الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ أحمدهُ جلَّ في علاهُ, وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ شهادةً أرجو بِها النجاةَ مِنَ النارِ, وأشهدُ أنَّ محمَّدا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صفيهُ وخليلهُ وخيرتهُ منْ خلقهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وصحبهِ ومنِ اتبعَ سنتهُ بإحسانٍ إلَى يومِ الدينِ, أَمَّا بعدُ:
فمرحبا بِكُمْ وحياكُمُ اللهُ أَيّها الإخوةُ والأخواتُ بينَ أَيدينا قولهُ –جلَّ وَعَلا-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة: 185] بينَ اللهُ تَعالَى في هَذهِ الآيةِ أَصْحابُ الأَعْذارِ الَّذينَ خففَ اللهُ تَعالَى عنهُمْ ما فرضَهُ مِنَ الصِّيامِ في نهارِ رمضانَ بأَنْ أباحَ لهمُ الفطَرَ وأمرهمْ بِالقَضاءِ فَقالَ –جلَّ وَعَلا-: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] وقبلَ أَنْ نَتناوَلَ القِسمَ الثاني مِنَ هذهِ الآيةِ الكريمةِ وقَدْ تكلَّمْنا عنِ المرضِ قبلَ أَنْ نتناولَ السفرَ أشير إِلَى لطيفةٍ في تَكرارِ هَذهِ الآيةِ الكريمةِ أَوْ هَذا الجزءِ في مَوضعينِ في آياتِ الصِّيامِ، فاللهُ تَعالَى ذكرَ أوَّلا فرضَ الصِّيامِ علَى المؤمنينَ عامَّة فقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 183-184] ثمَّ قالَ جلَّ في عُلاهُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فجاءتِ الرخصةُ عندَ أولِ الفرضِ والتشريعِ لِلصيامِ ثمَّ تأَكَّدَ هَذا بتكرارهِ عِنْدما جاءَ فَرضَ الصَّومِ علَى جميعِ الناسِ دُونَ تخييرِ فقالَ –جلَّ وَعَلا-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] هَذا التكرارُ للرخصةِ وذِكْرُ أهلِ الأَعْذارِ إِنَّما هُو لتكريرِ المعنىَ السابقِ.
ولهذا قالَ –جلَّ وَعَلا-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] فهذا الحكمُ هُوَ مِنْ يُسرِ الشريعَةِ الَّذي ينتظمُ جميعَ أحكامِها فَلا يخرجُ عنهُ فردٌ منْ أَفرادِ أَحْكامِ هذهِ الشريعةِ المباركةِ الغرَّاءِ، لكِنْ تأمَّلْ ما الفرقُ بينَ السياقينِ؟ هُناكَ يَقولُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وهُنا يقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾[البقرة: 185] فأسقطِ النصُّ ذِكرَ منكُمْ العلةُ في هَذا هُوَ أَنَّ الخِطابَ في الآيةِ السَّابِقَةِ لِلمُؤمنينِ وقَدْ بعدُ ذكرهُمْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 183-184] أيها المخاطبونَ بِهذا الخِطابِ، أَمَّا الآيةُ الأُخْرَى فإنهُ لم يبعُدْ ذكرُ المقصودِينَ بالخطابِ حيثُ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185] أَيْ مِنكُمْ يا مَنْ خطبتمُ بِفرضِ الصِّيامِ إِذا شهدتُمُ الشهْرَ فَقالَ –جلَّ وعَلا-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] تكلَّمْنا عنِ المرضِ وَما يتصِلُ بهِ وأنهُ عُذرٌ يبيحُ الفِطْرَ ثُمَّ في هذهِ الآيةِ ذكرَ اللهُ تَعالَى ثاني الأَعْذارِ الَّتي تُبيحُ الفطرَ لأهْلِ الإِسْلامِ وَهُوَ السفرُ، لَكِنَّ اللهَ –جلَّ وَعَلا-في السفَرِ قالَ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 184] فذكرَ المرضَ وذكرَ السفرَ لكنهُ غايرَ في الصيغةِ وَذلِكَ أَنَّ المريضَ يُصيبُهُ المرضَ منْ غيرِ اخْتيارٍ فهوَ أَمْرٌ ينزلُ بِهِ دُونَ أَنْ يَختارهُ الإِنْسانُ، أَمَّا السفر ُفهُوَ أَمْرٌ اخِتْياريٌّ وذلِكَ قالَ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 184] وهَذا يدُلُّ عَلَى التمكُّنِ والاختيارُ في إيقاعِ هَذا العُذْرِ، السفرُ هُوَ مُبايَنةُ ومَكانُ الإِقامَةِ هَكذا عرفهُ أهْلُ اللغةِ، وهُوَ في الأَصْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ سَفرِ الشيءِ إِذا بانَ، فَالمسافِرُ بانَ وخرجَ عنْ مكانِ إِقامتهِ المأْلُوفِ المعْتادِ الَّذي استوطنهُ، وَهَذا السفرُ مظنةُ المشقَّةِ.
ولذلكَ جاءَ في الصحيحِ أنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ-قالَ: «السفرُ قطعةٌ منَ العذابِ» البُخاريُّ(1804), ومسلِم(1927)والمقصُودُ بِقطعةٍ مِنَ العَذابِ أَي الرهقُ والمشقةُ وَإِلَّا فقدْ يُسافرُ الإِنْسانُ لِلمتعةِ، لكِنْ بِطَبيعَةِ السفرِ في انتقالهِ وارتحالهِ وذَهابِهِ وَمجيئهِ وَسائِرِ ما يحتث بهِ أنهُ نوع ٌمنَ الألمِ الَّذِي يصيبهُ النفُوسُ، وليسَ المقصُودُ بِالعَذابِ هُنا العُقوبةُ إِنَّما المقصُودُ بِالعَذابِ هُنا ما يحصُلُ بِهِ لِلإنسانِ ألمٌ ولوْ لمْ يَكُنْ علَى وجهِ العُقوبَةِ ولوْ كانَ بِاخْتيارِ الإِنْسانِ.
فلَمَّا كانَ السفرُ عَلَى هَذِهِ الحالِ استوجَبَ أَنْ يُراعِىَ، فَجاءتْ الشريعةُ شريعةُ أَحكمِ الحاكمينَ مُراعيةً لحالِ المسافرِ فَخففَتْ عنهُ وَجعلتْ لهُ مِنَ التشريعِ ما يناسِبُ حالهُ رفقًا وَيُسرًا وسَماحةً ويُسْرًا.
اللهُ –جلَّ وَعَلا-يقولُ في هذهِ الآيةِ في فَرْضَ الصِّيامِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أي أنهُ لا يجبُ عليهِ أَنْ يَصُومَ رَمضانَ في نهارهِ وَفي وقتهِ المحدَّدِ وَذلِكَ أَنَّ حالهُ قَدْ تستوجِبُ التخفيفَ وَهَذا مِنْ حيثُ الأَصْلُ متفقٌ عليهِ بينَ أَهْلِ العلمِ لا خِلافَ بينهُمْ في أن السفَرَ مِنَ الأعذارِ المبيحَةِ لِلفطرِ، ولكنهُمْ اخْتلفُوا في قَضايا تتصِلُ بِهذا.
أولاًّ: اخْتلَفُوا فيما هُوَ السفرُ الَّذي يبيحُ الفِطْرَ، ثمَّ اختلَفُوا أَيُّهُما أفضلُ هَلْ يفطرُ أَوْ لا يفطِرُ؟ ثُمَّ اخْتلفُوا هلْ لوْ صامَ يجزئهُ الصومُ أوْ لا؟ مسائلُ عديدةٌ تتصلُ بهذهِ القضيةِ.
نحنُ في أولِ ما نستهلُّ نَقولُ: السفرَ الَّذِي يبيحُ القَصْرَ في الصَّلاةُ يبيحُ الفَطْرَ في الصيامِ.
إذًا بهذا نعلمُ أنَّ السفرَ الَّذي يبيحُ الفطرَ إِنَّما هُوَ السفرُ الَّذِي يبيحُ القصرَ، لأَنَّ الأصلَ في الرخصةِ هُوَ في الصلاةِ الَّتي تتكررُ يَوْميًا قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: 101] هذهِ رُخْصَةٌ جعلَها اللهُ تعالَى لِلمُسافرينَ في صلواتهِمْ.
إذًا السفرُ الَّذِي يبيحُ الفِطْرَ في رَمَضانَ هُوَ السفَرُ الَّذِي يبيحهُ القصرُ في الصَّلاةِ، ما يتصلُ بحكْمِ الصومِ للمسافرِ العلماء في الجملةِ فَرِيقانِ في هذهِ المسألةِينظر: المغني(3/157), بداية المجتهدِ(2/57), سبلُ السلامِ(1/574)؛ منهمْ مَنْ يَرى أنهُ لا يجوزُ الصِّيامُ في السفرِ وأَنَّ مَنْ صامَ فصيامُهُ مُردودٌ عليهِ وَهَذا ما ذَهَبَ إِليهِ جماعةٌ مِنَ الصَّحابةِ مِنْ أَشهَرِ مَنْ نقلَ عنهُ هَذا عبدُ الرحمنِ بْنِ عَوفِ حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البرِّ :"وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ" التمهيد(22/49) أيْ هجرَ الفُقهاءُ هَذا القولُ وَجاءَ أنهُ قولُ عُمرَ وقولُ أَبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ وَهُوَ مَذهبُ الظاهِريَّةِ أنَّهُ لا يَصِحُّ الصومُ في السفرِ بِناءً علَى قولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] فجعلَ فرضهُ العِدةَ مِنَ الأيامِ الأُخَرِ وَهِيَ الأيَّامِ الَّتي تَكُونُ في القَضاءِ، ولَيْسَ صِيامُ ما شهدهُ مِنْ شَهْرٍ، إِضافةً إلَى جملةٍ مِنَ الأَحادِيثِ استدلُّوا بِها ومنْها ما في الصحيحِ مِنْ حَدِيثِ جابرٍ أنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-لما أفطرَ وأخبرَ بأَنَّ قوْمًا قدْ صامُوا قالَ: «أولئِكَ العُصاةُ»مسلم(1114) ، وأيضًا ما في الصَّحيحينِ أنَّ النبيَّ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-منْ حدِيثِ ابْنِ عباسٍ قالَ: «ليسَ مِنَ البرِّ الصومُ في السفرِ» البُخاري(1946), ومسُلم(1115) واستدلُّوا بجملةٍ مِنْ الأَحاديثِ هَذا ما ذهَبَ إِليهِ هؤُلاءِ وهُوَ قولُ بعضِ أَهْلِ العلْمِ.
وأَمَّا عامةُ العلَماءِ وسُوَّادُ الفُقهاءِ فهِمَ عَلَى أنهُ يُباحُ الصومُ في السفرِ، إِلَّا أنهُمْ اختلَفُوا في أيُّهما أفضلُ هَلِ الأفضلُ أَنْ يصُومَ أَوْ أَنْ يُفطرَ؟ وذهبَ غالبُ الفُقهاءِ إِلَى أنَّ الصومَ أفضلُ إِذا لمْ تكنْ مشقةٌ وذلِكَ أَنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وَسلَّمَ-صامَ في سفرهِ وَجاءَ مِنْ أَحاديثِ جَماعةٍ منَ الصحابةِ حَديثِ ابنِ عباسٍ، حديثُ أنسٍ، حديثُ أَبي سعيدٍ الخدْرِيِّ، حديثُ جابرٍ وصفُوا حالَ النبيِّ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-وصيامهُ ومنهُمْ حديثُ أَبي ذرٍّ الَّذي وصَفَ فيهِ شدةَ الحرِّ قالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَابْنِ رَوَاحَةَ» البخاري(1945), ومسلم(1122).
فالأحاديثُ في هَذا كثيرةٌ فدلَّ هَذا علَى أَنَّ الصَّومَ في السفرِ أفضلُ لأنهُ فِعْلهُ –صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وسلَّمَ-.
هَكذا قالَ هَؤُلاءِ وذهَبَ طائفةٌ منْ أهْلِ العلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ الإِمامِ أَحْمدُ وَإِسْحاقُ بنْ رَاهويه وجماعةٌ مِنْ أَهْلِ العلمِ إِلَى أنَّ الفِطْرَ أفضلُ أخذًا بالرخصةِ، ولعمُومِ قولهِ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ-: «ليسَ مِنَ البرِّ الصَّوْمُ في السفَرِ» ولقولهِ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أولئكَ العُصاةُ»مسلم(1114) وما أشبهُ ذلِكَ منَ النُّصُوصِ.
والراجِحُ مِنَ الأَقْوالِ في مسألةِ أيِّهما أفضلُ؟ أنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى حالِ الإِنْسانِ، فإنْ كانَ يُقَوِّى عَلَى الصَّومِ فالأَفضلُ لهُ أَنْ يَصُومُ لاسِيِّما أنَّ هَذا يتحقَّقُ بهِ موافقةُ فضيلةُ الوقْتِ وأَيْضًا براءةُ الذمَّةِ وأَيْضًا العَملِ بِما جاءَ عَنِ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-منْ أنهُ صامَ في بعضِ أسفارهِ وقدْ قالَ أنسٌ خرجْنا مَعَ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-فمِنَّا الصائمُ وَمِنَّا المفطرُ فلَمْ يعِبِ الصائمُ علَى المفطرِ وَلا المفطرُ علَى الصائمِ.أخرجهُ مسلمٌ (1119).
وأمَّا إِذا كانتْ هذهِ السفرةُ فِيها منَ المشقَّةِ وَالعَناءِ ما يحتاجُ معهُ إِلَى الفِطْرِ، فَلا شكَّ أنَّ الأَفضلَ أَنْ يفطرَ أخْذًا بالرخصةِ وعمَلًا بالتوسعَةِ وَإِظْهارًا للرحمةِ، فإنَّ النبيَّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-لما شقَّ علَى الصَّحابةِ الصَّومُ قالَ: «أُولئِكَ العُصاةُ أولئكَ العُصاةُ» لما استمَرُّوا وقدْ أَفطرَ –صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-بلْ في الصَّحيحِ أنهُ لما رأَوْا رَجُلاً يقُولُ الصَّحابيُّ رأَىَ النبيُّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-زَحامًا وَرجلٌ قدْ ضلَّلَ فقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: صائمٌ فقالَ النبيُّ –صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: «ليسَ من البرِّ الصومُ في السفرِ» البُخاري(1946), ومسلم(1115) ويقولُ أنسٌ سافرْنا معَ النبيِّ –صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-في حرٍّ شديدٍ فلَمَّا نزلْنا سقطَ الصُّوانُ يعْني تعِبُوا مِنْ عَناءِ السَّفَرِ وقامَ المفْطِرُونَ فسَقَوُا الركَّابَ وَبَنَوُا الأَبنيةَ، فَقالَ النبيُّ –صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ-: «ذهَبَ المفْطِرونَ اليَوْمَ بالأجْرِ» البُخاريُّ(2890), ومسلِمٌ(1119).
فدلَّ هَذا علَى أنَّ الفِطْرَ قدْ يكُونُ أفضلَ مِنَ الصِّيامِ وَلهذا يرجعُ في هَذا إِلَى حالِ الإِنْسانِ وَالظرفِ المحيطِ بهِ وهُوَ الَّذِي يحدِّدُ أَيُّهِما أفضلُ لكنْ عَلَى كُلِّ حالٍ لوْ صامَ سواءٌ كانَ الأفضلُ الصومَ أوْ الفطرُ فصيامهُ صحيحٌ تبرأُ بهِ الذمةُ.
أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ الكريمِ أنْ يبلِّغَنا وإياكمْ رِضاهُ, وأَنْ يرزُقَنا وإِيَّاكُمُ العلمَ النافِعَ وَالعملَ الصالحَ وَصَلَّى اللهُ وسلَّمَ علَى نَبِيِّنا محمَّدٍ.






