×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / برامج المصلح / الدين والحياة / الحلقة (32) اغتنم خمسا قبل خمس- حول الإجازة والفراغ

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:4024

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا بكم مستمعينا الكرام، إلى هذه الحلقة المباشرة من برنامج: "الدين والحياة"، والتي تأتيكم عبر أثير إذاعة "نداء الإسلام" من مكة المكرمة، أسعد بصحبتكم من الإعداد والتقديم أنا عبد الله الداني، وكذلك أجمل التحايا لكم من التنفيذ على الهواء الزميل مصطفى الصحفي، كما يسرنا أيضا أن أرحب بضيفي وضيفكم في هذا البرنامج، صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: خالد بن عبد الله المصلح، أستاذ الفقه بكلية الشريعة في جامعة القصيم، والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم، والذي نسعد بالترحيب بفضيلته، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ خالد.

الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبا بك أخ عبد الله، أهلا وسهلا بفريق الإعداد وفريق البرنامج، والمستمعين والمستمعات ونسأل الله أن يجعله لقاءً مباركًا.

المقدم: اللهم آمين، حديثنا في هذه الحلقة مستمعينا الكرام سيكون حول الإجازة الصيفية، هذه الإجازة التي هي تمتدُّ بإذن الله -سبحانه وتعالى- حتى نهاية موسم حجِّ هذا العام، وهناك الكثير من النقاط التي سوف نوردها في حديثنا، كذلك نسعد أيضا بمداخلاتكم وأطروحاتكم وآرائكم بالاتصال على الرقمين 0126477117، والرقم0126493028، كما يمكنكم مراسلتنا عبر الواتس آب على الرقم 0556111315، ويمكنكم كذلك المشاركة بالتغريد في هاشتاج البرنامج "الدين والحياة" على تويتر، إذا على بركة الله نبدأ حلقتنا هذه مستمعينا الكرام وحديثنا متواصل، ونبدأ حديثنا عن الإجازة الصيفية، سوف نتحدث عن هذا الموضوع المهم، فتفضلوا بالبقاء معنا.

فاصل...

نرحب بكم مستمعينا الكرام مجدَّدا في هذه الحلقة من برنامج الدين والحياة، كذلك أيضا نرحب بضيفنا الشيخ خالد المصلح، مرحبا بكم شيخ خالد، كما ذكرنا في بداية هذه الحلقة أن حديثنا عن الإجازة الصيفية وكما هو علوم أن هذا الموسم ينتظره الجميع سواء الطلاب، ذلك يعني بعد مضيِّ عام دراسي شاقٍّ وعمل مضنٍ، وكذلك الموظفون حتى يستريحوا قليلا من عناء العمل، وكذلك أيضا بشكل خاص الصغار الذين يتطلب لديهم أخذ فُسحة من الوقت، وكذلك أيضا يعني أن يكون لديهم أيضا مثل التعويض عن الأيام التي كانوا يقضونها في الاختبارات والدراسة وغير ذلك من الأمور التي يتطلبها العام الدراسي.

 شيخ خالد في البداية لو نتحدث عن ما حثَّ عليه الدين الحنيف فيما يتعلق بأن يستغِلَّ المسلم أوقاتَ فراغه بكل ما يعود عليه بالنفع، في البداية لو تحدثنا عن هذه النقطة بارك الله فيكم.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير والسراج المنير، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة للجميع من المتابعين والمستمعين والمستمعات. أيها الإخوة والأخوات: إدراك المؤمن وإدراك الإنسان الغاية من الوجود بالتأكيد سينعكس على تفكيره وعلى عمله وعلى ما يكون من تفاصيل حياته، وذلك أن الإنسان الذي يعرف الهدف من الوجود، الذي يعرف الهدف من الحياة، الذي يعرف لماذا هو موجود؟ وما الذي يسعى إلى الوصول إليه؟ وما يتعلق بتفاصيل هذا الأمر، بالتأكيد وعيُه بالهدف، إدراكه للغاية من الوجود، إحاطته بالسرِّ الذي من أجله خلق الله الكون سينعكس على تفكيره، وبالتالي سينعكس على عمله؛ لأنه لا يمكن أن يجري في شؤونه بعيدًا عن الهدف والغاية، بل وجود الهدف هو بمثابة البَوصَلة التي تصوِّب المسير، فكلما انحرف يمنة أو يسرة وخرج عن المسار إلى أكتاف الطريق أو إلى خارج المسار بالكلية تجد أن استحضار الهدف إِعادةَ النظر إلى مقصود الحياة يُرجِع الإنسان إلى المسار الصحيح ويصوِّبُ عملَه ويصحح مساره، ولهذا يعني من الضروري ما يتعلق بشأن الوقت، وفيما يتعلق بالفراغ، وفيما يتعلق بالزمان، من المهم أن نتذاكر جميعا هذه القضية، وهي لماذا خُلقنا؟ ليس هذا من عبث القول، ولا هذا من الرفاهية والترف، إنما هذا التنبيه إليه يمثل محورًا ومركزَ أساس في معالجة أي انحراف يتعلق باستثمار الزمان أو ملء الفراغ، نحن خلقنا الله -عز وجل- لعمارة الأرض، وعمارتها لأجل تحقيق الغاية من الوجود وهي العبادة، إذًا الغاية الأساس هو العبادة، والعبادة لا ينبغي لأحد أن يحصر الأمر في وجه من أوجه التعبد، بمعنى أنه لم يخلقنا فقط لنصلي، لم يخلقنا الله -عز وجل- فقط لنصوم، لنحجَّ، لنسبح ونمجِّدَ ونحمد فقط، بل العبادة بمفهومها الواسع أوسعُ بكثير من أن تُحصر في صورة من الصور، ولذلك عدد الله -عز وجل- أركان الإسلام وأصول الإيمان وعدَّد الشرائع والعبادات المفروضة الواجبة والمستحبة التي هي من جملة المسنونات والتطوعات، هذا التنويع لأجل التأكيد أن العبادة التي جعل الله تعالى العباد مخلوقين لها وهي غاية من وجودهم وخلقهم لا تنحصر في صورة، فإذا قلنا: إن الله خلقنا لعبادته فنحن نعلم أن عمارة الأرض من عبادة الله -عز وجل-؛ ولذلك ذكَّر بعض النبيين أقوامهم بنعمة الله عليهم وبما جعله الله تعالى من مَهامِّهم فقال: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] أي أنشأ الله تعالى هذه الأرض واستعمرهم فيها، وأيضا في السير في الأرض، الله -عز وجل- أمر بالسير في الأرض فقال{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15] وهذا يدل على أن العبادة والطاعة التي جعلها الله تعالى غاية للخلق وموجبًا لوجوده لا تنحصر في صورة ولا في نمط معين من التعبد، بل هي أوسع بكثير من أن تحصر في باب من أبواب التعبدات، التعبدات بالتأكيد، ثمة فرائض، ثمة نوافل، ثمة واجبات، ثمة مستحبات، والواجبات تختلف باختلاف أحوال الناس، لكن في الجملة نحن مخلوقون لعبادة الله، هذه العبادة تتخذ صورا عديدةً ولا تقتصر على نموذج أو صورة، بل نحن نتعبد لله تعالى بالصلاة على سبيل المثال، ونتعبد إلى الله تعالى حتى بعد الصلاة، لذلك الله -عز وجل- يقول في أفضل الصلوات وأشرفها في صلاة الجمعة يقول -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فأمر -عز وجل- بالسعي الذي هو سعي القلب وحرصه ودأبه في تحصيل هذه الفريضة والقيام بها ونهانا عما يشغلنا عنه فقال: {وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] ثم قال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10] انتهت الصلاة التي أُمرنا بالسعي أليها والذكر الذي أُمرنا بالاستماع إليه، ماذا نصنع؟ قال:{ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] الانتشار في الأرض هو التفرق في مناكبها، وما أمر الله تعالى به من السعي في مناكبها،وطرق أبواب العمارة لها والتكسب في أبوابها، وذلك قوله: {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] فضل الله: رزقه، فضل الله: ما يسره من المكاسب المباحة الطيبة التي بها عمارة الأرض وبها قوام الإنسان، ولهذا أنت مأمور بهذا وهذا، فالعبادة لا تتَّخِذ صورة في إقامة حق الله فقط، أو في عمارة الآخرة وهذه الدنيا، لا، العبادة تكمل وتتحقق بالأمرين جميعا في عمارة الآخرة وجعلها الهم الذي يسعى له الإنسان وعمارة الدنيا بما يحقق الغاية من الوجود والتعبد لله -عز وجل-{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ويقول -جل وعلا-:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الملك: 2]، وهذا ترقي في بيان الهدف والغاية، الله خلقنا لعبادته وقال:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الملك: 2] قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] هذا بيان للهدف العام، ثم ترقى في هذه العبادة وهي أن تكون على أحسن ما يستطيع الإنسان فقال:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [الملك: 2].

 إذًا نحن نحتاج إلى أن نستحضر هذا المعنى في استقبال إجازاتنا، في استقبال شغلنا، في فراغنا، وفي شغلنا، وفي صحتنا، وفي مرضنا، وفي كل أحوالنا، ويتأكد تذكر هذه المعاني عندما تكون هناك فُسحة في الوقت، عندما تكون هناك صحة، عندما تكون هناك قوة، عندما يكون هناك مواسم برٍّ وخير، عندما يعني ثمة مواضع عديدة يحتاج فيها الإنسان إلى التذكُّر والتذكير بهذا الأمر حتى ينشط ويعرف أن الخروج عن المسار الصحيح هو تفويت لفرصة الوصول إلى الهدف بأحسن حال وبأقصر سبيل.

المقدم: طيب، نذكِّر مستمعينا الكرام بأننا نستقبل اتصالاتهم، وكذلك أُطروحاتهم وآرائهم في برنامج "الدين والحياة"، وحديثنا في هذه الحلقة عن الإجازة الصيفية على الأرقام التالية، الرقم الأول 0126477117، والرقم الثاني0126493028، كما يمكنكم مراسلتنا عبر الواتس اب عبر الرقم 0556111315، وكذلك يمكنكم التغريد في هاشتاج البرنامج "الدين والحياة".

 شيخ خالد أيضا هناك جانب مهم من الجوانب التي حث عليها الدين الحنيف، ولا يخفى علينا في هذا الجانب، وينبغي ألا يفوتنا الحديث الشريف الذي قال فيه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – « اغتَنِم خَمْسًا قبل خَمسٍ»[أخرجه النسائي في الكبرى:ح34319، والحاكم في مستدركه:ح7846، وقال:«هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ» ، ووافقه الذهبي] وهذا أيضا يعني في صلب حديثنا في هذا الموضوع عن حسن استغلال الأوقات، أوقات الفراغ وغيرها من الأوقات التي يكون فيها نوع من الفضل والإحسان والبر.

الشيخ: بالتأكيد أن الإنسان في هذه الدنيا خلقه الله -عز وجل- على حال من الشغل الذي لا ينقطع، وعلى حال من التحول والتغير الذي ينبغي للإنسان أن يحرص على استثمار كل مرحلة بما يتناسب معها، الله -عز وجل- يقول:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54] حتى هذه الأطوار من خلق الإنسان من حيث قوته واكتمال ما عنده من القدرات وما خوَّله الله تعالى إياه من الإمكانات، هذا هو الترتيب، ضعفٌ ثم قوَّة ثم ضعف وشيبة، يعني ضعف الابتداء ثم شيبة، وهذا ضعف على ضعف، ووهن إلى وهن، نحن بحاجة إلى أن نستذكر أنه نعمة من الله ينعم بها على العبد أن يَهَبَه قدرة على تحقيق الغاية، أن يُعينه بالآلات والأدوات التي من خلالها يستطيع الوصول إلى غايته، الله -عز وجل- يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78] هذا البيان أصل الخلقة، وأن أصل الخلقة من الإعدام، الإعدام الذي يتمثل في عدم المعرفة بشيء، طبعا عندما يقول: {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}، معنى هذا أنه لا نعمل شيئا أيضا، فإن العمل فرع عن العلم، فهو عجز في الإدراك وعجز في الأداء، عندنا عجز في الإدراك؛ لأنه ما عندنا علم، هذه حالنا عندما خرجنا من بطون أمهاتنا، وأيضا لا إنتاج، لأنه لا إنتاج إلا بعلم، ثم بعد هذا الخبر الإلهي عن حال الإنسان من خروجه من بطن أمه على هذه الصورة من الفقر والجهل وعدم القدرة على العمل لعدم العلم قال:{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] جعل لكم السمع، هذه وسيلة من وسائل التعلم، والأبصار هذه وسيلة ثانية من وسائل التعلم، والأفئدة وهي القلوب التي تصل إليها مُدخَلات السمع والبصر وتتشكل منها العقائد والأقوال والآراء والمعارف، ثم بعد ذلك ذكر ليش كل هذه الإمكانات التي وهبها الله -عز وجل- هذا الإنسان الذي لا يعلم شيئا؟ قال:{ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] معنى الشكر هنا ليس هو قول الحمد لله فقط، وليس هو قول أشكر الله على ما أنعم فقط، لا، الشكر هنا بمعنى العبادة التي هي غاية الوجود، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لعلكم تعبدون، قال الله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فشكر الله عبادته، وقال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] أي التعبد {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] أي من يحقق المطلوب منه في عبادة الله -عز وجل-، لهذا نحن ينبغي أن نستشعر أن مرحلة اكتمال الهِبات هي من المراحل التي ينبغي ألا يفوِّتها الإنسان؛ لأنها حال لا تدوم، بل حال متحوِّلة، اليوم أنت قوي غدا ستكون ضعيفا كما جاء في الآية الكريمة التي ذكرت{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] فكل ما أعطيته من القدرات، كل ما أعطيته من الإمكانات حقيقته أنه ينفد، قال الله تعالى {ما عندكم يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] أي ما عندكم من مال، ما عندكم من صحة، ما عندكم من قوة، ما عندكم من جاهٍ، ما عندكم من كل المكتسبات الدنيوية تنفد، كما قال الله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:26ـ27] فعندنا هنا تذكير بهذا النفاد الذي يستوجب المبادرة إلى استغلال تلك المِنن، استغلال تلك القدرات، استغلال تلك العطايا والهبات، حتى يحقق الإنسان الغاية من وجوده{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وفي هذا الإطار يأتي هذا الحديث الذي يذكِّر بأصول النعم وأسس الإنتاج التي من خلالها يمكن أن يحقق الإنسان الغاية من الوجود في عبادة الله -عز وجل- وفي عمارة الدنيا وفي التقدم إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه ابن حبان وغيره من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لرجل وهو يَعِظه، إذا هي موعظة، هذه موعظة وعظها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلا فقال« اغتنم خَمسا قبل خمسٍ»، وهذا الحصر والتقسيم المتقابل للتنبيه لأصول النعم التي يملكها الإنسان، «شَبابَك قبل هَرَمِك»، والشباب فترة ومرحلة من اكتمال القوى والإقدام والنشاط والحيوية، فينبغي للإنسان ألا يفوِّتَه، فإنه سيقابل بالهرم، كما قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54]، الثاني: «وصِحَّتَك قبل مَرَضِك»، فالصحة نعمة، والصحة هي السلامة، هي العافية، هي النجاة من العيوب وأسباب التعسر التي تعيق الإنسان عن الوصول إلى ما يؤمِّل من الكمال، ما يؤمل من الإنجاز، ما يؤمل من الخير في دينه ودنياه، المريض سواء كان مريضا مرضا عارضا أو مرضا دائما، بالتأكيد أنه في حال مرضه يعجز عن إنتاج ما يتمكن من إنتاجه حال صحته وعافيته، ولهذا نبه النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أن الصحة ينبغي أن تُستَثمَر، وصحتك قبل سقمك، ومعناه أن السقم آتٍ لا محالة، سيأتي السقم بلا شك، أو قد يفقد الإنسان الصحة بالكلية؛ لأن السقم يعني حتى الواحد ممكن يقول أنا الحمد لله طيلة نراهم ما يمرضون، كل حياتهم ما يمرضون، لكن هؤلاء صح ما يمرضون لكن يأتيهم ما يَسلُب كلَّ صحتهم، وهو الموت الذي يهدم الحياة كاملة، فلذلك ينبغي أن ينتبه إلى صحته وما ثمة ما هناك إنسان ما يصيبه مرض، إما مرض دائم وإما مرض عارض، ثم قال: «وغناك قبل فقرك»، وهذه الحال الثانية التي أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – باغتنامها، حال غناه، والغنى ليس المطلوب به كثرة العرض فقط، الغنى هو أن يملك الإنسان ما زاد على كفايته، ولذلك جاء في الصحيح أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما سُئل عن الصدقة، عن خير الصدقة، قال – صلى الله عليه وسلم – «جَهدُ المُقِلِّ»[أخرجه أبوداود في سننه:ح1677، والحاكم في مستدركه:ح1509، وقال:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ]، ومعنى جَهد المقل يعني ما يبذله صاحب المال القليل الذي إخراج شيء من ماله يلحقه نوعا من عدم التوسع، عدم الاكتمال بالعطاء والإخراج والهبات، هذا المعنى يؤكده قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه لما سئل عن أفضل الصدقة، قال: أفضل الصدقة جَهد المقل، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن أفضل الصدقة؟ قال: «ما كان عن ظهر غنى»[أخرجه البخاري في صحيحه:ح1426]، والجمع بينهما أن جهد المقل هو الحد الأدنى يعني الذي زاد عن حد الكفاية المتعلقة به، وهذا لا يعني أن يبخس الإنسان نفسه ويعين غيره، لا، إنما يعطي من الذي زاد عن قدر كفايته ولو كان هذا لا يحصله إلا بعناء وتعبٍ.

المقدم: هل يدخل في هذا الحديث «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمُل الغنى وتخشى الفقر»؟[أخرجه البخاري في صحيحه:ح1419]

الشيخ: هذا الحديث في بيان أن أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، والحديث الذي ذكرت هو بيان لحال أخرى يكون الإنسان فيها على نحو من الاكتمال والحرص على الدنيا قد بلغ غايته وأصبح البذل للمال، يكون البذل للمال به عسيرا عليه، يعني أنت الآن تلاحظ الإنسان في حال صحته يحسس للقرش على ما قالوا، يحسس للمال، دخل كذا خرج كذا لكن هذا الذي يأتيفي حال مرض تجده لا يبالي بما يخرج من المال؛ لأنه مودِّع، أو يشعر أنه في سياق المغادرة، وأيضا قدرته على المال من حيث الانتفاع به ليست كقدرة الصحيح، ولذلك جاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قيل له: أي الصدقة أعظم؟ قال:« أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمُل الغنى، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان في أولئك»[تقدم تخريجه]، يعني خلاص المال خارج ملكك لما تراه من نفسك من ضعف ومفارقة للحياة تجعلك تزهد في المال ولا تتمسك به، المقصود أن قوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه- في «اغتنم خمسا قبل خمس: غناك قبل فقرك»، لا يتصور الإنسان أن الغنى هو أن يبلغ الحد الأعلى من الغنى، بل هو أن يملك ما يزيد عن حاجته، ما يمكن أن يستغني عنه فيما يتعلق بكفايته، ثم ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – رابعا مما ينبغي اهتمامه من الأمور، قال: «وفَراغَك قبل شُغْلِك»، وفراغك يعني عدم وجود ما يملأ وقتك، الفراغ هو خلو الشيء من مشغل أو خلو الحيز مما يملؤه، ففراغ الإنسان هو ألا يجد في وقته ما يملؤه بعمل لا بد له منه أو بهمٍّ يسعى في التخلص منه بتأمينه أو بحزن يسعى في دفعه، الفراغ ضد الشغل، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم –:« وفَراغَك قبل شُغلِك»، أما الأخيرة فهي المعنى الجامع لكل هذه الأحوال، وهي أن تغتنم حياتَك قبل مَوتِك، ولذلك قال النبي – صلى الله عليه وسلم – «وحياتَك قبل موتِك»، هذه من الضرورات للمؤمن أن يتنبه لهذه الموعظة النبوية الكريمة التي كان الناس يتواعظون بها، قال غنيم بن القيس: "كنا نَتواعَظ بها ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك وفي حياتك لموتك"[جامع العلوم والحكم:2/387] هذا المعنى أشار إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « نِعمتان مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»[أخرجه البخاري في صحيحه:ح2412] واغتنام هذه الأوقات، اغتنام هذه النعم، اغتنام هذه المنح من الفراغ، من الصحة، من الغنى، من الشباب، من الحياة، لا يمكن أن يتحقق لكسول، لا يتحقق إلا لمبادِر، إلا لمسابق، ولذلك أمر الله تعالى بالمسارعة إلى الخيرات فقال:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وفي الآية الأخرى يقول:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[الحديد: 21]، فمن ضرورات الاغتنام المبادرة، لا يتحقق أن يكون الإنسان مغتنِما وهو يمشي بالهوينا، وهو لا يبالي بهذه النعم فيما يتعلق بصحته، فيما يتعلق بفراغه، فيما يتعلق بشبابه، فيما يتعلق بغناه، فيما يتعلق بحياته، أن يبادر إلى اغتنام هذه النعم قبل فواتها.

إن في الموت والمعاد لشغلا    وادكارًا لذي النهى وبلاغـــــــــــــــــا

فاغتنم نعمتين قبل المنايا      صحة الجسم يا أخي والفراغا

هاتان النعمتان ينبغي للمؤمن أن يتنعم بهما، ونحن أيها الإخوة والأخوات يعني بعد هذا الكلام التأصيلي لهذه القضية التي لا تقتصر في الإجازة عن غيرها، هي مشروع حياة، هذه تكون معك في الإجازة وفي غير الإجازة، في كل الأحوال، نحن نستقبل الآن فرقا يتأكد به التأكيد على هذه المعاني، هذا الفراغ الكبير والكم الواسع من الفراغ من بداية الإجازة إلى نهايتها هي في الحقيقة تحدِّي، تحدي لكل واحد منا، وأنا أقول الإجازة ليس مختصا فيها بشأن الطلاب والطالبات، والمعلمين والمعلمات، بل هو شأن عام، لأن هذه الشريحة من المجتمع شريحة واسعة عريضة تؤثِّر على كل الشرائح المتبقية في المجتمع، فلم يسلم من تأثير هذه المرحلة أي طبقة من طبقات المجتمع أو أي شريحة من شرائح المجتمع، ولذلك يعتبر ذلك قضية واسعة ليست خاصة بفئة من الناس، حديثنا عن الإجازة لا نقصد به التلاميذ كما تفضلت، لا نقصد به المعلمين والمعلمات، ولا نقصد به إدارات التعليم، نقصد به المجتمع كله، البيوت والأسر والإعلام والأمن وكل الجهات التي في المجتمع تطلع بهذه القضية وتسهم في أن تمر على نحو من النفع والإفادة، وأقل الأحوال أن تمر سليمة من الشرور والآفات، لأن عندنا غايتنا، الغاية الكبرى في هذه الإجازة الاستثمار، والاستثمار يتطلب جهودا وعملا وبذلا وتنبُّها، وهذا من الشخص نفسه ومن محيطه ومن الإعلام ومن سائر الجهات التي تهتم بهذه القضية، لكن عندما نعجز عن أن نبلغ الاستثمار، لا أقل من تقليل الشر ووقاية الإنسان نفسه من شر نفسه ووقاية المجتمع من شرِّه، أصل هذا ما جاء في الصحيح عند الإمام مسلم عن أبي ذر – رضي الله تعالي عنه – أنه قال: "قلت: يارسول الله، أي الأعمال أفضل"؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله»، قال: قلت أي الرِّقاب أفضل؟ هذا سؤال آخر قال – صلى الله عليه وسلم – «أَنفَسُها عند أهلها وأكثرُها ثمنًا»، الشاهد هو ما يأت قال: قلت: فإن لم أفعل، يعني ما اشتغلت بأفضل الأعمال ولا بأفضل الصدقات، قال – صلى الله عليه سلم – يعني هنا لم أفعل إما اختيارا أو عجزا عن تلك الفضائل المتقدمة، قال – صلى الله عليه وسلم – «تُعِينُ صانعاً أو تَصنَعُ لِأَخرَق»، أي تعين من يصنع في صناعته أو تصنع لمن لا يحسن الصناعة، إذا أن تقدم نفعًا متعديًا أما بالإعانة وإما بالتكفل بالعمل كاملا، قال: قلت يا رسول الله، وانتبه إلى التدرج، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل، يعني حتى هذا ما سوَّيتُ، لم أعن صانعا ولم أصنع لأخرق، قال – صلى الله عليه وسلم – «تكفُّ شَرَّك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك»[أخرجه البخاري في صحيحه:ح2518، ومسلم:ح84/136]، تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك، هذا المعنى ضروري أنك تنتبه إليه وأنه نحن في هذه الأجازة نعمل على صعيدين، الصعيد الأول: استثمارها فيما ينفع في الدين والدنيا، فيما يبني الإنسان ويؤهِّله للاستمرار في حياته، يكسبه خبرات، يكسبه مهارات، يكسبه معارف، يكسبه تجارب، يا أخي الحياة ما في شيء اسمه تعطيل، يعني بمعنى أنه يبقى هكذا، الحياة عجلة لا تتوقف، عقارب الساعة هذه، أتعرف إجازة؟ لا، لو تعطلت الساعة لذهبت إلى أدنى مصلح أو أقرب مصلح ليصلحها لك، حياتنا كذلك ما تعرف تعطّل، العجلة دائرة والأيام تمضي، ومن الضروري أن نستثمر هذه الأوقات فيما يعود علينا بالنفع والخير

المقدم: طبعا نحن متواصلون -إن شاء الله- في هذه الحلقة ومستمعينا الكرام كذلك يمكنهم أن يتواصلوا معنا في هذا الموضوع عن الإجازة الصيفية مما نتناوله في هذا البرنامج الدين والحياة على الرقم 0126477117، والرقم الثاني 0126493028، كما يمكنكم مراسلتنا مستمعينا الكرام عبر الرقم0556111315، وكذلك بالتغريد في هاشتاج البرنامج "الدين والحياة"، نأخذ أول اتصال في هذا البرنامج، ومع أبو أحمد من جدة، حياك الله أبو أحمد.

المتصل: حياك الله يا شيخ، السلام عليكم.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله.

المتصل: يا شيخ خالد كيف حالك، حياك الله يا شيخ خالد وبارك الله فيك.

المقدم: تفضل، تفضل.

المتصل: بارك الله فيك، أنا عندي زوجتي بارك الله فيك، عندها استئصال للكلية، ما عندها إلا كلية واحدة لها ست سنوات الآن، لها سنتين ما تصوم، ما استشرت الأطباء في هذا الأمر، وما أدري أنا تصدقت عنها بثلاثين مسكين عن العام الماضي في رمضان، هل هو يكفي المسكين إطعام؟

المقدم: طيب، في سؤال ثاني أبو أحمد؟

المتصل: أي نعم بارك الله فيك.

المقدم: السؤال الثاني إيش هو؟

المتصل: زيارة القبور، متى تكون زيارة القبور؟ وهل  الميت يعلم بمن زاره؟

المقدم: طيب، شكرا لك أبو أحمد.

كان طبعا بودي أن تكون الأسئلة في صلب الموضوع، وحديثنا في هذه الحلقة عن الإجازة الصيفية، لكن إذا أحببتم يا شيخ كما ترون.

الشيخ: ما يتعلق بالموضوع المهم الذي يسأل عنه، يعني ما فعله العام الماضي من إطعام ستين مسكين هذا يكفي إذا كانت زوجته لا تتمكن من الصيام، وهذا شيء مستمر فيكفي الإطعام عن كل يوم مسكينا، أما سؤال موضوع زيارة القبور هذا خارج عن الموضوع لعلنا نجيب عنه بعد ذلك.

المقدم: شيخ خالد أنا لا زلت أذكر عبارة كان يقولها سماحة العلامة الشيخ محمد العثيمين -عليه رحمة الله- عندما يقول: إن المسلم ليست لديه عطلة، هو يتنقل من شغل إلى شغل، ومن عمل إلى عمل، وأذكر في هذا قول الله -سبحانه وتعالى-: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح: 7-8] المؤمن متقلِّب بين عبادة وأخرى، وكذلك يعني إذا ما انتهى من عمل دخل إلى عمل آخر، فهو لا يعيش هذه العطلة بمسماها السلبي وإنما يكون هناك حسن استغلال لهذه الإجازة بأن ينتقل من شغل إلى شغل آخر، ومن عمل إلى عمل آخر، وأيضا ليست كما تفضلتم، ليست العبادة مقصورة ومحصورة على صورة ما، وإنما العبادة يدخل فيها كل ما يبتغي فيها المسلم وجه الله – سبحانه وتعالى –، وأخلص فيه لله العبادة وأخلص فيه لله القصد، وبالتالي فمسألة العبادة أيضا يعني ليس معناها كما يظن البعض يعني أنها أَطْر النفس وحبس للنفس في مكان ما، كيف يمكن أن نوضح هذا الجانب في جانب التقلب، تقلب الإنسان من حال إلى أخرى؟

الشيخ: النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – واضح وجلي أنه كان يذكر تحولات الإنسان وأنه ينبغي له أن يبادر ويدرك الكمال والحال الوافية في استدراك ما يحقق غاية الوجود، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، هذه المعاني تؤكد هذا المعنى عندما ذكر شرح الصدر في سورة الشرح ابتدأ هذه السورة بنعمة الله على رسوله  {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] ثم ذكر نعمة أخرى{وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الشرح: 2] ثم {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 3] ثم نعمة ثالثة، وهي{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] هذه الهبات الثلاث، وهي عطايا لم تكن عطايا سالبة للمنغصِّات، بل كانت عطايا اجتس بها ما يكرهه الإنسان من آلام كما ذكر ذلك من سور سابقة، سورة الضحى { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى:6 -8 ] قال:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5- 6] كل هذا التنوع، كل هذا التقلب، من يسر إلى يسر، من فقر إلى غنى، من يُتمٍ إلى إيواء، من ضلال إلى هدى، كل هذا طريقه والفوز فيه بما يبلغ الإنسان الكمال هو الجد والاجتهاد في طاعة الرحمن، ولذلك ختم الله هذه السورة بقوله:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ  * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7-8] وقوله -جل وعلا-:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] قال بعض أهل العلم" إذا فرغت ليس المقصود إذا فرغ وقتك وانتهت أعمالك، المقصود إذا فرغت يعني إذا تمَّ لك عمل فاشتغل بعمل آخر" وصل العمل بالعمل، وصل الخير بالخير، لأن الحياة مزرعة، الحياة ميدان سباق، الحياة موضع اختبار ينتقل فيه من حال إلى حال، ويختبرك الله -عز وجل- بالصحة، كما يختبرك بالمرض، يختبرك الله بالغنى كما يختبرك بالفقر، يختبرك الله -عز وجل- بالشباب ويختبرك بالهرم، وهلمَّ جرًّا، كل أحوال الإنسان في اختبار، يحتاج إلى أن يحقق العبادة لله -عز وجل- في كل مناسبة بما يناسبها، في كل ظرف بما يلائمه، وبهذا يحقق الإنسان العبودية لله -عز وجل-، والله -عز وجل- ذكر تقلب الأحوال فقال:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] فلم يجعل الله -جل وعلا- الحالَ واحدة في كون الإنسان على نحو من الدوام، على نحو من الاستقرار، دوام الحال من المحال، ولا الخير يبقى ويدوم، ولا الشر يبقى ويستمر، ولهذا لما قال أحد الحكماء، لما قال أحد الخلفاء لأحد العلماء أو الحكماء: اكتب لي جملة أنقُشها على خاتمي إذا قرأتُها وأنا سعيد ذكرتني ألا أطغى، وإذا قرأتها وأنا في همٍّ وحزن وسَّعت علىَّ وبشَّرتني بالفرج، فكتب له هذه الجملة" دوام الحال من المحال".

هذه لا يقرأها سعيد إلا وتذكَّر أن هذه السعادة ستفوت منه سيعمل بما يرضى الله فيها، لا يقرؤها من كان في شقاء إلا ويحمله هذا على الصبر ويعطيه أملا، ويؤمله فرجًا أن يتغير الحال وتتغير أموره، الشقاء لا بقاء له، كما أن النعيم لا دوام له، وبالتالي من المهم أن نحقق العبودية لله في الأحوال كلها، هذه الإجازة وهذه الفترة التي نستقبلها يعني هي فضل ونعمة الله أنها كانت مُحتَفَّةً بطاعتين أولها صوم وآخرها حج، وأنا أقول هنيئا لمن ابتدأها بتحقيق طاعة الله -عز وجل- في صيامه وختمها بطاعة الله -عز وجل- بأداء الفرض إن كان لم يفرض فرض الحج أو بالتنفل إن كان من أهل التنفل القادرين الذين يتمكنون من التنفل بالحج، هاتان العبادتان الجليلتان، أنا أقول كم هم الذين لم يحجوا الفريضة؟ لماذا لا يرتب الإنسان أن يخطط أن يحج هذا العام بما أنه في فُسحة وفي مجال.

المقدم: التسويف، يعني عدم استغلال الوقت للشباب والتسويف يا شيخ، يعني يقول بعد الزواج، يقول بعد أن أفعل كذا وبعد أن أتخرج وبعد، وهكذا

الشيخ: وهكذا كما ذكرت، لكن المهم أنا عندي المفتاح الرئيس هو الاهتمام ببناء الإنسان، يا أخي أنت وأنا وأنتم أيها الإخوة والأخوات يعني كل يوم نبني، كل يوم نبني في أنفسنا شيئا أو نهدم شيئا، إما الإنسان في بناء أو في هدم، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – في حال الإنسان في كل يوم: «كُلُّ الناس يغدو فبائِعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها»[أخرجه مسلم في صحيحه:ح223/1] كل يوم من أيامك، كل لحظة من لحظاتك، إما أن تتقدم أو تتأخر، لذلك من المهم أن نعي هذا الأمر، وأن نستغل أوقاتنا وأعمارنا وأحوالنا في الطاعة، كثير من الناس في الإجازة عنده كمٌّ هائل من الوقت الضائع الذي لا يعرف كيف يقضيه، وبالتالي تجد أنه لا يتعامل مع هذا الوقت على أنه نعمة، وعلى أنه فرصة للبناء والاستثمار، إنما هو هدم، هدم واقع، يعني أنا أعرف هذا من حال كثير من الناس يقولوا: الله يجيبه المدرسة، ليش؟ لاسيما من الآباء والأمهات وأولياء الأمور، لأنها تمثل لهم حلًّا أمثل من الوقت الضائع عند أولاده، فبالتالي تشغلهم نهارا وتأخذ جزءا من أوقاتهم مساء، وذهاب ومجيء وارتباط وفراغ، وبالتالي يعني هي نوع من الشغل الذي يحقق لهم نوعًا من الانتظام في الحياة، الإجازة على خلاف هذا كحال كثير من الناس يعني وقت وكمّ هائل من الدقائق والساعات والأيام الذي لا يحسن استثماره ولا كسبه، بل لا يعرف حتى لو لم يستثمره، لا يعرف حتى يقي نفسه شر هذه الأوقات، بأن لا يقع في شرور، بأن لا يقع في كما تقدم في السابق إن نحن إما أن ننتفع بهذه الأوقات أو على أقل الأحوال نكفُّ شرَّنا عن الناس، نكف شرنا عن أنفسنا وعن الناس في هذه الإجازة، هذا يعني كما ذكرت فيما يتعلق بالعبادات من المهم أن يجِدَّ الإنسان ويبذل وسعه في إيجاد فرص للاستثمار.

المقدم: لو يا شيخ اختصرنا الجانب مسألة الاستثمار التي تفضلتم بها الآن، كيف يمكن استثمار هذه الإجازة في نقاط تكون يعني تذكر بشكل مختصر، كيف يمكن أن نستغل هذه الإجازة بما يرضي الله – سبحانه وتعالى – علينا وليس كما تفضلتم شرطا أن يتوقع البعض أن الإجازة يجب أن تحصر في صور معينة.

الشيخ: يعني هو يا أخي شوف المهم أن نعرف أن هذا الوقت مهمٌّ ولابد من استثماره، وأن إضاعته دمار، يعني لو لم يكن إلا خسارة هذا الوقت، لو لم يقع في مفاسد هو خسارة، أن تذهب هذه الإجازة وهذا الوقت دون أن تبني شيئا في نفسك، دون أن تتقدم خطوة في صلاح نفسك، لذلك من المهم أن نعتني بأوقاتنا، من المهم أن نستثمر زماننا، من المهم أن نبني أنفسنا، لذلك يعني عندنا مثلا الدورات التدريبية، البرامج التعليمية، الأعمال المهنية بشتى صورها، الأعمال التجارية، الفرص الوظيفية في فترات الصيف، المجالات متنوعة لو لم يكن منها إلا أن يقول: والله ما تيسر لي كذا، ما تيسر لي كذا، يا أخي خدمة الأهالي، بناء الجسم بالنافع من الأعمال الرياضية التي تبني جسمك وتصح بدنك، البعد عن مواطن الشر والفساد، السهر، الرفقة السيئة، المجالس المفسدة، هذه المشاريع ينبغي أن تكون حاضرة في ذهنك، أن تبني نفسك بكل ما تستطيع، وأن تقي نفسك شرَّ ما تستطيع، كثير من الناس يعني يعمل بأنواع من العمل الذي يتعلق مثلا بالسفر إلى المواطن المتعة سواء كان في الداخل أو في الخارج، من الضروري أن يعرف ما يتعلق بالأفكار، وأنا أقول هنا ثمة مسألة مهمة وهي أن الذين يسافرون ينبغي أن يعرفوا أنهم يعكسون صورة البلاد، لا يمثلون أنفسهم سواء كانوا شبابا أو كانوا فتيات أو كانوا أُسَرًا، من الضروري أن يعوا أن هذه المظاهر السلبية التي يرصُدها الناس عن السعوديين على وجه الخصوص بما أننا نتحدث في بلادنا ينبغي أن نجتهد في تقييد وتقليل دائرة النقد، لسنا ملائكة بالتأكيد، لكن فرق بين أن نقول لسنا ملائكة نبرِّر به أخطاءنا ونُسوِّغ به ممارساتنا الغلط، وبين أن نقول: لسنا ملائكة نعتذر به عن هفوة أو ذلَّة غير مقصودة، شتان بين من يرتب للشرِّ ويسعى له ولا يبالي بنفسه ولا يبالي بمجتمعه ولا يبالي بمن يمثلهم، وبين من يفعل ذلك، يصدر منه شيء من ذلك على وجه الغفلة أو على وجه الخطأ أو على وجه عدم القصد، شتان بين هذا وهذا، لهذا من المهم أن نتخلَّق بالأخلاق الكريمة، أن نعلم أننا عبيد لله -عز وجل- في السرِّ والعلن، وفي السفر والحضر، وفي الداخل والخارج، أن نتقي الله – تعالى – وأن نعكس صورة إيجابية عن أنفسنا في كل مكان تطؤه أقدامنا؛ لأن الله -عز وجل- علينا رقيب، وعلينا مطَّلع، وهو شاهد لما يكون معنا في كل حال وفي كل زمان، وفي كل مكان، وبالتالي ينبغي أن يصطحب الإنسان هذه المعاني حتى يقدِّم صورة إيجابية، فالذين يسافرون يجب أن يلاحظوا هذا الأمر، والذين لا يسافرون ينبغي أن يشغلوا أنفسهم بالمفيد، ونقول من المهم تجنب التزييف في المظاهر التي لا تحكي الحقيقة بل قد توهم بشيء من خلاف الواقع، فتجد الفقير يلبس لِباس الغني وتجد الفقير يذهب إلى أعلى المنازل قيمة ويظهر بمظهر الغَنيّ، وهؤلاء أصحاب المظاهر الذين يرسمون أنفسهم على خلاف الواقع، يصدق فيهم قول النبي – صلى الله عليه وسلم – «مَن تشبَّع بما لم يعط كان كلابس ثَوبَي زُور»[أخرجه البخاري في صحيحه:ح5219] ليس ثوبا واحدا، ثوبي زور؛ لأنه خدع نفسه وخدع غيره، وغشَّ نفسه وغش غيره، وأما التحدث بنعمة الله وإظهار نعمة الله فلا يعني أن يعلو بها على الخلق، التحديث بنعمة الله شكر الله على ما أنعم ليس علوًّا على الخلق ولا طلبا للرفعة عليهم ولا احتقارا لهم « بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المُسلم »[أخرجه مسلم في صحيحه:ح2564/32] وهذا معنى مهم، فإذا كان الله قد أعطاك رزقًا فلا تعلو به على الخلق، ليكن هذا المال وهذا الرزق الذي منحك الله – تعالى – إياه سببا للتقرب إليه لا سببا للعلوِّ على الخلق، الذي أعطاك قادر على حرمانك، الذي منحك قادر على أن يسلبك، ولذلك ينبغي محاصرة وتضييق دائرة العلو على الخلق والترفع عليهم.

المقدم: هي الإجازة ستمر على الكل، الكل سوف يمر بهذه الإجازة لكن في الأخير المحصلة من هو الرابح؟ ومن هو الخاسر؟ المهم أن الرابح سوف يسعد والخاسر سوف يندم على ما فات من أيامه، وليس هناك فرصة لاسترجاع هذه الأيام الفائتة.

 لو نختم في دقيقة شيخ خالد يعني لو تمر علينا هذه الإجازة وهناك رجال عباد الله – سبحانه وتعالى – يحمون هذه البلاد المباركة بلاد الحرمين، وهم في تلك الثغور مرابطون على الحدود، ما هي الكلمة التي يمكن أن توجهها إليهم، وكذلك ما الذي يمكن أن نستفيده من هذا الجانب؟

الشيخ: بالتأكيد أنا أنبِّه إلى أنه ينبغي لنا ألا نغفل عن التحديات التي تحيط بنا، ولا نغفل عن الأخطار التي يتربص بنا أعداؤنا سواء كانوا في الداخل أو في الخارج، وأن نستحضر عظيم ما منَّ الله – تعالى – به على هذه البلاد المباركة، المملكة العربية السعودية من الالتئام والالتحام والاجتماع، وأن نشكر الله عز وجل على ما يسر من هذه النعم المتوالية من هذا الأمن، رجال الأمن، من رجال الجيش الذين يرابطون على الثغور، يحموننا ويدافعون عنا حتى أن كثيرا منا لا يشعر بأنه في حرب أو أن ثمة أخطارا تهدده وتهدد مكتسباته، الأعداء متربِّصين، لاشك أن هذه نعم يا إخواني، وأنا أقول حق لهذه الأعمال أن تشكر وأن يذكر أهلها بالجميل، هؤلاء النفر الذين يسهرون على خدمة المسلمين وخدمة بلاد الحرمين وحفظ حدود هذه البلاد من الجنود والطاقم العسكري بكل طبقاته، الضباط والأفراد والجنود، الحقيقة أننا ندعوا لهم الله -عز وجل- أن يسدِّدَهم وأن ينصرهم على من عاداهم وأن يحفظهم، هذا من حقهم، ومن حقهم أيضا أن نراعي أحوال أُسَرهم وأن ندخل السرور عليهم ونشاركهم فيما يمكن مشاركته مما يتحقق به الخلف المبارك لهم.

المقدم: شكر الله لكم صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور خالد بن عبد الله المصلح، أستاذ الفقه في جامعة القصيم، والمشرف العام على فرع الرئاسة العامة على البحوث العلمية والإفتاء في منطقة القصيم، على ما تحدثتم به من حديث شيق في هذه الحلقة على مدى ساعة كاملة، وأسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يجعل ذلك في موازين أعمالكم الصالحة.

الشيخ: بارك الله فيكم، وأسأل الله أن يعمِّر أوقاتنا بطاعته، وأن يعمرها بمحبته وأن يبلغنا الخيرات، وإلى أن نلقاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله، لكم الشكر الكريم مستمعي الكرام على حسن الاستماع، لقاؤنا يتجدد بكم في حلقة الأسبوع المقبل بإذن الله – سبحانه وتعالى – حتى ذلكم الحين تقبلوا تحيات محدثكم عبد الله الداني، ومن التنفيذ على الهواء الزميل مصطفى الصحفي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الاكثر مشاهدة

3. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات91392 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات87212 )

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف