×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / الحديث وعلومه / شرح حديث أبي بكر / الدرس(5) من شرح حديث أبي بكر رضي الله عنه

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:2681

الطالب: وقد اتفقوا أنه لا يقر على خطأ في ذلك، وكذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها.

الشيخهذا ثاني ما اتفقوا عليه في مسألة عصمة النبي –صلى الله عليه وسلم-أنه لا يقر على خطأ في ذلك، يعني فيما يتعلق بالتشريع وهذا لا في الإخبار، إنما في الاجتهاد وانتبه يعني قوله –رحمه الله-اتفقت الأمة على أنه معصوم فيما يبلغه عن ربه –تبارك وتعالى-هذا فيما رسول الله –صلى الله عليه وسلم-عن الله في الكتاب أو في السنة، وأما قوله وقد اتفقوا أنه لا يقر على خطأ في ذلك المشار إليه التشريع لا ما يخبر به عن الله ؛ لأن ما يخبر به عن الله قد انتهى ومضى أنه معصوم من الخطأ فيه ؛ ولكن الكلام على الخطأ في التشريع الناشئ عن اجتهاد، فما اجتهد فيه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-لا يقر فيه على الخطأ، ومن ذلك ما وجه فيه العتاب إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-من الاجتهادات، كقوله ـ تعالى ـ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىأَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى[عبس: 1-2]، وكقوله ـ تعالى ـ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ[التوبة: 43] وكما ذكر الله –جل وعلا-في الغنائم ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ[الأنفال: 67] هذا كله من اجتهاده –صلى الله عليه وسلم-الذي وقع فيه خطأ فصوبه الله ولم يقره –جل وعلا-على الخطأ، لكن هل هذا في التبليغ ولا في التشريع؟ في التشريع لا في التبليغ يعني هو فعل ذلك لا تبليغ عن رب العالمين، إنما هو اجتهاد في إصابة الحكم، فلما أخطأ –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-صوبه الله –جل وعلا-ولم يقره على الخطأ، فقوله: واتفقوا أنه لا يقر على خطأ في ذلك ليس نقضًا ؛ لما تقدم من اتفاق وإجماع لذلك لا يقر على الذنوب لا صغائرها ولا كبائرها، وهذا فيه تجويز وقوع الكبائر منهم وهل تقع منهم الكبائر؟ نعم تقع منهم لكن فيما لا يتعلق بالمروءات ولا فيما يتعلق بالكذب، فقتل النفس كبيرة من الكبائر ووقع ممن؟ من موسى عليه السلام.

الطالب: ولكن تنازعوا: هل يقع منهم بعض الصغائر مع التوبة منها أو لا تقع بحال؟

فقال كثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلين وبعض متكلمي أهل الحديث.

الشيخ: كذلك المعتزلين مراده المعتزلة وقال في موضع آخر الجهمية.

الطالب: فقال كثير من المتكلمين من الشيعة والمعتزلين وبعض متكلمي أهل الحديث: لا تقع منهم الصغيرة بحال، وزادت الشيعة حتى قالوا: لا يقع منهم لا خطأ ولا غير خطأ.

وأما السلف وجمهور أهل الفقه والحديث والتفسير وجمهور متكلمي أهل الحديث من أصحاب الأشعري وغيرهم فلم يمنعوا الوقوع إذا كان مع التوبة، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإذا ابتلى بعض الأكابر بما يتوب منه فذاك لكمال النهاية، لا لنقص البداية، كما قال بعضهم: لو لم يكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه. وفي الأثر: "إن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وإن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار"، يعني أن السيئة يذكرها ويتوب منها فيدخله ذلك الجنة، والحسنة يعجب بها ويستكبر فيدخله ذلك النار.

وأيضا فالحسنات والسيئات تتنوع بحسب المقامات، كما يقال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين".

الشيخ: يعني ما يضاف إليهم من السيئات لا يلزم أن تكون بدرجة السيئات التي تقع من غيرهم، بل السيئات والحسنات تتفاوت بتفاوت من قامت به، فقد يكون الأمر في شخص حسنة وفي غيره سيئة وذلك لاختلاف حالهم وهذا من المعاني الصحيحة لهذا القول حسنات الأبرار سيئات المقربين.

أسئلة طيب الأبرار سيئات المقربين المحشي المحقق ذكر كلامًا مفيدًا في معنى حسنات الأبرار سيئات المقربين، هل نقراه من كلام شيخ الإسلام مفيد الحقيقة ؛ لأن هذه تشكل على بعض الناس، فلعلنا نقرأه جوابًا لسؤال الأخ عبد الله.

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: هذا اللفظ ليس محفوظًا عمن قوله حجة.

الشيخ: يعني لم يثبت عن أحد يحتج بقوله.

الطالب: هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مَحْفُوظًا عَمَّن قَوْله حجَّة لَا عَن النَّبِي ـ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ـ وَلَا عَن أحد من سلف الأمة وأئمتها وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام وَله معنى صَحِيح وَقد يحمل على معنى فَاسد.

أما مَعْنَاهُ الصَّحِيح فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن الْأَبْرَار يقتصرون على أَدَاء الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات وَهَذَا الإقتصار سَيِّئَة فِي طَرِيق المقربين وَمعنى كَونه سَيِّئَة أَن يخرج صَاحبه عَن مقَام المقربين فَيحرم درجاتهم وَذَلِكَ مِمَّا يسوء من يُرِيد أَن يكون من المقربين فَكل من أحب شَيْئا وَطَلَبه إِذا فَاتَهُ محبوبه ومطلوبه سَاءَهُ ذَلِك فالمقربون يتوبون من الإقتصار على الْوَاجِبَات لَا يتوبون من نفس الْحَسَنَات الَّتِي يعْمل مثلهَا الْأَبْرَار بل يتوبون من الإقتصار عَلَيْهَا وَفرق بَين التَّوْبَة من فعل الْحسن وَبَين التَّوْبَة من ترك الْأَحْسَن والإقتصار على الْحسن.

الشيخ: المعنى واضح هذا المعنى الأول يعني أنهم يتوبون أن الأبرار يقتصرون على فعل الطاعات الواجبة، وترك المحرمات والمقربون أعلى منهم درجة يسابقون في الخيرات، فإذا ترك أهل درجة القربى أو القربى وهم المقربون إذا تركوا العمل الصالح الذي حصلوا به هذا الفضل خرجوا إلى الأبرار، فكانت سيئة بالنسبة لهم، فقوله: (حسنات الأبرار سيئات المقربين سيئات) باعتبار ما يسوء الإنسان، فهو استعمال لها بالمعنى اللغوي ؛ لأن أصل السيئة مأخوذة من ساء يسوء، وهو ما يحصل به السوء للإنسان، وما في شك أن النزول من الدرجة العليا إلى درجة سفلى أو إلى درجة أدنى منها يكون سيئة بالنسبة للنازل هذا المعنى الأول، لكن يؤكد الشيخ معنى مهم وهو المعنى الفاسد الذي سيبطله أن المقربين لا يتوبون من فعل الحسنات التي يوافقهم عليها الأبرار، إنما يتوبون من ترك الزيادة وسيئتهم في ترك الزيادة التي سبقوا بها الأبرار هذا المعنى مهم ؛ لأنه سيشير إلى المعنى الفاسد الآن الثاني.

الطالب: الثَّانِي أَن العَبْد قد يُؤمر بِفعل يكون حسنا مِنْهُ إِمَّا وَاجِبا وَإِمَّا مُسْتَحبا ؛ لِأَن ذَلِك مبلغ علمه وَقدرته وَمن يكون أعلم مِنْهُ وأقدر لَا يُؤمر بذلك، بل يُؤمر بِمَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فَلَو فعل هَذَا مَا فعله الأول كَانَ ذَلِك سَيِّئَة

مِثَال ذَلِك أَن الْعَاميّ يُؤمر بِمَسْأَلَة الْعلمَاء المأمونين على الْإِسْلَام وَالرُّجُوع إِلَيْهِم بِحَسب قُوَّة إِدْرَاكه، وَإِن كَانَ فِي ذَلِك تَقْلِيد لَهُم إِذا لَا يُؤمر العَبْد إِلَّا بِمَا يقدر عَلَيْهِ، وَأما الْعلمَاء القادرون على معرفَة الْكتاب وَالسّنة والاستدلال بهما فَلَو تركُوا ذَلِك وَأتوا بِمَا يُؤمر بِهِ الْعَاميّ لكانوا مسيئين بذلك.

وَهَذَا كَمَا يُؤمر الْمَرِيض أَن يُصَلِّي قَائِما فَإِن لم يسْتَطع فقاعدا، فَإِن لم يسْتَطع فعلى جنب وكما يُؤمر الْمُسَافِر أَن يُصَلِّي الظّهْر وَالْعصر وَالْعشَاء رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر

وَهَذَا لَو فعله الْمُقِيم لَكَانَ مسيئا تَارِكًا للْفَرض بل فَرْضه أَربع رَكْعَات.

الشيخ: فيكون المعنى الثاني أن الحسنات والسيئات تختلف باختلاف الأشخاص كما أشرنا قبل قليل، فقد يكون الفعل في حق شخص معين حسنة، وفي حق غيره سيئة وقد يكون سيئة في حق شخص معين وفي غيره حسنة.

فمثلًا ترك النوافل بالنسبة للمقربين سيئة أو حسنة؟ سيئة، لكن بالنسبة للأبرار ترك النوافل ليس سيئة ما هو بحسنة لكن ليس سيئة.

الطالب: وَأما الْمَعْنى الْفَاسِد:

فَأن يظنّ الظان: أَن الْحَسَنَات الَّتِي أَمر الله بهَا أمرا عَاما، يدْخل فِيهِ الْأَبْرَار، وَتكون سيئات للمقربين.

مثل من يظنّ أَن الصَّلَوَات الْخمس، ومحبة الله وَرَسُوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدَّين لله وَنَحْو ذَلِك: هِيَ سيئات فِي حق المقربين.

فَهَذَا قَول فَاسد، غلا فِيهِ قوم من الزَّنَادِقَة الْمُنَافِقين المنتسبين إِلَى الْعلمَاء والعباد، فزعموا أَنهم يصلونَ إِلَى مقَام المقربين، الَّذِي لَا يؤمرون فِيهِ بِمَا يُؤمر بِهِ عُمُوم الْمُؤمنِينَ من الْوَاجِبَات، وَلَا يحرم عَلَيْهِم مَا يحرم على عُمُوم الْمُؤمنِينَ من الْمُحرمَات، كَالزِّنَا وَالْخمر وَالْميسر.

وَكَذَلِكَ: زعم قوم فِي أَحْوَال الْقُلُوب الَّتِي يُؤمر بهَا جَمِيع الْمُؤمنِينَ: أَن المقربين لَا تكون هَذِه حَسَنَات فِي حَقهم.

وكلا هذَيْن من أَخبث الْأَقْوَال، وأفسدها.

الشيخ: هذا كلام جيد وتفصيل مفيد نواصل في الرسالة.

الطالب: فمن فهم ما تمحوه التوبة وترفع صاحبها إليه من الدرجات وما يتفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وأقر الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب.

فإن الغلاة يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصا في حقه لا ينجبر، حتى يجعلوا من فضل بعض الناس أنه لم يسجد لصنم قط. وهذا جهل منهم، فإن المهاجرين والأنصار والذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كانوا كفارا يعبدون الأصنام، بل المنتقل من الضلال إلى الهدى ومن السيئات إلى الحسنات يضاعف له الثواب، كما قال ـ تعالى ـ:}إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا{.الفرقان:70

وقد ثبت في الصحيح أن الله يوم القيامة يظهر لعبده فيقول: "إني قد أبدلتك مكان كل سيئة حسنة"مسلم (190) فحينئذ يطلب كبائر ذنوبه.

الشيخ: وهذا أحد المعاني التي قيلت في الآية وهو من أظهرها وتدل عليه النصوص أن التبديل يجعل مكان كل سيئة حسنة حقيقة يعني في الأجر والثواب لكونه تركها وهجرها لله –عز وجل-فهو تبديل حقيقي، فتقلب السيئات إلى حسنات.

ومن المعاني التي قيلت في الآية أنه ينقلب حال الشخص فيبدل عمله السيء إلى عمل حسن ولكن الظاهر ما ذكره الشيخ –رحمه الله-ومما دل عليه قوله –صلى الله عليه وسلم-في الحديث أن الله يقول: "إني قد أبدلت مكان كل سيئة حسنة"مسلم (190) وفضل الله واسع إذا تقرب إليه العبد شبرًا تقرب إليه ذراعًا وإذا تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، وإذا أتاه يمشي أتاه هرولًا، فلا عجب من واسع فضله وعظيم كرمه.

هنا فائدة مهمة ذكرها الشيخ –رحمه الله-في قوله: فإن الغلاة يتوهمون أن الذنب إذا صدر من العبد كان نقصًا في حقه لا ينجبر وهذا فهم جاهلي وقد قاله فرعون، وهو من أكبر المعاندين لله –عز وجل-لموسى لما جاءه داعيًا إلى الله –عز وجل-قال: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ[الشعراء: 19] فماذا قال له؟ قال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَفَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ[الشعراء: 20-21].

فانظر كيف احتج عليه بسابق حاله، فجعل ما صدر منه من معصية أو من مخالفة محلًا لنقصه وذنبه فرد عليه موسى بما حصل له من كمال النهاية حيث قال: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ[الشعراء: 21] فالعبرة لا بنقص البداية لكن بكمال النهاية، وهذا يفتح الباب للإنسان أن يسابق إلى إصلاح حاله، فإن الإنسان إذا علم أنه سينفك من مذمة الماضي وسوء ما قدم إلى إشراق المستقبل بالعمل الصالح، فإنه سيسابق إلى الخيرات.

ولذلك نهى الله –جل وعلا-عن التثريب على أهل الكبائر إذا تابوا ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا[النساء: 16] فأمر الله –عز وجل-بالإعراض عمن وقع في فاحشة الزنا إذا تاب وأصلح وكذلك كل من ارتكب معصية فلا يذكر بها، وتعلمون أن آدم وموسى تحاجا، فحج آدم وموسى.

الطالب: وقد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ: وهذا موجود الآن تجد أن الواحد يترك المعصية وتستقيم حاله، ثم يريد أحد أن ينال منه يا شيخ اتركك من هذا، هذا كان يفعل كذا وكذا، فيذمه بما كان من ماضيه السيء السابق، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن وما دلت عليه السنة الواجب على المؤمن أن ينظر في تقويمه للناس، إلى ما هم عليه في الحال الحاضر، لا ما كان منهم في السابق الذي مضى وتابوا منه وتركوه وهذا موجود لا في تقويم الناس عموم الناس ولا في تقويم طلاب العلم، فتجد أن طالب العلم قد يخطئ في قول، أو يخطئ في رأي ثم يتغير ويعدل عنه إلى ما هو الصواب، فيقال له اتركك منه كان يقول كذا وكذا، هو صاحب القول الفلاني، هو صاحب الرأي الفلاني هذا من الخطأ.

الواجب في مثل هذا بل في كل أمر من أمور الإنسان أن يتحرى العدل وأن يتحاشى الظلم، فإنه إذا تسلح الإنسان بسلاح العلم والعدل سلم من الشر في القول والاعتقاد والعمل في معاملته لربه، في معاملته للخلق وفتح الله له باب خير عظيم، وأعانه على حمل الأمانة التي لا تحمل إلا بهذين المعينين العلم والعدل.

الطالب: وقد ثبت في الصحاحالبخاري (6309)، ومسلم (2744) من غير وجه عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:أنه أخبر أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استفاق إذا بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته.وهذا أمر عظيم إلى الغاية.

الشيخ: يعني إلى النهاية في العظمة هذا معنى إلى الغاية ولا شك أنه عظيم للغاية يبين عظم هذا الرب –جل وعلا-وما له من صفات الكمال من الرحمة والإحسان والرأفة والبر والعفو والمغفرة –سبحانه وبحمده-هو التواب الرحيم.

الطالب: فإذا كانت التوبة بهذه المنزلة كيف لا يكون صاحبها معظما عند الله؟ وقد قال ـ تعالى ـ:{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖإِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗوَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (73)الأحزاب:72، 73 فوصف الإنسان بالجهل والظلم، وجعل الفرق بين المؤمن والكافر والمنافق أن يتوب الله عليه، إذ لم يكن له بد من الجهل والظلم، ولهذا جاء في الحديث: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".أخرجه الترمذي (2499)، وأحمد (13049)

الشيخ: قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا[الأحزاب: 72] الأمانة هي التكاليف الشرعية الأمر والنهي عرضه، الله –جل وعلا-على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها لعظم الأمر ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا[الأحزاب: 72] أي وخفن منها من حملها والقيام بها ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ[الأحزاب: 72] ثم بعد أن أخبر بهذا الحمل قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب: 72] لا في حمله إياها ؛ لكن هذا في وصفه فقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب: 72] هذا لا لكونه حمل الأمانة، فإن حمل الأمانة شرف ؛ لكنه ذكر وصفين يتخلف بهما القيام بحق الأمانة، وهو الظلم والجهل.

الظلم وضع الشيء في غير موضعه والجهل هو عدم العلم أو عدم العمل بالعلم كما تقدم في غير موضع وهذه الآفات الثلاث التي ترجع إلى اثنين الظلم والجهل، إذا سلم منها الإنسان قام بما حمله الله –عز وجل-من الأمانة في التكاليف الشرعية في الأمن والنهي، ثم بعد أن ذكر حمل الأمانة وذكر سبب تخلف كثير من الناس عن القيام بها وأدائها على الوجه المأمور به ذكر انقسام الناس في المآل والأعمال فقال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ[الأحزاب: 73] فذكر القسم المعذب وهذا عذاب لعمل وليس عذاب لأعيان وأشخاص، بل هو عذاب لأعمال قامت بأشخاص ولذلك ذكر أعمالهم فقال: ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ[الأحزاب: 73] وبدأ بهم قبل ذكر المؤمنين والمؤمنات في قوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[الأحزاب: 73] لأنهم الأكثر فيمن حمل الأمانة قال الله –جل وعلا-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[الأنعام: 116]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ[الشعراء: 8]، وقال –سبحانه وتعالى-: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[سبأ: 13] كل هذه الآيات تدل على أن الأكثر واقع في هذا القسم ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ[الأحزاب: 73] ثم ذكر الله –جل وعلا-في القسم المعذب أهل النفاق قبل أهل الشرك لانهم أعظم جرمًا من أهل الشرك حيث أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر أظهروا أعمال أهل الإيمان وأبطنوا الكفر قال الله –جل وعلا-: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ[النساء: 145] وهذا يدل على سوء حالهم ومآلهم، وذكر بعده المشركين والمشركات قال: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[الأحزاب: 73] ولم يذكر التنعيم ما قال: وينعم المؤمنين والمؤمنات إنما ذكر التوبة لأنه لولا التوبة لما استحقوا الفضل، وهذا يدل إن الإنسان مهما بلغ في احتراسه وعمله وحرصه على القيام بالأمانة، فلابد من إخلال، وهذا الإخلال ينشأ عن جهل أو ظلم يحتاج معهما أي مع هذين الأمرين إلى توبة واستغفار ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[الأحزاب: 73] وقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[الأحزاب: 73] يشمل معنيين يشمل التوفيق إلى التوبة، ويشمل أيضًا قبولها بعد وقوعها منهم، وهذا يعني يلغي من نفس الإنسان أي نوع من العجب والاستكبار والنظر إلى عمله ؛ لأنه لا يخلو من جهل وظلم يحتاج معه إلى مغفرة الرب –جل وعلا-ولذلك ينبغي للمؤمن أن يكثر من طلب المغفرة ويكثر من الاستغفار والإنابة إلى الله –عز وجل-حتى يدخل في هذا القسم ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[الأحزاب: 73] نسأل الله أن يتوب علينا.

الاكثر مشاهدة

3. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات85699 )
5. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات84553 )

مواد مقترحة

379. Jealousy