الجمعة 22 محرم 1441 هـ
آخر تحديث منذ 3 ساعة 29 دقيقة
×
تغيير اللغة
القائمة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

×

لقد تم إرسال السؤال بنجاح. يمكنك مراجعة البريد الوارد خلال 24 ساعة او البريد المزعج؛ رقم الفتوى

×

عفواً يمكنك فقط إرسال طلب فتوى واحد في اليوم.

المكتبة المقروءة / دروس / الفقه وأصوله / القواعد الفقهية / الدرس(2) من شرح المنظومة الفقهية للسعدي

مشاركة هذه الفقرة

الدرس(2) من شرح المنظومة الفقهية للسعدي

تاريخ النشر : 12 ذو القعدة 1434 هـ - الموافق 17 سبتمبر 2013 م | المشاهدات : 2358

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النية شرط لسائر العمل*** بها الصلاح والفساد للعمل
الدِّين مبني على المصالح*** في جلبها والدرء للقبائح
فإن تزاحمْ عدد المصالح*** يقدم الأعلى من المصالح
وضده تزاحم المفاسد*** يرتكب الأدنى من المفاسد
ومن قواعدْ شرعنا( ) التيسير*** في كل أمر نابه تعسير
وليس واجب بلا اقتدارِ*** ولا مُحَرَّم مع اضطرار
وكل محظور مع الضرورهْ*** بقدر ما تحتاجه الضرورهْ
وترجع الأحكام لليقين*** فلا يُزيل الشكُّ لليقين
بسم الله الرحمـٰن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وأصلّي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته بإحسان إلىٰ يوم الدين.
أما بعد:
فقد تقدم الكلام على هـٰذه المنظومة وعلى مقدمتها، ووقفنا عند قوله رحمه الله: (النية شرط لسائر العمل). وهي أول القواعد التي ذكرها المؤلف رحمه الله في هـٰذه المنظومة المباركة.
والقواعد التي هي موضوع الدرس وموضوع هـٰذه المنظومة هي القواعد الفقهية.
والقواعد جمع قاعدة، وهي من حيث الاصطلاح: قضية كلية. هـٰذا تعريف القاعدة من حيث الاصطلاح.
إذا قيل: ما هي القاعدة؟ فقل: القاعدة قضية كلية.
وأما تعريفها بالنسبة للقواعد الفقهية فلا بد أن نذكر ما يميز القواعد الفقهية عن غيرها؛ فنقول: القواعد الفقهية أو القاعدة الفقهية هي قضية كلية فقهية.
وقولنا: (قضية) القضية هي الحكم. و(الكلية) هي الأمر العام الذي ينتظم صوراً كثيرة ويندرج تحتها أفراد متعددة. وأما (الفقهية) فلأن الموضوع هو القواعد الفقهية.
وفهمنا من هـٰذا أن القواعد في كل العلوم هي قضايا كلية؛ لكن تتمايز هـٰذه القواعد بما تقيد به من الأوصاف.
فالقواعد الفقهية هي قضايا كلية فقهية.
القواعد الأصولية هي قضايا كلية أصولية.
القواعد العقدية هي قضايا كلية عقدية.
القواعد النحوية هي قضايا كلية نحوية. واضح؟
عندنا في هـٰذه المنظومة ذكر المؤلف رحمه الله قواعد فقهية، وذكر قواعد أصولية، ولن نذكر الفرق الآن حتى يأتينا ذكر القواعد الأصولية في هـٰذه الرسالة.
إنما الذي يُهمنا أن نعرف في بداية حديثنا عن القواعد أن القواعد الفقهية ليست على درجة واحدة من حيث الشمول والعموم.
فهناك قواعد كلية عامة تدخل في جميع أبواب الفقه، وهـٰذه قواعد محدودة محصورة، ويكون لها أثر في جميع أبواب الفقه.
من ذلك هـٰذه القاعدة الأولى التي ذكرها المؤلف رحمه الله وهي قاعدة النية بقوله: (النية شرط لسائر العمل) وهي مأخوذة من قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات))( ). هـٰذا من القواعد الكلية الشاملة التي لا يكون باب من أبواب الفقه أو من أبواب العلم إلا ووجدتم فيه هـٰذه القاعدة.
ومثلها في العموم والشّمول القواعد الكلية الكبرى، وهي خمس قواعد، هـٰذه من حيث الشمول والعموم ما فيه باب من أبواب الفقه إلا وتدخل فيه، واضح؟
دون هـٰذه الدرجة من القواعد درجة أخرى أقل منها شمولاً، وإن كانت واسعة، وهي التي تكون عامّة وغالبة في أبواب الفقه؛ لكن لا يلزم أن تدخل في كل باب من أبواب الفقه؛ بل هي عامة في أبواب الفقه ومسائل العلم.
ومن أمثلة هـٰذا النوع من القواعد قاعدة (التابع تابع). هـٰذه من القواعد الفقهية، وهي من القواعد العامة الشاملة التي تدخل في كثير من أبواب الفقه؛ لكنها دون القسم الأول من حيث الشمول.
القسم الثالث من القواعد: هي قواعد خاصة في أبواب من أبواب الفقه، وهي القواعد التي تتعلق بباب من أبواب العلم، كباب الطهارة أو باب المعاملات أو أبواب التبرعات، أو ما أشبه ذلك.
فهي قواعد خاصة في أبواب، وهـٰذه هي التي يسميها بعض العلماء بالضوابط.
فالضابط هو: ما يجمع الجزئيات في أمر معين.
وبعض العلماء لا يميز بين الضوابط والقواعد، فيجعل القاعدة ضابطاً والضابط قاعدة.
لكن الذي جرى عليه عمل الأكثرين التمييز بين القواعد والضوابط ، فالقواعد هي الشاملة العامة، وأما الضوابط فهي التي تتعلق بباب من أبواب العلم.
كقاعدة في باب الطهارة، أو في الصلاة، أو في باب من أبواب المعاملات، أو في باب من أبواب التبرعات، أو غير ذلك من أبواب الفقه.
المهم أنها تجمع الجزئيات في أمر معين، فهي ليست شاملة كالقسمين الأولين.
إذاً عرفنا أن القواعد الفقهية ليست على درجة واحدة من حيث الشمول والعموم.
ثم اعلم أن هـٰذه القواعد من حيث الاتفاق عليها بين أهل العلم أيضاً على درجات؛ ليست على درجة واحدة:
فمن القواعد ما تتفق عليه المذاهب على اختلافها، ومثال ذلك القواعد الخمس الكبرى، هـٰذه مما جرى عليه الاتفاق بين أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
ومنها ما يكون متفقاً عليه بين كثير من أهل العلم.
ومنها ما يكون قاعدة في مذهب من المذاهب، فهي قاعدة تتعلق بمذهب، فيبني الفقهاء في هـٰذا المذهب أقوالهم في مسائل معينة على هـٰذه القاعدة.
إذاً عرفنا أن القواعد تنقسم إلىٰ درجات ومراتب باعتبار الشمول، وباعتبار اتفاق أهل العلم عليها.
وهناك تقسيمات أخرى؛ لكن هذان التقسيمان أبرز ما يقال في تقسيم القواعد.
بدأ المؤلف رحمه الله ذكر القواعد في هـٰذه المنظومة بهذه القاعدة الكلية الكبرى وهي قاعدة النية، وبدأ بها لأهميتها، ولأن النية أول ما يبدأ به في العمل.
ولذلك جرى عمل كثير من أهل العلم أن يتكلموا على باب النية قبل غيره من الأبواب، وعلى حديث النية قبل غيره من الأحاديث؛ وذلك أنّ النية مطيّة، وهي التي يتبعها العمل؛ فهي سابقة له، فقدم المؤلف رحمه الله هـٰذه القاعدة على غيرها؛ لمناسبة التقديم.
قال رحمه الله: (النية شرط لسائر العمل) النية في كلام أهل العلم هي: لفظ يراد به القصد والإرادة، يطلق لفظ (النية) ويراد به -أو يقصد به أو يعنى به- القصد والإرادة.
فقول القائل: النية في هـٰذا العمل كذا وكذا؛ المراد بذلك القصد والإرادة، على أن الإرادة أعم من النية، فالنية تفيد معنى الإرادة؛ لكنها أخص من الإرادة.
• فالإرادة تتعلق بفعل الإنسان وبفعل غيره.
• أما النية فإنها لا تتعلق إلا بفعله.
هـٰذا الفارق بين الإرادة والنية.
فالنية من حيث المعنى تفيد القصد والإرادة؛ ولكنها أخص منهما في استعمال العرب؛ فلا تقول: نويت من فلان كذا وكذا. تريد فعل غيرك؛ لأن النية لا تكون إلا من الإنسان نفسه.
بخلاف الإرادة، تقول: أردت منه كذا، فالإرادة تكون من الإنسان ومن غيره.
هـٰذا من حيث معنى النية.
أما ما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله:
النية شرط لسائر العمل*** بها الصلاح والفساد للعمل.
فأفادنا رحمه الله أن النّية شرط لجميع الأعمال.
والشرط هو العلامة في اللغة.
وأما في الاصطلاح( ) فهو: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.
فالنية لابد للإنسان منها في العمل؛ لأنها إذا لم تكن ولم توجد لا يترتب على العمل ثمرته، ولا يحصل منه مقصوده، هـٰذا معنى قوله: (النية شرط).
قال: (لسائر العمل) و(سائر) هنا بمعنى جميع.
فـ(سائر) في اللغة تطلق ويراد بها البقية، وهي لفظة تطلق ويراد بها الجميع.
وهنا استعملها المؤلف رحمه الله على أي المعنيين؟ على معنى (البقية) أو على معنى (الجميع)؟ على معنى الجميع.
وأما غالب استعمالها فهو على (البقية)، وهي مأخوذة من (السؤر)، وهو ما بقي في الإناء بعد الشرب.
وقوله: (سائر العمل) يشمل العمل القلبي والعمل البدني والقولي، فالعمل يشمل كل ما يصدر عن الإنسان، وكل ما يتحرك به ظاهراً أو باطناً، فكل العمل تشترط له النية، لا بد له من النية.
وما هي النية؟ هل هي مجرد نية الفعل؟ لا، ليست مجرد نية الفعل؛ لأنه ما من عمل إلا ولا بد فيه من نية، وهو قصد الفعل.
لو قيل للإنسان: افعل بلا نية. لما استطاع، فهو من التكليف بالمحال، أن تقول للإنسان: افعل بلا نية.
لكن الكلام هنا على النية التي يصلح بها العمل.
فإن النية في كلام أهل العلم:
• تطلق ويراد بها تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ نية العبادة.
• وتطلق ويراد بها نية المعمول له.
وهذان المعنيان من المعاني التي تفسر بها النية في مواردها.
المعنى الأول: نية العبادة.
والمعنى الثاني، نية المعمول له.
والثاني هو الإخلاص، وكلاهما أفاده قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات)). أي ((بالنيات)) في حصولها، وفي حصول الأجر عليها؛ ولذلك قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بقية الحديث: ((فمن كان هجرته إلىٰ الله ورسوله فهجرته إلىٰ الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلىٰ ما هاجر إليه))( ). هـٰذا يشير إلىٰ أي شيء ؟ إلىٰ نية المعمول له أو إلىٰ نية العمل ؟ هـٰذا يشير إلىٰ نية المعمول له.
فكلا المعنيين للنية مستفاد من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((إنما الأعمال بالنيات)).
ثم اعلم أن نية العبادة هي التي نبحثها في كلام الفقهاء، فالفقهاء لا يبحثون فيما يتعلق بالنية -نية المعمول له- إنما يبحثون في نية العمل، ولذلك إذا قال الفقهاء: (ومن شرطه النية) مثلاً، العمل؛ أي عمل كالصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو الوضوء، قالوا: من شروطه النية. هل المقصود به نية المعمول له أو نية العمل؟ نية العمل، أما نية المعمول له فهي من مسائل التوحيد التي تبحث في كتب العقائد.
فقول المؤلف رحمه الله: النية شرط لسائر العمل، الكلام على نية العمل لا نية المعمول له.
ثم نية العبادة تطلق ويراد بها تمييز العبادات بعضها عن بعض، فتميّز صلاة النافلة عن صلاة الفريضة، كيف تميز؟
الآن إنسان يصلي صلاة الفجر ويصلي راتبة الفجر قبلها، كيف يميز بين الراتبة والفريضة؟ الجميع ركعتان، والجميع تقرأ فيهما الفاتحة ثم سورة، والجميع يتفق في الركوع والسجود وما إلى ذلك، ما الذي يميز هذه عن هذه؟ كيف تميز؟ تميز بالنية.
وهناك أمور تتميز بها كالجماعة وما أشبه ذلك؛ لكن المميز الفارق بين هذا وذاك هو ما يقوم بالقلب من القصد والإرادة.
فإذا قصد الإنسان بفعله الفريضة فهي فريضة، وإذا قصد النافلة فهي نافلة.
إذاً النية تفيدنا التمييز بين العبادات، بين الفرض والنفل.
أيضاً تفيدنا النية في التمييز بين العبادة والعادة.
مثال ذلك: عمل واحد قد يفعله الإنسان ويكون عبادة، وقد يفعله الإنسان ويكون عادة؛ مثاله ترك الأكل والشرب قد يحتمي الإنسان بترك الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فما المميز بين من يفعل ذلك عادة أو استطباباً، ومن يفعل ذلك عبادة وقربة، ما الذي يميز بين هذين الفعلين المتشابهين في الصورة؟ النية، فالنية تميز بين العبادة والعادة.
إذاً النية شرط سواء كانت تميز بين العبادة وعبادة أخرى، أو بين العبادة والعادة (شرط لسائر العمل).
ثم قال رحمه الله: (بها) والباء هنا للسببية، والضمير يعود إلى النية؛ يعني بالنية الصلاح والفساد للعمل؛ أي بها يثبت الصلاح وبها يثبت الفساد لكل عمل يعمله الإنسان.
فالحكم على عمل من الأعمال بأنه صالح مقبول، وبين أن يقال فاسد مردود، هو ما يقوم في قلب العبد من النية.
والمقصود بالنية هنا لا نية المعبود له أو المتقرب إليه، إنما هو نية العمل نفسه.
فإنسان مثلاً ما نوى صيام الفرض إلا بعد طلوع الفجر هل يجزيه؟ لا يجزيه لماذا؟ لأن هذه النية لم تكن في مكانها، فالنية مؤثرة صلاحاً وفساداً لجميع الأعمال.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (سائر العمل) أن النية تدخل في كل عمل يقوم به الإنسان.
واعلم أن العمل العبادي لا بد له من نية كما ذكر المؤلف رحمه الله.
والعبادات تنقسم إلى قسمين:
عبادات مقصودة لذاتها: وهذه لا خلاف بين أهل العلم في أن النية شرط لها.
مثال العبادات التي هي مقصودة لذاتها: مثل الصلاة والزكاة والحج والصيام، هذه عبادات مقصودة لذاتها، فالنية شرط لصحتها، لا تصح هذه العبادات إلا بالنية.
فلو أن إنساناً أمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لكنه لم ينوِ بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هل يجزيه ذلك عن صيام رمضان، هل يجزيه؟ لا؛ لا بد في هذا من النية: ((إنما الأعمال بالنيات)).( )
هذا القسم الأول من الأعمال.
القسم الثاني من الأعمال العبادية: ما ليس مقصوداً لذاته: بل هو وسيلة لغيره.
مثاله: الوضوء وسيلة للصلاة، هـٰذا الأصل فيه، وإن كان الإنسان يؤجر على الوضوء في ذاته ويثاب عليه ويندب إلى المحافظة عليه؛ لكنه في الحقيقة هو مقصود لغيره، مقصود إما للصلاة أو لقراءة القرآن أو للذكر أو غير ذلك من الأعمال التي يجب لها الوضوء أو يستحب لها الوضوء، فهو عبادة مقصودة لغيرها.
هـٰذا النوع من العبادات اختلف العلماء رحمهم الله في اشتراط النية له.
ما الذي يفيده كلام المؤلف رحمه الله هنا؟ أنه شرط؛ لأنه لم يفرق بين الأعمال، لم يفرق بين العبادة المقصودة لذاتها وبين العبادة التي لم تقصد لذاتها، أي التي هي وسيلة لغيرها.
وهذا هو القول الصحيح، وهو مذهب جمهور أهل العلم؛ أنه لا فرق بين العبادة المقصودة لذاتها وبين العبادة المقصودة لغيرها في اشتراط النية.
لو قيل لك يا أخي: ما الدليل على عدم التفريق بين هذين النوعين؟
الدليل عموم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) ( ). ولم يفرق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين ما يقصد لذاته من العبادات، وبين ما هو وسيلة لغيره، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوتي جوامع الكلم، وعليه فلا بد من النية في الأمرين جميعاً.
طيب هل كل الأعمال التي تصدر عنا أعمال عبادية؟ لا؛ منها ما هو عبادي ومنها ما هو عادي، ليس كل عمل يصدر عنا عباديّاً.
عرفنا الأعمال العبادية وأقسامها.
طيب الأعمال العادية هل تشرط لها النية؟ لا نستطيع أن نقول: لا تشترط؛ لأن من الأعمال العادية ما يترتب عليه حكم، البيع والشراء، عقود المعاوضات بأنواعها، هذه هل هي أعمال عبادية؟ هل الواحد منا يذهب ويتعبد الله عز وجل بشراء ماء، بشراء ثوب؟ لا، الأصل أنه يفعل هذه الأمور على وجه العادة، دع عنك إذا اشترى ماء للوضوء، فهذه عبادة من جهة أخرى؛ لكن أصل شراء الماء، أصل شراء الثوب، أصل شراء حوائج المنزل، هذه ليست عبادة، هذه من الأمور العادية.
هل النية لها دخل في ذلك؟ نعم لها أثر، ولذلك كانت العقود مبناها على المقاصد لا الألفاظ، فالعبرة في العقود بالمقاصد لا بالألفاظ.
فلو أن إنساناً ذهب إلى دكان ليشتري منه ثوباً، فلما أعطى الرجل صاحب المحل الدراهم، قال: خذ هذه الدراهم استأجرت منك هذا الثوب، ومعلوم أن هذا المحل لا يؤجر، ما يؤجر إنما يبيع، يبيع الثياب، ولم تجر عادة الناس باستئجار الثياب.
الآن هل العقد وقع إجارة أو وقع بيعاً؟ ننظر ما الذي قصده هذا البائع؟ قال: أنا ما قصدت إلا البيع؛ لكن سبق لساني بالإجارة، أو أنه جرى عُرفنا في بلادنا أن نطلق الإجارة على البيع.
فهل نقول: العبرة باللفظ أو العبرة بالنية؟ العبرة بالنية؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
ولذلك كان القول الراجح في العقود أنه ليس لها ألفاظ محددة لا تتم إلا بها، خلافاً لما ذهب إليه جماعة من العلماء من أن العقود لها ألفاظ محددة إذا جيء بغيرها لم تنعقد.
فالصحيح أن العقود تنعقد بكل ما دلّ عليها، ولذلك صحح الفقهاء -كثيرٌ منهم- بيع المعاطاة، مع أنه لا قول فيها. تعرفون بيع المعاطاة؟ الخبز الآن: بعض الأحيان تأتي إلىٰ الخباز وتضع ريالاً وتأخذ حبة دون أن تتكلم معه بكلام، هذا بيع المعاطاة، تم بإيجاب وقبول أو بمعاطاة؟ بمعاطاة.
صناديق البيبسي التي في الشوارع التي تضع ريالاً وتضغط زرّاً ويخرج بيبسي، هذا بيع أو ليس بيعاً؟ بيع أو سرقة أو إجارة؟ بيع، طيب بأي الألفاظ تم؟ ما صورته؟ هـٰذا معاطاة، ليس هناك إيجاب ولا قبول، فإذا أخذ البيبسي الآن بعد أن وضع الريال فقد ملكه وتم عقد البيع، مع أنه لا لفظ، وهـٰذا من الصور المعاصرة لبيع المعاطاة.
المهم أننا نرجع ونقول: إن النية تدخل حتى في الأعمال العادية، لها أثر في الأعمال العادية.
طيب بقية التصرفات غير العبادية كثيرة، فإن تصرفات الإنسان التي لا تكون عبادية إما أن تكون عقوداً أو تكون غير عقود، فغير العقود هل للنية أثر فيها؟ الجواب: نعم، للنية أثر فيها.
مثال ذلك الأكل تصرف عادي أو عبادي؟ تصرف عادي، هل هو تصرف بعقد؟ ليس هناك عقد، قال: تفضل، هل هناك عقد الآن؟ ليس هناك عقد، بدأت تأكل، هذا الأكل هل النية لها أثر فيه؟ نعم لها أثر؛ قد تحول هذه العادة إلىٰ عبادة.
فالنية تؤثر حتى في الأعمال العادية غير العقدية، فتقلب هذه الأعمال إلى عبادات.
إذاً عرفنا الآن أن قوله رحمه الله: (النية شرط لسائر العمل) أنه على إطلاقه، سواء كان العمل عباديّاً أو كان العمل عاديّاً، سواء كان العمل عقديّاً أو كان العمل غير عقدي، وأن كل عمل لا بد له من نية، وعلى هذه النية يثبت أمران:يثبت الصحة أو الفساد والقبول أو الرد.
طيب هناك من الأعمال ما يسميه الفقهاء التّروك، الأعمال التركية؛ يعني ما هناك إحداث شيء، هناك ترك، هل هذه الأعمال التركية تشترط لها النية؟ الجواب: لا.
مثال ذلك: ثوب أصابته النجاسة، الآن ما الذي يجب عليك؟ إزالة هذه النجاسة التي لوثت ثوبك، لو أن الله جل وعلا ساق مطراً غزيراً وأصاب هذا الثوب حتى لم يبقَ فيه أثر للنجاسة، أنت وضعت ثوبك لكي تغسله، ولما أصبحت وقد مُطِرَت وزال أثر النجاسة من ثوبك، هل نقول: اصبر هذه النجاسة زالت بدون نية، فلا بد أن تغسله بنية لإزالتها؟
الجواب: لا، ما نقول هذا. لماذا؟ لأن هذا من باب التّروك؛ أي من الأمور التي يطلب التخلي منها، فكيف ما حصل المقصود برئت الذمة وحصل المطلوب، ولا يلزم في هـٰذا نية.
فباب التّروك لا يلزم فيه نية.
ومن ذلك أيضاً: إبراء الذمم، هـٰذا مثال ثانٍ لما يندرج في باب التروك، إبراء الذمم: شخص عليه دين، زيد من الناس عليه عشرة آلاف ريال، علمت به، وأعلم أن هذا الرجل ليس عنده ما يتمكن به من وفاء دينه، ذهبت إلى صاحب الدين؛ يعني الذي يطلب الدين، فقلت: أنت تطالب فلاناً بكذا؟ خذ هذه عشرة آلف ريال، ما علم ذلك، هل تبرأ ذمته أو لا تبرأ؟ تبرأ ذمته؛ لأن وفاء الدين لا يلزم فيه النية؛ لأنه من باب التروك، فلا يشترط فيه أن ينوي أن يبرئ ذمته؛ بل لو دفع المال بدون نية، أعطاه المال قال: خذ هذا اشترِ به كذا، ثم قال له: لا،أنا تذكرت أنك تطلبني بدين، المبلغ الذي أعطيتك وفاء دين. يصلح أو لا يصلح؟ يصلح؛ وإن كان هذا المثال لا ينطبق؛ لأنه لما قال له: المبلغ الذي أعطيتك وفاء دين، حصلت النية منه لاحقاً لا ابتداءً.
لكن المثال المنطبق هو ما لو أوفى أحد عنه المال فإن ذمته تبرأ.
طيب، الزكاة: شخص عليه زكاة مال، وعلمت أنه ليس عنده نقد –ليست عنده سيولة- يدفع هـٰذه الزكاة، فذهبت وأخرجت الزكاة عنه، هل يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ؛ الآنً الذي عليه الزكاة ذمته مشغولة أو ليست بمشغولة؟ مشغولة بالزكاة، لكن هل يجزئ أن يخرجها عنه غيره بلا نية منه؟ الجواب:لا، لأن إخراج الزكاة عبادة لا بد فيها من النية؛ وأما إبراء الذمم بوفاء الديون فليس عبادة؛ بل هي من باب التروك، كيفما حصل قُبِلَ وبرئت الذمة.
هذا الفارق بين وفاء الدين غير الزكاة ووفاء دين الزكاة: أن دين الزكاة لا بد فيه من النية.
ثم قال رحمه الله:
الدِّين مبني على المصالح*** في جلبها والدرء للقبائح.
هذه القاعدة الثانية. (الدِّين) يطلق ويراد به العمل، ويطلق ويراد به الجزاء والحساب.
فأي المعنيين المراد هنا؟ المراد العمل؛ أي العمل العبادي في هذه الشريعة (مبنيّ على المصالح في جلبها) أي في تحصيلها (والدّرء) أي الدفع (للقبائح) أي المفاسد.
وهذه قاعدة من القواعد الكلية التي تدخل في كثير من أبواب الفقه؛ بل هي من القواعد الكبرى التي لا يسلم منها باب من الأبواب، فهي داخلة في جميع أبواب الفقه.
وملخّص هذه القاعدة: أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، هـٰذا من جانب، وإعدام المفاسد وتقليلها.
في المصالح مرتبتان: الإيجاد والتكثير.
وفي المفاسد مرتبتان: الأولى الإعدام، فإذا لم يتمكن من الإعدام فالتقليل.
فالشريعة في جميع ما جاءت به دائرة على هذين المعنيين: إيجاد المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وإعدامها. ولا إشكال أن الشريعة راعت المصلحة مراعاة ظاهرة، فمن تأمل مصادر التشريع في القرآن والسنة والإجماع يجد أن الشريعة راعت المصلحة مراعاة ظاهرة.
ولذلك الشريعة ضبطت مصالح الناس، وحصّلت مصالح الناس في معاشهم ومعادهم، فليس فقط المصلحة التي تحصلها الشريعة هي مصلحة الآخرة.
وهذه مسألة مهمة يا إخوان، كثير من الناس يظن أن الشريعة احتاطت لمصالح الآخرة، وأما مصالح الدنيا فقد أهملتها، وهذا غلط، فإن الشريعة جاءت بما يصلح به أمر الدنيا وأمر الآخرة، فمهما بلغ الناس في تحصيل مصالح الدنيا، لا يستطيعون تحصيلها كما حصلتها الشريعة.
وأما مصالح الآخرة فلا سبيل إلى تحصيلها إلا من طريق هذه الشريعة المباركة.
فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وتعطيلها.
ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (الدِّين مبني على المصالح) فالدين دائر على هذا الأمر: على تحصيل المصلحة وتكثيرها، ولذلك قال: (في جلبها) أي تحصيلها وتكثيرها.
(والدرء للقبائح) والدرء له مرتبتان: الإعدام أولاً، فإن لم يتمكن من الإعدام فالمرتبة الثانية ما هي؟ التقليل.
إذاً الجلب له مرتبتان والدرء له مرتبتان.
ثم قال رحمه الله:
فإن تزاحمْ عدد المصالح*** يقدم الأعلى من المصالح.
بعد أن ذكر القاعدة الكلية في المصلحة انتقل إلى تفريع مبني على تلك القاعدة وذلك الأصل، وهو تزاحم المصالح وتزاحم المفاسد، كيف يعمل الإنسان إذا تزاحمت المصالح أو تزاحمت المفاسد، كيف يعمل؟ أولاًً ما معنى التزاحم؟ معنى التزاحم أنه يتعين فعل أحد الأمرين:
لا بد من فعل أحد الأمرين، وفعل أحدهما يفوت الآخر، فتزاحم المصالح هو أن يكون عندك أمران كلاهما مصلحة؛ لكن لا يمكنك الجمع بينهما، فإذا فعلت هذا فاتك هذا، وإذا فعلت هذا فاتك هذا، أما إذا كان يمكن الجمع فهنا لا تزاحم.
فكلامنا في هذه الصورة، وهي إذا ما كان الإنسان لا يتمكن من فعل الجميع؛ بل إذا فعل إحدى المصلحتين فاتته الأخرى، فكيف يفعل؟
يقول رحمه الله: (فإن تزاحمْ عدد المصالح) أي (عدد) مجموعة، اثنان فأكثر، من المصالح، فما الذي يقدم؟ (يقدم الأعلى من المصالح).
فإذا تزاحم عندنا فرض ونفل، كلاهما مصلحة؛ لأن العبادة مصلحة فرضها ونفلها، مصلحة في الدنيا ومصلحة في الآخرة، فماذا يقدم؟ عندنا الآن فرض ونفل ماذا نقدم؟ نقدم الفرض.
ودليل تقديم الفرض على النفل قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الإلهي: ((وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه))( ). فأول وأوجب ما يقدّم عند التزاحم: الفرائض، وهذا واضح.
الإشكال يقع فيما إذا تزاحمت النوافل، أو تزاحمت الفرائض، إذا اتفقت في الجنس، كيف يفعل؟ هنا يطول الكلام ويحتاج الإنسان إلىٰ فقه مراتب الأعمال.
فلا سبيل إلى تحقيق ما ذكره المؤلف رحمه الله من تقديم الأعلى من المصالح إلا بمعرفة وفقه مراتب الأعمال.
فمثلاً إنسان تزاحم عنده الآن طلب العلم وقيام الليل، ماذا يقدم؟ هل يقدم طلب العلم على قيام الليل؟ كلامنا في طلب العلم غير الواجب، غير المتعين، أما طلب العلم المتعين فخارج عن الكلام، كلامنا في طلب العلم الذي هو في دائرة النفل، وليس في دائرة فرض العين.
أيهما يقدم؟ هل يقدم طلب العلم على قيام الليل؟ هنا لا فرق، فكيف يقدم؟ هنا لا بد من النظر إلى مراتب الأعمال وإلى ثمرة العمل، فإن الأعمال تتفاوت في الأجر والمرتبة والفضيلة والمنزلة بنتائجها وعواقبها وأجرها، وهـٰذه قاعدة في جميع الأعمال الواجبة والمستحبة: المفاضلة بين الأعمال هو في نتائجها وعواقبها وأجرها، فأيهما يقدم؛ طلب العلم أو قيام الليل؟
عندنا الآن من يرى تقديم طلب العلم مطلقاً، ورأي من يقدم قيام الليل مطلقاً، ورأي يقدم الأصلح لقلبه، ورأي يفصل باختلاف أحوال الناس.
وكل هذه الآراء قد قيل بها عند أهل العلم، وهذا الذي يجعل الموازنة بين المصالح من الأمور التي يحتاج فيها إلى فقه دقيق ونظر عميق حتى يتوصل الإنسان إلى الراجح من هذه الأقوال.
الإمام أحمد رحمه الله مال إلى تقديم العلم على قيام الليل؛ وذلك أن قيام الليل نفعه لازم، وأما طلب العلم فنفعه متعدٍّ، وما كان نفعه متعدياً يقدم على النفع اللازم.
وفي قول آخر في مسألة أخرى سئل الإمام أحمد رحمه الله: أيهما أفضل؟ فقال: انظر إلى ما هو أصلح لقلبك فافعله، فجعل المرجع في تحديد ما يقدم ويؤخر ما يحصل به زكاء القلب وصلاحه.
لأن هذا مقصود للشارع، فالأعمال العبادية على اختلاف أنواعها وصورها إنما يراد بها صلاح القلب واستقامته وزكاؤه وصلاحه.
إذاً يا إخوان في مثل هذه الأمور يحتاج الإنسان إلى أن يُنعم النظر ويدقق، وليس هناك جواب ينتظم جميع الصور ويصلح لكل أحد.
ولذلك لما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أيهما أفضل: المجاورة في مكة أو في المدينة؟ قال: الأفضل في المجاورة ما يحصل به لك التقوى، حيثما كنت في مكة أو في المدينة أو على رأس جبل، أو في أي مكان، ليس السبق فيما يتعلق بفضل المكان، إنما السبق فيما يتعلق بما يحصل به المقصود للقلب من الزكاء والصلاح والاستقامة.
فهذه الأمور تحتاج إلى بسط، وإلى نظر إلى جوانب عديدة، وهي راجعة إلى ما قدمنا به الحديث، وهو معرفة وفقه مراتب الأعمال، وهذا فقه دقيق.
قال رحمه الله:
فإن تزاحمْ عدد المصالح*** يقدم الأعلى من المصالح.
وضده ....
أي عكسه ويقابله (تزاحم المفاسد)، ماذا يفعل؟ (يرتكب الأدنى من المفاسد)؛ لأن الشريعة جاءت بتعطيل المفاسد، فإذا لم يمكن التعطيل فالتقليل، ولذلك يتعبد الإنسان بتقليل المفسدة، يتعبد لله عز وجل بتقليل المفسدة، فإذا كان في مكان لا يستطيع أن يلغي المفسدة (100%) مائة في المائة؛ لكنه يستطيع أن يوصل المفسدة إلى (80%) ثمانين في المائة، إلى (60%) ستين في المائة، هل هو مأجور على هذا أو لا؟ مأجور على هذا، وإن كان من لازم عمله أن يُمضي بعض المفاسد فالشريعة لها مقصدان في المفاسد: المقصد الأول هو التعطيل والإزالة بالكلية، فإذا لم يتمكن فلا أقل من التقليل.
ثم قال رحمه الله بعد أن فرغ من هذه القاعدة وتفصيلها:
ومن قواعدْ شرعنا التيسير*** في كل أمر نابه تعسير.
والتيسير ضد التعسير وهو التسهيل، وهـٰذا وصف من أوصاف هذه الشريعة المباركة أنها شريعة يسر وسهولة، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى منّ على هذه الأمة برفع الآصار والأغلال، فهي أمة وسط بين جفاء وغلو، بين إفراط وتفريط، كما قال الله جلّ وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾( ). فوسطية الأمة في جميع شؤونها، في جميع أحكامها، في جميع عقائدها، في جميع شرائعها، وقد أطال ابن تيمية رحمه الله في بيان هذه الوسطية وهذا الاعتدال في كتابه الجواب الكافي فمن أراده فليرجع إليه، ثم لما أطال الذكر قال: وهذا باب يطول وصفه؛ أي يطول تتبع شواهده وذكر أمثلته.
فالشريعة يسر كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾،( ) ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾،( ) وكل هذا تأكيد لهذه القاعدة والسمة العامة فيما جاء في الشريعة، فالأصل في شرائع الإسلام اليسر، هذا الأصل في جميع الشرائع.
ثم هناك تيسير آخر وهو التيسير عند التعسير، ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (ومن قواعد الشريعة التيسير) هـٰذا سمة عامة؛ لكن المؤلف ذكره في حال خاص فقال: (في كل أمر نابه تعسير). وهذا تيسير زائد على التيسير الذي تكلمنا عنه أولاً، وهو ما اتسمت واتصفت به الشريعة على وجه العموم، فالشريعة على وجه العموم شريعة يسر، ما فيها ما يشق على الناس وما يلحقهم العنت؛ بل كل ما فيها يسر، ولا يعني اليسر أنه لا مشقة فيها بوجه من الوجوه، هذا ليس هو المراد بقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾،( ) فإن أصل العبادة -أصل التكليف- هو العمل بما فيه مشقة:
لولا المشقة ساد الناس كلهم
فالمشقة وهي كلفة العمل العبادي هذه لا بد منها، وبها يحصل السبق بين الناس، فليس نفي العسر في الشريعة هو تعطيل أحكام الشريعة، نفي التعسير هو أنه ما أُمر به ليس فيه ما يشقّ على الناس ويخرجهم عن حد الطاقة، ويكلفهم ما لا يطيقون.
فتنبه! هذا هو المعنى العام التي اتصفت به الشريعة في أنها شريعة يسر؛ أي إنها لا تُحَمِّلُ الناس من العمل ما لا يطيقون، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾،( ) وكما قال جلَّ وعلا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾( ). فالشريعة جاءت بما تطيقه النفوس وبما يستطيعه بنو آدم، فليس فيها عسر ولا مشقة.
أما ما أشار إليه المؤلف رحمه الله فهو تيسير بعد تيسير، وهو تيسير خاص، فإذا حل العسر والضيق والمشقة جاء التيسير الخاص الزائد لمن نزل به العسر والمشقة، فالمسافر نزلت به المشقة أو لا؟ بلى: ((السفر قطعة من العذاب))( ) كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من مظنة المشقة والعسر؛ ولذلك جاء في حقه التيسير، فخُفف عنه في الصلاة، وخفف عنه في الصيام، وخفف عنه في رخص السفر المعروفة؛ في الطهارة وغيرها.
ومن أمثلة ذلك أيضاً المرض، إذا ناب إنسان المرض ونزل به المرض، المرض مظنة المشقة؛ ولذلك خفف الشارع في حقه، وجاء التيسير في شأنه في عباداته وفي شأنه كله.
إذاً التيسير الذي نتكلم عنه في شريعة الإسلام نوعان:
تيسير عام: وهو الوصف الذي اتصفت به أحكام الإسلام.
تيسير خاص: وهو عند نزول المشقة وعند قيام مظنتها، فهذا تيسير خاص زائد على التيسير السابق، وهو ما أشار إليه رحمه الله في قوله:
ومن قواعدْ شرعنا التيسير*** في كل أمر نابه تعسير.
فرّع على هذه القاعدة قاعدتين فقال رحمه الله:
وليس واجب بلا اقتدارِ*** ولا مُحَرَّم مع اضطرار
هاتان القاعدتان من ثمرات التيسير في هذه الشريعة المباركة: أنه لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة.
أما أنه لا واجب مع العجز فذلك من قوله جلَّ وعلا: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾،( ) ومن قوله سبحانه وتعالىٰ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾( ). فكلّ ما أمر الله به من الأوامر من شرطه الاستطاعة، فإذا عجز عنه الإنسان سقط عنه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهذا من ثمرات التيسير.
وهو من ثمرات التيسير العام أو الخاص؟ الخاص، ويمكن أن يقال: إنه من ثمرات التيسير العام فهو على وجه العموم، وأيضاً على وجه الخصوص إذا نابه تعسير ومشقة وعجز فإنه يسقط عنه.
قال: (ولا مُحَرَّم مع اضطرار) أي ينتفي وصف الحرمة في الفعل عند الضرورة.
وما هي الضرورة؟ الضرورة هي الحال التي يخرج بها الإنسان عن الحال السويّة، ويُضطر إلى فعل ما حرُم عليه أو منع منه.
لكن اعلم أنه ليس كل ضرورة تبيح المحرم، فإن كثيراً من الناس يستعمل هذه القاعدة في غير محلّها ويقول: الضرورات تبيح المحظورات.
نقول: انتظر ليس كل ضرورة تبيح كل محرم، الضرورة التي تبيح المحرم لا بد فيها من وصفين:
الوصف الأول: أن يتعين فعل المحرم؛ يعني يلزمك أن تفعل محرماً، ما فيه خيار، هذا واضح.
والأمر الثاني: أن يُتيقّن من اندفاع الضرورة به، حصول اليقين باندفاع الضرورة إذا ارتكب المحرم.
هذان الوصفان ضروريان لتطبيق هذه القاعدة، الضرورة لا تبيح المحرم إلا بهذين الوصفين.
مثال ذلك: شخص دخل بيت كافر ليطعم، عزمه على طعام فأكل عنده، فغصّ -وقفت اللقمة في حلقه- فاحتاج إلى دفعها، طلب ماء، ما قدم له هذا إلا خمراً، الآن إما أن يشرب لدفع هـٰذه اللقمة، وإما أن يموت ويهلك بهذه اللقمة التي وقفت في حلقه.
ننظر نطبق القاعدة، هل هذه ضرورة تبيح المحرم؟
ننظر أولاً: هل يتعين أن يستعمل الخمر لدفعها؟ الآن ما عنده ماء، ليس عنده ماء ولا يستطيع أن يحصل على الماء. إذاً تعين الخمر لدفع الضرورة ، واضح؟
الثانية: هل نتيقن اندفاع الضرورة بهذا الشرب؛ بهذا المحرم؟ نتيقن؛ لأن أي سائل يدفع اللقمة التي في الحلق وينتهي الأمر.
فعندنا الآن هذان الوصفان منطبقان على هذا المثال، ولذلك نقول: يجوز له أن يشرب الخمر في هذه الحال لدفع الضرورة؛ لأن الضرورة تبيح المحرم. واضح؟
طيب، شخص مريض، وقيل له: إن شفاءك أن تشرب خمراً، وأخبره بذلك طبيب ماهر متقن، هل يجوز له أن يشرب الخمر لدفع المرض ضرورة؟ لا تقل لا أو نعم.
ننظر إلى القاعدة، الآن هل تعين الخمر لدفع الضرورة، هل تعين؟ ما تعين، ليس صحيحاً، لم يتعين الخمر لدفع الضرورة؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لم يجعل الله شفاء أمتي في محرم)). ( )
وإذا كان كذلك فنحن نجزم تصديقاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا يتعيّن هذا الدواء لدفع هذا الداء؛ بل هناك دواء آخر، اطلبه: ((فما من داء إلا وأنزل الله له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله)).( )
إذاً اختل عندنا شرط، فهل نقول هنا: الضرورة تبيح المحرم؟ الجواب: لا، لا نقول: إن الضرورة تبيح المحرم.
طيب الآن كثير من الناس يسأل عن الذهاب إلى السّحرة لفك السحر، ويقول: أنا متيقن أن السحر سينفك إذا ذهبت إلى السحرة، فهل نقول: يجوز أن تذهب ضرورة لفك السحر؟
طبّق هـٰذين الشرطين:
الشرط الأول: هل يتعيّن هذا الطريق لفك السحر، أم أن هناك طرقاً أخرى لفك السحر؟ هناك طرق أخرى، الطرق الشرعية لفك السحر.
إذاً لم يتعين.
طيب لو قلنا: إنه يتعين، ولو سلّمنا أو ألح علينا، وقال: لا ما فيه طريق، وجربت القراءة، وفعلت وفعلت ولي عشر سنين أعاني من هـٰذا المرض أو خمس عشرة سنة أو عشرون سنة ولم تنفع القراءة، وما لي طريق إلا أذهب إلى هذا الساحر.
نقول: انتظر بقي شرط آخر، وهو: هل تتيقن أن السحر سينفك إذا ذهبت إليه؟ ما يتيقن.
إذاً عندنا في هذه المسألة الشرطان غير منطبقين: لا يتعين هذا الطريق، فإن الطرق الشرعية لفك السحر موجودة.
والثاني: أنه لا يتيقن من حصول المقصود.
فإذا كان كذلك فإنه لا نقول إن الضرورة تبيح المحرم.
إذاً نقف ونكمل بقية البحث إن شاء الله في هـٰذا الموضوع غداً إن شاء الله تعالىٰ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سؤال: أحسن الله إليكم يا شيخ، ما الفرق بين الشرط والركن؟
الجواب: الشرط ليس من ماهية العبادة. أما الركن فهو من ماهية العبادة وأجزائها؛ فالركوع ركن من أركان الصلاة وليس شرطاً للعبادة. نعم.
والفارق بينهما أن الركن من ماهية العبادة وأما الشرط فإنه ليس من أجزاء العبادة ومن ماهيتها.
سؤال: لو أعدتم الكلام على نية العبادة ونية المعمول له والفرق بينهما.
الجواب: عبد صلى رياءً؛ نوى صلاة الظهر في وقتها أربع ركعات؛ لكن رياءً.
الآن هل النية التي اشترطها الفقهاء موجودة أو ليست موجودة؟
هـٰذا نوى أن يصلي الظهر، فحصل منه ما اشترطه الفقهاء من النية في العبادة؛ لكن هـٰذا نوى أن يصلي الظهر ليقال: فلان مصلٍّ، الآن الخلل في أي الأمرين: هل هو في نية العبادة أو في نية المعمول له؟ في نية المعمول له، هـٰذا لم يخلص لله جل وعلا، إنما نوى بها ثناء الناس ووجههم وكلامهم، فدخل عليه الخلل من نية المعمول له، فالصلاة على قواعد الفقهاء صحيحة؛ لكن من حيث القبول ليست مقبولة؛ لدخول الشرك فيها، هـٰذا الفرق بين نية العمل ونية المعمول له.
سؤال: نرجو التحدث عن تداخل النيات في العبادات، مثل صلاة المنفرد إذا أدركه شخص تحولت النية من صلاته بمفرده إلىٰ صلاة جماعة؟
الجواب: بحث النية يطول حقيقة، والمسائل كثيرة ومتفرعة ومختلفة في أبواب الفقه، والمقصود من القواعد ذكر الأصول لا الدخول في الفروع، والذي سأل عنه ليس تداخلاً في النية، إنما هو تغيير في النية، سؤاله عن تغيير النية لا عن تداخل النية.
تداخل النية هو أن ينوي بالعمل الواحد أكثر من شيء، فمثلاً يدخل إلىٰ المسجد ليصلّي الراتبة وينوي به تحية المسجد.
أما الذي سأل عنه وهو أن يصلي منفرداً ثم يأتي شخص ليأتم به، فهـٰذا تغيير النية من كونه منفرداً إلىٰ نية الإمامة.
سؤال: هل النية تحديث النفس بالعمل لوجه الله أم التلفظ ؟
الجواب: النية عمل قلبي وليس عملاً قوليّاً، ولذلك لا ينبغي أن يتكلم الإنسان بالنية في أي نوع من أنواع العبادة، أي نوع من أنواع العبادة ليس من شرطه التلفظ بالنية إنما يكفي فيها العمل القلبي.
وقد يقول قائل: الحج ألسنا نقول: لبيك حجّاً أو لبيك عمرة؟
نقول: نعم هـٰذا ليس جهراً بالنية، إنما هـٰذا تسمية للنسك، ولذلك يُشرع للإنسان أن يقول: لبيك عمرة في أول دخوله وفي أثناء سيره. ولو كان تلفظاً بالنية لكان الأمر في أول دخوله في العبادة.
ولذلك لا يشرع الجهر بالنية في أيّ نوع من أنواع العبادة، حتى الحج على الصحيح من أقوال أهل العلم، وما يكون من الجهر بنوع النّسك هـٰذا تسمية له وليس جهراً بالنية.
ودليل ذلك أنه مشروع في أول العبادة وفي أثنائها، والذين قالوا: يشرع الجهر بالنية إنما يقولون: يشرع الجهر بالنية في أولها، ولم يقل جمهورهم يشرع في أولها وفي أثنائها.
فنتبه للفرق بين هـٰذين؛ لأن الذين يقولون: أنتم لماذا تنكرون علينا أن نقول: نويت أن أصلي كذا، أو نويت أن أتصدق بكذا؟
نقول: هـٰذا لم يرد في الشرع، و: ((مَنْ أَحْـدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْـسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))،( ) يقولون: طيب ما يكون في الحج؟
الذي يكون في الحج والعمرة ليس جهراً بالنية، إنما هو تسمية النسك.
قالوا: هـٰذا اختلاف تسمية. نقول: لا، اختلاف تسمية واختلاف حكم، وذلك أن الجهر بنوع النسك يكون في أوله وفي أثنائه، فهو مشروع في أوله وأثنائه، ولذلك قال جابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصرخ بالحج. يعني يقولون: لبيك حجّاً، وهـٰذا لا يكون فقط في أول الدخول في النسك، إنما في أوله وفي أثنائه كما ثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
سؤال: ذكرتم يا شيخ أن الشرط ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، والذي قرأناه من التعليق أنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، حيث لا يلزم ممن يتطهر أن يصلي، فما توجيهكم؟
الجواب: نعم صواب، ما ذكره هو الصواب، ما ذكره أخونا هو الصواب، في تعريف الشرط،
الشرط( ): هو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. هـٰذا تعريف الشرط، وإن كنا قد قلنا خلاف ذلك في أول الكلام فهو غلط، وهـٰذا هو الصواب.
سؤال: أحسن الله إليكم يا شيخ، ما الفرق بين نية المعمول له والإخلاص؟
الجواب: نية المعمول له هي الإخلاص، نية المعمول له هي الإخلاص في العبادة.
والنية تطلق ويراد بها نية العمل، وتطلق ويراد بها نية المعمول له.
والمعمول له قد ينوي الله عز وجل فيكون مخلصاً وهو الإخلاص الواجب، وقد ينوي غير الله عز وجل فيكون مشركاً أو مرائياً إما شركاً أكبر أو شركاً أصغر.
سؤال: يا شيخ هل تشترط النية في ترك محظورات الإحرام ؟
الجواب: لا، لا يشترط في كل المحرمات، لا يمكن أن تشترط أن تنوي أن لا تسرق وتنوي أن لا تزني، وتنوي أن لا تغتاب؛ لأن هـٰذا من التروك.
النية تكون في العمل الذي يُطلب منه الوجود.
وأما التروك كلها فيكفي في الامتناع منها أن يتركها، عدا الصيام فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالنية وأن تكون من الليل، والظاهر -والعلم عند الله- أن السبب في اشتراط ذلك في الصيام مع أنه ترك؛ لأنه ترك مؤقت بوقت من طلوع الفجر إلىٰ غروب الشمس.
وأما ترك الزنى فهو في كل وقت، ترك السرقة في كل وقت، فلا يجوز للإنسان أن ينوي أن لا يزني أن ينوي أن لا يسرق، لا يجوز ذلك، بل يجب عليه أن يكف ويحصل بذلك..
السؤال الأخير: ما الفرق بين بيع المعاطاة وبيع المقايضة.
الجواب: فرق بين المعاطاة والمقايضة، بينهما فرق، البيع ينعقد باللفظ وبالفعل:
باللفظ يكون بالإيجاب والقبول.
بالفعل هو ما يقول العلماء بيع المعاطاة.
والمقايضة هو نوع آخر من أنواع البيوع يختلف الفقهاء في تعريفه.
والله تعالىٰ أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد، وإلىٰ لقاء قادم إن شاء الله.
 

مواد تم زيارتها

التعليقات (0)

×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف