×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / لمعة الاعتقاد(الشرح الثاني) / الدرس (7) من شرح رسالة لمعة الاعتقاد للشيخ أد خالد المصلح

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:1438

الدرس (7) من شرح رسالة لمعة الاعتقاد للشيخ أد  خالد المصلح

قال الإمام موفق الدِّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيرحمه الله تعالى:

(فصل

والمؤمنون يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الآخرةِ بأبْصارِهِم، ويَزُورُونَهُ، ويُكَلِّمُهُم ويُكَلِّمُونَهُ، قال اللهُ تعالىٰ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.[سورة : القيامة (22-23).]

وقالَ تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾،[سورة : المطففين (15).]فلمَّا حَجَبَ أولئك في حالِ السُّخْطِ دَلَّ على أنَّ المؤمنين يَرَوْنَهُ في حالِ الرِّضَا، وإِلاّ لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ.

وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)).حديث صحيح متفق عليه.[البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾[ق:39].  مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث رقم (633).]

وهذا تشبيهٌ للرؤيةِ بالرؤيةِ، لا للمرئيِّ بالمرئيِّ، فإنّ الله تعالى لا شبيهَ له ولا نظيرَ).

                                        بسم الله الرحمـٰن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنة بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا الفصل عقده المؤلف -رحمه الله- لبيان عقد أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية، فإن أهل السنة والجماعة يؤمنون بما دلّ عليه كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ صراحة من أن المؤمنين يرون ربهم، وإثبات الرؤية جاء في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ واتفق عليه صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعون ومن تبعهم من أئمة الدين.

فالرؤية من أعظم ما يُنَعَّم به أهل الجنة نسأل الله أن نكون منهم، والأدلة متوافرة متضافرة مستفيضة في إثبات هذا الفضل.

وقد خالف في إثبات الرؤية المعتزلة والرافضة والجهمية، وكذلك خالف في هذا الأشاعرة؛ لكن الأشاعرة خلافهم في صفة إثبات الرؤية، فهم يقولون بأن المؤمنين يرون ربهم. لكنهم يخالفون أهل السنة والجماعة في هذا الإثبات فيقولون: يرونه من غير معاينة ولا مواجهة. وهذا القول انفردوا به دون سائر الناس، وهو قول من عجائب الأقوال؛ لأن إثبات الرؤية من غير مواجهة أو في غير جهة ومن غير معاينة أمر لا يعقل، إذْ لا بد للرؤية من أن يكون المرئي في جهة، وأن يُعَايَن، وإلا فإنه لا يكون رؤية.

ولذلك قال محققوهم -أي محققو الأشاعرة-: إن قولهم في الحقيقة قول المعتزلة الذين ينفون الرؤية أي ينفون رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة.

هذه الصفة يثبتها أهل السنة والجماعة، كما دلّ عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف.

يقول المؤلف -رحمه الله-: (والمؤمنون يَرَوْنَ رَبَّهُمْ) المؤمنون هم كل من آمن بالله واليوم الآخر، وأتى  ببقية أصول الإيمان، (يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الآخرةِ بأبْصارِهِم) فأثبت الرؤية، وأثبت آلتها فالباء في قوله: (بأبْصارِهِم) للاستعانة أو لبيان الآلة التي تحصل بها الرؤية، إما باء الاستعانة أو الآلة؛ يعني يرونه بأعينهم.

وإنما نص على الأبصار نفياً لقول من يقول: إن الرؤية ليست رؤية بصر، إنما هي رؤية كشف، فيكشف لهم من المعارف والعلوم ما ليس لغيرهم، يكشف لهم يوم القيامة من معرفة الرب جل وعلا ما لم يكونوا يعرفونه.

وأيضاً التنصيص على الأبصار للرد على الأشاعرة الذين يقولون: إنهم يرونه من غير معاينة ولا في جهة، فإنه لا يدرك ولا يعقل نظر بالبصر ورؤية بالبصر إلا ما كان في جهة.

والمعتزلة أولوا هذا الذي جاءت به النصوص إلى أنه رؤية كشف، أو رؤية ثواب الله عز وجل، فالذين لا يثبتون الرؤية يؤولونها برؤية الثواب أو برؤية كشف يحصل لأهل الإيمان.

وقوله -رحمه الله-: (والمؤمنون يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الآخرةِ بأبْصارِهِم) يفيد حصر الرؤية في أهل الإيمان، فخرج بذلك أهل الكفر وأهل النفاق.

أما أهل الكفر فلأنهم ليسوا مؤمنين، لا في الظاهر ولا في الباطن.

وأما أهل النفاق فلأنهم لم يحققوا الإيمان الذي به يحصل الفضل والسبق، وإن كانوا قد أتوا بظاهر العمل، بالإسلام في الظاهر؛ لكنه لم ينفذ إلى قلوبهم فلم ينتفعوا به.

أما دليل حصر الرؤية بالمؤمنين فالأدلة في ذلك كثيرة:

منها قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.[سورة : القيامة (22-23).]كما ذكر المؤلف -رحمه الله- فالوجوه التي بشرها الله عز وجل بالنضارة يوم القيامة هي وجوه المؤمنين، لا تكون للكفار؛ بل وجوه الكفار عليها غبرة ترهقها قترة، فالوجوه الناضرة هي وجوه أهل الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ[سورة : آل عمران (106).]فهي وجوه أهل الكفر، وكذلك قول الله تعالىٰ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾،[سورة : يونس (26).]فقد جاء تفسير الزيادة بأنها النظر إلى الله عز وجل كما في صحيح الإمام مسلم من حديث صهيب وفيه: ((أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة ناداهم الله عز وجل -أو ناداهم منادٍ-: إن لكم موعداً عند الله عز وجل يريد أن ينجزكموه. فيقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويعذنا من النار؟ فيقول: بلى، فيكشف الحجاب))[مسلم: كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربَّهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، حديث رقم (181).]فينظرون إلى الله عز وجل، فما يكون من نعيم الجنة شيء عندهم  أطيب ولا ألذ ولا أكمل ولا أرضى من النظر إلى الله جل وعلا.

فالنظر، لأهل الإيمان الأدلة متوافرة على إثباته، وهذا النظر الذي يكون لأهل الإيمان لا يلزم منه أن يدرك الناظر اللهَ جل وعلا؛ بل إن النظر لا يلزم منه الإحاطة و الإدراك، ولذلك قال الله جلّ وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ[ سورة : الأنعام (103).]استدل نفاة الرؤية بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أنه لا يرى جلّ وعلا، قالوا: إن الله جلّ وعلا قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾،فإذا كانت لا تدركه الأبصار فإنه لا يُرى. نقول في الجواب على هـٰذا: إن نفي الإدراك أمر زائد على نفي النظر، ولم يأت دليل ينفي النظر، وأما نفي الإدراك فقد تنظر إلى الشيء لكن لا تدركه.[ قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ ﴾[الشعراء:61-62] ووجه الدلالة أنه نفى الإدراك، ومع نفي الإدراك أثبت الله جل وعلا الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ﴾ هذا الجمع رأى ذاك الجمع، وذاك الجمع رأى هـٰذا الجمع ومع ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال موسىٰ: ﴿ كَلاَّ ﴾ يعني لن نُدرَك ولن يُحاط بنا، فنفي الإحاطة لا يستلزم نفي الرؤية. [شرح الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ]]

فالإنسان ينظر إلى السماء، لكنه لا يحيط بها ولا يدركها.

ينظر إلى القمر ولكنه لا يحيط به ولا يدركه.

ينظر إلى الشمس ولكنه لا يحيط بها ولا يدركها.

بل ينظر إلى الشخص المخلوق الصغير الذي يمكن أن يحاط بوصفه؛ ولكن قد لا يدركه ولا يحيط به.

فليس من لازم الرؤية الإدراك، والمنفي في الآية هل هو مجرد النظر أو أصل النظر أم أنه الإدراك؟ المنفي هو الإدراك، وفرق بين نفي الإدراك وبين نفي الرؤية.

استدلوا لنفي الرؤية بقوله تعالىٰ لموسى: ﴿لَن تَرَانِي[سورة : الأعراف (143).]ولكن هذا الاستدلال في غير محله؛ لأن نفي الرؤية في قوله تعالىٰ: ﴿لَن تَرَانِيهو في تلك الساعة، ولو كان يستحيل أن يُرى الله جلّ وعلا لقال لموسى: إنني غير مرئي، أو لا تمكن رؤيتي بالكلية، أما ﴿لَن تَرَانِيفهو نفي للطلب الذي طلبه في تلك الساعة، و(لن) لا تفيد تأبيد النفي كما زعمه بعض المعتزلة حيث قالوا: لن تفيد التأبيد، وقد رد عليهم أهل اللغة وأئمة اللسان وقالوا: إن (لن) لا تفيد التأبيد، أي لا تفيد تأبيد المنفي، فسقط استدلالهم، وبقيت الأدلة سالمة محفوظة من أن يطرأ عليها ما يناقضها أو يردها: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)﴾.[سورة : النساء (82).]

 هل يرى الكفار يوم القيامة الله جلّ وعلا؟ ذكرنا أن قول المؤلف رحمه الله: (والمؤمنون يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الآخرةِ بأبْصارِهِم) فيه حصر الرؤية بالمؤمنين، فإن أهل الكفر لا يوصفون بالإيمان وكذلك أهل النفاق لا يوصفون بالإيمان وإن كانوا مسلمين لكنهم لا يوصفون بالإيمان.

وهذا في الجنة لا إشكال فيه فإن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن، فما ذكر من تنعيم أهل الجنة بالنظر إلى الله عز وجل لا يكون إلا لأهل الإيمان؛ لأنه لا يدخلها إلا مؤمن.

أما في عرصات القيامة فاختلف العلماء رحمهم الله من أهل السنة في رؤية الكفار لله عز وجل على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه لا يراه في أرض المحشر يوم القيامة إلا أهل الإيمان دون غيرهم، لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾،[سورة : المطففين (15).]فأخبر الله عز وجل عن حجب الكفار عن الرؤية، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة، وهذا عليه أكثر أهل العلم من المتأخرين.

والقول الثاني: أنه يراه المؤمنون من هذه الأمة، ويراه أيضاً أهل النفاق؛ يعني أهل الكفر الباطني، أما من أظهر الكفر فإنه لا يراه، واستدلوا لهذا بحديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين وفيه قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا جمع الله الناس ناد منادٍ: ليتبع كل من كان يعبد شيئاً ما كان يعبد، فيتبع أهل الشمس: الشمس، ويتبع عباد القمر: القمر، ويتبع عباد الطواغيت: الطواغيت، فلا يبقى إلا هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله عز وجل في صورة غير التي يعرفون، ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفونها فيسجد أهل الإيمان، فيهُمّ أهل النفاق أن يسجدوا فلا يتمكنون من السجود))[البخاري: كتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، حديث رقم (6573).

    مسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، حديث رقم (182).]وقالوا: إن هذا الحديث يدل على أنهم يرونه.

القول الثالث: أنه يراه أهل المحشر مسلمهم وكافرهم؛ ولكن هذه الرؤية يختلف فيها الناس، كما أن رؤية الله جلّ وعلا في الجنة يختلف فيها أهل الجنة تفاضلاً ومنزلة، فكذلك الرؤية في المحشر، فإنهم يتفاوتون فيها تفاوتاً بيناً كبيراً.

فأهل المحشر ينقسمون إلى قسمين في الرؤية:

فأهل الإيمان:يرونه رؤية تعريف، وهذه دون ما يكون لهم في الجنة؛ يعني أنزل مما يكون لهم من الرؤية في الجنة، ولذلك إذا رأوه جلّ وعلا في الجنة لم يكن شيء أنعم ولا أطيب من النظر إليه عز وجل، فدل ذلك على أنها خلاف ما كان في أرض المحشر، ثم إن أهل الجنة إذا قال لهم المنادي: ((إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه. يقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة؟ ألم ينجنا من النار؟))[ تم تخريجه صفحة (2).].ولا يذكرون تلك الرؤية التي كانت في المحشر، فالرؤية التي تكون لأهل الإيمان في المحشر دون ما يكون لهم في الجنة، فهي رؤية تعريف.

أما رؤية الكفار على هذا القول بأنهم يرونه في المحشر فإنها رؤية تعذيب وتحسير، وليست رؤية تنعيم وتكريم، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾،[سورة : المطففين (15).]بنفس الآية التي استدل بها القائلون بعدم الرؤية.

كيف ذلك ؟ قالوا: إن الحجب لا يكون إلا بعد اطلاع.

وهذه الأقوال كلها مما تكلم به أهل السنة والجماعة، فالخلاف في هذا خلاف محتمل لا يخرج من اختار قولاً من هذه الأقوال عن دائرة أهل السنة باختياره.

يبقى تنبيه مهم، وهو أنه على القول الثالث بأن أهل المحشر جميعهم يرون الله عز وجل مسلمهم وكافرهم، لا يسوغ أن يطلق القول بأن الكفار يرون الله؛ يعني لا يسوغ أن يأتي أحد ويقول: الكفار يرون الله؛ لأن إطلاق الرؤية يقتضي الإكرام والتنعيم ورؤية الكفار لله عز وجلّ في المحشر ليست رؤية إكرام وتنعيم فلا يسوغ الإطلاق؛ لأن الإطلاق يوهم الإنعام والتكريم؛ لأنها أفضل نعيم أهل الجنة، فلا يسوغ إشراك الكفار فيها أو تسويتهم بأهل الإيمان.

والوجه الثاني الذي يمنع إطلاق القول بأن الكفار يرون ربهم يوم القيامة حتى على القول بأنهم يرونه -يعني على القول الأخير بأنهم يرونه- عندنا تنبيه على هـٰذا:

أولاً: التنبيه أنه لا تطلق الرؤية، لماذا؟ لأن الإطلاق يقتضي الإكرام والتنعيم.

الوجه الثاني: الذي يمتنع به الإطلاق أنه ما ورد في الشريعة من الأحكام العامة مثلاً ككون: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[سورة : الرعد (16).]هذا حكم عام أو لا؟ أسألكم حكم يعم كل شيء، ما ورد من الأحكام العامة إذا كان يلزم من التخصيص نقص فإنه لا يسوغ التخصيص، أو يلزم من التخصيص معنىً قبيح فإنه لا يسوغ التخصيص.

مثاله فيما ضربناه ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، هل يسوغ أن يقول الإنسان: الله خالق الكلاب، يا خالق الكلاب ارزقني، هل يسوغ هذا؟ لماذا لا يسوغ مع أن الله خالق كل شيء ومن جملة الأشياء الكلاب؟ لأن مثل هذا يوهم معنى قبيحاً، والحكم العام إذا كان تخصيصه يقتضي معنى قبيحاً فإنه لا يسوغ أن يأتي به الإنسان.

مثاله أيضاً الإرادة، ما من شيء في الكون إلا أراده الله جلّ وعلا، فهل يسوغ أن يقول الإنسان: يا مريد الزنى ارزقني العفاف، هل يسوغ هذا؟ ما يسوغ، لماذا؟ لأن الإرادة وردت عامة في كل شيء، فتخصيصها إذا كان يترتب عليه إيهام معنى قبيح فإنه لا يجوز التخصيص.

مثاله الرؤيا، جاء الخبر بأنه ما من أحد إلا سيرى الله: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته))،[تم تخريجه صفحة (2).]هـٰذا من الأدلة التي استدل بها القائلون بأن كل أحد يرى الله عز وجل في المحشر، ((وما منكم إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه تَرجُمان))[ البخاري: كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، حديث رقم (6539).مسلم: كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، حديث رقم (1016).]قالوا: إن هذا يلزم منه أنهم يرونه في المحشر حتى الكفار.

هل يسوغ إذا ورد النص المطلق أن نخصص نقول: يراه الكفار يوم القيامة؟ لا يسوغ، لماذا؟ للمعنى الأول الذي ذكرناه؛ ولأن التخصيص يوهِم معنىً قبيحاً، فلأجل هذين المعنيين منع أهل العلم من إطلاق إضافة الرؤية للكفار؛ بل لا بد من التخصيص، يقال: يرونه رؤية تعذيب ، يرونه في المحشر ثم يعذبون بالاحتجاب أو ما أشبه ذلك من التقييدات.

يقول رحمه الله: (والمؤمنون يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الآخرةِ بأبْصارِهِم، ويَزُورُونَهُ) هذا فيه إثبات زيارة المؤمنين لله عز وجل، وأحاديث الزيارة رواها الدارقطني وغيره عن ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وعن أنس وأبي هريرة وابن عباس وعن غيرهم من الصحابة، وقد جاء أيضاً ذلك عن جماعة من التابعين.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله في أحاديث الزيارة يقول: وهذه الأحاديث عامتها إذا جُرِّد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد؛ -يعني أسانيدها ضعيفة-؛ لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر.

 يعني أن أصل الزيارة ثابت وإن كانت أفراد هذه الأحاديث ضعيفة قال رحمه الله: بل قد يقتضي القطع به. -يعني القطع بثبوت الزيارة-، فقد رُوي عن الصحابة التابعين ما يوافق ذلك.[مجموع الفتاوى (ج6/ص242 ط دار الجيل).]وذكرنا أن المروي عن الصحابة في الزيارة من طريق ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وحديث أنس أمثل الأحاديث في ذلك لم تذكر فيه الزيارة فقد روى الإمام مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن في الجنة لسوقاً يأتيه أهل الجنة كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو على ثيابهم ووجوههم فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً فيقولون لأهليهم: لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقول أهلوهم لهم: وأنتم أيضاً ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً))[مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال، حديث رقم (2833).].هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم ليس فيه زيارة الله عز وجل؛ لكنه جاء عند الدارقطني بإسناد وبأسانيد متعددة عن جملة من الصحابة أنّ هذه الزيادة ليس سببها الريح فقط؛ بل سببها الريح ورؤية المؤمنين لله عز وجل كما قال الله جلّ وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.[سورة : القيامة (22-23).]ناضرة أي اكتسبت نضرة وجمالاً، ثم ذكر السبب في هذه النضارة، وهي النظر إلى الله -عز وجل- فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.

إذاً أحاديث الزيارة ثابتة أو ليست ثابتة؟ ثابتة، زيارة المؤمنين لله عز وجل، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (ويَزُورُونَهُ).

قال: (ويُكَلِّمُهُم) إثبات الكلام أيضاً ثابت في الصحيحين وفي غيرهما: ((ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله جلّ وعلا ليس بينه وبينه تَرجُمان))،[ تم تخريجه صفحة (2).]وهذا يعم المسلم والكافر؛ لكن الفرق في نوع التكليم: فإن تكليم الله لأهل الإيمان تكليم رحمة وبر وتنعيم، وأما تكليمه لأهل الكفر والنفاق فهو تكليم تقريعٍ وذم.

وكلام الله -عز وجل- للكفار ليس مقتصراً فقط على أرض المحشر؛ بل يكلمهم في المحشر ويكلمهم أيضاً إذا ساروا إلى النار نسأل الله السلامة والعافية منها، فإنهم إذا سألوا التخفيف يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهم فيها: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108)[سورة : المؤمنون (108).]فهذا كلام رب العالمين لأهل النار، فنفي التكليم إنما هو في حال من الأحوال في أرض المحشر، أو يكون المنفي من التكليم هو تكليم البر والإحسان والرحمة والإنعام.

قال رحمه الله: (ويُكَلِّمُونَهُ) فيكلمهم الله عز وجل ويكلمونه (قال اللهُ تعالىٰ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[سورة : القيامة (22-23).]).وهذه من أقوى الأدلة التي يثبت بها أهل السنة والجماعة نظر المؤمنين لله عز وجل، رؤية أهل الإيمان لله عز وجل يوم القيامة، فإن الله أخبر عن وجوه أهل الإيمان بالنضارة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾أي حسنة جميلة منعمة مكرمة فيها من البهاء والنور والجمال ما ليس في غيرها،﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾أي إليه جلّ وعلا ناظرة، فأضاف نظر أهل الإيمان إلى ماذا؟ إلى الرب، ثم النظر بأي شيء كان؟ بالقلوب أو بالوجوه؟ بالوجوه، ولذلك قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾فنص على الوجوه التي فيها آلة النظر، وهذا دليل ما ذكره المؤلف رحمه الله من أنهم يرونه بأبصارهم؛ لأنه أخبر عن الوجوه بأنها ناظرة إلى ربها، فالوجوه هي التي تنظر إلى ربها وتنظر إليه بأبصارها، بالآلة التي يحصل بها النظر في الوجه وهي البصر، فلا يمكن أن يقول قائل: إنها رؤية كشف؛ لأن الكشف لا يكون للأبصار إنما يكون لأي شيء؟ للقلوب، ولا يمكن أن يقال: إنه نظر إلى النعيم لماذا؟ لأن الله أضاف النظر إلى أي شيء؟ إليه جلّ وعلا، فقال:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَافلا يسوغ أن يقال: لا إلىٰ نعيم ربها؛ لأنه أضاف النظر إليه جلّ وعلا، فمن حرّف الكلم عن مواضعه وقال: إن النظر إلى النعيم يكون قد خرج عن ما دلت عليه الآية من إضافة النظر إليه جلّ وعلا.

فهذه الآية من أقوى وأظهر وأصرح الأدلة في إثبات نظر المؤمنين لربهم جلّ وعلا، نسأل الله أن نكون منهم.

يقول رحمه الله: (وقالَ تعالى: ﴿كَلاَّ) ، ﴿كَلاَّكلمة رجع وزجر ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾﴿إِنَّهُمْ﴾أي أهل الكفر ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾فهم محجوبون عن النظر إلىٰ الله عز وجل، وهذا في حق أهل الكفر.

يقول المؤلف رحمه الله: (فلمَّا حَجَبَ أولئك في حالِ السُّخْطِ) حجب الكفار (فلمَّا حَجَبَ أولئك في حالِ السُّخْطِ دَلَّ على أنَّ المؤمنين يَرَوْنَهُ في حالِ الرِّضَا)، فدلالة الآية على إثبات الرؤية.

أي ما يتعلق بالرؤية هذه الآية تدل دلالتين:

الدلالة الأولى:حجب الكفار عن ربهم.

الدلالة الثانية:وهي من دلالة المخالفة أن المؤمنين يرون ربهم جلّ وعلا.

ولذلك المؤلف -رحمه الله- ذكر نوعي الدلالة في الآية: دلالة المطابقة، ودلالة المخالفة:

دلالة المطابقة في قوله: (حَجَبَ أولئك في حالِ السُّخْطِ).

دلالة المخالفة: (دَلَّ على أنَّ المؤمنين يَرَوْنَهُ في حالِ الرِّضَا).

فإذا كان من عقوبة أهل الكفر أنهم لا يرونه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حال الغضب، فكذلك تدل الآية بمفهوم المخالفة أنهم يرونه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حال الرضا، قال: (وإِلاّ لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ).يعني إذا لم يكن أهل الإيمان يرونه في حال الرضا وهم كالكفار في الحجب، فما فائدة الإخبار بأن الكفار يُحجبون عن الله عز وجل؟

فدلت الآية دلالة ظاهرة على أن أهل الإيمان ينعّمون برؤيته جلّ وعلا كما أن أهل الكفر يعاقبون بأي شيء ؟ يعاقبون بحجبهم عنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ.

(وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)).حديث صحيح متفق عليه).هذا الحديث رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من حديث جرير بن عبد الله،[ تم تخريجه صفحة (2).]وقد جاء من حديث غيره؛ لكن هذا اللفظ حديث جرير بن عبد الله. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وهو من أصح الأحاديث وقد أجمعت الأمة على قبوله وتلقيه بالقبول، وفيه إثبات رؤية المؤمنين لله عز وجل.

((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ)) المشار إليه القمر المعروف الذي في السماء، وفي بعض الروايات ((كما ترون الشمس ليس دونها سحاب والقمر ليلة البدر)) ((لاَ تُضَامونَ فِي رُؤْيَتِهِ)) أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته؛ أي: لا ينالكم ضيم بسبب الرؤية؛ بل ترونه في سعة. وفي رواية أخرى: ((لا تَضَامُّون في رؤيته)) يعني: لا ينضم بعضكم إلى بعض لتروه؛ بل هو جلي واضح.

الآن الناس إذا أرادوا أن يتراءوا الشمس هل يحتاج أحدهم أن يقترب إلى الآخر حتى يرى الشمس أم أن كل أحد يراها وهو منفرد عن الآخر بدون تضام واجتماع، أسألكم: هل يحتاجون إلى تضام أو لا ؟ هل يلحقهم ضيم في رؤيتها؟ لا، في أوسع ما يكون، وأحسن ما يكون رؤية القمر والشمس. رؤية الهلال في أول إهلاله، هل يحتاج الناس فيه إلى تضام حتى يروه؟ الغالب نعم، لذلك تجد أن أحدهم يقترب من الآخر ليريه مكان الهلال، وكذلك يحصل عليهم ضيم، لأن إدراكه ليس بالأمر السهل.

أما رؤية الشمس ورؤية القمر، فإنه لا تضام فيها ولا ضيق على أهلها لوضوحها، ولذلك ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الرؤية القمر والشمس لأمرين:

الأمر الأول:أنهما أعظم ما يُرى في الدنيا، أعظم ما يراه أهل الدنيا وأوضحه الشمس والقمر.

الثاني:أن صفة رؤيتهما أن صفة رؤية أو كيفية رؤية الشمس والقمر من أروح ما يكون فيراها الحاضر والبادي، الصغير والكبير ، الذكر والأنثى، ليس فيه إشكال في رؤيتهما، فلا عُسر في الرؤية، والرؤية من أوضح ما يكون فاجتمع فيها سهولة الرؤية ووضوحها.

فالوضوح من أوضح ما يكون والسهولة واليسر من أسهل وأيسر ما يكون، ولذلك قال النبي صلى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)).

يقول رحمه الله: (وهذا تشبيهٌ للرؤيةِ بالرؤيةِ لا للمرئيِّ بالمرئيِّ) يعني لو قال قائل: إن هذا تمثيل، شبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله عز وجل بالقمر، نقول: لا، ليس التشبيه للمرئي إنما التشبيه للرؤية.

فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ)) الكاف في قوله: ((كَمَا تَرَوْنَ)) كاف التشبيه؛ لكن التشبيه لأي شيء؟ للرؤية أو للمرئي؟ التشبيه للرؤية، ولذلك قال: ((كَمَا تَرَوْنَ)) (ما) هنا مصدرية و(ترون) فعل، (ما) المصدرية تنسبك مع الفعل الذي بعدها بمصدر تقديره (كرؤيتكم) هذا معنى قوله رحمه الله: (وهذا تشبيهٌ للرؤيةِ) لأن معنى قوله: ((إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ)) أي كرؤيتكم هذا القمر، في أي شيء؟ في الوضوح وعدم التضام وعدم الضيق في الرؤية،  فالتشبيه للرؤية لا للمرئي، أما الله -جلّ وعلا- فـ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11).[سورة : الشورى (11).]

قال رحمه الله: (فإنّ الله تعالى لا شبيهَ له ولا نظيرَ) أي: لا مثيل له ولا مساميَ، فإن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- نفى عن نفسه الند والنظير والمثل والكفء فـ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾،[سورة : الإخلاص (4).]﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)،[سورة : مريم (65).]﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (74)[سورة : النحل (74).]، فليس له ند ولا يمكن أن يمثل بغيره كما قال تعالىٰ: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ فلا يجوز أن يقال: المرئي كالمرئي، الله تعالى كالقمر، بل تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ليس كمثله شيء.

بقي علينا مسألة: وهي هل يرى الله عز وجل في الدنيا أو لا؟

الجواب على هذه المسألة أن أهل السنة والجماعة ذهبوا إلى أنه لا يرى جل وعلا في الدنيا، لا يراه أحد من الناس في الدنيا؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ: ((واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت))[ مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صياد، حيث رقم (169).] كما في صحيح الإمام مسلم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رؤية الله عز وجل في الدنيا لا تكون، وأن كل من قال: إنه رأى الله أو ادّعى ذلك فإنما أتي من قبل وهم أو خيال أو ظن، والذي رآه ليس هو الله جلّ وعلا؛ لأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لا يُرى في الدنيا.

وقد منع الله -جلّ وعلا- أحد أولي العزم من الرسل -وهو موسى عليه السلام- من أن يراه، فكيف بمن دونه من سائر المؤمنين؟ فإن الله -جلّ وعلا- لما قال له موسىٰ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي[سورة : الأعراف (143).]فمنعه من أن يراه.

وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ذلك فيما يتعلق بأهل الإيمان.

والخلاف الذي وقع هو في رؤية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ ربه؛ هل رأى الله جلّ وعلا أو لا؛ اختلف أهل السنة والجماعة على قولين:

فأنكر هذا جمهورهم، ومن الصحابة ابن مسعود رضي الله عنه وغيره.

وأثبت الرؤية أي رؤية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه يقظة جماعة من العلماء، واستدلوا واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة كأبي ذر من أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى ربه؛ ولكن هذا الذي ذكروه ليس في كلام الصحابة ما يؤيده.

بل ما في كلام الصحابة:

إما إثبات الرؤية مطلقاً كما جاء ذلك عن ابن عباس و عن غيره.

وإما أن يكون ذلك مقيداً برؤية القلب أو الفؤاد.

فما كان مطلقاً فإنه يحمل على المقيد من كلامهم، والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه يقظة، إنما رآه في المنام، وما كان من الرؤية التي ذكرها بعض الصحابة هي رؤية قلب ورؤية فؤاد وليست رؤية عين.

بقيت مسالة وهي هل يرى جلّ وعلا في المنام؟

من العلماء من قال: إنه يرى في المنام.

والأكثرون على أنه لا يرى، وأن ما يراه الإنسان في منامه، ويظن أنه الله -جلّ وعلا- فليس هو الله؛ لأنه -جلّ وعلا- ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11).

وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت))،[تم تخريجه صفحة (2).]

والموت هو مفارقة الروح البدن مفارقة تامة كاملة، ولا يصدق هذا على النائم ،النائم ميت من بعض الوجوه؛ لكنه لا يصدق عليه أنه ميت مطلقاً، فلا يمكن أن نحمل قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)) على حال النوم باعتبار أن النّوم موت، فنقول: إن الموت الذي أراده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الموت الكامل الذي يحصل به تمام المفارقة -مفارقة الروح للبدن- وينقطع به العمل، أما النائم فموته موت إضافي أو نسبي وليس موتاً تامًّا.

وهذا يدل على أنه لا يرى في المنام.

وذهب جماعة من العلماء إلىٰ أنه يرى في المنام، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن النائم يمكن أن يرى الله عز وجل، وما يراه في منامه هو على قدر إيمانه، فكلما كمل إيمانه كانت رؤيته أكمل وأتم.

والذي يظهر أنه لا يمكن لأحد أن يجزم بأنه رأى الله جل وعلا، أما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد رأى ربه ولا إشكال في منامه فقد جاء في أحاديث متعددة منها حديث: ((رأيت ربي البارحة في أحسن صورة)[سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص، حديث رقم (3232). قال الشيخ الألباني: صحيح.]فهذا يحمل على رؤية المنام.

وأما من عدا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا دليل على ثبوت الرؤية في حقه، ثم ما تراه لا تجزم بأنه الله لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11).

وبهذا يكون قد انتهى ما ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بالرؤية، ثم بعد ذلك ذكر فصلاً فيما يتعلق بالقدر نجعله إن شاء الله تعالىٰ في الدرس القادم.

الاكثر مشاهدة

4. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات92611 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات87734 )

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف