×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

رمضانيات / برامج رمضانية / ادعوني أستجب لكم / الحلقة (13) الثناء على الله

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنا الحمدلله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله، صفيه، وخليله، خيرته من خلقه، أخرجنا الله تعالى به من الظلمات إلى النور، بصرنا به من العمى، هدانا به من الضلالة، يسر الله تعالى به لنا تحقيق العبودية لله، وسلوك الصراط المستقيم، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فأهلا وسهلا ومرحبا بكم .. أيها الإخوة والأخوات .. في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ إن مما ينبغي أن يعرف، أن امتثال أمر الله تعالى بالدعاء، يجب أن يقترن بالآداب التي يتحقق بها قبول هذا الدعاء، ومن آداب الدعاء: أن يثني العبد على ربه جل في علاه، وأن يقدم بين مسألته، وبين طلبه، وأن يجتهد في تمجيد الله، وتقدسه، لعل سؤاله أن يقع موقع القبول، فإن من موجبات قبول الدعاء، ومن أسباب إجابة السائلين، وإعطاء الداعين ما يؤملنه، وما يرجونه، أن يقدموا بين ذلك ثناء، أن يقدموا بين يدي دعاءهم، وسؤالهم، وطلبهم تمجيدا، وتقدسا، وثناء لله عز وجل، وعلى هذا جرى أفضل دعاء، وأعظمه، وأنفعه، وأوجبه، وهو دعاء الله تعالى، وسؤاله الهداية، فإن الله تعالى أوجب سؤال الهداية على عبادة، بفرضه قراءة سورة الفاتحة على المؤمنين في صلواتهم، وهي متضمنه لقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾+++الفاتحة:6---  وهذه السورة تعلمنا كيف ندعوا الله عز وجل، فقد جمعت مجامع الثناء على الله عز وجل، كما أنها جمعت مجامع السؤال، والطلب، وأعلى ما يرجوه السائلون، ويطلبه الداعون، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم. إن من المهم أن يدرك المؤمن، أن حاجاته تقضى من قبل ربه، وأن قضاء هذه الحاجات، يحتاج إلى أن يقدم العبد بين يدي ربه ثناء، وتمجيدا، وتقدسا، ليس لحاجته، وهذا معنى مهم، ثناء العبد على الله تعالى، ليس لحاجة الله تعالى إلى هذا الثناء، وهو الغني الحميد جل في علاه، وقد قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»+++صحيح مسلم (2577)---  فهو الغني عنا، وعن عبادتنا، وعن ثناءنا، وتمجيدنا، وتقدسنا، فله الثناء المطلق، لكن ثناء العبد بين يدي سؤاله، وطلبه، يحضر قلبه لمعاني عظيمة، يحضر قلبه للإخلاص، يحضر قلبه لحسن الظن بالله عز وجل، يحضر قلبه للثقة باختيار الله عز وجل، يحضر قلبه للخضوع، والتضرع، والافتقار إلى الله جل وعلا، وكل هذه المعاني مما يوجب قبول السؤال، فلا تظن أن الثناء بين يدي سؤالك، وطلبك، هو لحاجة الله إلى ذلك وهو الغني الحميد، إنما هو لأجلي أن يستحضر العبد تلك المعاني، في هذا الثناء، فيكون هذا موجبا لعطاء الرب جل في علاه، بخلاف الناس فإنه عندما تسأل أحدا من البشر مسألة، أو تطلب منه طلبا، وتقدم بين يدي ذلك ثناء، أنت في هذه الحال تقدم ما يحتاجه السائل، أنت في هذه الحال تقدم ما يحتاجه المسؤول، وهو أن تذكره بالجميل، حتى يعطيك ما تؤمل، لكن الله ابتدأنا بالإحسان، فذكرنا له بالجميل، ثناؤنا عليه جل في علاه، تقدسنا له، تمجيدنا له، ليس هو موجب العطاء، إنما هو لاستحضار معاني عظيمة، تكون سببا لعطاءه جل في علاه، تكون بين يدي المسائل، حتى إذا جاءت وقد استكملت قلوبنا تعظيم ربنا، استكملت قلوبنا الإخبات، والخضوع، والذل، والتضرع، وحسن الظن الذي به تنال المطالب، لعل هذا الملحظ يكون واضحا، وبينا، وحضرا في أذهاننا، حتى نعرف أن ثناءنا على الله، هو لحاجتنا إلى هذا الثناء، أن تمجدنا لله هو لافتقارنا إلى ما في هذا التمجيد من خيرات، وبركات، ومنافع، ولهذا يقول الله جل في علاه: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ الأسماء الحسنى ثابته له قبل أن نذكرها، مستقرة في صفاته قبل أن نعلمها، وإنما نذكرها لنستحضر معانيها، ولذلك يقول: ﴿فادعوه بها﴾+++الأعراف:180---  دعاؤنا الله عز وجل بهذه الأسماء، هو لحاجتنا إلى تمجيده، حاجتنا إلى تقدسه، حاجتنا إلى الثناء عليه، لما في هذا العمل، وهو الثناء، والتمجيد، والتقديس من الخير الذي يدرك به تمام السعادة في الدنيا، وكمال الفوز في الآخرة. أيها الإخوة والأخوات .. نحن فقراء إلى الله جل في علاه، نحن فقراء إلى الله ليس فقط فيما نسأله من المسائل، بل في ثناءنا عليه، وفي تمجيدنا له، ومن كرمه أن عرفنا به حتى تطمئن قلوبنا بذكره، وحتى تأنس أفئدتنا بتمجيده، وتقدسه، لذلك ينال العبد بتمجيد الله، وتقدسه، والثناء عليه من اللذة، والبهجة، والسرور، والطمأنينة، والانشراح ما لا يدركه بغير ذلك، فلهذا ينبغي أن يستحضر المؤمن هذه المعاني، في الثناء على الله عز وجل، وفي تمجيده، وتقدسه، إن النبي ﷺ علمنا كيف نثني على الله عز وجل، كيف ندعوه، فخير الهدي هديه – صلوات الله وسلامه عليه – جاء في السنن، و المسند، من حديث فضالة بن عبيد، أن رجلا جاء يصلي فسمع النبي ﷺ دعاءه، فلم يكن في دعائه حمد لله ولا صلاة على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «عجل هذا» أي عجل في طلبه، عجل في مسألته، عجل في دعائه، ثم علمه ﷺ كيف يقول، فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه». حمدا لله، والثناء عليه، هي المرتبة الأولى في المسائل والمطالب: «ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء»+++سنن أبي داود (1481)، وسنن الترمذي (3477) وقال: هذا حديث حسن صحيح---  وهذا متفق مع ما أمر به النبي ﷺ كل مؤمن في دعاءه، في آخر صلاته، فإنه يشرع للمؤمن في آخر الصلاة، أن يقرأ التشهد، ثم بعد ذلك يتخير من المسألة ما شاء، فيجعل بين سؤاله، وطلبه، في دبر صلاته، وآخرها، قبل سلامه، تمجيدا، وتقدسا بحمد لله، والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم بعد ذلك سؤال ما شاء من المسائل، والمطالب. هكذا يكون الترتيب في الدعاء، ابتداء بالثناء، ثم بعد ذلك المجيء بالمسائل، وقد جاء عن عبدالله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – كما في المسند، والسنن، أنه قال: جلست مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: "كنت أصلي" وقد جاء عن عبدالله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في الترمذي، بإسناد لا بأس به، أنه قال: "كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم دعوت لنفسي" فقال النبي ﷺ بعدما سمع دعاء عبدالله بن مسعود على هذا النحو المرتب، أولا أثنى على الله، ثم صلى على النبي ﷺ، ثم سأل الله ما شاء، قال النبي ﷺ معلقا على دعاء عبدالله بن مسعود، ومعه أبو بكر، وعمر، قال: «سل تعطه سل تعطه»+++سنن الترمذي (593) وقال: هذا حديث حسن صحيح--- . هذا التنبيه النبوي، والتعليق، هو بيان أن ملاحظة هذا الترتيب في الدعاء، هو من موجبات العطاء، فإن العبد يدرك بذلك خيرا عظيما، وعطاء جزيلا، فينبغي للمؤمن في دعاءه، وسؤاله لربه، أن يكثر من الثناء عليه، فإن ثناء العبد على ربه أعظم من مسألته، ولذلك جاء في السنن، من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – أن النبي ﷺ قال فيما يخبر به عن ربه: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته خير ما أعطي السائلين»+++سنن الدارمي (3399)، وضعفه الألباني--- . أن النبي ﷺ ترجم ذلك في دعائه، فكان يكثر من الثناء على الله في أدعيته – صلوات الله وسلامه عليه – بل من الأدعية ما لا سؤال فيه، ولا طلب، كما في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله تعالى عنه –: "أن النبي ﷺ كان يدعو في الكرب" يعني في ما ينزل به من المضائق، وما يصيبه من المصائب، يقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم" أسأل هذا كلام كان يقوله ﷺ عند الكرب، يعني يسأل الله عز وجل رفع الكرب، وكشف الضر، وإزالة البلاء، وتفريج الهم، بكلمات: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم»+++صحيح البخاري (6345)، ومسلم (2730)--- . هل قال مسألة؟ هل سأل طلبا؟ الجواب: لا، إنما هو ثناء، وتمجيد، وتقديس، كان موجبه أن ينال فرجا، وكشفا لكربته، وضره، وقد جاء عنه أنه كان يقول في الكرب: " الله الله ربي لا أشرك به شيئا"+++سنن أبي داود  (1525) وصححه الألباني--- .. هكذا بين النبي ﷺ بعمله، كيف يدعوا العبد ربه، بل إن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" هذا الكلام سمعه النبي ﷺ من سائل يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" فقال ﷺ معلقا على هذه المسألة، المتضمنة للتمجيد، والتقديس: «قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب»+++مسند أحمد (23041)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح--- . نظيره ما في السنن من حديث أنس أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" فقال ﷺ: «لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب»+++سنن أبي داود (1495) وصححه الألباني--- . فكان هذا الذكر مفتاحا للعطاء، كان هذا الذكر مفتاحا للهبات، كان هذا الذكر طريقا للوصول إلى المطلوبات، والنجاء من المرهوبات، هذا بعض هديه قولا، وعملا – صلوات الله وسلامه عليه – به يتبين لنا كيف كان ﷺ يفتتح دعاءه، ويندب أمته إلى أن تفتتح الدعاء بالثناء عليه سبحانه وبحمده، إلى أن نلقاكم في حلقة قادمة من برنامجكم: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تاريخ النشر:1 ذو القعدة 1441 هـ - الموافق 22 يونيو 2020 م | المشاهدات:1716

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنّا الحمدلله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلن تجد لهُ ولياً مُرشدا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُالله ورسوله، صفيه، وخليله، خيرتهُ من خلقه، أخرجنا اللهُ تعالى بهِ من الظلمات إلى النور، بصّرنا بهِ من العمى، هدانا بهِ من الضلالة، يسرَ اللهُ تعالى بهِ لنا تحقيق العبودية لله، وسلوك الصراط المستقيم، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبعَ سنته، واقتفى أثَرَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدين، أمّا بعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم .. أيها الإخوة والأخوات .. في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ إنَّ مما ينبغي أن يُعرف، أنَّ امتثال أمرِ اللهِ تعالى بالدعاء، يجب أن يقترِنَ بالآداب التي يتحقق بها قبولُ هذا الدعاء، ومن آداب الدعاء: أن يُثني العبدُ على ربهِ جلّ في علاه، وأن يُقدِّمَ بينَ مسألته، وبينَ طلبه، وأن يجتهد في تمجيد الله، وتقدِسه، لعلَّ سؤالهُ أن يقعَ موقع القبول، فإنَّ من موجبات قبول الدعاء، ومن أسباب إجابة السائلين، وإعطاء الداعين ما يؤمّلُنهُ، وما يرجونهُ، أن يقدموا بينَ ذلك ثناءً، أن يقدموا بين يدي دعاءهم، وسؤالهم، وطلبهم تمجيداً، وتقدِساً، وثناءً لله عزّ وجل، وعلى هذا جرى أفضلُ دعاءً، وأعظمُه، وأنفعهُ، وأوجبُه، وهو دعاءُ الله تعالى، وسؤاله الهداية، فإنَّ الله تعالى أوجبَ سؤال الهداية على عبادة، بفرضه قراءة سورة الفاتحة على المؤمنين في صلواتهم، وهي متضمّنه لقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾الفاتحة:6  وهذه السورة تُعلّمُنا كيف ندعوا الله عزّ وجل، فقد جمعت مجامعَ الثناء على الله عزّ وجل، كما أنها جمعت مجامعَ السؤال، والطلب، وأعلى ما يرجوهُ السائلون، ويطلُبُهُ الداعون، وهو الهدايةُ إلى الصراط المستقيم.
إنَّ من المهم أن يُدرك المؤمن، أنَّ حاجاتهِ تُقضى من قِبَلِ ربه، وأنَّ قضاءَ هذه الحاجات، يحتاج إلى أن يُقدّم العبد بينَ يدي ربهِ ثناءً، وتمجيداً، وتقدساً، ليس لحاجته، وهذا معنى مهم، ثناءُ العبدِ على اللهِ تعالى، ليس لحاجة الله تعالى إلى هذا الثناء، وهو الغني الحميد جلّ في علاه، وقد قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضُري فتضروني، ولن تبلُغوا نفعي فتنفعوني»صحيح مسلم (2577)  فهو الغنيُ عنّا، وعن عبادتنا، وعن ثناءِنا، وتمجِيِدنا، وتقدِسنا، فلهُ الثناءُ المطلق، لكن ثناءُ العبدِ بينِ يدي سؤاله، وطلبه، يُحضِّرُ قلبَهُ لمعاني عظيمة، يحضِّرُ قلبَهُ للإخلاص، يُحضِّرُ قلبَهُ لحسنِ الظن بالله عزّ وجل، يُحضِّرُ قلبهُ للثقةِ باختيار الله عزّ وجل، يُحضِّرُ قلبَهُ للخضوع، والتضرع، والافتقار إلى اللهِ جلّ وعلا، وكُل هذه المعاني مما يوجِبُ قبول السؤال، فلا تظن أنَّ الثناء بين يدي سؤالك، وطلبك، هو لحاجة الله إلى ذلك وهو الغني الحميد، إنما هو لأجلي أن يستحضر العبد تلكَ المعاني، في هذا الثناء، فيكون هذا موجِباً لعطاء الرب جلّ في علاه، بخلاف الناس فإنهُ عندما تسألُ أحداً من البشر مسألةً، أو تطلبُ منهُ طلباً، وتقدّم بين يدي ذلك ثناءً، أنت في هذه الحال تُقدّم ما يحتاجُهُ السائل، أنت في هذه الحال تُقدّم ما يحتاجهُ المسؤول، وهو أن تذكرَهُ بالجميل، حتى يُعطيك ما تؤمّل، لكنَّ الله ابتدأنا بالإحسان، فَذَكرُنا لهُ بالجميل، ثناؤنا عليه جلّ في علاه، تقدِسُنا له، تمجيدُنا له، ليس هو موجبُ العطاء، إنما هو لاستحضار معاني عظيمة، تكونُ سبباً لعطاءهِ جلّ في علاه، تكونُ بين يدي المسائل، حتى إذا جاءت وقد استكملت قلوبُنا تعظيمَ ربنا، استكملت قلوبنا الإخباتَ، والخضوع، والذل، والتضرع، وحسن الظن الّذي بهِ تُنال المطالب، لعلَّ هذا الملحظ يكونُ واضحاً، وبيّناً، وحضِراً في أذهاننا، حتى نعرف أنَّ ثناءنا على الله، هو لحاجتنا إلى هذا الثناء، أنَّ تمجِدنا لله هو لافتقارنا إلى ما في هذا التمجيد من خيرات، وبركات، ومنافع، ولهذا يقول الله جلّ في علاه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأسماء الحسنى ثابته له قبلَ أن نذكُرها، مستقرّة في صفاته قبل أن نعلمها، وإنما نذكُرها لنستحضرَ معانيها، ولذلك يقول: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾الأعراف:180  دعاؤنا الله عزّ وجل بهذه الأسماء، هو لحاجتنا إلى تمجيده، حاجتنا إلى تقدِسه، حاجتنا إلى الثناء عليه، لما في هذا العمل، وهو الثناء، والتمجيد، والتقديس من الخير الّذي يُدركُ بهِ تمامَ السعادة في الدنيا، وكمال الفوزِ في الآخرة.
أيها الإخوة والأخوات .. نحنُ فقراء إلى الله جلّ في علاه، نحنُ فقراء إلى الله ليس فقط فيما نسألهُ من المسائل، بل في ثناءنا عليه، وفي تمجيدنا له، ومن كرمه أن عرّفنا بهِ حتى تطمئنَّ قلوبنا بذكره، وحتى تأنسَ أفئدَتنا بتمجيده، وتقدِسه، لذلك ينال العبد بتمجيد الله، وتقدِسه، والثناء عليه من اللذة، والبهجة، والسرور، والطمأنينة، والانشراح ما لا يُدركه بغيرِ ذلك، فلهذا ينبغي أن يستحضر المؤمن هذه المعاني، في الثناء على الله عزّ وجل، وفي تمجيده، وتقدسه، إنَّ النبي ﷺ علّمنا كيف نثني على الله عزّ وجل، كيف ندعوهُ، فخيرُ الهدي هديُهُ – صلوات الله وسلامه عليه – جاء في السنن، و المسند، من حديث فضالة بن عُبيد، أنَّ رجلاً جاء يصلي فسمع النبي ﷺ دعاءهُ، فلم يكن في دعائهِ حمد لله ولا صلاة على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «عجِلَ هذا» أي عجِلَ في طلبه، عجِلَ في مسألته، عجِلَ في دعائه، ثم علّمهُ ﷺ كيف يقول، فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه». حمدا لله، والثناء عليه، هي المرتبة الأولى في المسائل والمطالب: «ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء»سنن أبي داود (1481)، وسنن الترمذي (3477) وقال: هذا حديث حسن صحيح  وهذا مُتفق مع ما أمرَ بهِ النبي ﷺ كُلَ مؤمن في دعاءه، في آخر صلاته، فإنهُ يُشرع للمؤمن في آخر الصلاة، أن يقرأ التشهد، ثم بعد ذلك يتخيّر من المسألةِ ما شاء، فيجعل بين سؤاله، وطلبه، في دبرِ صلاته، وآخرِها، قبل سلامه، تمجيداً، وتقدِساً بحمد لله، والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم بعد ذلك سؤال ما شاءَ من المسائلِ، والمطالب.
هكذا يكونُ الترتيبُ في الدعاءِ، ابتداءً بالثناء، ثم بعدَ ذلك المجيء بالمسائل، وقد جاء عن عبدالله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – كما في المسند، والسنن، أنهُ قال: جلستُ مع النبي صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلم، أنهُ قال: "كنتُ أصلي" وقد جاء عن عبدالله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في الترمذي، بإسناد لا بأس به، أنهُ قال: "كنتُ أُصلي والنبيُ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ معه، فلمّا جلستُ بدأتُ بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ، ثم دعوتُ لنفسي" فقال النبي ﷺ بعدما سمع دعاء عبدالله بن مسعود على هذا النحو المُرتب، أولاً أثنى على الله، ثم صلى على النبي ﷺ، ثم سأل الله ما شاء، قال النبيُ ﷺ مُعلِّقاً على دعاء عبدالله بن مسعود، ومعهُ أبو بكرٍ، وعمر، قال: «سل تعطه سل تعطه»سنن الترمذي (593) وقال: هذا حديث حسن صحيح .
هذا التنبيه النبوي، والتعليق، هو بيان أنَّ ملاحظة هذا الترتيب في الدعاء، هو من موجباتِ العطاء، فإنَّ العبدَ يُدرِكُ بذلكَ خيراً عظيماً، وعطاءً جزيلاً، فينبغي للمؤمن في دعاءه، وسؤاله لربه، أن يُكثر من الثناء عليه، فإنَّ ثناء العبد على ربه أعظم من مسألته، ولذلك جاءَ في السنن، من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – أنَّ النبي ﷺ قال فيما يُخبرُ بهِ عن ربه: «من شغلهُ ذكري عن مسألتي أعطيتُهُ خير ما أعطي السائلين»سنن الدارمي (3399)، وضعفه الألباني . أنَّ النبي ﷺ ترجمَ ذلكَ في دعائه، فكانَ يُكثرُ من الثناء على الله في أدعيته – صلوات الله وسلامه عليه – بل من الأدعية ما لا سؤالَ فيه، ولا طلب، كما في الصحيحين، من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله تعالى عنه –: "أنَّ النبي ﷺ كان يدعو في الكرب" يعني في ما ينزل بهِ من المضائق، وما يُصيبُهُ من المصائب، يقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ السموات، وربُّ الأرض، وربُّ العرشِ العظيم" أسأل هذا كلام كان يقولُهُ ﷺ عندَ الكرب، يعني يسأل الله عزّ وجل رفع الكرب، وكشف الضر، وإزالةَ البلاء، وتفريج الهم، بكلمات: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ السموات، وربُّ الأرض، وربُّ العرشِ العظيم»صحيح البخاري (6345)، ومسلم (2730) . هل قال مسألةً؟ هل سألَ طلباً؟ الجواب: لا، إنما هو ثناءٌ، وتمجِيدٌ، وتقديس، كانَ موجَبُهُ أن ينالَ فرجاً، وكشفاً لكربتهِ، وضُره، وقد جاء عنهُ أنهُ كان يقول في الكرب: " الله اللهُ ربي لا أشركُ بهِ شيئا"سنن أبي داود  (1525) وصححه الألباني ..
هكذا بيّن النبيُ ﷺ بعمله، كيف يدعوا العبدُ ربهُ، بل إنَّ النبي ﷺ سمِعَ رجُلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنت الله الّذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لهُ كفواً أحد" هذا الكلام سمعهُ النبيُ ﷺ من سائل يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهدُ أنك أنت الله الّذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن لهُ كفواً أحد" فقال ﷺ مُعلّقاً على هذه المسألة، المُتضمنة للتمجيد، والتقديس: «قد سأل الله باسمهِ الأعظم، الّذي إذا سُئلَ بهِ أعطى، وإذا دُعيَ بهِ أجاب»مسند أحمد (23041)، وقال محققو المسند: إسناده صحيح .
نظيره ما في السنن من حديث أنس أنَّ النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأنَّ لكَ الحمد لا إله إلا أنت المنان بديعُ السموات والأرض يا ذا الجلالِ والإكرام يا حيُّ يا قيّوم" فقال ﷺ: «لقد دعا الله باسمه الأعظم، الّذي إذا سُئلَ بهِ أعطى، وإذا دُعيَ بهِ أجاب»سنن أبي داود (1495) وصححه الألباني .
فكانَ هذا الذكر مفتاحاً للعطاء، كان هذا الذكرُ مفتاحاً للهبات، كان هذا الذكرُ طريقاً للوصول إلى المطلوبات، والنجاء من المرهوبات، هذا بعضُ هديه قولاً، وعملاً – صلوات الله وسلامه عليه – بهِ يتبيّن لنا كيف كان ﷺ يفتتِحُ دعاءهُ، ويندبُ أمته إلى أن تفتتح الدعاءَ بالثناءِ عليه سبحانهُ وبحمده، إلى أن نلقاكم في حلقةٍ قادمة من برنامجكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أستودعكم الله الّذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المادة السابقة
المادة التالية

الاكثر مشاهدة

6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات64224 )
12. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات54912 )
13. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53541 )

مواد مقترحة

371. Jealousy