×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / برامج المصلح / عباد الرحمن / الحلقة (14) وكانوا لنا خاشعين

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

الحلقة الرابعة عشر: {وكانوا لنا خاشعين} +++[الأنبياء: 90]--- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم: "عباد الرحمن". الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يرضيه، ملء السماء والأرض وملء ما شاء من شيء بعد، أحق من حمد، وأجل من ذكر: {له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} +++[القصص: 70]--- ، وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تنجي قائلها من النار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته، واقتفى أثره بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: في هذه الحلقة سنتحدث عن صفة من صفات عباد الرحمن، وهي من أهم صفاتهم، وهي ثمرة إيمانهم، واستقامتهم، وهي سبب لصلاح معاشهم ومعادهم، هي من أسباب طيب المعاش، واستقامة الديانة، وصلاح الدنيا والآخرة. يقول الله تعالى في وصف فئة من أوليائه وعباده: {وكانوا لنا خاشعين} +++[الأنبياء: 90]---، سنتحدث عن صفة الخشوع في خصال عباد الرحمن. عندما يذكر الخشوع يتبادر إلى الأذهان ما يتصل بالخشوع في الصلاة، وكأنه لا خشوع لأهل الإيمان إلا في الصلاة، وهذا قصور في معنى الخشوع؛ فإن الخشوع وصف يتحلى به القلب، يحقق به تمام الذل والخضوع والتعظيم للرب، وإذا تحقق ذلك كان هذا الغاية، في إظهار العبودية لله عز وجل، في كل أحواله، وشؤونه، ليس فقط في صلاته، بل يكون ذلك في ظاهره وباطنه، وفي سره وإعلانه في صلاته، وفي سائر شأنه لا يقتصر ذلك على باب من الأبواب، ولا على شأن من الشؤون؛ ولذلك عندما ذكر الله تعالى صفات عباد الله من النبيين والصدقين، قال جل وعلا: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} +++[الأنبياء: 90]---، ثم بعد أن ذكر تلك الصفات الجميلة، التي تدل على اشتغالهم بالمسابقة إلى مرضاة الله، والسعي في كل ما يحبه جل وعلا، المجافاة والتجنب لكل ما يبغضه، قال جل وعلا: {وكانوا لنا خاشعين} أي: في غاية الذل، في غاية الخضوع، في غاية الانقياد، في تمام الحب، له جل وعلا؛ ولهذا كان من صفات المدح والحمد في قوم آمنوا بالله عز وجل ممن آمن بالرسل السابقين وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الخشوع، يقول الله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} +++[آل عمران: 199]--- ، هذا الخشوع مما أثنى الله تعالى به عليهم ومدحهم به؛ وذلك لقيامهم بتمام الذل والخضوع لله جل وعلا، وإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان كامل الخشوع والخضوع والذل لله عز وجل، فكان قائما بحقه في سره وإعلانه، في حضره وسفره، في خاصته وعامته، وكان يتم ويظهر تمام خشوعه، عندما يسمع آيات الله عز وجل، فكان يسمع القرآن من أصحابه، ويحصل منه صلى الله عليه وسلم من الخشوع وحضور القلب ما تتساقط به دموعه صلى الله عليه وسلم، خشوعا لذكر ربه، وخشوعا لما سمعه من آيات القرآن الحكيم. جاء فيما نقله عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ذات يوم: «يا عبد الله، اقرأ علي» طلب منه أن يقرأ عليه شيء من القرآن، وهو مفتاح الخشوع الذي به تطيب القلوب وتلين: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} +++[الرعد: 28]---، قال عبد الله بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: «اقرأ علي»، قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأ عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الذكر الحكيم في سورة النساء، وهي سورة مليئة ببيان أحكام تصلح بها أحوال الناس في معاشهم، وتستقيم بها أمورهم، وتتنظم بها أحوالهم، وكان أن قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} +++[النساء: 41]--- قال عبد الله: فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك» أي: توقف عن القراءة عند هذه الآية، يقول: فالتفت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان. إن ذلك الدمع الذي رآه عبد الله بن مسعود في عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو ترجمة لما قام في القلب من تعظيم الله عز وجل، من تمام اليقين بصدق خبره، من تعظيم الموقف الذي ذكره الله تعالى، في جمع الأولين والآخرين: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} +++[النساء: 41]---. إن الخشوع أيها الإخوة والأخوات، وصف يتحلى به المؤمن، ليس فقط في لحظة أو في فترة، أو في موقف، إنه خشوع ينتاب الإنسان، يصبغ سلوكه، وقلبه، وقالبه، وقوله، وعمله، فتراه خاشعا لله عز وجل، ذليلا له في الأمر بامتثاله، وفي النهي بمجافاته والبعد عنه، وقد عاتب الله تعالى أهل الإيمان، لما تأخر منهم شيء من الخشوع، فقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} +++[الحديد: 16]---. يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – : "نزلت هذه الآية بعد أربع سنوات من إسلامهم" أي: من إسلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم: "عاتبهم الله تعالى بهذه الآية" بسبب عدم كمال الخشوع، فكان بعضهم يعاتب بعضا بذلك. ويقول أحدهم لصاحبه: ألم تسمع قول الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} +++[الحديد: 16]---، وقد قال عبد الله بن عمر، عندما سمع هذه الآية: بلى يا رب، بلى يا رب، آن وحضر الوقت الذي يخشع فيه الإنسان لله. الخشوع لله يشمل الخضوع له جل في علاه في أحكامه القدرية، وفي أحكامه الشرعية لله. حكمان في خلقه، الحكم الأول: الحكم القدري، وهو ما أجراه الله تعالى من الحوادث، والوقائع التي لا خير للناس فيها، والتي تجري عليهم وتنفذ فيهم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الخضوع لله فيها أن تقابل بالصبر في أدني المراتب، وأن تقابل في الرضى في أعلاها، فمن رضي فله الرضا، ولا يعني هذا أن يستسلم الإنسان للأقدار، ولا يدفعها بأقدار الله، بل يدفع قدر الله بقدر الله، فإذا نزل به مرض، دفعه بطلب الشفاء والدواء، إذا نزل به جوع دفعه بطلب الأكل الذي يدفع به جوعه، وهلم جرا من أقضية الله وأقداره، لكن عندما ينزل به مصاب لا يتمكن من دفعه ليس له إلا أن يصبر ويرضى، ويعلم أن ما اختاره الله له خير مما اختاره لنفسه، عند ذلك ينشرح صدره ويحقق الخشوع لله عز وجل: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} +++[التغابن: 11]---. الحكم الثاني: الحكم الشرعي والخشوع لله عز وجل في الأحكام الشرعية، بأن تنقاد لها، أن تقبلها منشرحا بها صدرك، وأن تقوم بما تستطيع منها، كما قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} +++[التغابن: 16]---، {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} +++[الطلاق: 7]---، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم»، لذلك الخشوع لله عز وجل، ليس محصورا في عبادة، بل هو ينتظم سلوك الإنسان في كل أحواله، وفي كل أعماله، في أحكام الله الجارية عليه قدرا، بالصبر والاحتساب، والرضى بقدر الله عز وجل، وفي الأحكام الشرعية بالقبول لها، وبذل الوسع في امتثالها، في الأمر فعلا وفي الترك نهيا. جعلني الله وإياكم من الخاشعين، وسلك بنا سبيل عباده المتقين، ووفقنا إلى ما يحب ويرضى في السر والعلن. إلى أن نلقاكم في حلقة قادمة من برنامجكم: "عباد الرحمن" أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تاريخ النشر:الجمعة 14 رمضان 1438 هـ - الجمعة 9 يونيو 2017 م | المشاهدات:2601

الحلقة الرابعة عشر: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم: "عباد الرحمن".

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا يرضيه، ملء السماء والأرض وملء ما شاء من شيءٍ بعد، أحقُّ من حُمِد، وأجلُّ من ذُكر: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، شهادة تُنجي قائلها من النار، وأشهدُ أنَّ مُحمدًا عبدُهُ ورسوله، صلى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبه، ومنِ اتبعَ سنته، واقتفى أثره بإحسانٍ إلى يومِ الدين، أمَّا بعد:

في هذه الحلقة سنتحدَّث عن صفة من صفات عباد الرحمن، وهيَ من أهم صفاتهم، وهي ثمرةُ إيمانهم، واستقامتهم، وهيَ سببٌ لصلاح معاشهم ومعادهم، هيَ من أسبابِ طيب المعاش، واستقامة الديانة، وصلاح الدنيا والآخرة.

يقول اللهُ تعالى في وصف فئة من أوليائه وعباده: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، سنتحدَّثُ عن صفة الخشوع في خصال عباد الرحمن.

عندما يُذكرُ الخشوع يتبادرُ إلى الأذهان ما يتصل بالخشوع في الصلاة، وكأنهُ لا خشوع لأهل الإيمان إلا في الصلاة، وهذا قصور في معنى الخشوع؛ فإنَّ الخشوعَ وصفٌ يتحلى بهِ القلب، يُحقِّقُ بهِ تمام الذل والخضوع والتعظيم للرب، وإذا تحققَ ذلك كانَ هذا الغاية، في إظهار العبودية لله عز وجل، في كُلِّ أحواله، وشؤونه، ليسَ فقط في صلاته، بل يكونُ ذلكَ في ظاهره وباطنه، وفي سره وإعلانه في صلاته، وفي سائرِ شأنه لا يقتصرُ ذلكَ على بابٍ من الأبواب، ولا على شأنٍ من الشؤون؛ ولذلكَ عندما ذكرَ اللهُ تعالى صفاتِ عباد الله من النبيين والصدِّقين، قال جلّ وعلا: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90]، ثم بعدَ أن ذكر تلكَ الصفات الجميلة، التي تدلُّ على اشتغالهم بالمسابقة إلى مرضاة الله، والسعي في كُلِّ ما يُحبُّهُ جلَّ وعلا، المجافاة والتجنب لكُلِّ ما يبغِضه، قال جلَّ وعلا: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} أي: في غاية الذل، في غاية الخضوع، في غاية الانقياد، في تمام الحب، لهُ جلَّ وعلا؛ ولهذا كانَ من صفات المدح والحمد في قومٍ آمنوا بالله عز وجل ممن آمن بالرسل السابقين وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الخشوع، يقول اللهُ تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] ، هذا الخشوع مما أثنى اللهُ تعالى بهِ عليهم ومدحهم به؛ وذلكَ لقيامهم بتمام الذل والخضوع لله جلَّ وعلا، وإنَّ النبي صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم كان كامل الخشوع والخضوع والذل لله عز وجل، فكان قائمًا بحقِّه في سرِّه وإعلانه، في حضره وسفره، في خاصته وعامته، وكانَ يتمُّ ويظهرُ تمامَ خشوعه، عندما يسمعُ آياتِ الله عز وجل، فكان يسمعُ القرآن من أصحابه، ويحصلُ منهُ صلى الله عليه وسلم من الخشوع وحضور القلب ما تتساقطُ بهِ دموعهُ صلى الله عليه وسلم، خشوعًا لذكرِ ربه، وخشوعًا لما سمعهُ من آياتِ القرآن الحكيم.

جاءَ فيما نقَلَه عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في الصحيحين، أنَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم قال لهُ ذاتَ يوم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، اقْرَأْ عَلَيَّ» طلبَ منه أن يقرأ عليه شيء من القرآن، وهو مفتاح الخشوع الذي بهِ تطيب القلوب وتلين: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، قال عبد الله بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال لهُ: «اقْرَأَ عَلَيَّ»، قال: أقرأُ عليكَ، وعليكَ أُنزل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فقرأ عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من الذكر الحكيم في سورة النساء، وهي سورة مليئة ببيانِ أحكامٍ تصلُحُ بها أحوال الناس في معاشهم، وتستقيم بها أمورهم، وتتنظَّمُ بها أحوالهم، وكانَ أن قرأَ على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بلغَ قولَه تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] قال عبد الله: فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُكَ» أي: توقف عن القراءة عندَ هذه الآية، يقول: فالتفتُّ فإذا عيناهُ صلى الله عليه وسلم تذرفان.

إنَّ ذلكَ الدمع الذي رآه عبد الله بن مسعود في عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو ترجمة لما قامَ في القلب من تعظيم الله عز وجل، من تمام اليقين بصدقِ خبره، من تعظيم الموقف الذي ذكرهُ اللهُ تعالى، في جمع الأولين والآخرين: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41].

إنَّ الخشوع أيها الإخوة والأخوات، وصفٌ يتحلَّى بهِ المؤمنُ، ليسَ فقط في لحظة أو في فترة، أو في موقف، إنهُ خشوعٌ ينتابُ الإنسان، يصبَغُ سلوكَهُ، وقلبَهُ، وقالبَهُ، وقولَه، وعملَه، فتراهُ خاشعًا لله عز وجل، ذليلًا لهُ في الأمرِ بامتثاله، وفي النهي بمُجافاته والبُعدِ عنه، وقد عاتبَ اللهُ تعالى أهلَ الإيمانِ، لَمَّا تأخَّر منهم شيء من الخشوع، فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]. يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – : "نزلت هذه الآية بعدَ أربع سنوات من إسلامهم" أي: من إسلام الصحابة رضي اللهُ تعالى عنهم: "عاتبهم اللهُ تعالى بهذه الآية" بسببِ عدمِ كمال الخشوع، فكانَ بعضُهم يعاتبُ بعضًا بذلك.

ويقول أحدهم لصاحبه: ألم تسمعْ قول اللهِ تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]، وقد قال عبد الله بن عمر، عندما سمعَ هذه الآية: بلى يا رب، بلى يا رب، آنَ وحضرَ الوقت الذي يخشع فيه الإنسان لله.

الخشوعُ لله يشملُ الخضوعَ لهُ جلَّ في علاه في أحكامه القدرية، وفي أحكامه الشرعية لله.

حكمان في خلقه، الحكم الأول: الحكمُ القدري، وهو ما أجراهُ اللهُ تعالى من الحوادث، والوقائع التي لا خيرَ للناسِ فيها، والتي تجري عليهم وتَنْفُذُ فيهم، ما شاء اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الخضوعُ لله فيها أن تُقابلَ بالصبرِ في أدني المراتب، وأن تُقابلَ في الرضى في أعلاها، فمن رضيَ فلهُ الرضا، ولا يعني هذا أن يستسلم الإنسان للأقدار، ولا يدفعها بأقدار الله، بل يدفعُ قدرَ الله بقدرِ الله، فإذا نزلَ بهِ مرضٌ، دفعهُ بطلب الشفاء والدواء، إذا نزلَ بهِ جوعٌ دفعهُ بطلب الأكلِ الذي يدفعُ بهِ جوعه، وهلُّم جرًّا من أقضية الله وأقداره، لكن عندما ينزل بهِ مصابٌ لا يتمكنُ من دفعه ليسَ لهُ إلا أن يصبر ويرضى، ويعلم أنَّ ما اختارهُ الله لهُ خير مما اختارهُ لنفسه، عندَ ذلك ينشرحُ صدره ويحقق الخشوعَ لله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].

الحكم الثاني: الحكم الشرعي والخشوع لله عز وجل في الأحكام الشرعية، بأن تنقادَ لها، أن تقبلها منشرحًا بها صدرك، وأن تقومَ بما تستطيعُ منها، كما قال اللهُ تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، لذلك الخشوع لله عز وجل، ليسَ محصورًا في عبادة، بل هو ينتظم سلوك الإنسان في كُلِّ أحواله، وفي كُل أعماله، في أحكام الله الجارية عليه قدرًا، بالصبرِ والاحتساب، والرضى بقدرِ الله عز وجل، وفي الأحكام الشرعية بالقبولِ لها، وبذل الوسع في امتثالها، في الأمرِ فعلًا وفي التركِ نهيًا.

جعلني الله وإياكم من الخاشعين، وسلكَ بنا سبيل عباده المتقين، ووفقنا إلى ما يحب ويرضى في السر والعلن.

إلى أن نلقاكم في حلقة قادمة من برنامجكم: "عباد الرحمن" أستودعكم الله الذي لا تضيعُ ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الاكثر مشاهدة

4. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات67157 )
11. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات57505 )
13. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53920 )

مواد مقترحة

372. Jealousy