×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / الحديث وعلومه / ورثة الأنبياء / الدرس(14) إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

يقول رحمه الله :قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن هذا الذي خلفه الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه". يقول رحمه الله في هذا المقطع :" قوله صلى الله عليه وسلم :«إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»"، يقول :" والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن هذا الذي خلفه الأنبياء هو العلم النافع"، والعلم النافع لا يوصف بأنه علم نافع إلا إذا أثمر عملا صالحا كما تقدم ، فليس المقصود بالميراث هنا كثرة المعلومات ، وكثرة المعارف فقط، فإن الوراثة التامة الحقيقية هي وراثة من جمع بين العلم والعمل والدعوة. هذه هي الوراثة الحقيقية للأنبياء، ومن كان حافظا للأحاديث عالما بالمسائل ولكنه لم يدع إليها، هذا له نصيب من الوراثة لكنه دون ذاك الذي جمع بين العلم والعمل والدعوة. فالوراثة ليست على نصيب واحد. الآن ورثة الميت الذين يرثونه يتفاوتون في نصيبه من الوراثة أو يتساوون؟ يتفاوتون، فالأم لها نصيب يختلف عن الولد وعن الزوجة، فهم يتفاوتون في نصيبهم من الميراث مع كونهم يشتركون في الإرث. كذلك العلماء يتفاوتون في نصيبهم من الميراث، أعلاهم نصيبا من ميراث النبوة هم الذين كملوا العلم بالله تعالى والعمل بالعلم ودعوة الخلق إلى هذين: إلى العلم والعمل. ثم قال رحمه الله:" ورأى ابن مسعود قوما في المسجد يتعلمون، فقال: رجل على أي شيء اجتمع هؤلاء، فقال ابن مسعود على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسمونه+++ أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 21)---. وخرج أبو هريرة رضي الله عنه إلى السوق فقال:لأهله تركتم ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا+++ رواه الطبراني في «الأوسط» 2/ 114 - 115 (1429). وقال الهيثمي في «المجمع» 1/ 124: رواه الطبراني وإسناده حسن، وقال العراقي في تخريج الإحياء (925): أخرجه الطبراني في المعجم الصغير بإسناد فيه جهالة أو انقطاع. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (83).---. فتركة النبي صلى الله عليه وسلم وميراثه هو هذا الكتاب الذي جاء به مع السنة المفسرة له، المبينة لمعانيه. وفي "صحيح البخاري"+++"صحيح البخاري"(5019).---عن ابن عباس أنه سئل أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء، قال :" ما ترك إلا ما بين الدفتين" - يعني دفتي المصحف. وفي الصحيح عن ابن أبي أوفى أنه سئل : هل وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، قال: وصى بكتاب الله، وخطب  صلى الله عليه وسلم في مرجعه من حجة الوداع فقال:«إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل» خرجه مسلم+++"صحيح مسلم"(2408).---. وفي المسند"+++"مسند أحمد" (2/172)، وإسناده ضعيف.--- عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال: «أنا النبي الأمي، قال ذلك ثلاث مرات، ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش وعوفيت أمتي ، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله، وحرموا حرامه». قوله صلى الله عليه وسلم :«إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم»، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم. وهذا يبين المراد بقوله تعالى ﴿وورث سليمان داوود﴾+++ سورة النمل: 16.---، وقوله تعالى عن زكريا أنه قال: ﴿ فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب﴾+++ سورة مريم: 6.---، إنما أريد به ميراث العلم والنبوة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالا ويتركونه. قال عليه السلام :« ما تركت بعد ومؤونة عاملي ونفقة عيالي فهو صدقة»+++ أخرجه البخاري (2776)، ومسلم (1760).---، وما ترك إلا درعه وسلاحه، وبغلته البيضاء، وأيضا جعلها صدقة، فلم يخلف سوى الذي بعث به. والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ردها صدقة على المسلمين.  وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث لجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، إنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والعلم النافع وتوريثه لأممهم.  وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« ما أوحى الله إلي أن اجمع المال وكن من التاجرين، ولكن أوحى إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، خرجه أبو نعيم+++ قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (1/420) :" رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين".---. وفي الترمذي وغيره عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها»+++ "سنن الترمذي "(2377).---. فقوله صلى الله عليه وسلم:«وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم»، فيه إشارة إلى أمرين: أحدهما: أن العالم الذي هو وراث للرسول حقيقة كما أنه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول  صلى الله عليه وسلم العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف ونحو ذلك مما ينتفع به بعده. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم نافع، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له»+++"صحيح مسلم"(1631).---. لأن تعليم العلم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره. والذين علمهم بمنزلة أولاده الصالحين فيدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاثة. والأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول  صلى الله عليه وسلم وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير، كما كان سهل التستري يقول :"من علامة حب السنة حب الآخرة، وبغض الدنيا، وأن لا يأخذ منها إلا زاده بلغة إلى الآخرة". وقال مالك بن دينار: " إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قص عليك بيته، رأيت حصيرة الصلاة ، ومصحفه، ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة". وكان الفضيل يقول:"احذروا عالم الدنيا لا يصدكم بسكره"، ثم قال:" إن كثيرا من علمائكم زيهم أشبه بزي كسرا وقيصر، أشبه منه بزي محمد  صلى الله عليه وسلم، إن محمد لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه.  وكان يقول :" العلماء كثير والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا". وهكذا كان حال العلماء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزؤوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العلم مع أن بعضهم كان يلبس لباسا حسنا، ويأكل أكلا متوسطا بعيدا من التقشف، كالحسن البصري فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحما فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله ويطعم كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس  في الدنيا وما زاحم على شيء منها قط. وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده ولا يعدون الدنيا شيئا، وما رأوا أشد احتقارا لأهل الدنيا منه، وكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول هو عليه، وليس في بيته قليل ولا كثير، حتى قال ابن عون : " إنما استبد الحسن الناس بالزهد في الدنيا، فأما العلم فقد شورك فيه". وكان الحسن يقول: " إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، المجتهد في العبادة، القائم بسنة محمد صلى الله عليه وسلم، من رأى محمدا فقد رآه غاديا ورائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإنما رفع له علم فشمر إليه". وكان سفيان الثوري أشد تقشفا في ملبسه من الحسن، حتى كان من يراه لا يعرفه يظنه من السؤال، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيبا، وإن لم يجد حلالا استف الرمل، وربما بقي ثلاثا لا يطعم شيئا مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة . وكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول :" أطعم الزنجي وكده". وكان أزهد الناس في الدنيا في زمانه، حتى كان يتعرى بمجلسه عن الدنيا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم في مجلسه". يقول رحمه الله :"قوله  صلى الله عليه وسلم «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم»"، هذا جزء من حديث أبي الدرداء الذي صلب هذه الرسالة في شرحه وبيانه، وبين أن قوله  صلى الله عليه وسلم "«إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم»،»، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم"، يعني لم ينقل الناس عن الأنبياء، ولم يأخذ الناس عن الأنبياء إلا العلم، وأما الدنيا فإنهم لم يتركوها لمن بعدهم إلا على وجه تابع لا أصلي، وإلا على وجه يكون به ظهور الدين، كما كان ذلك في سليمان وداود ﴿ وورث سليمان داوود﴾، ورثه في العلم والحكمة، وورثه في الملك، لكن هذا خاص بأولئك لأن بني إسرائيل كان تملكهم الأمراء وتسوسهم الأنبياء في غالب الأحوال . أما غالب حال الأنبياء صلوات اله وسلامه عليهم لم يكونوا يورثون من بعدهم الدنيا إنما يورثون العلم. يقول :" وهذا يبين المراد بقوله تعالى ﴿وورث سليمان داوود﴾"، وأن الوراثة التامة هي وراثة العلم، ووراثة الدين ووراثة النبوة، ليس فقط وراثة الملك، مع أن الملك كان تابعا، لكنه ليس هو الأصل. قال :" وقول الله تعالى عن زكريا: ﴿ فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب﴾"، المقصود وراثة العلم كما بين المؤلف :"إنما أريد به ميراث العلم والنبوة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالا ويتركونه". وذكر من الكلام في ذلك ما سمعناه في بيان أن العلماء إنما تركوا العلم. يقول :"وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث لجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، إنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والعلم النافع وتوريثه لأممهم"، فقوله «إنما ورثوا العلم»، الوراثة هنا ليست مختصة بمن يتلقى المال عن الميت ممن هم ذووا عصبة أو ذووا أنصبة من الأقارب وذوي الصلة بالميت. إنما المقصود بالوراثة هنا كل من أخذ عن النبي شيئا من الدين فإنه قد أخذ بنصيب من ميراث النبوة. وذكر بعد ذلك في قوله:«وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما»، أن هذا يتضمن أمرين، أو إشارة إلى أمرين: الأمر الأول أن العالم الذي هو وارث للرسول حقيقة كما أنه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول علما. وهذا فيه الندب للعلماء أن يشتغلوا بتعليم الناس وبذل هذا العلم، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث العلم للأمة، فينبغي لورثته وهم العلماء أن يورثوا هذا العلم من يأخذ عنهم بالتعليم والتأليف وسائر وسائل نشر دين الله تعالى، ونشر ما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذا المعنى الأول. يقول رحمه الله :"وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف"، وأشار إلى فضل ذلك في الحديث " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث". المعنى الثاني الذي يتضمنه قوله :« وإن العلماء ورثة الأنبياء»، " أن من كمال ميراث العالم للرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يخلف الدنيا"، لقوله  صلى الله عليه وسلم « وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما»، من كمال متابعة العالم للنبي أن لا يشتغل بجمع الدنيا ليرثها من خلفه ممن يرثه.  كما أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أهله، ولم يورث صلى الله عليه وسلم لذريته شيء، إنما ما ورثه كان فيئا للمسلمين، وهو شيء يسير قليل. هذا الذي ينبغي أن يكون عليه حال العالم فيما يتركه بعد موته أن يشتغل بترك العلم. يقول:"وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير". ثم ذكر طائفة من كلام العلماء في شأن الزهد في الدنيا، وأن الزهد في الدنيا هو مما يحصل به للإنسان السبق إذا انضاف للعلم.  فإن العالم إذا جمع إلى علمه زهدا في الدنيا كان ذلك سببا لانتشار نفعه وعظيم الأخذ عنه، فإن الناس تقبل قلوبهم على من يأنسون منه انصرافا عن الدنيا وميلا عنها أكثر من إقبالهم على أولئك الذين اشتغلوا بجمعها وشاركوا الناس في الحطام. فينبغي للعلماء أن يكونوا على هذه الحال، ولا يعني أن يكون العلماء ليس لهم رزق يستغنون به عن الناس، بل الاكتفاء عن الناس من المناقب التي يمدح عليها الشخص، ومما يندب إليه. لكن الكلام عن في الإقبال والاستكثار ، والمزاحمة على الدنيا، هذا هو الذي ينبغي أن يزهد فيه أهل العلم ممن ورثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم ذكر حال الحسن البصري رحمه الله في زهده، وهكذا سفيان. يقول:" وهكذا كان حال العلماء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد ، اجتزؤوا من الدنيا باليسير"، الذي يحفظ قواهم ويغنيهم عن الناس، " إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العلم مع أن بعضهم كان يلبس لباسا حسنا، ويأكل أكلا متوسطا بعيدا من التقشف".

تاريخ النشر:15 ربيع أولl 1440 هـ - الموافق 24 نوفمبر 2018 م | المشاهدات:13687
يقول رحمه الله :قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن هذا الذي خلفه الأنبياء هو العلم النافع فمن أخذ العلم وحصل له فقد حصل له الحظ العظيم الوافر الذي يغبط به صاحبه".
يقول رحمه الله في هذا المقطع :" قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»"، يقول :" والمراد بهذا أن العلماء ورثوا الأنبياء فيما خلفوه، وأن هذا الذي خلفه الأنبياء هو العلم النافع"، والعلم النافع لا يوصف بأنه علم نافع إلا إذا أثمر عملاً صالحاً كما تقدم ، فليس المقصود بالميراث هنا كثرة المعلومات ، وكثرة المعارف فقط، فإن الوراثة التامة الحقيقية هي وراثة من جمع بين العلم والعمل والدعوة.
هذه هي الوراثة الحقيقية للأنبياء، ومن كان حافظاً للأحاديث عالماً بالمسائل ولكنه لم يدع إليها، هذا له نصيب من الوراثة لكنه دون ذاك الذي جمع بين العلم والعمل والدعوة.
فالوراثة ليست على نصيب واحد.
الآن ورثة الميت الذين يرثونه يتفاوتون في نصيبه من الوراثة أو يتساوون؟ يتفاوتون، فالأم لها نصيب يختلف عن الولد وعن الزوجة، فهم يتفاوتون في نصيبهم من الميراث مع كونهم يشتركون في الإرث.
كذلك العلماء يتفاوتون في نصيبهم من الميراث، أعلاهم نصيباً من ميراث النبوة هم الذين كمَّلوا العلم بالله تعالى والعمل بالعلم ودعوة الخلق إلى هذين: إلى العلم والعمل.
ثم قال رحمه الله:" ورأى ابن مسعود قوماً في المسجد يتعلمون، فقال: رجل على أي شيء اجتمع هؤلاء، فقال ابن مسعود على ميراث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقتسمونه أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 21).
وخرج أبو هريرة رضي الله عنه إلى السوق فقال:لأهله تركتم ميراث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقتسم في المسجد وأنتم هاهنا رواه الطبراني في «الأوسط» 2/ 114 - 115 (1429). وقال الهيثمي في «المجمع» 1/ 124: رواه الطبراني وإسناده حسن، وقال العراقي في تخريج الإحياء (925): أخرجه الطبراني في المعجم الصغير بإسناد فيه جهالة أو انقطاع. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (83)..
فَترِكة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وميراثه هو هذا الكتاب الذي جاء به مع السنة المفسرة له، المبينة لمعانيه.
وفي "صحيح البخاري""صحيح البخاري"(5019).عن ابن عباس أنه سئل أترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شيء، قال :" ما ترك إلا ما بين الدفتين" - يعني دفتي المصحف.
وفي الصحيح عن ابن أبي أوفى أنه سئل : هل وصَّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء، قال: وصَّى بكتاب الله، وخطب  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرجعه من حجة الوداع فقال:«إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل» خرَّجه مسلم"صحيح مسلم"(2408)..
وفي المسند""مسند أحمد" (2/172)، وإسناده ضعيف. عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً كالمودع فقال: «أنا النبي الأمي، قال ذلك ثلاث مرات، ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش وعوفيت أمتي ، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله، وحرموا حرامه».
قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورَّثوا العلم»، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم.
وهذا يبين المراد بقوله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ سورة النمل: 16.، وقوله تعالى عن زكريا أنه قال: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ سورة مريم: 6.، إنما أريد به ميراث العلم والنبوة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالاً ويتركونه.
قال عليه السلام :« مَا تَرَكْتُ بَعْدَ وَمَؤُونَةِ عَامِلِي ونَفَقَةِ عيالي فَهْوَ صَدَقَةٌ» أخرجه البخاري (2776)، ومسلم (1760).، وما ترك إلا درعه وسلاحه، وبغلته البيضاء، وأيضاً جعلها صدقة، فلم يخلف سوى الذي بُعث به.
والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ردها صدقة على المسلمين.
 وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث لجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، إنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والعلم النافع وتوريثه لأممهم.
 وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:« ما أوحى الله إليَّ أن اجمع المال وكن من التاجرين، ولكن أوحى إليَّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»، خرَّجه أبو نعيم قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (1/420) :" رواه ابن مردويه في التفسير من حديث ابن مسعود بسند فيه لين"..
وفي الترمذي وغيره عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:« ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها» "سنن الترمذي "(2377)..
فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم»، فيه إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن العالم الذي هو وراث للرسول حقيقة كما أنه ورث علمه فينبغي أن يورِّثه كما ورَّث الرسول  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العلم، وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف ونحو ذلك مما يُنتفع به بعده.
وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم نافع، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له»"صحيح مسلم"(1631)..
لأن تعليم العلم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره.
والذين علمهم بمنزلة أولاده الصالحين فيدعون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثلاثة.
والأمر الثاني: أن من كمال ميراث العالم للرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يخلف الدنيا كما لم يخلفها الرسول  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير، كما كان سهل التستري يقول :"من علامة حب السنة حب الآخرة، وبغض الدنيا، وأن لا يأخذ منها إلا زاده بلغة إلى الآخرة".
وقال مالك بن دينار: " إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قصَّ عليك بيته، رأيت حصيرة الصلاة ، ومصحفه، ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر الآخرة".
وكان الفضيل يقول:"احذروا عالم الدنيا لا يصدكم بسكره"، ثم قال:" إن كثيراً من علمائكم زيهم أشبه بزي كسرا وقيصر، أشبه منه بزي محمد  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن محمد لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، ولكن رُفِع له علم فشمَّر إليه.
 وكان يقول :" العلماء كثير والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً".
وهكذا كان حال العلماء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد، اجتزؤوا من الدنيا باليسير إلى أن خرجوا منها، ولم يخلِّفوا سوى العلم مع أن بعضهم كان يلبس لباساً حسناً، ويأكل أكلاً متوسطاً بعيداً من التقشف، كالحسن البصري فإنه كان يأكل اللحم كل يوم، كان يشتري بنصف درهم لحماً فيطبخه مرقة طيبة فيأكل منه هو وعياله ويطعم كل من دخل عليه، وكان يلبس الثياب الحسنة، وهو مع هذا أزهد الناس  في الدنيا وما زاحم على شيء منها قط.
وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده ولا يعدون الدنيا شيئاً، وما رأوا أشد احتقاراً لأهل الدنيا منه، وكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول هو عليه، وليس في بيته قليل ولا كثير، حتى قال ابن عون : " إنما استبد الحسن الناس بالزهد في الدنيا، فأما العلم فقد شورك فيه".
وكان الحسن يقول: " إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، المجتهد في العبادة، القائم بسنة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من رأى محمداً فقد رآه غادياً ورائحاً، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإنما رُفِع له علم فشمَّر إليه".
وكان سفيان الثوري أشد تقشفاً في ملبسه من الحسن، حتى كان من يراه لا يعرفه يظنه من السُّؤال، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيباً، وإن لم يجد حلالاً استف الرمل، وربما بقي ثلاثاً لا يطعم شيئاً مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة .
وكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول :" أطعم الزنجي وكدَّه".
وكان أزهد الناس في الدنيا في زمانه، حتى كان يتعرى بمجلسه عن الدنيا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم في مجلسه".
يقول رحمه الله :"قوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورَّثوا العلم»"، هذا جزء من حديث أبي الدرداء الذي صلب هذه الرسالة في شرحه وبيانه، وبيَّن أن قوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "«إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورَّثوا العلم»،»، يريد أنهم لم يورث عنهم سوى العلم"، يعني لم ينقل الناس عن الأنبياء، ولم يأخذ الناس عن الأنبياء إلا العلم، وأما الدنيا فإنهم لم يتركوها لمن بعدهم إلا على وجهٍ تابع لا أصلي، وإلا على وجه يكون به ظهور الدين، كما كان ذلك في سليمان وداود ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، ورثه في العلم والحكمة، وورثه في الملك، لكن هذا خاص بأولئك لأن بني إسرائيل كان تملكهم الأمراء وتسوسهم الأنبياء في غالب الأحوال .
أما غالب حال الأنبياء صلوات اله وسلامه عليهم لم يكونوا يورثون من بعدهم الدنيا إنما يورثون العلم.
يقول :" وهذا يبين المراد بقوله تعالى ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾"، وأن الوراثة التامة هي وراثة العلم، ووراثة الدين ووراثة النبوة، ليس فقط وراثة الملك، مع أن الملك كان تابعاً، لكنه ليس هو الأصل.
قال :" وقول الله تعالى عن زكريا: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾"، المقصود وراثة العلم كما بيَّن المؤلف :"إنما أريد به ميراث العلم والنبوة لا المال، فإن الأنبياء لا يجمعون مالاً ويتركونه".
وذكر من الكلام في ذلك ما سمعناه في بيان أن العلماء إنما تركوا العلم.
يقول :"وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث لجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم، إنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والعلم النافع وتوريثه لأممهم"، فقوله «إنما ورثوا العلم»، الوراثة هنا ليست مختصة بمن يتلقى المال عن الميت ممن هم ذووا عصبة أو ذووا أنصبة من الأقارب وذوي الصلة بالميت.
إنما المقصود بالوراثة هنا كل من أخذ عن النبي شيئاً من الدين فإنه قد أخذ بنصيب من ميراث النبوة.
وذكر بعد ذلك في قوله:«وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهماً»، أن هذا يتضمن أمرين، أو إشارة إلى أمرين:
الأمر الأول أن العالم الذي هو وارث للرسول حقيقة كما أنه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورَّث الرسول علماً.
وهذا فيه الندب للعلماء أن يشتغلوا بتعليم الناس وبذل هذا العلم، فكما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَّث العلم للأمة، فينبغي لورثته وهم العلماء أن يورِّثوا هذا العلم من يأخذ عنهم بالتعليم والتأليف وسائر وسائل نشر دين الله تعالى، ونشر ما تلقوه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
هذا المعنى الأول.
يقول رحمه الله :"وتوريث العالم العلم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف"، وأشار إلى فضل ذلك في الحديث " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث".
المعنى الثاني الذي يتضمنه قوله :« وإن العلماء ورثة الأنبياء»، " أن من كمال ميراث العالم للرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يخلف الدنيا"، لقوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهماً»، من كمال متابعة العالم للنبي أن لا يشتغل بجمع الدنيا ليرثها من خلفه ممن يرثه.
 كما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أهله، ولم يورث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لذريته شيء، إنما ما ورثه كان فيئاً للمسلمين، وهو شيء يسير قليل.
هذا الذي ينبغي أن يكون عليه حال العالم فيما يتركه بعد موته أن يشتغل بترك العلم.
يقول:"وهذا من جملة الاقتداء بالرسول وبسنته في زهده في الدنيا وتقلله منها، واجتزائه منها باليسير".
ثم ذكر طائفة من كلام العلماء في شأن الزهد في الدنيا، وأن الزهد في الدنيا هو مما يحصل به للإنسان السبق إذا انضاف للعلم.
 فإن العالم إذا جمع إلى علمه زهداً في الدنيا كان ذلك سبباً لانتشار نفعه وعظيم الأخذ عنه، فإن الناس تقبل قلوبهم على من يأنسون منه انصرافاً عن الدنيا وميلاً عنها أكثر من إقبالهم على أولئك الذين اشتغلوا بجمعها وشاركوا الناس في الحطام.
فينبغي للعلماء أن يكونوا على هذه الحال، ولا يعني أن يكون العلماء ليس لهم رزق يستغنون به عن الناس، بل الاكتفاء عن الناس من المناقب التي يمدح عليها الشخص، ومما يندب إليه.
لكن الكلام عن في الإقبال والاستكثار ، والمزاحمة على الدنيا، هذا هو الذي ينبغي أن يزهد فيه أهل العلم ممن ورثوا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثم ذكر حال الحسن البصري رحمه الله في زهده، وهكذا سفيان.
يقول:" وهكذا كان حال العلماء الربانيين كالحسن وسفيان وأحمد ، اجتزؤوا من الدنيا باليسير"، الذي يحفظ قواهم ويغنيهم عن الناس، " إلى أن خرجوا منها، ولم يخلفوا سوى العلم مع أن بعضهم كان يلبس لباساً حسناً، ويأكل أكلاً متوسطاً بعيدا من التقشف".

الاكثر مشاهدة

6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات63158 )
11. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53254 )
12. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات52807 )

مواد مقترحة

369. Jealousy