×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / العقيدة / المنظومة الحائية / الدرس( 5) من شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (مؤقت)

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:142

بسم الله الرحمن الرحيم

قال المؤلف:

وقـل إن خـير النـاس بعـد محـمد    وزيراه قُدْمًا ثم عثمان الأرجـــــح 

رابعهــم خــير البريــة بعـدهم     علـي حـليف الخـير بـالخيـر منجح 

وإنهــم لــرهط لا ريــب فيهمـو   علـى نجـب الفــردوس بالخلد تسرح 

قوله: (وقل) كسائر ما تقدم، وهذا يتضمن اعتقاد القلب وقول اللسان.

قوله:(وقل خير قول)يعني أحسن وأجمل وأطيب ما يتكلم به الناس، فخير اسم تفضيل حذفت همزته، وهي الهمزة التي تدخل على أفعال التفضيل، حذفت للتسهيل وكثرة الاستعمال.

وقوله: (خير قول) يشمل ما تلفظ به اللسان وما اعتقده القلب.

قوله: (في الصحابة) أي: في شأنهم على وجه العموم، والصحابة هم من صحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصف الصحبة يصدق على كل من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمنا به ومات على ذلك، وصحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذا كثر، فالذين حجوا معه يزيدون على مائة وعشرين ألفا، وهذا تقريب، لكنهم قوم كثر كما جاء وصفهم في حديث جابر في صفة حجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث قال: ((حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك))صحيح مسلم (1218).

وفضيلتهم في الجملة ثابتة للكل، وفضل الصحبة ثابت لكل من صحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ طالت صحبته أو قصرت، فلا فرق في أصل هذه الفضيلة بين أبي بكر مثلا وبين وحشي الذي لم يجتمع مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا يسيرا، لكنهم متفاوتون في هذه الفضيلة تفاوتا كبيرا، ولهذا حقهم في المحبة القلبية، والثناء القولي، واعتقاد الجميل فيهم، متفاوت بتفاوت نصيبهم من الصحبة.

وهذا مطرد في كل حكم عُلِّق على وصف، فإنه يزيد بزيادة هذا الوصف، وينقص بنقصه، فمثلا قول الله ـ تعالى ـ: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍالانفطار: 13، فبقدر ما يكون مع الإنسان من البر بقدر ما يتحقق له من النعيم، وكذلك هنا يقول المؤلف: (وقل خير قول في الصحابة كلهم) فأثبت الفضل للجميع.

ويشهد لهذا ما جاء في الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي  ـ صلى الله عليه وسلم  ـ قال: ((لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))صحيح مسلم (4610)، وهذا قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لخالد بن الوليد فيما وقع بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، ومعلوم أن خالدا ـ رضي الله عنه ـ من صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن ليس نصيبه من الصحبة كنصيب عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ فدل هذا على أن تحقق الوصف في الشخص يوجب مزيد حقوق لا تكون لغيره.

وقوله: (وقل خير قول في الصحابة كلهم) هذا ينفي ما عليه المنحرفون عن طريق أهل السنة، ممن يقول في بعض الصحابة خيرا دون بعض، فيثني على بعضهم ويذم بعضهم.

وفضلهم ـ رضي الله عنهم ـ ثابت في الكتاب والسنة، فمن كتاب الله ـ تعالى ـ قوله ـ جل وعلا ـ:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِآل عمران: 110، وهذا فضل جميعهم ـ رضي الله عنهم ـ وهم أحق من دخل في هذه الآية؛  لأنهم صحبوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونصروه، وتلقوا الوحي عنه، وكذلك قوله ـ تعالى ـ: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِالفتح: 29، فذكر الله من أوصافهم ما يوجب حمدهم ومدحهم، وقوله ـ تعالى ـ:  ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهالتوبة:100 فأثنى على الجماعات المكونة للصحابة، وهم المهاجرون والأنصار، فالمهاجرون يشمل كل من هاجر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل مكة وغيرهم، والأنصار هم الذين تبوؤوا الدار والإيمان من الأوس والخزرج، ومن ناصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل المدينة، فجاء الثناء عليهم في الجملة وعلى جماعاتهم، فدل ذلك على أنهم أهل فضل وإحسان، وأنهم خير الناس.

يشهد لهذا ما في الصحيحين من حديث عبيدة عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))صحيح البخاري (3378)، وكل هذا يوجب على المؤمن أن يجل أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأن يحبهم، ولذلك كان عقد أهل السنة والجماعة أن حبهم دين وإيمان وإحسان، يقول الطحاوي ـ رحمه الله ـ: حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وعصيان، والحب هو أول الحقوق، لأن القول الحسن لا يكون إلا عن حب.

وبعد  أن بين المؤلف ـ رحمه الله ـ ما يجب لهم، نهى عن مسلك حدث بعد الصدر الأول، وهو الوقيعة في أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي: ظهرت واشتهرت، وإلا فبدايتها كانت في زمن عثمان ـ رضي الله عنه ـ فالذين خرجوا عليه وقتلوه، لم يقوموا بحق الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من المحبة، وصيانة وحفظ مقامهم، واعتقاد فضلهم وصدقهم، لكن تميزت هذه البدعة وظهرت بعد حصول الفتنة التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم.

يقول ـ رحمه الله ـ: (ولا تك طعانا تعيب وتجرح) بعد أن أمر بقول الخير في الصحابة، نهى عن مسلك الردى، مسلك الطعن، والطعن هو نسبة الشر والقبيح إليهم، وذلك من طريقين: العيب والجرح، فالعيب هو النقص، والجرح هوالذم ونسبة القبيح إليهم.

والطعن فيمن لا يستحق الطعن من صفات المنافقين، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:  ((ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا بالفاجش البذيء))مسند أحمد  (3752) ، فنفى هذه الصفة عن أهل الإيمان، وهذا في حق عموم الناس، ولكنه يتأكد هذا في حق أشرافهم وسادتهم وأصحاب الفضل والمكانة منهم.

فالمؤمن ليس بالطعان على أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أثنى الله ـ تعالى عليهم ـ ورضي عنهم، وأثنى عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومات وهو راض عنهم.

والطعن في الصحابة مفتاحه الوقيعة فيما شجر بينهم، أو البحث والنظر فيما شجر بينهم، ولذلك من مقتضيات محبتهم وذكرهم بالخير، الإمساك عما شجر بينهم، الإمساك عما وقع بينهم من فتنة، والإعراض عنه وعدم الدخول فيه، ولا يعني هذا ألا نعتقد صواب المصيب وخطأ المخطيء، لكن شتان بين من يعتقد أن عليا كان أحق بالخلافة، وأقرب إلى الحق ـ رضي الله عنه ـ وبين من يجعل ما وقع بينهم سلما للطعن والوقيعة فيهم ـ رضي الله عنهم ـ فأهل السنة الجماعة يعتقدون أن عليا ـ رضي الله عنه ـ أحق بالخلافة ممن خالفه وخرج عليه، وأنه أصوب في الرأي والعمل، كما أنه أسبق في الفضيلة والخير، لكن هذا ليس مسوغاً للوقيعة في بقية أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والنيل منهم وذمهم.

ثم إن ما وقع بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ طالته يد التحريف والتغيير، والزيادة والنقص، فالأخبار التي تروى في مساوئهم، منها ما هو كذب، ومنها ما زيد فيه ونقص، ومنها ما غير عن وجهه، وما كان من ذلك صحيحا، فهم فهم فيه مجتهدون، منهم المصيب، ومنهم المخطئ.

وبهذا يسلم قلب المؤمن من الغل على صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال ـ جل وعلا ـ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌالحشر: 10، وهذه الآية ذكرها الله ـ تعالى ـ بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار وأثنى عليهم، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَالحشر: 8-9، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: بعد المهاجرين والأنصار ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ فالدعاء لهم أعظم ما يكون من قول الخير، ثم ذكروا فضلهم وسابقتهم للخير والإيمان ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وهذا بيبن أن حقهم ـ رضي الله عنهم ـ ما ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ من القول الجميل، والحفظ لأعراضهم وصيانتها من الطعن والعيب والجرح.

وقوله:(طعانا) أي: مسرفا في الطعن، ولكن لا يفهم منه جواز قليل الطعن، بل المقصود انتفاء الصفة، وإنما جاء بها على صيغة المبالغة، تقبيحا لهذا المسلك وموافقة لما جاء به الوصف عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما ذكر من صفات المؤمن قال: ((ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان))أخرجه الترمذي (1977)، وأحمد (3839).

قال:

فقد نطق الوحي المبين بفضلهم     وفي الفتح آي للصحابة تمدح

إذن الدليل على صحة هذا المسلك، وهو القول الحسن في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والإعراض عن مسلك الطعن والذم والجرح فيهم هو ما جاء في كتاب الله ـ تعالى ـ (فقد نطق الوحي المبين بفضلهم) أي: تكلم، والوحي المبين هو القرآن العظيم، فهو مليء بالثناء عليهم، وذكرهم بالجميل، وبيان فضائلهم، على المجموع، وعلى وجه الإفراد، فمن الثناء الذي جاء في حق بعضهم قول الله ـ تعالى ـ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاالتوبة: 40، فهذه الآية تضمنت الثناء على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ حيث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحبته إليه.

ومما ورد في الثناء على جماعات منهم، قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارالتوبة: 100، ومما ورد في الثناء على مجموعهم، قول الله ـ تعالى ـ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْالفتح: 29، وقوله ـ تعالى ـ:﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِآل عمران: 110، كل هذه الآيات دالة على فضيلة الصحابة أفرادا وجماعات ومجموع، فقوله ـ رحمه الله ـ: (فقد نطق الوحي المبين بفضلهم) يجمع ذلك ثلاث صور:

الصورة الأولى: الثناء على أفراد منهم.

الصورة الثانية: الثناء على جماعتهم وفئاتهم.

الصورة الثالثة: الثناء على جميعهم ومجموعهم.

قال ـ رحمه الله ـ: (ففي الفتح آي للصحابة تمدح) أي: في سورة الفتح آيات تمدح الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وذلك في آيات عديدة، منها قوله ـ تعالى ـ: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾، وهذه ثناء من الله تعالى كبير عليهم ـ رضي الله عنهم ـ وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباًالفتح: 18، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماًالفتح: 4 ، كل هذه الآيات فيها من الثناء على الصحابة، والشهادة لهم بالإيمان، ما يوجب محبتهم، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وفي قول المؤلف: (قد نطق الوحي) وصف الوحي بأنه ينطق، جاء في الكتاب المبين وذلك في قوله ـ تعالى ـ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّالجاثية: 29، والنطق يعني التكلم والبيان.

قال ـ رحمه الله ـ:

وبالقدر المقدور أيقن فإنه          دعامة عقد الدين والدين أفيح

هذه المسألة من كبريات مسائل الاعتقاد، وهي مسألة القدر، قوله: (وبالقدر) القدر يراد به التقدير، وهو في الاصطلاح الشرعي ـ يعني في استعمال الكتاب والسنة ـ علم الله بالكائنات وحكمه فيها، وعرفه بعض أهل العلم بمراتبه فقال: القدر هو علم الله وكتابته المطابق لمشيئته وخلقه، وهذا تعريف كامل للقدر وعرفه آخرون  فقالوا: القدر هو حكم الله الكوني، وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: القدر قدرة الله، وهذا التعريف من أحسن التعاريف حتى أن ابن عقيل ـ رحمه الله  ـ استحسنه جدا وقال: هذا يدل على عظيم علمه في أصول الدين.

يقول ابن القيم رحمه الله في النونية:

 فحقيقة القدر الذي حار الورى *** في شأنه هو قدرة الرحمـن

 واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد *** لما حكاه عن الرضا الرباني

 قال الإمام شفا القلوب بلفظة   *** ذات اختصار وهي ذات بيان

وهنا نفهم الأثر الذي جاء عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مرفوعا وموقوفا بأسانيد فيها مقال: القدر نظام التوحيد، أي به ينتظم توحيد العبد، وجاء مثله عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ولذلك قال جماعة من أهل العلم: كل دليل قرر في كتاب الله التوحيد، فإنه دليل على إثبات القدر.

والقدر أصل من أصول الايمان، ولذلك وصفه الناظم بأنه (دعامة عقد الدين) أي: أساسه الذي يبنى عليه، ففي صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله ابن عمر ـ رضي الله عنهماـ عن عمر في قصة مجيء جبريل وسؤاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإسلام والإيمان والإحسان، قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدرخيره وشره))صحيح مسلم (9)، فلا يتم إيمان أحد إلا بالإيمان بالقدر خيره وشره.

وأدلة إثباث القدر توجب ما ذكره المؤلف من اليقين، لذلك قال: (وبالقدر المقدور أيقن) أي: آمن إيمانا جازما، واعلم علما راسخا لا يتطرق إليه ريب ولا شك، وذلك لتوافر الأدلة على قدر الله ـ تعالى ـ، وأن الله تعالى قد قدر الأشياء، على نحو ما دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة، فمن الأدلة التي تذكر فيما يتعلق في إثباث هذا الأصل قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍالقمر: 49، أي: بتقدير، وقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراًالفرقان: 2، وقوله: ﴿ قَدَّرَ فَهَدَىالأعلى: 3، وقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍالرعد: 8، وقوله ـ تعالى ـ:﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَىطه: 40، وقول الله ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌالحديد: 22، الله أكبر فهذه النصوص الكثيرة دالة على هذا الأصل العطيم وهو الإيمان بتقدير الله ـ تعالى ـ وأنه ـ جل وعلا ـ خلق كل شيء بقدر.

قوله: (المقدور) أي: الذي قدره الله تعالى.

قوله:(عقد الدين)أي: ما يقوم في القلب من الإقرار المستلزم للإذعان والقبول.

قوله:(والدين أفيح)أي: الدين واسع رحب في أصوله وفروعه، لكن هذا الأصل إذا هوى هوى الدين، ولم يقم للعبد إيمان وإسلام، لكن لا يعني هذا أنه إذا آمن بالقدر فقد استكمل الدين، إنما من آمن بالقدر فقد أتى بأصل من أصوله، وينبغي أن يستكمل ما بقي، ولذلك قال: (والدين أفيح) يعني أوسع بأن يذكر في مسألة الإيمان بالقدر.

والإيمان بالقدر لا يتم إلا بتحقيق أربع مراتب:

  • الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ علم كل شيء قبل خلقه.
  •  الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ شاء ذلك.
  •  الإيمان بأن الله كتب ذلك.
  • الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ خلقه.

 وقد جمعها الناظم فقال:

علم كتابة مولانا مشيئته           وخلقه وهو إنجاز وتكوين 

وهذه المراتب تضافرت الأدلة عليها فدليل العلم والكتابة قول الله ـ تعالى ـ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌالحديد: 22، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ أي: من نازلة ﴿فِي الْأَرْضِ الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ إلا وهي مكتوبة﴿فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ أي: من قبل أن نخلقها ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

والكتابة دليل على العلم؛ لأنه لا يكتب إلا ما هو معلوم، فهذه الآية تضمنت ذكر ثلاث من مراتب الإيمان بالقدر: الكتابة، وتتضمن العلم، والخلق، وفي السنة من حديث عبد الله بن عمرو  رضي الله عنهما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ((كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة))صحيح مسلم (4797)والكتابة لا تكون إلا عن علم، وثبوث العلم لله ـ تعالى ـ بالحادثاث قبل وقوعها مما تواترت به الأدلة، فالله ـ تعالى ـ بكل شيء عليم ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌالحديد: 3، ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ِالأنفال: 47، ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌفصلت: 54، فعلمه أحاط بكل  شيء في السابق واللاحق، والشهادة والغيب.

بعد ذلك المشيئة والخلق، أدلة ذلك كثيرة دالة على هاتين المرتبتين، ونقف على هاته المراتب، ونواصل بعض المسائل المتصلة بالقدر ـ إن شاء الله ـ في الدرس القادم.

الاكثر مشاهدة

3. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات89308 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات86852 )

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف