الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, يخلقُ ما يشاءُ ويختارُ ما كانَ لهمْ الخيرةُ مِنْ أمرهِمْ –سُبحانهُ وتعالَى-, أحمدهُ جَلَّ في عُلاهُ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ, وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وصحبهِ ومنِ اتبعَ سنتهُ بإحسانٍ إِلَى يوْمِ الدينِ, أَمَّا بعدُ:
فيقولُ اللهُ –جلَّ وَعَلا-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[الدخان: 3-6] اللهُ أكبرُ ما أوسعُ رحمةَ اللهِ –جلَّ وَعَلا-وما أعظمَ إِحسانهُ –سُبحانهُ وبحمدهِ-اللهُ –سُبحانهُ وتَعالَى-يخبرُ في هذهِ الآياتِ الكريماتِ عنْ واسعِ فضلهِ وكريمِ إِحْسانهِ وأنهُ برحمتهِ وعزتهِ أنزلَ علَى عبادهِ هَذا الكتابَ الحكيمَ، أنزلَ علَى عِبادهِ هَذا القرآنَ الكريمَ الَّذِي جعلهُ هدايةً للناسِ أجمعينَ, وقدْ وصفَ اللهُ تَعالَى الليلةَ الَّتي أنزلَ فِيها الكتابَ علَى خاتمِ النبيينَ بأَنَّها مُباركةٌ وصدقَ اللهُ ومَنْ أصدقُ مِنَ اللهِ قِيلًا، ما أَعظَمَ بَركَتها إِنَّها ليلةٌ لا كالَّليالي، إنها خيرُ لَيالي الزمانِ الليلةُ الَّتي أنزلَ اللهُ فِيها الفُرقانَ عَلَى قلْبِ محمَّدٍ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-لِيكُونَ نَذِيرًا للعالمينَ لِيكُونَ بشيرًا لِلمؤْمِنينَ، لِيكُونَ رحمَةً للناسِ كافَّةً كَما قالَ جلَّ في عُلاهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء: 107].
إنَّها ليلةٌ مُباركةٌ تلكَ الليلةُ الَّتي نزلَ فِيها جبريلُ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ عَلَى قلْبِ محمَّدٍ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-فكانتْ نُبُوَّتُهُ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-بتلْكَ الآياتِ المباركاتِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍاقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 1-5] اللهُ أكبرُ إنهُ فضْلٌ وإحسانٌ إنهُ اصطِفاءٌ مِنَ اللهِ –جَلَّ وَعَلا-للزمانِ لِلمكانِ للشخصِ، فاصطَفَى اللهُ تَعالَى هَذِهِ الليلةَ دُونَ سائرِ الَّليالِي لإنزالِ القُرْآنِ، واصطَفى اللهُ تَعالَى مكَّةَ البلَدَ الحرامَ فجعلَها مهبطهُ الوحيدَ، واصطَفَى محمَّدَ بْنَ عبدِ اللهِ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، فجعلهُ خاتمَ النبيينَ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب: 41].
إنهُ اصطفاءٌ وراءَ اصْطفاءٍ واللهُ يخلقُ ما يَشاءُ ويختارُ –سُبحانهُ وبحمْدِهِ-إِنَّ هذهِ الليلةَ هِيَ ليلةُ القدرِ الليلةُ الَّتي أُنزلَ فِيها القُرآنُ هِيَ ليلةُ القدرِ كَما أَبانَ عنهُ قَوْلُهُ –جلَّ وَعَلا-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِوَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍتَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: 1-5] اللهُ أكبرُ إِنَّها ليلةٌ شريفةٌ ولذلِكَ سميَتْ بليلةِ القَدْرِ.
إِنَّها ليلةٌ يفْرقُ فِيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ أَيْ يقدُّرُ فِيها ما يقْضِيهِ اللهُ –جلَّ وَعَلا-وَهَذا ما أَشارتْ إِليهِ الآيةُ في سُورةِ الدُّخانِ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾[الدخان: 4-5] اللهُ أكبرُ هذهِ الليلةُ يجتَمِعُ فِيها فضلُ العَطاءِ منْ ربِّ العالمينَ، فمنْ قامَ ليلةَ القَدْرِ إِيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَمَّ مِنْ ذنبهِ ليلةً يقْضِي اللهُ –جَلَّ وَعَلا-القضاءَ وهُوَ الحكيمُ الخبيرُ الَّذِي لهُ الحكْمُ إِنِ الحكْمُ إِلَّا للهِ.
والحكْمُ لهُ قَدَرًا كَما أنَّ الحكْمَ لهُ شَرْعًا، فَلا حاكمَ لهذا الكونِ إِلَّا الحكيمُ الخبيرُ –سُبحانهُ وبحمدهِ-يمتلِكُ قلبَ المؤْمِن إيمانًا بِقَضاءِ اللهِ وَقدرهِ ويستشعرُ عظمةَ الربِّ الَّذِي يقْضِي ما في هَذا الكونِ، فَما مِنْ حركةٍ وَلا سُكُونٍ وَلا صُعُودٍ وَلا نزولِ وَلا حيٍّ وَلا ميّتٍ وَلا ذرةٍ في الأَرْضِ وَلا في السماءِ وَلا في جوفِ البحارِ وَلا في قعرِ البحارِ وَلا في جوفِ الطيرِ وَالحيوانِ وَلا في أَي مَكانٍ إِلَّا وَهِيَ داخلةٌ تحتَ قولَ الكريمِ العظيمِ إِنَّ كُلَّ شيءٍ خلقْناهُ بِقدرٍ، فَما مِنْ شَيءٍ إِلَّا بِقَضاءٍ وقدرٍ, وَالقدرُ شاملٌ لكُلِّ ما في هَذا الكوْنِ.
وَهَذا أصلُ مِنْ أُصُولِ الإيمانِ وهُوَ ما يجريهِ اللهُ تَعالَى مِنْ قَضاءهِ وقدرهِ، وقَدْ يَقُولُ القائلُ: كيفَ يكُونُ في هذهِ الليلةُ قضاءُ اللهِ –جلَّ وعَلا-وتقديرهِ وقدْ قضَى اللهُ –جلَّ وعُلا-مقاديرَ الأَشْياءِ قبلَ أَنْ يخلقَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ؟
وَالجوابُ عَلَى هَذا السُّؤالِ: أَنَّ تقْديرَ اللهِ تَعالَى لِلحوادثِ وَالوقائعِ وَما يكُونُ في هَذا الكونِ عَلَى مَراتِبَ وَمراحِلَ:
فهناكَ تقديرٌ سابقٌ للخلقِ, وهُوَ الَّذِي قدَّرَ اللهُ تعالَى فيهِ المقاديرَ قَبلَ أَنْ يخلُقَها كَما جاءَ في الصحيحِ مِنْ حديثِ عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرو رضِيَ اللُه عنهُ «إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ»مسلم(2653) وَهَذا هُوَ التقديرُ السابقُ لِلخلقِ الَّذِي انتظَمَ كلَّ ما يكُونُ كَما جاءَ في السننِ وغيرهِ أنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-فِيما رواهُ أحمدُ وغيرهُ مِنْ حديثِ عُبادةَ بْنَ الصَّامِتَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»مسند أحمد(22705).
هَذا هُوَ التقْدِيرُ السابِقُ للخلقِ, ثمَّ بعْدَ ذلِكَ يأْتي التقديرُ العُمرِيُّ وهُوَ التقديرُ الَّذِي يكُونُ لِكُلِّ مخلوقٍ منْ بَني آدمَ عنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فيهِ، فإِنَّ اللهَ يَبعَثُ مَلَكًا فيقولُ: اكتبْ أجلهُ وعمَلَهُ ورِزقهُ وشَقِيٌّ أوْ سعيدٌ وهَذا يخصُّ كُلَّ إِنْسانٍ عندَ نفخِ الرُّوحِ فيهِ، ثُمَّ هُناكَ تقديرٌ حولي وهُوَ ما يكُونُ في ليلةِ القدرِ الَّذِي أشارَتْ إليهِ الآيةُ في قولهِ –جلَّ وَعَلا-: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[الدُّخان: 4] أَي يُقْضَى وقدْ جاءَ في ذلِكَ أنَّ اللهَ تَعالَى يُقْضَى ما يكُونُ في هَذا العامِ الَّذي تستقبلهُ مِنْ حَياةٍ وموْتٍ، منْ سعادةٍ وشقاءٍ، منْ رزقٍ وحِرمانٍ، ومِنْ سائرِ ما يكُونُ في هذهِ الأَكْوانِ وَهُناكَ تَقْديرٌ يومِيٌّ وهُوَ الَّذِي يجري اللهُ تعالَى فيهِ ما يَشاءُ مِنَ القِضاءِ كُلَّ يوْمٍ.
وقدْ أَشارتْ إليهِ الآيةُ في سُورةِ الرحمنِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: 29] يرفعُ ويخفضُ، يقبضُ ويبسُطُ، يُعْطِي ويمنعُ، ولهُ في ذلِكَ الحكمةُ البالغةُ والقُدرَةُ النافذةُ –سُبحانهُ وبحمْدِهِ-.
إنَّ ليلةَ القدرِ الَّتي جاءَ بيانُ فضْلِها، وجاءَ بَيانُ ما يجري فِيها في كلامِ اللهِ –عزَّ وجلَّ-وفي السنةِ النبويةِ المطهرةِ في العشرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ كَما دلَّتْ علَى ذلكَ السُنَّةُ وهِيَ في الأَوْتارِ مِنَ العَشْرِ وأَرجَى ما تكونُ في ليلةِ سبعٍ وعِشرينَ كَما جاءَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فإنهُ قالَ: "وَاللهُ إِنَّها ليلةُ القدرِ"مسلم(762)يريدُ ليلةَ سبعٍ وَعشرينَ ويؤثرُ ذلكَ عنِ النبيِّ –صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّم-وبهذا يُعلمُ أنَّ أَرْجَى الليالي كَما قالَ جماعاتٌ مِنْ أهْلِ العلمِ تدركُ فيها ليلةُ القدرِ هِيَ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ، فَما الَّذِي يكونُ فِيها منَ العملِ؟
يكُونُ فِيها القِيامُ الَّذي قالَ فيهِ النبيُّ –صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ-: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ»البخاري(2014), ومسلمٌ(760). يكُونُ فِيها الدُّعاءُ والتضرعُ والذلُّ والسؤالُ والتعظيمُ للهِ تعالَى، فقدْ قالتْ عائشةُ يا رَسُولَ اللهِ كَما في الترمذِيِّ وأحمدَ «أرأيْتَ إنْ عَلِمتُ أيَّ ليلةٍ لَيلةُ القدْرِ ما أقولُ فِيها؟ قال: قُولي: اللَّهمَّ إنَّكَ عفوٌّ، تُحِبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي»الترمذي(3513) أمَّا تخصيصُ هذهِ الليلةِ بعمرةٍ أوْ بإنفاقٍ أوْ بغيرِ ذلِكَ فلَمْ يَرِدْ فِيهِ دليلٌ خاصٌّ وإنْ كانَ النصُّ قدْ جاءَ نادِبًا إِلَى كلِّ عملٍ كَما قالَ جَلَّ في عُلاهُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِوَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾[القدر: 1-3] قالَ العُلماءُ: هِيَ خيرٌ مِنْ ألْفِ شهْرٍ للعامِلِ فِيها بكلِّ أَعمالِ البرِّ وصُنوفِ الخيرِ.
فأسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ الكريمِ الَّذِي لهُ الأُولَى والأُخْرَى، وَالَّذِي بيدِهِ مَلكوتُ كُلِّ شيءٍ، والَّذِي بيدهِ خزائنُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَنْ يُفِيضَ علَيْنا منْ فضلهِ، وأنْ يجعلَنا مِنْ عِبادهِ المتقينَ وحزبهِ المفلِحينَ، وأنْ يتُوبَ علَيْنا وأَنْ يُعْتِقَنا منَ النارِ وأَنْ يجعَلَ مُستقبلَ أَيامِنا خيْرًا، وأنْ يختِمَ لَنا بِالصَّالحاتِ وأَنْ يجعَلَ خيرَ أيامِنا يومَ نَلْقاهُ وأَنْ يجمَعَنا بِالنبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-وعبادِهِ الصَّالحينَ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نبِّينا الكريمِ وعَلَى آلهِ وأَصْحابِهِ أَجْمَعِينَ.






