الحمدُ للهِ الَّذي خلقَ السماواتِ والأرضَ وجعلَ الظُّلماتِ والنورِ، ثمَّ الَّذينَ كفَرُوا بربهمْ يعْدلونَ, أحمدهُ جلَّ في عُلاهُ لا أُحْصِي ثَناءً عليهِ كَما أَثْنَى علَى نفْسهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ شَهادةً أرجُو بِها النجاةَ مِنَ النارِ, وأشهدُ أنَّ محمَّدا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صفيهُ وخليلهُ وخيرتهُ مِنْ خلقهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وصحبهِ ومنِ اتبعَ سنتهُ بإحسانٍ إلَى يومِ الدينِ, أمَّا بعدُ:
فيقولُ ربُّنا –جلَّ وَعَلا-: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾[الفتح: 27] الله أكبرُ صدقَ اللهُ تَعالَى رسولَهُ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-ما أَراهُ منْ دُخولِ مكَّةَ وهَذا لما كانَ النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-في المدينةِ قَبْلَ فتحِها وقدْ حيلَ بينهُ وبينَ ما يشتهِي ويحبُّ مِنْ تلكَ البقعةِ المباركَةِ الَّتي هِيَ أَحبُّ البلادِ إِلَى اللهِ تَعالَى أحبُ البِلادِ وَالبقاعِ إِلَى اللهِ تعالَى مكةُ البلدُ الحرامُ الَّذِي جعلهُ اللهُ تَعالَى محلًا لِلاصطِفاءِ والاختيارِ وربكَ يخلُقُ ما يَشاءُ ويختارُ –سُبحانهُ وبحمْدِهِ-فاخْتارَ تلكَ البُقْعَةَ فجعلَها محَلًا لبيتهِ أوْ مَوْضِعا عُبِدَ فيهِ ربُّ العالمينَ في تلكَ البُقعةِ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96] يعْني عِبادة
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى﴾ [آل عمران: 96] ثم ذكرَ اللهُ –جلَّ وعَلا-جملةً مِنْ خَصائِصِهِ, إنهُ اصْطفاءٌ مِنَ اللهِ تعالَى, جعلَ رَسُولَ اللهِ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-بعدَ سنواتٍ مِنَ البُعْدِ وَهُوَ مُشفِقٌ يتلهفُ أنْ يتطوَّفَ بذلِكَ البيتِ العظيمِ الَّذِي أُخرجَ منهُ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-فبعدَ ستِّ سنواتٍ مِنْ خُروجِهِ جاءَ يُريدُ أنْ يعتمِرَ وأَنْ يُعظمَ هذهِ البُقْعةَ وقَدْ ساقَ الهدْيَ ومعهُ أَصحابهُ وقَدْ بشرهُمْ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-بِدُخولِ البيْتِ والطوافِ فيهِ، فلَمَّا جاءُوا وقفُوا في الحديبيةِ وحيلَ بينهمْ وبينَ الدُّخولِ إلَى مكَّةَ ومنعتهُمْ قُريشٌ، فوجدَ الصحابةُ في نُفوسِهِمْ ألمًا فَكانَ ما كانَ مما جَرَى في تلكَ الوقعةِ وَفي ذلِكَ الزَّمانِ ثُمَّ إِنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-تُصالحُ مَعَ قريشٍ علَى أنْ يَرْجِعُوا وأَنْ يجيءَ في عامٍ قادِمٍ فكانَ ما كانَ.
وجاءُوا في العامِ الَّذِي يليهِ وصدقَ اللهُ رسولَهُ الرؤيةُ بِالحقِّ وَدخلَ الصحابةُ مَعَ نبيهِمْ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-وطافُوا بالبيتِ وعظموهُ
كَما أمرهُمْ اللهُ تَعالَى بذلِكَ وَجاءُوا بعمرةٍ وَهِيَ ثاني عُمرةٍ عُدَّتْ للنبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-فالأَوْلَى لم تتمَّ لما حالَ بينهُ وبينَ البيتِ الكُفارُ والمشْركُونَ، فتحلَّلْ النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-.
وفي العامِ الثاني وهُوَ عامُ سبعٍ عامُ القَضاءِ جاءَ فقضَى –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-عمرتَهُ وَطافَ بِالبيتِ وَسَعَى وَبَقِيَ في مَكَّةَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْها –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-ذلكَ هُوَ ما فعلَهُ –صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ-في عُمرتِهِ وَقَدْ اعتمَرَ بعْدَها عمرةً في عامِ الفتحِ ثُمَّ اعْتَمرَ مَعَ حجتهِ العُمرةَ الأخيرةَ وكانتْ عُمْرةُ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-أربعَ عُمَر كَما جاءَ في حديثِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنْها وحديثُ عبدِ اللهِ بْنِ عُمرَ وفي حديثِ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ أجْمعِينَ ينظَرُ: البُخاري(4148), ومسلم(1253).، فإن النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-ما اعتمرَ إِلَّا أربعَ عمرَ، والعمرةُ لا شكَّ أنَّها مِنَ الأَعْمالِ الفاضِلةِ الَّتي لَها منَ الأَجرِ ما جاءَ في الصحيحينِ مِنْ حَدِيثِ أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّ النبيَّ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-قالَ: «العمْرةُ إِلَى العُمْرةِ كفارةٌ لما بينَهُما»البخاري(1773), ومسلمٌ(1349)اللهُ أكبرُ فضْلُ اللهِ كبيرٌ وعطائهُ جزيلٌ، فالعمرةُ إِلَى العمرةِ يكفرُ اللهُ تَعالَى ما بينَ هاتينِ العُمرتَينِ فَضْلًا وإحسانًا وبِرًا وعطاءٍ، ثمَّ إِنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-خصَّ العُمرةَ في رَمضانَ بمزيةٍ خاصَّةٍ، ففِي الصَّحيحينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَباسٍ أنَّ امْرأةً يُقالُ لَها أمُّ سنانٍ الأَنصاريةُ لم تحجَّ مَعَ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-فقَدَها وهُوَ الحفِيُّ الرفيقُ بأصحابهِ العالمُ بأحوالهِمْ سأَلَها لماذا لم تحجِّي مَعنا؟ فقالتْ للنبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: إِنَّ أَبا فلانٍ ـ تَعْني زوْجَها ـ كانَ لهُ نضَّاحانِ ـ يعْني بعيرانِ ـ حجَّ عليهِما علَى أحدِهِما وجعَلَ الآخَرَ لِيسقِي عليهِ ـ يَعْني لم يكُنْ لها مركِبٌ ـ فَقالَ لها النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-إِذا جاءَ رمضانُ «اعتَمِري في شهرِ رمضانَ؛ فإنَّ عُمرةً في شهرِ رمضانَ تَعدِلُ حَجَّةً» وفي بعضِ الرواياتِ: «تعدلُ حجةً معي» البُخاريُّ(1863), ومسلمٌ(1256) وهَذا فضلُ اللهِ الَّذِي يؤتيهِ مَنْ يَشاءُ.
فبينَ النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-فضيلةُ العمرةِ في رَمَضانَ، مِنْ أَهلِ العلمِ مَنْ قالَ: إِنَّ هَذِهِ الفضيلةَ خاصةٌ بهذهِ المرأةِ لما فاتَها فضلُ مشاركةِ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-في حجتهِ وكانَ ذلِكَ لِعُذْرٍ، وَمِنْ أهْلِ العِلْمِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الفضْلَ عامُ, والعبرةُ بعمُومِ اللَّفْظِ لا بخصُوصِ السببُ؛ فإنَّهُ قَدْ بَيَّن النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-فضلَ العُمْرةِ في رمضانَ ووجَّهَها إِلَى أَنْ تُدْركَ هَذِهِ الفَضِيلةَ بأَنْ تعتمرَ في رَمضانَ ففَضَلُ اللهِ واسِعٌ وأكثَرُ أَهْلِ العلمِ علَى هَذا المعْنَى وأنهُ ليسَ هذا خاصًا بهذهِ المرأةِ، بلْ هُوَ عامٌّ للأمةِ كُلِّها. ينظر عمدةُ القارِي(7/117).
فالعُمرةُ في رمضانَ لها مزيةٌ وفضلٌ وذلكَ بأنَّها تعدِلُ حجةً أيْ: في الأجْرِ والثوابِ مَقامَ الحجِّ وأَمَّا الحجُّ فإنْ سألتَ عنْ أجرهِ فذاكَ الَّذي تطيرُ لهُ القلُوبُ شوقًا وتوْقًا، فالحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلا الجنةُّ كَما في الصَّحيحينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وفي حديثِ ابْنِ عُمرَ رضِيَ اللهُ عنهُ قالَ النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»البُخاريُّ(1521), ومسلمٌ(1350) نسألُ اللهَ مِنْ فضلهِ.
إذًا العمرةُ في رَمضانَ يفُوزُ بِها الإنسانُ بأجرِ حجةٍ واللهُ تَعالَى كريمٌ منانٌ مِنْ فضلهِ أنهُ يُعطِي علَى العملِ القليلِ الأجرَ الجزيلَ والكبيرَ.
فينبغِي أنْ نحرصَ علَى فضلِ اللهِ تَعالَى وأنْ نُسابِقَ إِلَى الخيراتِ، لكنْ لنعلمَ أَنَّ النبيَّ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-لم يعتمرْ قطُّ في رَمَضانَ إِنَّما بينَ الفضْلَ وأَمَّا عُمراتُه–صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-الأَرْبعُ فقَدْ كانَ ثلاثَةٌ منْها في ذِي القَعْدَةِ وَالرابعةُ كانتْ معهُ في حجهِ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-معَ حجتهِ الَّتي أحرمَ بِها في آخرِ ذي القَعْدَةِ فتكُونُ عُمراتُه –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-في ذِي القَعدةِ.
ولهذا اختلفَ أهلُ العلمِ هَلِ الأفضلُ العمرةُ في رَمَضانَ أَمِ الأفضلُ العمرةُ في ذِي القعدةِ؟ علَى قولينِ منهُمْ مَنْ قالَ: الأفضلُ في رمَضانَ لأنهُ قولُه، ومنهُمْ منْ قالَ: إنهُ الأفضلُ في ذي القعدة؛ لأنهُ اختيارُ اللهِ تَعالَى لنبيهِ وَما كانَ اللهُ ليختارَ لنبيهِ إلا الأفضلُ وفي كُلٍّ خيرٌ.
العمرةُ في رمَضانَ فضيلةٌ جاءَ النصُّ علَى ذكرها، فتكتسبُ الفضيلةَ مِنْ قولِ النبيِّ –صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ-وَالعُمرةُ في ذِي القَعْدَةِ فَضيلةٌ لفعْلِ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-وفي كُلٍّ خيرٌ.
إذًا ينبَغِي أَنْ نحرِصَ علَى المبادرةِ لِلخيراتِ، لكنْ ليْسَ مِنَ العقلِ وَلا مِنَ الدِّينِ والشرعِ أَنْ يُضِيَّعَ الإِنْسانُ الواجِباتُ لِينالَ فَضائِلَ المسْنُوناتِ، فَالواجِبُ مَهْما كانَ جِنسهُ أَعْظَمَ مِنَ النَّفْلِ وَلهذا لا يَسُوغُ لأَحَدٍ أَنْ يتذَّرَعَ بفضيلةِ العُمْرَةِ وَيجعلُ ذلكَ وَسيلَةً لتضييعِ الوَاجِباتِ مِنْ وَظائِفَ قدِ الْتزمَ بِها مِنْ أَعْمالٍ قَدْ عقَد عليْها منْ أُسرٍ وأهْلٍ تَضيعُ حُقُوقُهُمْ بِالذَّهابِ, مِنْ دُيونٍ ثبتتْ في ذِمَّةٍ لها طُلابُها وَما إلَى ذلكَ مِنَ الأَشْياءِ الكثيرةِ الَّتي يفرطُ فِيها كثيرٌ مِنَ الناسِ، فيتركُها وراءَ ظهرهِ ناسِيًا أوْ مُتغافِلًا عنْ أَدائِها في حقٍّ أوْ في مُقابِلِ القِيامِ بِشَيءٍ مِنَ المسْنُوناتِ وليسَ هَذا مِنَ الفقهِ، فإنَّ مِنْ أَعظمِ الفقهِ الَّذِي وُفِّقَّ لهُ العامِلُ هُوَ فقْهُ مَراتبِ العملِ وذلِكَ بأَنْ يميزَ بينَ الواجِبِ وَالمستحبِّ، فَلا يُقَدِّمُ مُسْتحبًا إِذا كانَ يضيعُ واجِبًا، بينَ الموازنةِ أَنْ تقومَ بِالواجِبِ وأَنْ تتركَ المستَحبَّ.
وأجزمُ وَاللهُ تَعالَى ذُو الفضْلِ وَالإِحْسانِ، علْمًا بكرمِهِ وفضْلِهِ أنَّ مَنْ صَدَقَ في رغبتهِ أَنْ يأْتِيَ إِلَى هذهِ البقعةِ المبارَكةِ أنْ يعتمِرَ في رَمضان وحالَ بينهُ وبينَ المجيءِ إلىَ هَذهِ البقعةِ، إِمَّا شغلٌ أو عملٌ أو وظيفةٌ أوْ أُسرةٌ أو قيامٌ علَى أهلٍ أوْ ديونٍ عائقةٍ أوْ ما إِلَى ذلِكَ، فسيبلغهُ اللهُ تَعالَى ما أمَّلَ في قلْبِهِ وَلو لم يأتهِ في الصحيحِ من حديثِ جابرٍ رضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-قالَ: «إِنَّ أقواما بالمدينةِ» وهُوَ في تُبوكَ «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: " وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» وهُمْ في المدِينةِ وَفي بعْضِ الرِّواياتِ «حبسهُمُ المرضُ» البُخاريُّ(4423), ومسلِمٌ(1911).
إذًا فضلُ اللهِ واسعٌ وعطائُهُ جزيلٌ وإِحسانهُ كَبيرٌ، فلَمَّا يَنساق الإِنْسانُ مَعَ هواهُ الَّذِي يخالفُ بِهِ الهدَى وشَرْعِ ربِّ العالمينَ لابُدَّ مِنَ الالتزامِ بهذهِ الشريعَةِ وَالقِيامِ بها.
كذلكَ مَسألةٌ أُخْرَى يقَعُ فِيها بعضُ الناسِ وهُوَ تَكْرارُ العمرةِ عَلَى وجْه متقاربٍ لا شكَّ أن النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-ندَبَ إِلَى الإِكْثارِ مِنَ العمْرةِ كَما في الصحيحينِ مِنْ حديثِ أبي هُريرةَ قالَ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِما بيْنَهُمَا»البخاري(1773), ومسلم(1349)لكنْ ينبغِي أَنْ يعلَم أَنَّ هَذا التَّكْرارَ ليسَ مُطْلقًا بأنْ يعتمِرَ الإنسانُ في اليومِ بأَكْثَرَ مِنْ عمرةٍ، فإنَّ هَذا مما لمْ نقِفْ عليهِ في كلامِ عالمٍ ذي بصيرةٍ منْ أهْلِ العلمِ، إنما هُوَ فعْلُ بعضِ الناسِ حرْصًا منهُمْ علَى الاستكثارِ مِنَ الخيرِ، وهُمْ مَشْكُورونَ علَى ما قامَ في قلوبهِمْ مِنْ محبَّةِ الخيرِ وَالحرصِ عليهِ، لكِنْ كَمْ مِنْ مُريدٍ للحقِّ لا يبلُغهُ.
ولذلِكَ ينبغِي أَنْ نَقولَ لهؤلاءِ اربَعُوا علَى أنفسِكُمْ فإنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ-قالَ: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ» البُخاريُّ(2697) , ومسلمٌ(1718)وقَدْ قيلَ: إنَّ أقلَّ ما يكُونُ بينَ العمرتينِ منَ المدةِ والزمَنِ هُوَ أنْ يسوَدَّ الرأسُ لوْ حلقَ أيْ لوْ أنهُ حلقهُ الإِنْسانُ ولم يقصِّرْ، وَقِياسُ هَذا فِيما جرتْ بهِ العادةُ مِنَ الأَيَّامِ عشرةُ أيامٍ في قولِ جماعةٍ منْ أهلِ العلمِ وهَذا أقلُّ ما قِيلَ في المدةِ بينَ العُمرتينِ.
ولذلِكَ ينبغِي أَلَّا يكثرَ مِنَ التَّكرارِ بهذهِ الطريقةِ هَذا لوْ كانَ يُنْشِأُ سَفرًا لكُلِّ عمرةٍ، فكيفَ وهؤُلاءِ لا يُنْشِئُونَ سَفرًا إِنَّما يأْتي الواحِدُ إِلَى مكَّةَ ثمَّ يعتمرُ في أولِ النهارِ ثمَّ يخرجُ إِلَى التنعيمِ أَوْ إِلَى الجعرانةِ أَوْ إِلَى غيرِها مِنَ الجهاتِ ويعتمرُ ويكَرِّرُ هَذا مرةً تُلْوَ مرةٍ وهَذا في الحقيقةِ ليْسَ لهُ أصْلٌ يُستندُ إليهِ.
ولهذا جاءَ عنِ ابْنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أَنَّهُ قالَ فِيمنْ يخرجُ مِنَ البيتِ إِلَى التنعيمِ ليأخذَ عُمرةً قالَ: لا أدْرِي أَيؤْجَرُونَ أَمْ يُعَذَّبُونَينظر السلسلةُ الصحيحةُ, للألْبانيِّ (6/258), مجموعُ الفَتاوَى, لابنِ تيميةَ(26/264) يَعْني لا يدْري أَيُثابُونَ علَى هَذا العملِ أَمْ يأْخُذونَ إِثْمًا ووِزْرًا علَى خُرُوجِهِمْ وَتركهُمْ للبيتِ فينبغِي لَنا أنْ نستبصِرَ وأنَّ نُدركَ أَنْ العمَلَ ينبغِي أنْ يَكُونَ وفْقَ السُّننِ الَّذِي كانَ عليهِ هَدْيُ النبيِّ –صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلَمَ-فإنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-قدْ ذكرَ لَنا قانُونًا عَرِيضًا يحكمُ بهِ علَى عملِ الظاهِرِ لا يخرجُ عنهُ فرضٌ منْ أحكامِ الشريعَةِ في الصَّحيحينِ مِنْ حَدِيثِ القاسِمِ بْنِ محمَّدٍ عنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنْها قالَ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ»البُخاريُّ(2697) , ومسلمٌ(1718)
أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ الكريمِ أنْ يجعَلَنا وإِيَّاكُمْ مِنْ عِبادهِ وأولِيائِهِ وأَنْ يسلُكَ بِنا سبيلَ الرُّشْدِ وَالصلاحِ وأنْ يبصِّرَنا بما ينفعُنا وأَنْ يقِيَنا شرَّ أنفُسِنا، وصَلَّى اللهُ وسلَّمَ علَى نبِّينا محمَّدٍ وعلَى آلِهِ وأصحابِهِ أجْمَعِينَ.






