأل الله السلامة والعافية- الذي ابتلي به اليهود عدم العمل بالعلم، كما ابتلوا بالكبر، وابتلوا بالحسد وهذه آفات تنتشر في بعض أهل العلم، فإن عندهم من عدم العمل بالعلم ما يشابه اليهود، وعند بعضهم من الكبر ما يشابه اليهود، وعند بعضهم من الحسد ما يشابه اليهود.

وهذا صدق ما أخبر بهrمن اتباع سنن من كان قبلنا.

يقول :"وَكَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ النَّصَارَى "الذين يغلب عليهم العلم والعبادة والطاعة"قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الدِّينِ"، لكن عبادة النصارى على ضلالة وعلى عدم علم، وعلى عدم بصيرة، إذ ينتشر فيهم الشرك، وينتشر فيهم الجهل، مع رغبة في طاعة الله وعبادته لكن على غير سبيل وعلى غير هدى.

وهذا ينتشر في أهل العبادة والطاعة من أهل هذه الأمة من النسَّاك الذين زهدوا في العلم، وأقبلوا على العمل بدون أن يكون معهم من العلم ما يهديهم إلى سبل السلام، ويقيهم شر الزيغ والضلال.

قال -رحمه الله-:"كَمَا يُبْصِرُ ذَلِكَ "أي: يُدرك ذلك ويفهمه ويراه، "مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ "، وانظر حيث قال: "مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ "ولم يقل من علم، والفهم أمر أبعد من العلم؛ لأنه علم وزيادة، إذ العلم يصدق على من حفظ النصوص، لكن الفهم أمر زائد على ذلك، إذ إنه يفهم ويدرك من معاني الإسلام ما يزيد على إدراك وحفظ النصوص.

يقول -رحمه الله- :"كَمَا يُبْصِرُ ذَلِكَ مَنْ فَهِمَ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًاrثُمَّ نَزَّلَهُ عَلَى أَحْوَالِ النَّاسِ"، وهنا فائدة في غاية الندرة، وهي أنه لا يمكن أن نحكم على أحوال الناس، ولا أن نطبق ما جاءت به النصوص إلا بعد فهمها، فإن من الناس من يختصر الطريق فينزل النصوص على الواقع قبل أن يفهم النصوص، فيكون الخلل لا بالنصوص، ولكن الخلل في الفهم، فلما حصل الخلل في فهم النصوص انعكس هذا على تنزيلها.

ولذلك الدرجة الأولى التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم، أولاً: إدراك ما جاء عن الله وعن رسولهr، وفهم ما جاء عن الله وعن رسولهr، إذا تحققت هذه المرتبة ينتقل إلى تنزيله في الواقع، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بتجربة ونظر ومراجعة، فإن من الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس إما ناتج عن عدم فهم النصوص، وإما عن خطأ تنزيله في الواقع.

ومن هذين الأمرين ينشأ الخطأ في الحكم، وينشأ الخطأ في العمل، ولذلك ينبغي للطالب وللعالم وللمفتي، ولمن يعلم الناس أن يحرر هذين المقامين.

المقام الأول، والشأن الأكبر: أن تدرك معاني كلام الله وكلام الرسولr، ثم تجتهد طاقتك في تنزيله على الواقع الذي يسميه العلماء تحقيق المناط، أي: إدخال أفراد المسائل في عموماتها، وفي نصوصها بالنظر إلى محل الحكم.

وهذا أمر يحتاج كما ذكرنا إلى تأني، وإلى مراس ودُربة، قد لا يحصلها الإنسان من أيام قلائل في طلب العلم، أو شهور عديدة، بل ينبغي له أن يصبر ويصابر حتى يدرك ذلك، وأن يتلمس ذلك من مناهج العلماء الذين وفِّقوا إلى فهم النصوص وإلى تنزيلها على واقع الناس.

الاكثر مشاهدة

3. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات88788 )
5. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات86760 )

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف