×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / محاضرات المصلح / محاضرة أثقل شيء في الميزان

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد فحي الله الإخوان الأكارم وأيضا الإخوة والأخوات خلف الشاشات فأسأل الله تعالى أن يكون هذا اللقاء لقاءا نافعا مباركا.

عنوان هذا اللقاء: أثقل شيء في الميزان.

فعن أي شيء نتحدث، إننا نتحدث عن الميزان الذي هو أخطر الموازين، إنه الميزان الذي يفترق فيه الناس إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، إنه الميزان الذي يقيمه الله تعالى يوم القيامة، فيزن به الدقيقة والجليلة، النقير والقطمير، كل ما كان من العمل الظاهر والباطن سيوزن في ذلك الميزان الذي شأنه العظيم، يقول فيه رب العالمين: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}+++سورة الأنبياء، الآية 47---، هذا الميزان أمره جليل ذكره الله في مواضع عديدة من كتابه، وبين انقسام الناس واختلاف أحوالهم في نتيجة هذا الميزان، {فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11)} +++سورة القارعة---.

إذا، نتيجة هذا الوزن ما يترتب على هذا القياس هو السعادة لمن قفلت موازينهم والشقاء لمن خفت موازينهم، لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الميزان تتفاوت فيه الأعمال، فليس العمل فيه على نحو واحد، بل هو على درجات ومراتب، لذلك العاقل حينما يعرف أنه سيقدم على مقام، وعلى موقف يوزن فيه عمله ما الذي سيفكر فيه؟، إنه سيفكر في أثقل ما يرجح به هذا الميزان، ما هو الشيء الذي إذا استصحبه معه وإذا جاء به إلى ذلك الموقف وإذا وضع في كفة الميزان رجح، هذا السؤال يسأله كل واحد منا اليوم، لماذا؟، لأننا اليوم في مقام التزود، اليوم نستطيع أن نستصحب معنا ما يوزن، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)} +++سورة الزلزلة---، هذا العمل هو الذي سيوزن يوم القيامة، فإن الوزن يوم القيامة إنما هو للأعمال بالدرجة الأولى، يوزن العاملون صحيح، وتوزن صحائف الأعمال صحيح، لكن ذلك كله يرجع إلى وزن العمل وثقله.

لهذا من المهم أيها الإخوة والأخوات أن نسأل أنفسنا ما هو أثقل شيء في الميزان؟ حتى نستطيع أن نستكثر منه، والله تعالى يقول: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}+++سورة البقرة الآية: 197---، أثقل شيء في الميزان هو صلتك بالله تعالى، توحيدك له جل في علاه، فإن أثقل عمل ترجح به الموازين يوم القيامة هو مدى ما بينك وبينه من صلة وعلاقة، ومفتاح صلاح العلاقة بينك وبين الله عز وجل هو كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، إنها كلمة عظيمة كثير من الناس يستهين بها، ويظنها كلمة تقال لا معنى لها، كلمة تقال لا تؤثر في حال الإنسان ومآله، وهذا جهل بحقيقة هذه الكلمة، سعادة الدنيا وفوز الآخرة كله منوط بتحقيق معنى هذه الكلمة، لا إله إلا الله أثقل شيء في الميزان.

جاء في مسند الإمام أحمد، وعند الترمذي بإسناد  لا بأس به من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل يؤتى به يوم القيامة فتنشر له دواوين، كل ديوان وكل سجل مد البصر، يعني طويل، ينتهي المدى البصري والديوان لم ينته، كل هذه الدواوين الممتدة تضمنت واحتوت أعمالا تسود منها الوجوه، فيقرر بها في ذلك اليوم الذي لا يظلم الناس فيه شيئا، {إن الله لا يظلم الناس شيئا}+++سورة يونس الآية:44---، يقرر بتلك الأعمال التي في هذه الدواوين، فيقال له هل تنكر منها شيئا فيقول لا، لا يتمكن من الإنكار إن الشهود حاضرون، فيشهد عليه الملائكة، وتشهد عليه جوارحه، وينطق الله تعالى جلده وأعضاءه لتشهد عليه، {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22)} +++سورة فصلت الآية 22---.

يظن الإنسان أن هذه الأعمال التي تصدر عنه قولا وعملا تذهب هباءا لا تسجل ولا تقيد، وهذا من جهل الإنسان بحقيقة الواقع، فإنه: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18)} +++سورة ق الآية 18---، وما يصدر عن الإنسان من دقيق أو جليل، ظاهر أو باطن، إلا وهو في سجل مقيد يقول ربنا جل وعلى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}+++سورة الجاثية، الآية 29---، فكل شيء في سجل مدون، هذا الرجل الذي جيء بتسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، كل سجل من هذه السجلات طوله إلى انتهاء المد البصري تضمنت سيئات، فيقال له هل عندك من حسنة، يفكر في هذه الدهشة، أي حسنة تقابل هذا السجل الطويل من السيئات والأخطاء، فيقول يا ربي لا، لا يذكر حسنة، فيقول الله تعالى له: {إنك لن تظلم من عملك اليوم شيئا}، فيؤتى ببطاقة، هذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، وتخيل سجلات مد البصر وبطاقة!، فتوضع السجلات في كفة، ويؤتى بهذه البطاقة التي فيها لا إله إلا الله وتوضع في كفة فتطيش تلك السجلات+++[أخرجه الترمذي في سننه(2639)، وحسنه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي]---، تطيش بمعنى تتطاير، تكون هباءا، لا وجود لها، تثقل تلك البطاقة بتلك السجلات، كل مسلم له بطاقة، لكن هذه البطاقة يختلف وزنها باختلاف مضمونها، الآن أضرب لكم مثلا، كثير من الناس يحمل بطاقات صرف ائتماني، أو بطاقات صراف، هل هذه البطاقات في القدرة والقوة والثقل سواء أم مختلفة؟، مختلفة باختلاف الأرصدة، كذلك هذه البطاقة التي هي لا إله إلا الله لكل مسلم، لكن رصيدها وثقلها في الأعمال التي تكون في القلوب، وتترجم على الجوارح مختلفة وبذلك يتفاوت الناس في ثقل هذه البطاقة في موازين الأعمال، لهذا ينبغي لنا أن نحقق معنى لا إله إلا الله، حتى نفوز ببطاقة تثقل بسجلات الخطأ والتقصير والهفوات والسيئات، بحاجة إلى بطاقة صادقة يكون فيها القلب موقنا بلا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله، معناها لا معبود حق إلا الله.

هذا الكلام نظري قد نستطيع أن نحفظه وأن نقوله، وهو مفتاح العمل، لكن من المهم أن لا نقتصر في معنى لا إله إلا الله على قول اللسان وإدراك المعنى اللغوي، لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ليس في الوجود معبود يستحق أن يعبد ويوحد ويتوجه له ويقصد سوى الله، نحن قد نستخف بهذا المعنى، ونقول هذا معنى يدركه الناس، لكن للأسف أنه إذا تلفت في حالة الناس شرقا وغربا وجدت أن هذه الكلمة قد غاب نورها وانطمس ضياؤها في قلوب كثير من الناس، بلدان بملايين البشر يعبدون أصناما، وقد تقول نحن لا نشاهد، إذا كنت لا تشاهد فهذا لا يعني عدم الوجود، فمن يعبد الأصنام قارات بأمم من الناس يعبدون غير الله بشتى صور العبادة التي كانت في الجاهلية.

كون الله يسر لك ووجدت في بلد، وخلقت مسلما من أبوين مسلمين، فهذه نعمة عظمى لا تدركها إلا إذا عرفت قدر من فقد هذه النعمة وغابت عنه أضواؤها وأنوارها، لا إله إلا الله شفاء لما في القلوب، لا إله إلا الله أحوج ما يكون الناس اليوم بل على مر العصور إلى هذه الكلمة، هم بحاجتها ولذلك تجد أن المرسلين من نوح عليه السلام إلى خاتمهم كلهم يدعون الناس إلى هذه الكلمة، لا إله إلا الله.

إن لا إله إلا الله مفتاح الجنة، والجنة لا تفتح لإنسان جاء بكلمة مجردة عن معناها، إنما تفتح لمن عرف هذه الكلمة فامتلأ قلبه محبة لله، امتلأ قلبه تعظيما لله.

لا إله إلا الله، لا معبود ولا محبوب ولا معظم إلا الله جل في علاه، هذه أثقل شيء في الميزان، هذه إذا استقرت في القلب استنار القلب، أضاء الفؤاد، أشرق الصدر، وعند ذلك ينشرح ويبتهج، وعنده يترجم ذلك إلى العمل بالصلاح والاستقامة، يقول الله جل في علاه: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125)} +++سورة الأنعام الآية :125---، أي كأنما يتنفس في منطقة عالية، يأخذ نفسا عميقا وحصيلته من ما يحتاجه من هذا النفس من الأكسجين شيء يسير قليل، ولذلك تجده في لهث شديد، لأن ما يأخذه من الهواء لا يكفي ما يحتاجه البدن، هذا هو حال من أعرض عن الإسلام.

الإسلام مفتاحه هذه الكلمة ولذلك كان دخول الإسلام بلا إله إلا الله، أثقل شيء في الميزان أن تحقق هذه الكلمة في قلبك، وإذا حققتها صلح عملك تبعا، ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب))+++[صحيح البخاري(52)، ومسلم(1599/107)]---، فاملأ قلبك بمعنى "لا إله إلا الله"، انظر إلى هذه الكلمة، هذه الكلمة مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، هذه الكلمة بها تطيب القلوب، بها تستقيم الأعمال، بها تصلح الأحوال، بها تبلغ مراتب السعداء وتنجو من دركات الشقاء.

إن "لا إله إلا الله" كلمة لا عدل لها في العمل فهي أثقل شيء في الميزان، لكن هذه الكلمة لا يمكن أن تتحقق ثقلا في الميزان إلا إذا جيء بمقتضياتها، ومن أعظم مقتضياتها صلاح ما بينك وبين الخلق، صلاح ما بينك وبين الناس، "لا لا إله إلا الله" تقتضي أن تكون رحمة للناس، لذلك يقول الله تعالى في صفة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } +++سورة الأنبياء الآية :107---، فهو رحمة للناس كافة، البشرية عامة، الموافق والمخالف، من صدقه ومن كذبه، كل تفيء ظلال ما جاء به من الرحمة والهداية، هذا القرآن العظيم نور يهدي للتي هي أقوم في صلة الإنسان بالله عز وجل.

وهذا الجزء الأول الذي تحدثنا عنه قبل قليل فيما يتعلق بأثقل شيء في الميزان، أثقل شيء في الميزان تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، أثقل شيء في الميزان من ما يتعلق في معاملة الخلق حسن الخلق، فإن حسن الخلق أثقل شيء في الميزان، جاء ذلك في الصحيح، في ما رواه الترمذي، وكذلك في ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق))+++[أخرجه الترمذي في سننه(2003)، وصححه الألباني في صحيح الحامع(5721)]---، ما في شيء فيما يتعلق بالثقل في الميزان من الأعمال المتعلقة بالخلق أعظم ثقلا وأقوى رجوحا من حسن الخلق.

لا تستغرب، قد يقول القائل: يعني حسن الخلق تسلك فيه أمورك مع الناس، تصلح فيه أحوالك في ما بينك وبين الناس، لكن ما دخل هذا، ما صلة هذا بالأجر والثواب؟، صلة هذا بالأجر والثواب أن الشريعة جاءت بأمرين اعقد عليهما أصابعك:

الأمر الأول: إصلاح ما بينك وبين الله عز وجل.

والأمر الثاني: إصلاح ما بينك وبين الخلق.

ليست الشريعة ولا الدين فقط أن تكون صلتك بالله حسنة، ثم بعد ذلك صلتك بالناس على أسوأ ما يكون، أبدا، صلتك بالله إنما تطيب وتحسن صلتك بالناس، لهذا جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة في المسند، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله))+++[أخرجه الترمذي في سننه(1954)، وصححه]---، ما الرابط؟، الرابط أنه من كانت صلته بالناس رديئة فإنه لن يكون حسن الصلة بالله عز وجل.

وهرقل لما جاءه أبو سفيان وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أخلاقه، فقال له: هل عهدتم عليه كذبا؟، قال له أبو سفيان: لا، لم نعهد عليه كذبا، انظر إلى رجاحة العقل والاستدلال، قال لم يكن ليدع الكذب الناس ويكذب على الله، هذا يدل على ماذا؟، على صدقه، فإن معاملة الإنسان للناس هي صورة من معاملته مع الله عز وجل، فمن كان حسن الصلة بالناس في عسره ويسره، في منشطه ومكرهه، في ظاهره وباطنه، ليست علاقات مصلحية أو علاقات وقتية، إنما علاقات أصيلة في معاملته، لأنه يسأله عن أربعين سنة عرفوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، هل عهدتم عليه كذبا، ممكن الواحد يحفظ نفسه عن الكذب لمصلحة مدة معينة، أشهر سنة، في معاملة شخص معين، لكن معاملة كل الناس في كل الوقت!، لا يكون هذا إلا من صادق، فقال لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"+++[صحيح البخاري(2941)، ومسلم(1773/74)]---، فإنه لا يمكن أن يكون هذا.

لذلك ثق تماما أن تعامل الإنسان مع الناس هو صورة مصغرة عن علاقته بالله عز وجل، ولا أقصد بذلك العلاقات المصلحية المؤقتة أو المحدودة بفلان أو فلان، إنما العلاقة العامة، السجية العامة، الخلق العام المستصحب مع القريب والبعيد والموافق والمخالف ومن تحب ومن تكره، عند ذلك إذا كنت على حسن في صلتك بهؤلاء فأنت على حسن بصلتك بالله.

الأخلاق ركن أكيد في الديانة، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث أبي هريرة:((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق))+++[أخرجه أحمد في مسنده(8952)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2349)]---، وهذا يؤكد على ضرورة الأخلاق، ((إنما بعثت لأتمم)) أي: لأكمل وأرتقي بالبشرية إلى الأخلاق الصالحة، لهذا لا يمكن أن يكون الإنسان صالحا وهو سيء الخلق مع الناس.

لا تستغرب أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل حسن الخلق من خصال وشعب الإيمان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله))، لأن هذا مفتاح الصلاح في حياة الإنسان كلها، لذلك كانت أعلى شعب الإيمان قول "لا إله إلا الله"، ((وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))+++[صحيح مسلم(25/58)]---، إماطة الأذى عن الطريق معاملة مع الخلق، فأنت تزيل الأذى عن الطريق لتنفع الناس وتميط الأذى عنهم، والحياء شعبة من الإيمان، الإيمان يتعلق بمعاملة من؟، يتعلق بمعاملة الله، ويتعلق بمعاملة الناس، فإن الإنسان يستحي من الله أن يقع في ما يغضبه، ويستحي من الناس في معاملتهم بسوء أو شر.

لهذا من المهم أيها الإخوة والأخوات أن نعرف أن الأخلاق ذات شأن أكيد في تقويم الناس، ليس فقط في الدنيا بل في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته _والأمانة جزء من الخلق_ فزوجوه))+++[أخرجه الترمذي في سنه(1084)، وحسنه الألباني في المشكاة(3090)]---، جعل معيار القبول منوطا بالديانة المتصلة بعلاقة الإنسان بالله، والأمانة المتعلقة بأداء الحقوق وحسن التعامل مع الخلق، فإنه معيار لقياس من يقبل في الارتباط به ومن يرد.

لذلك يقول ابن القيم بعد مجموعة من الأحاديث التي أفادت هذا المعنى قال: "من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين"+++[مدارج السالكين2/294]---، قاعدة لو تفكرنا فيها لكانت عونا لنا في تقويم أخلاقنا وتصحيح مسارنا، من زاد عليك في الخلاق بحسنها وطيبها وجمالها زاد عليك في الدين، أي زاد عليك في القرب من الله عز وجل، زاد عليك في التدين، مقياس التدين عندما يكون واضحا للناس، وأنه ليس فقط صورة أو منظر، إنما هو حقيقة ومخبر مع الإتيان بالظاهر سيتغير المقياس، سيكون الميزان مختلفا، نحن نقيس الناس اليوم في غالب معاملاتنا بالظواهر فيقال: فلان ما شاء الله مستقيم، لماذا؟، لأنه والله كان ظاهره على صلاح في بعض الأعمال، لحية وثوب مشمر عن الكعبين، وهذا غاية معيار التدين عند بعض الناس، وهذا غلط، وتجده سيء المعاملة، فظ الأخلاق، لا يحفظ الأمانات، يخون، يكذب، وهذه ليس لها أثر، في حين أن هذه من كبائر الذنوب وعظائم الإثم.

الأخلاق منظومة تتعلق بطيب الجوهر وما يصدر عن الإنسان من عمل، حتى في ما يتعلق بمظهره وشكله، بالتأكيد أن لها مدخلا في القياس، لكن ليس فقط محصورة بصورة معينة، أو بنمط معين من المظهر، بل في كل من يصدر عنه من قول أو عمل ومعاملة مع موافق أو مخالف، لأنه أحيانا نجد الإنسان حسن المعاملة مع موافق، لكنه مع المخالف على خلاف ذلك، وبعض الناس يعامل أصحابه وأصدقاءه ومن يوافقونه في العمر أو في الاهتمامات بنمط، في حين أن معاملته مع زوجه مع ولده مع والديه على خلاف ما يعامل به أصحابه، وهذا اختلال في حسن الخلق المطلوب، حسن الحلق المطلوب من المؤمن لا يتقيد بصورة، ولا يتقيد بظرف، ولا يتقيد بشهادة، بل يكون في الغيب والشهادة، يكون مع القريب والبعيد، يكون مع الموافق والمخالف، يكون عنوانه أين رضى الله في معاملتي، يعامل الله في الخلق، ولا يعامل الخلق في الله، وهذا معيار السعادة، من أراد أن يطيب خلقه ويحسن معاملته للناس، لا تنتظر من الناس ردا ولا جزاءا، عامل الله في الخلق.

لذلك يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "معيار السعادة في معاملة الناس أن تعامل الله فيهم"+++[مجموع الفتاوى(1/51)]---، ما معنى تعامل الله فيهم؟، يعني أن تكون ما تأتيهم به من الأخلاق والأقوال تنظر فيه إلى الجزاء من الله، لا تنظر فيه إلى جزاء الناس، كما قال الله تعالى في وصف الأبرار: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} +++سورة الإنسان الآية :9---، عند ذلك ينشرح صدرك إلى الإتيان بكل خصلة حميدة، وبكل عمل طيب دون أن تنتظر مقابلا من الناس.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يضرب أعلى الأمثال في حسن الخلق، فقد شهد له ربه فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم} +++سورة القلم الآية :4---، يشهد الله له بكمال الأخلاق وطيبها، كيف كان يعامل الناس صلى الله عليه وسلم؟، كان رحمة، يعاملهم على أكمل ما يكون من الصبر والأناة وبذل الإحسان للناس، حتى إن الأعراب كانوا يسيئون إليه في المعاملة ويضطرونه إلى الضيق في كثير من المعاملات ومع ذلك يصبر ولا يقابلهم إلا بالابتسامة، حتى إنهم في إحدى المواقف جروا رداءه فأثر الرداء في عاتقه من شدة ما جبذوه صلى الله عليه وسلم، وكان يلتفت إليهم ويقول: ((ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم))+++[صحيح البخاري(1469)، ومسلم(1053/124)]---، كانوا يطلبون منه العطاء، ويطلبون منه أن يعطيهم مما أفاء الله تعالى عليه بهذه الفظاظة وهذه الغلظة، وكان يقابل ذلك بالابتسامة والصبر عليهم والتأني فيهم، فكان -صلى الله عليه وسلم- في غاية طيب الخصال، وحسن معاملة القريب والبعيد، والمخالف والموافق، المنافقون كانوا يؤذونه كل الأذى ومع هذا يسعى لهم بكل إحسان.

وأذكر في طيب أخلاقه مع المخالفين حتى لا يقال إن حسن الخلق هو أن تعامل من توافق ومن تحب بالإحسان، بل حتى من تكره، عبد الله بن أبي رأس المنافقين وكان عظيم الكيد والأذى للنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى آذاه في فراشه، فسعى باتهام عائشة رضي الله عنها  مما برأها الله تعالى به، فما كان منه صلى الله عليه وسلم لما بلغ الأذى المبلغ العظيم إلا أن قال:(( من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي))+++[أخرجه البخاري(2661)]---، على المنبر يقولها صلى الله عليه وسلم، ولم يسمه، وكلهم قد عذروه لو فعل ما فعل، لكنه آثر الصبر وراعى المصلحة في السكوت عنه؛ لئلا يترتب على ذلك مفسدة أعظم.

هذا في حياته، طيب لما مات عبد الله بن أبي كيف عامله صلى الله عليه وسلم؟ ابن عبد الله بن أبي من المسلمين ومن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إن أبي قد مات، وإني أحب أن تشهده، فلبى النبي صلى الله عليه وسلم طلبه، مع أن الميت رأس النفاق الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء إليه وقد أدخل القبر، كان يمكن أن يقف النبي صلى الله عليه وسلم على قبره وينصرف وانتهت المسألة، لا، حقق رغبة عبد الله بن عبد الله بن أبي في أن يشهد جنازة والده، لكن النبي صلى الله عليه وسلم فعل أمرا لم ينقل أنه فعله مع غير عبد الله، انظر إلى الكمال في حسن المعاملة والصبر وحمل النفس على خلاف ما تقتضيه الطبيعة من الانتقام وعدم الرغبة في الإحسان إلى من آذاك، أمر به فأخرج من قبره وكان قد كفن، ففتح النبي صلى الله عليه وسلم كفنه، وأعطاهم ثوبه صلى الله عليه وسلم ليشعر به ليكن في كفنه مما يلي جسده، ثم أمره به فدفن.+++[أخرجه ابن حبان في صحيحه(3176)]---

هذه المعاملة العالية، هذا النمط من السمو في التعامل مع المخالف ليس شيئا عاديا، لا يمكن أن يفعله إنسان يرجو مصلحة من الخلق، إنما لا يفعله على وجه الدوام والاستمرار إلا من يعامل الله فيهم، إلا من كان كما الله -عز وجل- في وصفه: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } +++سورة الأنبياء الآية :107---، لهذا من المهم أيها الإخوة وأيتها الأخوات أن نعي أن الأخلاق الحسنة من ما ينبغي أن نتخلق به، وأن نعمل على تربية أنفسنا عليها.

الأخلاق الحسنة نوعان: منها ما منحه الله الإنسان وجبله عليه، فهذا فضل الله ينبغي أن يحتسب الأجر في ذلك الخلق حتى ينال أجرا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم والأناة))، قال الرجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أخصلتان جبلني الله عليهما أم تخلقت بهما؟"، قال: ((بل جبلك الله عليهما))+++[أخرجه أبو داود في سننه(5225)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2136)]---، _أي أعطاك الله هاتين الخصلتين دون عمل منك_ وهما خصلتان يحبهما الله ورسوله، هاتان الخصلتان وهما الحلم والأناة إذا منح الله أحد هاتين الخصلتين فإنه ينبغي له أن يستثمر ذلك في ما يقربه إلى الله، يحتسب الأجر، يعني بعض الناس منحه الله البشاشة، يبتسم، طيب حسن أن يمنحك الله هذه الخصلة، وأن تكون عندك بالفطرة والجبلة، لكن احتسب الأجر عند الله في التبسم ليكون تبسمك صدقة لا عادة، فرق بين التبسم عادة لا تنل عليه أجرا، صح تكسب قلوب الناس وتمدح لكن لا يكون لك الأجر إلا في ما نويت، ولذلك ينبغي أن يستحضر صاحب الأخلاق الحسنة الذي منحك الله تعالى إياها أن تستثمرها في قربك من الله، وتذكر الأجر: ((تبسمك في وجه أخيك صدقة)).+++[أخرجه ابن حبان في صحيحه(529)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(2321)]---

القسم الثاني من الأخلاق" أخلاق تحتاج إلى تربية، إلى معالجة، إلى أنك أنت تطورها، إلى أنك أنت تلاحظها حتى تكتسبها، فليس هناك شيء يعجز عن اكتسابه الإنسان، جاء في سنن البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم))+++[أخرجه البيهقي في الشعب(10254)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2328)]---، وجاء في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ومن يتصبر يصبره الله)).+++[صحيح البخاري(1469)]---

فالأخلاق تكتسب، لكن يحتاج إلى أن يعاد الإنسان في كسبها والتحلي بها وهنا لك أجران: الأجر الأول أجر معاناة التخلق بالأخلاق الحسنة التي بها تسمو وتزكو وتنجرح نفسك وتطيب أخلاقك، وأجر هذه الأخلاق عملا بعد اكتسابها، فأنت مأجور على التكلف لاكتساب هذه الأخلاق، وأنت مأجور أيضا على التخلق بها وممارستها عملا.

لهذا يا إخواني أقول: ينبغي لنا أن نحرص على حسن الخلق في كل شؤوننا وأن نستحضر الأجر المرتب على ذلك، أثقل شيء في الميزان حسن الخلق، أي أجر وفضل يناله الإنسان بهذا العمل إنه من أثقل ما يكون في الميزان في ما يتعلق بمعاملة الناس حسن الخلق، وهنا أقول: الأخلاق الحسنة نوعان، ينبغي أن نعرف أن من حسن الخلق ما هو واجب، ومن حسن الخلق ما هو مستحب، الواجب أداء الأمانات ببذل الحقوق لأهلها، بالصدق، الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } +++سورة التوبة الآية: 119---، الصدق من الأخلاق الحسنة أو لا؟، بلى، هو من رأس الأخلاق الحسنة، هذه الأخلاق الحسنة التي رأسها الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، واجب فرضه الله تعالى على المؤمنين، الكذب من رديء الأخلاق، يجب على المؤمن أن يبعد نفسه عن الكذب في القول وفي العمل وفي الحال، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، إذن أنت عندما تعرف أن من الأخلاق الحسنة ما هو واجب فأنت تعرف أنه ينبغي لك أن تتخلق بهذه الأخلاق لتكسب رضى الله جل وعلى، لتفوز بعطائه، لتفوز بإحسانه، ولا تغفل عن هذا وتظن أن الأخلاق الحسنة أمر ليس ضروري، أمر تكميلي، إذا جئت به طيب، وإذا لم تأت ليس هناك مشكلة، لا، من الأخلاق الحسنة ما هو واجب، وتركه يوجب  الإثم، ويهدي إلى الشر، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا))+++[صحيح البخاري(6094)، ومسلم(2607/103)]---، لذلك ينبغي أن نعرف أن الأخلاق الحسنة من صميم الديانة، ليس هناك انفكاك ولا انفصال بين الخلق الحسن وبين الديانة، بل الأخلاق الحسنة من الدين، ليس هناك خلق حسن إلا وقد أمر الله وتعالى به ورسوله، إما أمر وجوب أو أمر استحباب، فاحرص على التخلق بالأخلاق الحسنة ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

أيها الأحباب، أيها الإخوة والأخوات! إن المؤمن يحتاج إلى حسن الخلق في كل أحواله، في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، لكن في زمن الفتن وفي أيام المحن يتأكد على المؤمن أن يحرص على طيب أخلاقه، وعلى استحضار معنى حسن الخلق، لماذا؟، لأن زمن الفتن يشيع الظلم، وينتشر الاعتداء على الخلق، ويقل الخير، فعند ذلك يكون القائم بحسن الخلق من الغرباء، وأجره مضاعف عند رب العالمين، جاء في الصحيح من حديث معقل ابن سنان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العبادة في الهرج _يعني في زمن الفتن وكثرة الشرور بين الناس_ كهجرة إلي))+++[أخرجه الترمذي في سننه(3985)، وصححه]---، يعني في الأجر والثواب كأجر الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟، لأن زمن الفتن، زمن كثرة الشرور بين الناس تضعف الأمانات، يسهل على الإنسان الوقوع في الاعتداء، الآن في البلدان التي فقدت الأمن وكثر فيها الشر، القتل سهل أم ليس سهل؟، السرقة سهل، الزنا واغتصاب المحارم وأذية الخلق سهلة؟، نعم، ما الذي يحجز عنها!، ما الذي يمنع منها!، إنه يمنه منها الإيمان بالله عز وجل، إذا غاب السلطان وزال الأمن الذي يفرضه قوة الحكم عند ذلك لا يمنع من الشر إلا إيمان صادق، إلا مراقبة لله عز وجل، إلا نفس تعلم أنها ستقف بين يدي الله ويسألها عن الدقيق والجليل، يسألها عن النظرة قبل العمل، يسألها عن الفكرة قبل الأعمال وما يصدر عنه.

لذلك من المهم أيها الإخوة أن نعرف أن في زمن الفتنة الذي ينجي من الفتن، من أعظم ما ينجي من الفتن حسن الخلق، فإن أصحاب الأخلاق الحسنة مارسوها رغبة في ما عند الله عز وجل، تخلقوا بها طلبا لمرضاته جل في علاه فإنهم عند ذلك سيكونون على استحضار لهذا المعنى في زمن الفتن، فلا تجد عندهم ظلم بالوقيعة في أعراض الناس، ولا ظلم بانتهاك أموالهم، ولا ظلم بانتهاك والتعرض لدمائهم لأن قلوبهم ممتلئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:((كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه))+++[صحيح مسلم(2564/32)]---، إن ما نشهده اليوم من هذا البلاء العظيم المنتشر في بلاد الإسلام من تسلط بعضهم على بعض، سواء كان التسلط بالاعتداء على الدماء، أو التسلط بالاعتداء بالوقيعة في الخلق والاعتداء على أموالهم، كل هذه أنواع التسلطات القائمة إنما هي لغياب الأخلاق الفاضلة، فلو أن الأخلاق الفاضلة قامت بصدق في قلوب الناس لما شاهدنا مثل هذه المؤلمة التي تسفك فيها الدماء وتنتهك فيها الأعراض وينال فيها من أموال الناس فلا يبقى حرمة إلا انتهكت، لا في دم ولا في عرض ولا في مال، وعند ذلك تفسد أحوال الناس، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا.

إنني أدعو نفسي وإخواني إلى أن نزيد في قلوبنا تقوى الله جل وعلى، وأن نعلم أن خير زاد نتزود به إلى لقاء الله عز وجل هو حسن الصلة به ومراقبته جل في علاه في معاملتنا للخلق، احفظ لسانك عن أعراض الناس، احفظ بنانك عن الكتابة في ما يتعلق بأعراض الناس والكلام عنهم، اعلم أن كثرة الخطأ وانتشار الوقيعة في الناس ليست مبررا لأن تشارك المخطئين بل هذا يضاعف المسؤولية علي وعليك أن ننشر بين الناس حرمة أعراض المسلمين وحرمة دمائهم وحرمة أموالهم، لأن بعض الناس يقول: كل الناس يفعل هكذا، كل الناس يجري منهم هذا العمل، كل الناس يتعاملون بهذه الطريقة، كل الناس يأكلون حراما، هذا ليس مبررا لأن تشارك الناس في شر أو سوء، بل إذا أصلح الناس فكن معهم مصلحا وإذا أساؤوا فالزم طريق النبيين واصبر فإن العاقبة للمتقين.

هذه كلمات مهمة في ما يتعلق بحسن الخلق، وأنا أقول: أول من يستفد من حسن الخلق هو صاحب الخلق الحسن، فإن الله يلقي في قلبه من الانشراح، ويقذف في نفسه من البهجة، ويعطيه من السرور ما يحفزه على مزيد من حسن الخلق، لذلك لما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للمنفق في سبيل الله بين ما الذي يناله المنفق من الانشراح، فإن المنفق كلابس درع، هكذا مثل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح، لابس درع، كلما زاد انفاقا ازداد الدرع اتساعا وفسحة، بخلاق الممسك فإنه كلما زاد إمساكه، والإمساك من سيء الخلق ضاق عليه درعه حتى لا يكاد يتنفس، كذلك صاحب الأخلاق الحسنة ثق تماما أنك إذا عاملت الناس بالحسنى ستجد في نفسك انشراحا، ستجد في نفسك بهجة، ستجد في نفسك سرورا، وهذا عاجل بشرى المؤمن، وفضل الله عز وجل على المتقين عظيم، فإنه ينيلهم في الدنيا من الحياة الطيبة وثمار أعمالهم الصالحة ما يكون عونا لهم على مزيد.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، اللهم اسلك بنا سبيل الرشاد، وأعنا على محاسن الأخلاق يا رب العالمين، اللهم اهدنا إلى أحسن الأقوال والأعمال، واسلك بنا سبيل عبادك المتقين يا رب العالمين، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، ولا يصرف سيئها إلا أنت، يسر لنا اليسرى وأعنا على الاستقامة ظاهرا وباطنا، املأ قلوبنا بمحبتك وارزقنا تعظيمك، واسلك بنا سبيل أوليائك، واجعلنا ممن طاب قوله وصلح عمله ووفق إلى الخير ظاهرا وباطنا يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

المشاهدات:8529

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد فحي الله الإخوان الأكارم وأيضًا الإخوة والأخوات خلف الشاشات فأسأل الله تعالى أن يكون هذا اللقاء لقاءًا نافعًا مباركًا.

عنوان هذا اللقاء: أثقل شيء في الميزان.

فعن أي شيء نتحدث، إننا نتحدث عن الميزان الذي هو أخطر الموازين، إنه الميزان الذي يفترق فيه الناس إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، إنه الميزان الذي يقيمه الله تعالى يوم القيامة، فيزن به الدقيقة والجليلة، النقير والقطمير، كل ما كان من العمل الظاهر والباطن سيوزن في ذلك الميزان الذي شأنه العظيم، يقول فيه رب العالمين: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}سورة الأنبياء، الآية 47، هذا الميزان أمره جليل ذكره الله في مواضع عديدة من كتابه، وبين انقسام الناس واختلاف أحوالهم في نتيجة هذا الميزان، {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} سورة القارعة.

إذًا، نتيجة هذا الوزن ما يترتب على هذا القياس هو السعادة لمن قفلت موازينهم والشقاء لمن خفت موازينهم، لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الميزان تتفاوت فيه الأعمال، فليس العمل فيه على نحو واحد، بل هو على درجات ومراتب، لذلك العاقل حينما يعرف أنه سيقدم على مقام، وعلى موقف يوزن فيه عمله ما الذي سيفكر فيه؟، إنه سيفكر في أثقل ما يرجح به هذا الميزان، ما هو الشيء الذي إذا استصحبه معه وإذا جاء به إلى ذلك الموقف وإذا وضع في كفة الميزان رجح، هذا السؤال يسأله كل واحد منا اليوم، لماذا؟، لأننا اليوم في مقام التزود، اليوم نستطيع أن نستصحب معنا ما يوزن، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8)} سورة الزلزلة، هذا العمل هو الذي سيوزن يوم القيامة، فإن الوزن يوم القيامة إنما هو للأعمال بالدرجة الأولى، يوزن العاملون صحيح، وتوزن صحائف الأعمال صحيح، لكن ذلك كله يرجع إلى وزن العمل وثقله.

لهذا من المهم أيها الإخوة والأخوات أن نسأل أنفسنا ما هو أثقل شيء في الميزان؟ حتى نستطيع أن نستكثر منه، والله تعالى يقول: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}سورة البقرة الآية: 197، أثقل شيء في الميزان هو صلتك بالله تعالى، توحيدك له جل في علاه، فإن أثقل عمل ترجح به الموازين يوم القيامة هو مدى ما بينك وبينه من صلة وعلاقة، ومفتاح صلاح العلاقة بينك وبين الله عز وجل هو كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، إنها كلمة عظيمة كثير من الناس يستهين بها، ويظنها كلمة تقال لا معنى لها، كلمة تقال لا تؤثر في حال الإنسان ومآله، وهذا جهل بحقيقة هذه الكلمة، سعادة الدنيا وفوز الآخرة كله منوط بتحقيق معنى هذه الكلمة، لا إله إلا الله أثقل شيء في الميزان.

جاء في مسند الإمام أحمد، وعند الترمذي بإسناد  لا بأس به من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن رجل يؤتى به يوم القيامة فتنشر له دواوين، كل ديوان وكل سجل مد البصر، يعني طويل، ينتهي المدى البصري والديوان لم ينتهِ، كل هذه الدواوين الممتدة تضمنت واحتوت أعمالًا تسود منها الوجوه، فيقرر بها في ذلك اليوم الذي لا يظلم الناس فيه شيئًا، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً}سورة يونس الآية:44، يقرر بتلك الأعمال التي في هذه الدواوين، فيقال له هل تنكر منها شيئًا فيقول لا، لا يتمكن من الإنكار إن الشهود حاضرون، فيشهد عليه الملائكة، وتشهد عليه جوارحه، وينطق الله تعالى جلده وأعضاءه لتشهد عليه، {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)} سورة فصلت الآية 22.

يظن الإنسان أن هذه الأعمال التي تصدر عنه قولا وعملا تذهب هباءًا لا تسجل ولا تقيد، وهذا من جهل الإنسان بحقيقة الواقع، فإنه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} سورة ق الآية 18، وما يصدر عن الإنسان من دقيق أو جليل، ظاهر أو باطن، إلا وهو في سجل مقيد يقول ربنا جل وعلى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}سورة الجاثية، الآية 29، فكل شيء في سجل مدون، هذا الرجل الذي جيء بتسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مد البصر، كل سجل من هذه السجلات طوله إلى انتهاء المد البصري تضمنت سيئات، فيقال له هل عندك من حسنة، يفكر في هذه الدهشة، أي حسنة تقابل هذا السجل الطويل من السيئات والأخطاء، فيقول يا ربي لا، لا يذكر حسنة، فيقول الله تعالى له: {إنك لن تظلم من عملك اليوم شيئاً}، فيؤتى ببطاقة، هذه البطاقة فيها لا إله إلا الله، وتخيل سجلات مد البصر وبطاقة!، فتوضع السجلات في كفة، ويؤتى بهذه البطاقة التي فيها لا إله إلا الله وتوضع في كفة فتطيش تلك السجلات[أخرجه الترمذي في سننه(2639)، وحسنه، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي]، تطيش بمعنى تتطاير، تكون هباءًا، لا وجود لها، تثقل تلك البطاقة بتلك السجلات، كل مسلم له بطاقة، لكن هذه البطاقة يختلف وزنها باختلاف مضمونها، الآن أضرب لكم مثلًا، كثير من الناس يحمل بطاقات صرف ائتماني، أو بطاقات صراف، هل هذه البطاقات في القدرة والقوة والثقل سواء أم مختلفة؟، مختلفة باختلاف الأرصدة، كذلك هذه البطاقة التي هي لا إله إلا الله لكل مسلم، لكن رصيدها وثقلها في الأعمال التي تكون في القلوب، وتترجم على الجوارح مختلفة وبذلك يتفاوت الناس في ثقل هذه البطاقة في موازين الأعمال، لهذا ينبغي لنا أن نحقق معنى لا إله إلا الله، حتى نفوز ببطاقة تثقل بسجلات الخطأ والتقصير والهفوات والسيئات، بحاجة إلى بطاقة صادقة يكون فيها القلب موقنًا بلا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله، معناها لا معبود حقٌ إلا الله.

هذا الكلام نظري قد نستطيع أن نحفظه وأن نقوله، وهو مفتاح العمل، لكن من المهم أن لا نقتصر في معنى لا إله إلا الله على قول اللسان وإدراك المعنى اللغوي، لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، ليس في الوجود معبود يستحق أن يعبد ويوحد ويتوجه له ويقصد سوى الله، نحن قد نستخف بهذا المعنى، ونقول هذا معنى يدركه الناس، لكن للأسف أنه إذا تلفت في حالة الناس شرقًا وغربًا وجدت أن هذه الكلمة قد غاب نورها وانطمس ضياؤها في قلوب كثير من الناس، بلدان بملايين البشر يعبدون أصنامًا، وقد تقول نحن لا نشاهد، إذا كنت لا تشاهد فهذا لا يعني عدم الوجود، فمن يعبد الأصنام قارات بأمم من الناس يعبدون غير الله بشتى صور العبادة التي كانت في الجاهلية.

كون الله يسر لك ووجدت في بلد، وخلقت مسلمًا من أبوين مسلمين، فهذه نعمة عظمى لا تدركها إلا إذا عرفت قدر من فقد هذه النعمة وغابت عنه أضواؤها وأنوارها، لا إله إلا الله شفاء لما في القلوب، لا إله إلا الله أحوج ما يكون الناس اليوم بل على مر العصور إلى هذه الكلمة، هم بحاجتها ولذلك تجد أن المرسلين من نوح عليه السلام إلى خاتمهم كلهم يدعون الناس إلى هذه الكلمة، لا إله إلا الله.

إن لا إله إلا الله مفتاح الجنة، والجنة لا تفتح لإنسان جاء بكلمة مجردة عن معناها، إنما تفتح لمن عرف هذه الكلمة فامتلأ قلبه محبةً لله، امتلأ قلبه تعظيمًا لله.

لا إله إلا الله، لا معبود ولا محبوب ولا معظم إلا الله جل في علاه، هذه أثقل شيء في الميزان، هذه إذا استقرت في القلب استنار القلب، أضاء الفؤاد، أشرق الصدر، وعند ذلك ينشرح ويبتهج، وعنده يترجم ذلك إلى العمل بالصلاح والاستقامة، يقول الله جل في علاه: {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)} سورة الأنعام الآية :125، أي كأنما يتنفس في منطقة عالية، يأخذ نفسًا عميقًا وحصيلته من ما يحتاجه من هذا النفس من الأكسجين شيء يسير قليل، ولذلك تجده في لهث شديد، لأن ما يأخذه من الهواء لا يكفي ما يحتاجه البدن، هذا هو حال من أعرض عن الإسلام.

الإسلام مفتاحه هذه الكلمة ولذلك كان دخول الإسلام بلا إله إلا الله، أثقل شيء في الميزان أن تحقق هذه الكلمة في قلبك، وإذا حققتها صلح عملك تبعًا، ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب))[صحيح البخاري(52)، ومسلم(1599/107)]، فاملأ قلبك بمعنى "لا إله إلا الله"، انظر إلى هذه الكلمة، هذه الكلمة مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، هذه الكلمة بها تطيب القلوب، بها تستقيم الأعمال، بها تصلح الأحوال، بها تبلغ مراتب السعداء وتنجو من دركات الشقاء.

إن "لا إله إلا الله" كلمة لا عدل لها في العمل فهي أثقل شيء في الميزان، لكن هذه الكلمة لا يمكن أن تتحقق ثقلًا في الميزان إلا إذا جيء بمقتضياتها، ومن أعظم مقتضياتها صلاح ما بينك وبين الخلق، صلاح ما بينك وبين الناس، "لا لا إله إلا الله" تقتضي أن تكون رحمة للناس، لذلك يقول الله تعالى في صفة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } سورة الأنبياء الآية :107، فهو رحمة للناس كافة، البشرية عامة، الموافق والمخالف، من صدقه ومن كذبه، كل تفيء ظلال ما جاء به من الرحمة والهداية، هذا القرآن العظيم نور يهدي للتي هي أقوم في صلة الإنسان بالله عز وجل.

وهذا الجزء الأول الذي تحدثنا عنه قبل قليل فيما يتعلق بأثقل شيء في الميزان، أثقل شيء في الميزان تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، أثقل شيء في الميزان من ما يتعلق في معاملة الخلق حسن الخلق، فإن حسن الخلق أثقل شيء في الميزان، جاء ذلك في الصحيح، في ما رواه الترمذي، وكذلك في ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق))[أخرجه الترمذي في سننه(2003)، وصححه الألباني في صحيح الحامع(5721)]، ما في شيء فيما يتعلق بالثقل في الميزان من الأعمال المتعلقة بالخلق أعظم ثقلا وأقوى رجوحًا من حسن الخلق.

لا تستغرب، قد يقول القائل: يعني حسن الخلق تسلك فيه أمورك مع الناس، تصلح فيه أحوالك في ما بينك وبين الناس، لكن ما دخل هذا، ما صلة هذا بالأجر والثواب؟، صلة هذا بالأجر والثواب أن الشريعة جاءت بأمرين اعقد عليهما أصابعك:

الأمر الأول: إصلاح ما بينك وبين الله عز وجل.

والأمر الثاني: إصلاح ما بينك وبين الخلق.

ليست الشريعة ولا الدين فقط أن تكون صلتك بالله حسنة، ثم بعد ذلك صلتك بالناس على أسوأ ما يكون، أبدًا، صلتك بالله إنما تطيِّب وتحسن صلتك بالناس، لهذا جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة في المسند، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله))[أخرجه الترمذي في سننه(1954)، وصححه]، ما الرابط؟، الرابط أنه من كانت صلته بالناس رديئة فإنه لن يكون حسن الصلة بالله عز وجل.

وهرقل لما جاءه أبو سفيان وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أخلاقه، فقال له: هل عهدتم عليه كذبًا؟، قال له أبو سفيان: لا، لم نعهد عليه كذبًا، انظر إلى رجاحة العقل والاستدلال، قال لم يكن ليدع الكذب الناس ويكذب على الله، هذا يدل على ماذا؟، على صدقه، فإن معاملة الإنسان للناس هي صورة من معاملته مع الله عز وجل، فمن كان حسن الصلة بالناس في عسره ويسره، في منشطه ومكرهه، في ظاهره وباطنه، ليست علاقات مصلحية أو علاقات وقتية، إنما علاقات أصيلة في معاملته، لأنه يسأله عن أربعين سنة عرفوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم، هل عهدتم عليه كذبًا، ممكن الواحد يحفظ نفسه عن الكذب لمصلحة مدة معينة، أشهر سنة، في معاملة شخص معين، لكن معاملة كل الناس في كل الوقت!، لا يكون هذا إلا من صادق، فقال لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"[صحيح البخاري(2941)، ومسلم(1773/74)]، فإنه لا يمكن أن يكون هذا.

لذلك ثق تمامًا أن تعامل الإنسان مع الناس هو صورة مصغرة عن علاقته بالله عز وجل، ولا أقصد بذلك العلاقات المصلحية المؤقتة أو المحدودة بفلان أو فلان، إنما العلاقة العامة، السجية العامة، الخلق العام المستصحب مع القريب والبعيد والموافق والمخالف ومن تحب ومن تكره، عند ذلك إذا كنت على حسن في صلتك بهؤلاء فأنت على حسن بصلتك بالله.

الأخلاق ركن أكيد في الديانة، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث أبي هريرة:((إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق))[أخرجه أحمد في مسنده(8952)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2349)]، وهذا يؤكد على ضرورة الأخلاق، ((إنما بُعثت لأتمِّم)) أي: لأكمل وأرتقي بالبشرية إلى الأخلاق الصالحة، لهذا لا يمكن أن يكون الإنسان صالحًا وهو سيء الخلق مع الناس.

لا تستغرب أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل حسن الخلق من خصال وشعب الإيمان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله))، لأن هذا مفتاح الصلاح في حياة الإنسان كلها، لذلك كانت أعلى شعب الإيمان قول "لا إله إلا الله"، ((وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))[صحيح مسلم(25/58)]، إماطة الأذى عن الطريق معاملة مع الخلق، فأنت تزيل الأذى عن الطريق لتنفع الناس وتميط الأذى عنهم، والحياء شعبة من الإيمان، الإيمان يتعلق بمعاملة من؟، يتعلق بمعاملة الله، ويتعلق بمعاملة الناس، فإن الإنسان يستحي من الله أن يقع في ما يغضبه، ويستحي من الناس في معاملتهم بسوء أو شر.

لهذا من المهم أيها الإخوة والأخوات أن نعرف أن الأخلاق ذات شأن أكيد في تقويم الناس، ليس فقط في الدنيا بل في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته _والأمانة جزء من الخلق_ فزوِّجوه))[أخرجه الترمذي في سنه(1084)، وحسنه الألباني في المشكاة(3090)]، جعل معيار القبول منوطًا بالديانة المتصلة بعلاقة الإنسان بالله، والأمانة المتعلقة بأداء الحقوق وحسن التعامل مع الخلق، فإنه معيار لقياس من يقبل في الارتباط به ومن يرد.

لذلك يقول ابن القيم بعد مجموعة من الأحاديث التي أفادت هذا المعنى قال: "من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين"[مدارج السالكين2/294]، قاعدة لو تفكرنا فيها لكانت عونًا لنا في تقويم أخلاقنا وتصحيح مسارنا، من زاد عليك في الخلاق بحسنها وطيبها وجمالها زاد عليك في الدين، أي زاد عليك في القرب من الله عز وجل، زاد عليك في التدين، مقياس التدين عندما يكون واضحًا للناس، وأنه ليس فقط صورة أو منظر، إنما هو حقيقة ومخبر مع الإتيان بالظاهر سيتغير المقياس، سيكون الميزان مختلفًا، نحن نقيس الناس اليوم في غالب معاملاتنا بالظواهر فيقال: فلان ما شاء الله مستقيم، لماذا؟، لأنه والله كان ظاهره على صلاح في بعض الأعمال، لحية وثوب مشمر عن الكعبين، وهذا غاية معيار التدين عند بعض الناس، وهذا غلط، وتجده سيء المعاملة، فظَّ الأخلاق، لا يحفظ الأمانات، يخون، يكذب، وهذه ليس لها أثر، في حين أن هذه من كبائر الذنوب وعظائم الإثم.

الأخلاق منظومة تتعلق بطيب الجوهر وما يصدر عن الإنسان من عمل، حتى في ما يتعلق بمظهره وشكله، بالتأكيد أن لها مدخلًا في القياس، لكن ليس فقط محصورة بصورة معينة، أو بنمط معين من المظهر، بل في كل من يصدر عنه من قول أو عمل ومعاملة مع موافق أو مخالف، لأنه أحيانا نجد الإنسان حسن المعاملة مع موافق، لكنه مع المخالف على خلاف ذلك، وبعض الناس يعامل أصحابه وأصدقاءه ومن يوافقونه في العمر أو في الاهتمامات بنمط، في حين أن معاملته مع زوجه مع ولده مع والديه على خلاف ما يعامل به أصحابه، وهذا اختلال في حسن الخلق المطلوب، حسن الحلق المطلوب من المؤمن لا يتقيد بصورة، ولا يتقيد بظرف، ولا يتقيد بشهادة، بل يكون في الغيب والشهادة، يكون مع القريب والبعيد، يكون مع الموافق والمخالف، يكون عنوانه أين رضى الله في معاملتي، يعامل الله في الخلق، ولا يعامل الخلق في الله، وهذا معيار السعادة، من أراد أن يطيب خلقه ويحسن معاملته للناس، لا تنتظر من الناس ردًّا ولا جزاءًا، عامل الله في الخلق.

لذلك يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "معيار السعادة في معاملة الناس أن تعامل الله فيهم"[مجموع الفتاوى(1/51)]، ما معنى تعامل الله فيهم؟، يعني أن تكون ما تأتيهم به من الأخلاق والأقوال تنظر فيه إلى الجزاء من الله، لا تنظر فيه إلى جزاء الناس، كما قال الله تعالى في وصف الأبرار: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} سورة الإنسان الآية :9، عند ذلك ينشرح صدرك إلى الإتيان بكل خصلة حميدة، وبكل عمل طيب دون أن تنتظر مقابلًا من الناس.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يضرب أعلى الأمثال في حسن الخلق، فقد شهد له ربه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم الآية :4، يشهد الله له بكمال الأخلاق وطيبها، كيف كان يعامل الناس صلى الله عليه وسلم؟، كان رحمة، يعاملهم على أكمل ما يكون من الصبر والأناة وبذل الإحسان للناس، حتى إن الأعراب كانوا يسيئون إليه في المعاملة ويضطرونه إلى الضيق في كثير من المعاملات ومع ذلك يصبر ولا يقابلهم إلا بالابتسامة، حتى إنهم في إحدى المواقف جروا رداءه فأثَّر الرداء في عاتقه من شدة ما جبذوه صلى الله عليه وسلم، وكان يلتفت إليهم ويقول: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ))[صحيح البخاري(1469)، ومسلم(1053/124)]، كانوا يطلبون منه العطاء، ويطلبون منه أن يعطيهم مما أفاء الله تعالى عليه بهذه الفظاظة وهذه الغلظة، وكان يقابل ذلك بالابتسامة والصبر عليهم والتأني فيهم، فكان -صلى الله عليه وسلم- في غاية طيب الخصال، وحسن معاملة القريب والبعيد، والمخالف والموافق، المنافقون كانوا يؤذونه كل الأذى ومع هذا يسعى لهم بكل إحسان.

وأذكر في طيب أخلاقه مع المخالفين حتى لا يقال إن حسن الخلق هو أن تعامل من توافق ومن تحب بالإحسان، بل حتى من تكره، عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين وكان عظيم الكيد والأذى للنبي -صلى الله عليه وسلم- حتى آذاه في فراشه، فسعى باتهام عائشة رضي الله عنها  مما برأها الله تعالى به، فما كان منه صلى الله عليه وسلم لما بلغ الأذى المبلغ العظيم إلا أن قال:(( من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي))[أخرجه البخاري(2661)]، على المنبر يقولها صلى الله عليه وسلم، ولم يسمه، وكلهم قد عذروه لو فعل ما فعل، لكنه آثر الصبر وراعى المصلحة في السكوت عنه؛ لئلا يترتب على ذلك مفسدة أعظم.

هذا في حياته، طيب لما مات عبد الله بن أبيّ كيف عامله صلى الله عليه وسلم؟ ابن عبد الله بن أبي من المسلمين ومن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إن أبي قد مات، وإني أحب أن تشهده، فلبَّى النبي صلى الله عليه وسلم طلبه، مع أن الميت رأس النفاق الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء إليه وقد أُدخل القبر، كان يمكن أن يقف النبي صلى الله عليه وسلم على قبره وينصرف وانتهت المسألة، لا، حقق رغبة عبد الله بن عبد الله بن أبي في أن يشهد جنازة والده، لكن النبي صلى الله عليه وسلم فعل أمرًا لم يُنقل أنه فعله مع غير عبد الله، انظر إلى الكمال في حسن المعاملة والصبر وحمل النفس على خلاف ما تقتضيه الطبيعة من الانتقام وعدم الرغبة في الإحسان إلى من آذاك، أمر به فأخرج من قبره وكان قد كفن، ففتح النبي صلى الله عليه وسلم كفنه، وأعطاهم ثوبه صلى الله عليه وسلم ليشعر به ليكن في كفنه مما يلي جسده، ثم أمره به فدفن.[أخرجه ابن حبان في صحيحه(3176)]

هذه المعاملة العالية، هذا النمط من السمو في التعامل مع المخالف ليس شيئًا عاديًّا، لا يمكن أن يفعله إنسان يرجو مصلحة من الخلق، إنما لا يفعله على وجه الدوام والاستمرار إلا من يعامل الله فيهم، إلا من كان كما الله -عز وجل- في وصفه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } سورة الأنبياء الآية :107، لهذا من المهم أيها الإخوة وأيتها الأخوات أن نعي أن الأخلاق الحسنة من ما ينبغي أن نتخلق به، وأن نعمل على تربية أنفسنا عليها.

الأخلاق الحسنة نوعان: منها ما منحه الله الإنسان وجَبَله عليه، فهذا فضل الله ينبغي أن يحتسب الأجر في ذلك الخلق حتى ينال أجرًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ((إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم والأناة))، قال الرجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أخصلتان جبلني الله عليهما أم تخلقت بهما؟"، قال: ((بل جبلك الله عليهما))[أخرجه أبو داود في سننه(5225)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2136)]، _أي أعطاك الله هاتين الخصلتين دون عمل منك_ وهما خصلتان يحبهما الله ورسوله، هاتان الخصلتان وهما الحلم والأناة إذا منح الله أحد هاتين الخصلتين فإنه ينبغي له أن يستثمر ذلك في ما يقربه إلى الله، يحتسب الأجر، يعني بعض الناس منحه الله البشاشة، يبتسم، طيب حسن أن يمنحك الله هذه الخصلة، وأن تكون عندك بالفطرة والجبلة، لكن احتسب الأجر عند الله في التبسم ليكون تبسمك صدقة لا عادة، فرق بين التبسم عادة لا تنل عليه أجرًا، صح تكسب قلوب الناس وتمدح لكن لا يكون لك الأجر إلا في ما نويت، ولذلك ينبغي أن يستحضر صاحب الأخلاق الحسنة الذي منحك الله تعالى إياها أن تستثمرها في قربك من الله، وتذكر الأجر: ((تبسُّمك في وجه أخيك صدقة)).[أخرجه ابن حبان في صحيحه(529)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب(2321)]

القسم الثاني من الأخلاق" أخلاق تحتاج إلى تربية، إلى معالجة، إلى أنك أنت تطورها، إلى أنك أنت تلاحظها حتى تكتسبها، فليس هناك شيء يعجز عن اكتسابه الإنسان، جاء في سنن البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحلم بالتحلم))[أخرجه البيهقي في الشعب(10254)، وصححه الألباني في صحيح الجامع(2328)]، وجاء في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ومن يتصبَّر يصبره الله)).[صحيح البخاري(1469)]

فالأخلاق تكتسب، لكن يحتاج إلى أن يعاد الإنسان في كسبها والتحلي بها وهنا لك أجران: الأجر الأول أجر معاناة التخلق بالأخلاق الحسنة التي بها تسمو وتزكو وتنجرح نفسك وتطيب أخلاقك، وأجر هذه الأخلاق عملًا بعد اكتسابها، فأنت مأجور على التكلف لاكتساب هذه الأخلاق، وأنت مأجور أيضًا على التخلق بها وممارستها عملًا.

لهذا يا إخواني أقول: ينبغي لنا أن نحرص على حسن الخلق في كل شؤوننا وأن نستحضر الأجر المرتب على ذلك، أثقل شيء في الميزان حسن الخلق، أي أجر وفضل يناله الإنسان بهذا العمل إنه من أثقل ما يكون في الميزان في ما يتعلق بمعاملة الناس حسن الخلق، وهنا أقول: الأخلاق الحسنة نوعان، ينبغي أن نعرف أن من حسن الخلق ما هو واجب، ومن حسن الخلق ما هو مستحب، الواجب أداء الأمانات ببذل الحقوق لأهلها، بالصدق، الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } سورة التوبة الآية: 119، الصدق من الأخلاق الحسنة أو لا؟، بلى، هو من رأس الأخلاق الحسنة، هذه الأخلاق الحسنة التي رأسها الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، واجب فرضه الله تعالى على المؤمنين، الكذب من رديء الأخلاق، يجب على المؤمن أن يبعد نفسه عن الكذب في القول وفي العمل وفي الحال، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، إذن أنت عندما تعرف أن من الأخلاق الحسنة ما هو واجب فأنت تعرف أنه ينبغي لك أن تتخلق بهذه الأخلاق لتكسب رضى الله جل وعلى، لتفوز بعطائه، لتفوز بإحسانه، ولا تغفل عن هذا وتظن أن الأخلاق الحسنة أمر ليس ضروري، أمر تكميلي، إذا جئت به طيب، وإذا لم تأتِ ليس هناك مشكلة، لا، من الأخلاق الحسنة ما هو واجب، وتركه يوجب  الإثم، ويهدي إلى الشر، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا))[صحيح البخاري(6094)، ومسلم(2607/103)]، لذلك ينبغي أن نعرف أن الأخلاق الحسنة من صميم الديانة، ليس هناك انفكاك ولا انفصال بين الخلق الحسن وبين الديانة، بل الأخلاق الحسنة من الدين، ليس هناك خلق حسن إلا وقد أمر الله وتعالى به ورسوله، إما أمر وجوب أو أمر استحباب، فاحرص على التخلق بالأخلاق الحسنة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

أيها الأحباب، أيها الإخوة والأخوات! إن المؤمن يحتاج إلى حسن الخلق في كل أحواله، في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه، لكن في زمن الفتن وفي أيام المحن يتأكد على المؤمن أن يحرص على طيب أخلاقه، وعلى استحضار معنى حسن الخلق، لماذا؟، لأن زمن الفتن يشيع الظلم، وينتشر الاعتداء على الخلق، ويقل الخير، فعند ذلك يكون القائم بحسن الخلق من الغرباء، وأجره مضاعف عند رب العالمين، جاء في الصحيح من حديث معقل ابن سنان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((العبادة في الهرج _يعني في زمن الفتن وكثرة الشرور بين الناس_ كهجرة إليّ))[أخرجه الترمذي في سننه(3985)، وصححه]، يعني في الأجر والثواب كأجر الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟، لأن زمن الفتن، زمن كثرة الشرور بين الناس تضعف الأمانات، يسهل على الإنسان الوقوع في الاعتداء، الآن في البلدان التي فقدت الأمن وكثر فيها الشر، القتل سهل أم ليس سهل؟، السرقة سهل، الزنا واغتصاب المحارم وأذية الخلق سهلة؟، نعم، ما الذي يحجز عنها!، ما الذي يمنع منها!، إنه يمنه منها الإيمان بالله عز وجل، إذا غاب السلطان وزال الأمن الذي يفرضه قوة الحكم عند ذلك لا يمنع من الشر إلا إيمان صادق، إلا مراقبة لله عز وجل، إلا نفس تعلم أنها ستقف بين يدي الله ويسألها عن الدقيق والجليل، يسألها عن النظرة قبل العمل، يسألها عن الفكرة قبل الأعمال وما يصدر عنه.

لذلك من المهم أيها الإخوة أن نعرف أن في زمن الفتنة الذي ينجي من الفتن، من أعظم ما ينجي من الفتن حسن الخلق، فإن أصحاب الأخلاق الحسنة مارسوها رغبة في ما عند الله عز وجل، تخلقوا بها طلبًا لمرضاته جل في علاه فإنهم عند ذلك سيكونون على استحضار لهذا المعنى في زمن الفتن، فلا تجد عندهم ظلم بالوقيعة في أعراض الناس، ولا ظلم بانتهاك أموالهم، ولا ظلم بانتهاك والتعرض لدمائهم لأن قلوبهم ممتلئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم:((كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه))[صحيح مسلم(2564/32)]، إن ما نشهده اليوم من هذا البلاء العظيم المنتشر في بلاد الإسلام من تسلط بعضهم على بعض، سواء كان التسلط بالاعتداء على الدماء، أو التسلط بالاعتداء بالوقيعة في الخلق والاعتداء على أموالهم، كل هذه أنواع التسلطات القائمة إنما هي لغياب الأخلاق الفاضلة، فلو أن الأخلاق الفاضلة قامت بصدق في قلوب الناس لما شاهدنا مثل هذه المؤلمة التي تسفك فيها الدماء وتنتهك فيها الأعراض وينال فيها من أموال الناس فلا يبقى حرمة إلا انتهكت، لا في دم ولا في عرض ولا في مال، وعند ذلك تفسد أحوال الناس، ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا.

إنني أدعو نفسي وإخواني إلى أن نزيد في قلوبنا تقوى الله جل وعلى، وأن نعلم أن خير زاد نتزود به إلى لقاء الله عز وجل هو حسن الصلة به ومراقبته جل في علاه في معاملتنا للخلق، احفظ لسانك عن أعراض الناس، احفظ بنانك عن الكتابة في ما يتعلق بأعراض الناس والكلام عنهم، اعلم أن كثرة الخطأ وانتشار الوقيعة في الناس ليست مبررًا لأن تشارك المخطئين بل هذا يضاعف المسؤولية علي وعليك أن ننشر بين الناس حرمة أعراض المسلمين وحرمة دمائهم وحرمة أموالهم، لأن بعض الناس يقول: كل الناس يفعل هكذا، كل الناس يجري منهم هذا العمل، كل الناس يتعاملون بهذه الطريقة، كل الناس يأكلون حرامًا، هذا ليس مبررًا لأن تشارك الناس في شر أو سوء، بل إذا أصلح الناس فكن معهم مصلحاً وإذا أساؤوا فالزم طريق النبيين واصبر فإن العاقبة للمتقين.

هذه كلمات مهمة في ما يتعلق بحسن الخلق، وأنا أقول: أول من يستفد من حسن الخلق هو صاحب الخلق الحسن، فإن الله يلقي في قلبه من الانشراح، ويقذف في نفسه من البهجة، ويعطيه من السرور ما يحفزه على مزيد من حسن الخلق، لذلك لما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا للمنفق في سبيل الله بين ما الذي يناله المنفق من الانشراح، فإن المنفق كلابس درع، هكذا مثل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح، لابس درع، كلما زاد انفاقًا ازداد الدرع اتساعًا وفسحة، بخلاق الممسك فإنه كلما زاد إمساكه، والإمساك من سيء الخلق ضاق عليه درعه حتى لا يكاد يتنفس، كذلك صاحب الأخلاق الحسنة ثق تمامًا أنك إذا عاملت الناس بالحسنى ستجد في نفسك انشراحًا، ستجد في نفسك بهجةً، ستجد في نفسك سرورًا، وهذا عاجل بشرى المؤمن، وفضل الله عز وجل على المتقين عظيم، فإنه ينيلهم في الدنيا من الحياة الطيبة وثمار أعمالهم الصالحة ما يكون عونًا لهم على مزيد.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى، اللهم اسلك بنا سبيل الرشاد، وأعنا على محاسن الأخلاق يا رب العالمين، اللهم اهدنا إلى أحسن الأقوال والأعمال، واسلك بنا سبيل عبادك المتقين يا رب العالمين، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، ولا يصرف سيئها إلا أنت، يسر لنا اليسرى وأعنا على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا، املأ قلوبنا بمحبتك وارزقنا تعظيمك، واسلك بنا سبيل أوليائك، واجعلنا ممن طاب قوله وصلح عمله ووفق إلى الخير ظاهرًا وباطنًا يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

الاكثر مشاهدة

1. خطبة : الخوف من الله تعالى ( عدد المشاهدات41600 )
3. خطبة : الحسد ( عدد المشاهدات28595 )
4. خطبة: يوم الجمعة سيد الأيام ( عدد المشاهدات23011 )
5. خطبة : الأعمال بالخواتيم ( عدد المشاهدات21259 )
6. خطبة : احرص على ما ينفعك ( عدد المشاهدات18863 )
7. حكم الإيجار المنتهي بالتمليك ( عدد المشاهدات18075 )
8. خطبة : الخلاف شر ( عدد المشاهدات14976 )
9. خطبة: يا ليتنا أطعناه ( عدد المشاهدات11520 )
10. خطبة : يتقارب الزمان ( عدد المشاهدات11332 )
11. خطبة : بماذا تتقي النار. ( عدد المشاهدات10348 )
12. خطبة: أثر الربا ( عدد المشاهدات10126 )
14. خطبة : أحوال المحتضرين ( عدد المشاهدات9951 )

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف