×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح

المكتبة المقروءة / دروس / الفقه وأصوله / القواعد الفقهية / الدرس(6) من شرح المنظومة الفقهية للسعدي

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis
الدرس(6) من شرح المنظومة الفقهية للسعدي
00:00:01

بسم الله الرحمٰن الرحيم وكل شرط لازم للعاقد*** في البيع والنكاح والمقاصد إلا شروطا حللت محرما*** أو عكسه فباطلات فاعلما تستعمل القرعة عند المبهم*** من الحقوق أو لدى التزاحم وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا وكل مشغول فلا يشغل*** مثاله المرهون والمسبل ومن يؤد عن أخيه واجبا*** له الرجوع إن نوى يطالبا والوازع الطبعي عن العصيان*** كالوازع الشرعي بلا نكران والحمد لله على التمام*** في البدء والختام والدوام ثم الصلاة مع سلام شائع*** على النبي وصحبه والتابع بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهٰذا آخر مقطع في هٰذه المنظومة في القواعد الفقهية. قال الشيخ رحمه الله: وكل شرط لازم للعاقد*** في البيع والنكاح والمقاصد إلا شروطا حللت محرما*** أو عكسه فباطلات فاعلما المؤلف رحمه الله أشار في هذين البيتين إلى قاعدة فقهية مشهورة: وهي أن الأصل في الشروط الصحة والإباحة. وإذا كان الأصل فيها الإباحة فالأصل فيها اللزوم أي إنها لازمة لمن اشترطت عليه. واعلم أن الشرط منه ما هو من وضع الشارع يعني من وضع الشريعة، ومنه ما هو من اتفاق المتعاقدين. فما كان من وضع الشارع فهذا شرط لا بد من وجوده في العقد ولا يصلح العقد إلا به. وأما ما كان من الشروط من وضع العاقدين فهذا الحق فيه للمتعاقدين. فإن أسقطه أحدهما أو اتفقا على إسقاطه أو أسقطه من هو له، فالحق له. والفرق بينهما في التسمية: الشروط التي من وضع الشارع تسمى شروط الشيء: شروط البيع، شروط الإجارة، شروط النكاح. وأما الشروط التي من وضع العاقدين فتسمى الشروط في الشيء: الشروط في البيع، الشروط في الإجارة، الشروط في النكاح. واعلم أن الشروط في النكاح أو في البيع أو في الإجارة تنقسم إلى قسمين: • شروط صحيحة. • وشروط فاسدة. الشروط الصحيحة: هي التي فيها مصلحة للمتعاقدين أو أحدهما، ولا يلزم عليها محظور شرعي. هذا ضابط الشرط الصحيح. والشرط الصحيح منه ما يكون من لوازم العقد، ومنه ما يكون شرطا زائدا على مقتضى العقد. مثال الشرط الذي هو من لوازم العقد: كأن يشترط المتبايعان التقابض في الثمن والمدة، هذا إذا اشتريت منك الكتاب عليك أن تقبضني الثمن، هذا شرط من مقتضى العقد أو زائد على العقد؟ يعني مقتضى عقد البيع أن يسلم المشتري الثمن وأن يسلم البائع السلعة التي تم عليها العقد، فهذا شرط من مقتضى العقد. طيب. إذا اشترطه أحد المتعاقدين ما الذي يترتب على هذا الاشتراط؟ يترتب عليه تأكيد الشرط، وأما إذا كان الشرط ليس من مقتضى العقد إنما هو شرط زائد على ما يقتضيه العقد فيفيد ماذا؟ يفيد زيادة قيد في العقد، لا بد من الوفاء به. فمثلا إذا اشتريت منك هذا الكتاب واشترطت عليك حمله إلى بيتي، الآن الحمل إلى البيت أمر زائد على العقد أو هو من مقتضيات العقد؟ أمر زائد على العقد. فماذا يفيد هذا الشرط؟ يفيد زيادة قيد في العقد، ما حكم الشرط؟ الشرط يجب الوفاء به من حيث الأصل. والأصل في الشروط الصحة ما لم يدل دليل على تحريم الشرط، أو يكن الشرط مفضيا إلى تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فهذا يكون شرطا فاسدا لا يجب الوفاء به؛ بل لا يجوز الوفاء به ولا يجوز اشتراطه. إذا الأصل في الشروط الصحة، والأصل في الشروط وجوب الوفاء بها، والدليل على وجوب الوفاء بالشروط قول الله تعالىٰ: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾( ). والأمر بالوفاء بالعقد يتضمن الأمر بالوفاء بأصل العقد وبوصفه، والشرط من الأصل أو من الوصف؟ الشرط من وصف العقد، فهذه الآية تضمنت الأمر بالوفاء بالعقد وبوصفه وهو شروطه. ويدل لذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشرط جائز بين المسلمين))، معنى جائز يعني ليس بحرام؟ لا، جائز معناه نافذ ((إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا)). ( ) إذا هذا ثاني الأدلة على أي شيء؟ على وجوب الوفاء بالشروط، وأن الأصل في الشروط الصحة. قال المؤلف رحمه الله: (وكل شرط لازم للعاقد) العاقد هذا وصف يصدق على طرفي العقد، في البيع على البائع والمشتري، وفي النكاح على الزوج وعلى ولي الزوجة والزوجة، فالعاقد يصدق على طرفي العقد الذي يصدر عنه الإيجاب والذي يصدر عنه القبول. لازم، واللازم هو ما يجب الوفاء به، ولا يسقط إلا بإسقاط صاحبه. هذا معنى اللازم؛ يعني ليس له الخيار في الانفكاك عنه؛ بل هو لازم له لا يمكنه الانفكاك عنه. قال: (في البيع والنكاح)، في البيع والنكاح، البيع واضح والنكاح واضح، (والمقاصد) أي وما يقصد من العقود، هذا فيما يقصد؛ يعني في كل ما يقصد مما يشترطه المتعاقدان في العقود. ثم قال رحمه الله مستثنيا من هذه القاعدة : "إلا شروطا حللت محرما*** أو عكسه" أي شروط حرمت الحلال،"فباطلات فاعلما" أي فباطلات والباطل لا يلزم ولا يصح الوفاء به. فإذا تزوج الرجل المرأة على أنه لا مهر بينهما، اشترط الرجل على المرأة قال: أنا أوافق أن تكوني زوجة لي بشرط ألا مهر، ما فيه مهر. الحكم باطل؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز عقد النكاح إلا بمهر، فهذا الشرط منع مما أمر به الشارع وهو المهر، والمهر وصف لا بد منه في عقد النكاح، شرط لا بد منه في عقد النكاح قل أو كثر. فهذا شرط أفضى إلى محظور شرعي وهو منع ما أمر الشارع به. فنقول: هذا العقد باطل، هذا الشرط باطل؛ لأنه يتضمن منع ما أمر به الشارع. لو أن الرجل تزوج المرأة على أن المرأة -اشترطت المرأة على أن لا يتزوج غيرها- قالت: أقبل بك زوجا بشرط ألا تتزوج علي، وقبل الزوج هذا الشرط. فما رأيكم؟ باطل؟ الصحيح أن هذا الشرط صحيح، للمرأة أن تشترط ذلك "إلا شروطا حللت محرما*** أو عكسه" وهي الشروط التي حرمت الحلال فما الجواب؟ نقول: إن هذا ليس فيه تحليل حرام وليس فيه تحريم حلال, إنما فيه أن المرأة اشترطت هذا الشرط بأنها لا تطيق أن يكون لها ضرة، وإذا قبل الزوج بهذا الشرط فإنه شرط لازم، ثم إذا وقع من الرجل الزواج. فالمرأة بالخيار: إن شاءت أن تسقط حقها وتبقى مع الرجل فلها ذلك، وإن شاءت أن تفسخ العقد لمخالفة الرجل الشرط فلها ذلك، هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وإن كان من العلماء من يقول: لا يجوز هذا الشرط. لو أن المرأة اشترطت على الرجل في النكاح أن يطلق زوجاته، تقدم لها رجل وكان معه امرأتان أو كان معه امرأة قالت له: أنا أقبل بك زوجا بشرط أن تطلق زوجتك. هذا شرط باطل, لماذا؟ لأن فيه اعتداء على الغير، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تسأل المرأة طلاق ضرتها لتكفأ ما في صحفتها. هذا في الضرة يعني: في المرأة الموجودة فكيف بالتي تبتدئ هذا الشرط من أول الأمر قبل أن تكون ضرة وقبل أن يثبت لها الوصف وصف الزوجية، هذا يكون من باب أولى. طيب. إذا نرجع إلى تقرير القاعدة وهو أن الأصل في الشروط الصحة، ولذلك أي شرط في أي عقد إذا قيل لك: إنه شرط محرم فاطلب من الذي قال بتحريمه, اطلب منه الدليل على التحريم؛ لأن الأصل الإباحة، وقد سمعتم الدليل على الإباحة. لكن اعلم أن كل شرط يفضي إلى محرم أو يترتب عليه محظور شرعي فإنه لا يجوز اشتراطه. ثم تأتي مسألة: هل هذا الشرط يعود بالفساد على العقد أو لا يعود بالفساد على العقد؟ هذه مسألة فيها خلاف، ويختلف القول فيها باختلاف نوع الشرط، فلا حاجة إلى الخوض في هذه المسألة. ثم قال المؤلف رحمه الله: تستعمل القرعة عند المبهم*** من الحقوق أو لدى التزاحم (تستعمل القرعة) ما هي القرعة؟ القرعة هي نوع من السهام عند استواء الحقوق أو لتعيين المبهم عند عدم إمكان التعيين، ومن هذا التعريف نفهم أن القرعة تكون في ما لا يمكن تعيين المستحق، هذا واحد، وأيضا فيما إذا تزاحمت الحقوق، وبالمثال يتضح المقال. قال رحمه الله: (تستعمل القرعة عند المبهم) أي عند عدم إمكان تعيين المستحق للشيء. فمثلا لو أن رجلا قال: عبدي فلان حر. أو: بيتي الفلاني وقف لله تعالى، ثم اشتبه عليه، نسي أي البيوت عين، ولا سبيل إلى تعيين البيت الذي أوقفه، حاول أن يتذكر ما استطاع، فهنا المرجع في تعيين الوقف إلى القرعة، نقرع بين البيوت التي يملكها، ويحتمل أن يكون أراد إيقافها وما تعين -ما أخرجته القرعة- فهو الوقف. وهذا أحد ما تستعمل فيه القرعة. من الصور التي يمكن استعمال القرعة فيها عند الاستباق إلى الحق، عندنا الأذان مثلا، ليس هناك مؤذن راتب في مسجد ما، وتقدم ثلاثة كلهم يريد أن يؤذن، واستووا في الأوصاف المطلوبة في المؤذن من حسن الأداء وقوة الصوت فمن نعين؟ إذا عينا بدون قرعة أوقعنا بين هؤلاء العداوة أو البغضاء، فالذين لم يعينوا سيجدون في أنفسهم على إخوانهم الذين عينوا وعلى أخيهم الذي يعين. فالسبيل لتعيين المستحق هو أن نقرع بينهم، والقرعة قد جاءت إشارات عديدة في الكتاب وفي السنة إلى اعتبارها: فمما في الكتاب ما ذكره الله عز وجل في قصة يونس: ﴿فساهم فكان من المدحضين (141)﴾( )، وكذلك في قصة مريم: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾.( ) وفي السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم في النداء والصف الأول: ((لو لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه))( ) والاستهام هو الاقتراع. المهم أن أدلة هذا كثيرة وقد أطال ابن القيم رحمه الله في ذكر الشواهد الدالة على اعتبار القرعة، عند استواء الحقوق وعدم إمكان التعيين أو عند التزاحم في الحقوق. ثم قال رحمه لله: وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا (وإن تساوى العملان) والمراد بالتساوي هو التساوي من كل وجه، وهذا مبحث يفيد في تداخل النيات. لو أن إنسانا توضأ للصلاة ثم قدم إلىٰ المسجد، خرج توضأ ودخل المسجد الآن يسن في حقه أن يصلي ركعتين للوضوء وأن يصلي ركعتين لدخول المسجد، فإذا وافق دخوله بين الأذان والإقامة فأيضا وافق سنة ثالثة وهي أنه بين كل أذانين صلاة. فهل يجزئ عن هذه الثلاثة أن يصلي صلاة واحدة؟ الجواب: نعم. لكن ما ضابط ذلك؟ ما ضابط إجزاء ذلك؟ هل هو في كل ما تساوى فيه العملان إذا اجتمعا؟ الجواب: لا، ضابط ذلك أن يكون المقصود حصول الفعل لأي سبب كان. فالآن دخول المسجد يشرع له صلاة ركعتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))( ). هل لو صلى الفريضة حصل المقصود؟ حصل المقصود. لو صلى الراتبة حصل المقصود؟ حصل المقصود. لو لم يكن فريضة ولا راتبة، دخل في وقت لا فريضة ولا راتبة، فهنا يصلي ركعتين مستقلتين بنية استباحة أو تحقيق سنة الركعتين اللتين أمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فالصلاة هنا ليست مقصودة لذاتها، إنما المقصود ألا يجلس حتى يصلي، فكيف ما كانت الصلاة : كانت سنة وضوء، كانت صلاة استخارة، كانت صلاة وتر، كانت ما كانت، فإن المقصود ألا يجلس حتى يصلي ركعتين. ومثال ذلك أيضا المعتمر إذا دخل البيت، تحية البيت الطواف كما قال ابن عباس رضي الله عنه، فإذا دخل إلىٰ البيت هل يطوف تحية البيت ثم يطوف للعمرة، أم يكتفي بطواف العمرة عن الطواف الذي هو تحية البيت؟ الجواب: أنه يكتفي بطواف العمرة عن طواف التحية. ولذلك المتمتع بالحج إذا قدم مكة هل يطوف طواف القدوم؟ لا، لا يطوف طواف القدوم، لماذا لا يطوف طواف القدوم؟ لأن طواف العمرة يجزئ؛ لأن المقصود أن يبتدئ الداخل إلى البيت بالطواف بالبيت ويعظم هذا البيت بالطواف به، فكيفما حصل بطواف العمرة أو بغيرها من الأطوفة فإنه حصل المقصود، ولذلك لابد من تقييد كلام المؤلف هنا في قوله: وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا يعني يكفي فعل إحداهما؛ لكن متى يكون فعل إحداهما كافيا؟ إذا كان الفعل ليس مقصودا لذاته. لكن لو أن الشخص ما تسنن، لم يصل راتبة الفجر ودخل المسجد هل يجتزئ بالفريضة عن راتبة الفجر؟ دخل المسجد وهم يصلون صلاة الفجر هل نقول: الآن هذان الفعلان اجتمعا وتساويا فيكفي أحدهما عن الآخر؟ الجواب: لا؛ لأن صلاة الركعتين قبل الفجر مقصودة لذاتها فلا يجزئ عنهما الفريضة. كذلك سنة الضحى، لو أن إنسانا لم يصل الراتبة قبل الفجر، نام عنها وصلى الفريضة، ثم بقي في المسجد حتى أشرقت الشمس وارتفعت؛ حسنا الآن بارتفاع الشمس قيد رمح يكون قد حل وقت الضحى، دخل وقت صلاة الضحى، فإذا صلى ركعتين، ركعتا الفجر هل تكفيان عن صلاة الضحى؟ الجواب: لا؛ لأن صلاة الضحى مقصودة لذاتها. فانتبه لهذا فهو قيد مهم لكلام المؤلف رحمه الله. ثم قال: وكل مشغول فلا يشغل*** مثاله المرهون والمسبل (وكل مشغول فلا يشغل) أي لا يشغل، وهذه القاعدة المشهورة في كلام الفقهاء: أن المشغول لا يشغل، المشغول هو: الذي تعلق به عمل أو به حكم، فإنه لا يشغل بغير ما تعلق به أولا، المشغول لا يشغل؛ يعني إذا تعلق الحكم أو العمل بأمر فإننا لا نشغله بحكم جديد أو بعمل جديد. مثل له رحمه الله: (المرهون والمسبل) المرهون مفعول، والمراد به العين التي جعلت رهنا، تعرفون الرهن؟ العين التي جعلت رهنا، اشتريت منك كتابا، ثبت قيمة الكتاب في ذمتي لك، ما عندي مال قلت: ارهني قلمك. تمام ارهني القلم، أعطيتك هٰذا القلم رهنا بالثمن، الآن هذه العين مشغولة أو ليست مشغولة؟ مشغولة، بأي شيء مشغولة؟ بالرهن، فهي مرهونة بالثمن الذي في ذمتي لك، فإذا لم تتمكن من استيفاء الثمن تستوفيه من قيمة القلم أليس كذلك. طيب الآن هذا قبضتك إياه، الآن هذا عندك رهن في أي شيء؟ في ثمن الكتاب، أليس كذلك؟ الكتاب هذا استفدت منه، جئتك وقلت: أريد أن أشتري نسخة ثانية من الكتاب، قلت: طيب لا بأس خذ هذا الكتاب بثمن جديد، ثمن آخر. قلت: أعطني رهنا لهذا الثمن الجديد. قلت: ما عندي إلا القلم هذا يساوي مائة ريال والكتابان مجتمعان ما يساويان عشرين ريالا، فهل يصح أن أزيد في الرهن؟ هل يصح أن أجعل هذا القلم في الكتابين؟ الجواب: لا، لأن القلم مشغول بالرهن الأول، بالثمن الأول فلا يزاد عليه شيء جديد. واضح؟ إذا الآن بما أن العين قد شغلت، فلا نزيد شغلها؛ لأن الآن هذا مشغول، والمشغول لا يشغل. طيب مثل المؤلف رحمه الله بمثال ثان وهو (المسبل) والمراد بالمسبل الموقوف. العين الموقوفة، أوقفت هذا البناء على طلبة العلم؛ الآن هل هذا البناء مشغول؟ مشغول، ثم بعد فترة قلت: طلبة العلم تأتيهم موارد كثيرة، سأجعل هذا أيضا وقفا للفقراء، هل لي هذا؟ ليس لي هذا، ليس لي هذا التحويل؛ لأن هذه العين مشغولة بجهة معينة وهي طلبة العلم، وما دام أن طلبة العلم عندهم حاجة ولو كانت الحاجة محصورة بواحد فإن العين تبقى وقفا على الجهة التي أوقفت لأجلها، إلا إذا تعطلت فهنا مسألة أخرى إذا تعطلت هناك بحث آخر، تعطلت هذه الجهة فللناظر أن ينقله إلىٰ جهة مماثلة أو أوسع. أيضا هذه العين موقوفة في عمل من أعمال البر، هل لي أن أعقد عليها عقد بيع؟ هل لي أن أبيع هذه العين؟ هل لي أن أهبها لشخص آخر؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن العين مشغولة. هٰذا معنى قوله رحمه الله: وكل مشغول فلا يشغل*** مثاله المرهون والمسبل ثم قال: ومن يؤد عن أخيه واجبا والواجب المراد به الثابت من الحقوق. " له الرجوع إن نوى يطالبا" (ومن يؤد) أي من يوف (عن أخيه) أي عن غيره (واجبا) أي شيئا ثابتا من الحقوق (له الرجوع)، الضمير يعود إلى من؟ إلى المؤدي (له الرجوع) لكن متى؟ (إن نوى يطالبا). فعندنا الآن يا إخوان من أدى عن غيره واجبا، مثلا أنا علمت أن زيدا مدين لعمرو، فذهبت إلى عمرو وقلت: أنت تطالب زيدا بألف ريال، هذه الألف الريال. أنا الآن أديت عنه واجبا أو لم أود واجبا؟ أديت واجبا، هذا الأداء لا يخلو من حالين؛ فعلي وهو الأداء لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون تبرعا، أن يكون تبرعا مني، فإذا كان تبرعا فليس لي حق الرجوع فيه؛ لأن التبرع هبة وليس لي الرجوع فيها إذا قبضها من استحقها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء)).( ) واضح هذا؟ إذا إذا نوى المؤدي عن غيره واجبا التبرع فليس له الرجوع بالإجماع. هذه هي الحال الأولى. أما الحال الثانية: أن لا ينوي التبرع، وهذا له حالان، هذا القسم له حالان: الحالة الأولى: أن ينوي الرجوع، فهذا له المطالبة، فمثلا أنا جئت إلى عمرو وقلت: أنت تطلب من زيد ألف ريال، خذ هذه الألف الريال. فأديت عن زيد حقا واجبا أو لا؟ أديت عنه حقا واجبا، نويت الرجوع على زيد، فجئت لزيد فقلت: يا زيد أعطني، هل لي الرجوع عليه؟ نعم لي الرجوع عليه, لا إشكال في ذلك. هذا لأني قد نويت الرجوع، ولم أنو التبرع. طيب أنا لم أنو التبرع، لما ذهبت إلى عمرو لم أنو التبرع. لكني أيضا لم أنو الرجوع، ذهلت عن الرجوع، هذا يحصل، مثلا لو جئت ووجدت آدم يمسك العصا على رشيد ويقول: يا رشيد أعطني المال الذي أطلبه منك. الآن يوجد مشكل أم ليس هناك مشكل؟ نعم هناك مشكل، جئت أنا وقلت: يا آدم أنت كم تطلب منه؟ قال: خمسين ريالا. أعطيت آدم خمسين ريالا، وانتهى الإشكال، الآن هل لي أن أرجع على رشيد بالخمسين؟ أنا الآن لم أنو التبرع لكن مع الإشكال ما استحضرت نية الرجوع على رشيد، إنما أردت فك المشكلة، فهل لي الرجوع؟ ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس لي الرجوع؛ لأني لم أنو المطالبة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أنه إذا لم ينو الرجوع فليس له الرجوع. والقول الثاني: أن له الرجوع مطلقا إذا لم ينو التبرع، سواء نوى الرجوع أو ذهل عن ذلك وغفل عنه. وهذا القول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله؛ لأن النية تفهم بقرينة الحال كما أنها تفهم بما يقوم في القلب، وقرينة الحال أني أريد الرجوع، ما أعطيته على وجه التبرع، فلم يبق إلا أني ناو الرجوع، فإن نويت الرجوع فهذا واضح، وإن لم أنو الرجوع فالراجح من أقوال أهل العلم أن لي الرجوع عليه؛ لأني لم أنو التبرع. طيب انتهى الكلام على هذا البيت. ثم قال رحمه الله: والوازع الطبعي عن العصيان*** كالوازع الشرعي بلا نكران (الوازع) هو المانع، وزعته عن كذا أي منعته، فالوازع هو ما يوجب الترك. فيقول رحمه الله: (والوازع الطبعي) يعني الذي يمنع من فعل الشيء طبعا (كالوازع الشرعي) يعني كالمانع الشرعي، فالمؤلف رحمه الله يقول: المانع الطبعي عن العصيان كالمانع الشرعي عنه في إفادة التحريم. فمثلا أكل النجاسات هل موجب ترك ذلك الشرع أو الطبع؟ الطبع لا إشكال، الطبع يمنع من أكل النجاسات، فهو كما لو منع منه الشارع، والشارع قد منع منه؛ لأن ما منع منه الطبع السليم المستقيم فالشارع يمنع منه؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وبما يوافق الفطرة: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾( ). فكل ما اقتضته الفطرة فإن الشريعة تأمر به، وكل ما منعت منه الفطرة فإن الشريعة تمنع منه. لكن انتبه، الوازع الطبعي قد لا يرتب عليه الشارع عقوبة دنيوية، مع تحريمه لكن لا يرتب عليه الشارع عقوبة دنيوية، بخلاف الوازع الشرعي، فالزنى هل هو مستكره طبعا؟ لا، إنما منع منه الشرع، لا إشكال أن أصحاب النفوس السوية يعلمون ذلك ويفهمونه؛ لكن ليس المانع منه كالمانع من أكل العذرة أو البول، هل المانع من الزنى نفسه طبعا كالمانع من أكل العذرة والبول؟ الجواب: لا، فرق، هذا تكرهه النفوس وتأنف عنه، وأما هذا فكثير من النفوس تميل إليه. فالشارع في ذلك لم يرتب عقوبة دنيوية على أكل المستقذرات والقبائح، بينما رتب عقوبة شرعية على الزنى. فمعنى قول المؤلف: والوازع الطبعي عن العصيان*** كالوازع الشرعي بلا نكران أي في ثبوت التحريم، أما في العقوبة ففرق بينهما. فقوله: (كالوازع الشرعي) أي في ثبوت تحريم ذلك؛ في الحكم، لا فيما يترتب على التحريم من عقوبات. ثم قال رحمه الله: (والحمد لله على التمام)، حمد المؤلف -رحمه الله- الله جل وعلا على التمام؛ أي على إتمام ما قصد من هذه المنظومة (في البدء والختام والدوام) أي أحمده في بدء نظمي وفي ختامه وأديم الحمد؛ لأنه المحمود جل وعلا في كل حال وفي كل وقت وفي كل حين. فالحمد له أولا وآخرا كما قال الله جل وعلا: ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾( ) فهو المحمود في الدنيا وفي الآخرة وهو المحمود في الابتداء والختام. ثم الصلاة مع سلام شائع*** على النبي وصحبه والتابع وبهذا يكون قد ختم هذه المنظومة المختصرة في قواعد الفقه، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. وكما ذكرت لكم آنفا أن التعليق على هذه المنظومة لم نوفها حقها بسبب ضيق الوقت، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين والعمل بالتنزيل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد. ونستمع إلىٰ الأسئلة. ثم إني أوصيكم أيها الإخوة بمواصلة طلب العلم، فإن العلم لا تحده دورات ولا يقف عند مناسبات، بل طالب العلم يطلب العلم في كل حين وفي كل وقت وفي كل زمان، ومن كان طلبه للعلم في المناسبات فإنه لن يحصل العلم؛ لأن العلم بحره واسع، وإذا أعطيته بعضك إنما تحصل جزءا منه وشيئا يسيرا منه. فكيف إذا كان لا يطلبه إلا في الدورات فقط ولمدة أسبوع أو أسبوعين؟ لا يحصل شيئا كثيرا، فهذه الدورات بمثابة المفاتيح في تحصيل العلوم، تعين الإنسان على فهم بعض القواعد وفهم بعض المتون، وتكون مفتاحا له ليواصل طلب العلم من خلال القراءة على المشايخ في الدروس الدائمة، أو من خلال القراءة في الكتب أو المطالعة في الأشرطة التي تفيده علما وتفيده تأصيلا. وأوصيكم كما أوصيتكم في أول الأمر أن تعتنوا في طلب العلم بالقواعد، فإن القواعد أصول ينطلق منها الطالب ويبني عليها ويدخل الصور المتنوعة تحت هذه القواعد والأصول. ومرادي بالقواعد ليس فقط القواعد الفقهية؛ بل القواعد في كل علم وفي كل فن تدرسونه، لا تشتغلوا بحفظ الجزئيات والفروع عن ضبط الكليات والأصول والقواعد. نسأل الله عز وجل أن أن يسلك بنا وإياكم سبيل الهدى والرشاد، وأن يجعلنا من أئمة الهدى العاملين بالكتاب والسنة الداعين إليهما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

تاريخ النشر:الثلاثاء 11 ذو القعدة 1434 هـ - الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 م | المشاهدات:4200

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وكل شرط لازم للعاقـد*** في البيع والنكاح والمقاصد إلا شروطاً حللت محرمـا*** أو عكسه فباطلات فاعلما تستعمل القرعة عند المبهم*** من الحقوق أو لدى التزاحم وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا وكل مشغول فلا يشغَّل*** مثاله المرهون والمسبَّل ومن يؤدِّ عن أخيه واجبا*** له الرجوع إن نوى يطالبا والوازع الطبعيْ عن العصيان*** كالوازع الشرعيْ بلا نكران والحـمد لله على التمـام*** في البدء والختام والـدوام ثم الصلاة معْ سلام شائع*** على النبيْ وصحبه والتابع بسم الله الرحمـٰن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وأصلّي على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهـٰذا آخر مقطع في هـٰذه المنظومة في القواعد الفقهية. قال الشيخ رحمه الله: وكل شرط لازم للعاقـد*** في البيع والنكاح والمقاصد إلا شروطاً حللت محرمـا*** أو عكسه فباطلات فاعلما المؤلف رحمه الله أشار في هذين البيتين إلى قاعدة فقهية مشهورة: وهي أن الأصل في الشروط الصحة والإباحة. وإذا كان الأصل فيها الإباحة فالأصل فيها اللزوم أي إنها لازمة لمن اشترطت عليه. واعلم أن الشرط منه ما هو من وضع الشارع يعني من وضع الشريعة، ومنه ما هو من اتفاق المتعاقدين. فما كان من وضع الشارع فهذا شرط لا بد من وجوده في العقد ولا يصلح العقد إلا به. وأما ما كان من الشروط من وضع العاقدين فهذا الحق فيه للمتعاقدين. فإن أسقطه أحدهما أو اتفقا على إسقاطه أو أسقطه من هو له، فالحق له. والفرق بينهما في التسمية: الشروط التي من وضع الشارع تسمى شروط الشيء: شروط البيع، شروط الإجارة، شروط النكاح. وأما الشروط التي من وضع العاقدين فتسمى الشروط في الشيء: الشروط في البيع، الشروط في الإجارة، الشروط في النكاح. واعلم أن الشروط في النكاح أو في البيع أو في الإجارة تنقسم إلى قسمين: • شروط صحيحة. • وشروط فاسدة. الشروط الصحيحة: هي التي فيها مصلحة للمتعاقدين أو أحدهما، ولا يلزم عليها محظور شرعي. هذا ضابط الشرط الصحيح. والشرط الصحيح منه ما يكون من لوازم العقد، ومنه ما يكون شرطاً زائداً على مقتضى العقد. مثال الشرط الذي هو من لوازم العقد: كأن يشترط المتبايعان التقابض في الثمن والمدة، هذا إذا اشتريت منك الكتاب عليك أن تُقَبِّضَنِي الثمن، هذا شرط من مقتضى العقد أو زائد على العقد؟ يعني مقتضى عقد البيع أن يسلم المشتري الثمن وأن يسلم البائع السلعة التي تم عليها العقد، فهذا شرط من مقتضى العقد. طيب. إذا اشترطه أحد المتعاقدين ما الذي يترتب على هذا الاشتراط؟ يترتب عليه تأكيد الشرط، وأما إذا كان الشرط ليس من مقتضى العقد إنما هو شرط زائد على ما يقتضيه العقد فيفيد ماذا؟ يفيد زيادة قيد في العقد، لا بد من الوفاء به. فمثلاً إذا اشتريت منك هذا الكتاب واشترطت عليك حمله إلى بيتي، الآن الحمل إلى البيت أمر زائد على العقد أو هو من مقتضيات العقد؟ أمر زائد على العقد. فماذا يفيد هذا الشرط؟ يفيد زيادة قيد في العقد، ما حكم الشرط؟ الشرط يجب الوفاء به من حيث الأصل. والأصل في الشروط الصحة ما لم يدل دليل على تحريم الشرط، أو يكن الشرط مفضياً إلى تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فهذا يكون شرطا فاسداً لا يجب الوفاء به؛ بل لا يجوز الوفاء به ولا يجوز اشتراطه. إذاً الأصل في الشروط الصحة، والأصل في الشروط وجوب الوفاء بها، والدليل على وجوب الوفاء بالشروط قول الله تعالىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾( ). والأمر بالوفاء بالعقد يتضمن الأمر بالوفاء بأصل العقد وبوصفه، والشرط من الأصل أو من الوصف؟ الشرط من وصف العقد، فهذه الآية تضمنت الأمر بالوفاء بالعقد وبوصفه وهو شروطه. ويدل لذلك أيضاً قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الشرط جائز بين المسلمين))، معنى جائز يعني ليس بحرام؟ لا، جائز معناه نافذ ((إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)). ( ) إذاً هذا ثاني الأدلة على أي شيء؟ على وجوب الوفاء بالشروط، وأن الأصل في الشروط الصحة. قال المؤلف رحمه الله: (وكل شرط لازم للعاقـد) العاقد هذا وصف يصدق على طرفي العقد، في البيع على البائع والمشتري، وفي النكاح على الزوج وعلى ولي الزوجة والزوجة، فالعاقد يصدق على طرفي العقد الذي يصدر عنه الإيجاب والذي يصدر عنه القبول. لازم، واللازم هو ما يجب الوفاء به، ولا يسقط إلا بإسقاط صاحبه. هذا معنى اللازم؛ يعني ليس له الخيار في الانفكاك عنه؛ بل هو لازم له لا يمكنه الانفكاك عنه. قال: (في البيع والنكاح)، في البيع والنكاح، البيع واضح والنكاح واضح، (والمقاصد) أي وما يقصد من العقود، هذا فيما يقصد؛ يعني في كل ما يقصد مما يشترطه المتعاقدان في العقود. ثم قال رحمه الله مستثنياً من هذه القاعدة : "إلا شروطاً حللت محرمـا*** أو عكسه" أي شروط حرمت الحلال،"فباطلات فاعلما" أي فباطلات والباطل لا يلزم ولا يصح الوفاء به. فإذا تزوج الرجل المرأة على أنه لا مهر بينهما، اشترط الرجل على المرأة قال: أنا أوافق أن تكوني زوجة لي بشرط ألا مهر، ما فيه مهر. الحكم باطل؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز عقد النكاح إلا بمهر، فهذا الشرط منع مما أمر به الشارع وهو المهر، والمهر وصف لا بد منه في عقد النكاح، شرط لا بد منه في عقد النكاح قلّ أو كثر. فهذا شرط أفضى إلى محظور شرعي وهو منع ما أمر الشارع به. فنقول: هذا العقد باطل، هذا الشرط باطل؛ لأنه يتضمن منع ما أمر به الشارع. لو أن الرجل تزوج المرأة على أن المرأة -اشترطت المرأة على أن لا يتزوج غيرها- قالت: أقبل بك زوجاً بشرط ألا تتزوج علي، وقبل الزوج هذا الشرط. فما رأيكم؟ باطل؟ الصحيح أن هذا الشرط صحيح، للمرأة أن تشترط ذلك "إلا شروطاً حللت محرمـا*** أو عكسه" وهي الشروط التي حرمت الحلال فما الجواب؟ نقول: إن هذا ليس فيه تحليل حرام وليس فيه تحريم حلال, إنما فيه أن المرأة اشترطت هذا الشرط بأنها لا تطيق أن يكون لها ضرة، وإذا قبل الزوج بهذا الشرط فإنه شرط لازم، ثم إذا وقع من الرجل الزَّواج. فالمرأة بالخيار: إن شاءت أن تسقط حقها وتبقى مع الرجل فلها ذلك، وإن شاءت أن تفسخ العقد لمخالفة الرجل الشرط فلها ذلك، هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وإن كان من العلماء من يقول: لا يجوز هذا الشرط. لو أن المرأة اشترطت على الرجل في النكاح أن يطلق زوجاته، تقدم لها رجل وكان معه امرأتان أو كان معه امرأة قالت له: أنا أقبل بك زوجاً بشرط أن تطلق زوجتك. هذا شرط باطل, لماذا؟ لأن فيه اعتداء على الغير، وقد نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أن تسأل المرأة طلاق ضرتها لتكفأ ما في صحفتها. هذا في الضرة يعني: في المرأة الموجودة فكيف بالتي تبتدئ هذا الشرط من أول الأمر قبل أن تكون ضرة وقبل أن يثبت لها الوصف وصف الزوجية، هذا يكون من باب أولى. طيب. إذاً نرجع إلى تقرير القاعدة وهو أن الأصل في الشروط الصحة، ولذلك أي شرط في أي عقد إذا قيل لك: إنه شرط محرم فاطلب من الذي قال بتحريمه, اطلب منه الدليل على التحريم؛ لأن الأصل الإباحة، وقد سمعتم الدليل على الإباحة. لكن اعلم أن كل شرط يفضي إلى محرم أو يترتب عليه محظور شرعي فإنه لا يجوز اشتراطه. ثم تأتي مسألة: هل هذا الشرط يعود بالفساد على العقد أو لا يعود بالفساد على العقد؟ هذه مسألة فيها خلاف، ويختلف القول فيها باختلاف نوع الشرط، فلا حاجة إلى الخوض في هذه المسألة. ثم قال المؤلف رحمه الله: تستعمل القرعة عند المبهم*** من الحقوق أو لدى التزاحم (تستعمل القرعة) ما هي القرعة؟ القرعة هي نوع من السِّهام عند استواء الحقوق أو لتعيين المبهم عند عدم إمكان التعيين، ومن هذا التعريف نفهم أن القرعة تكون في ما لا يمكن تعيين المستحق، هذا واحد، وأيضاً فيما إذا تزاحمت الحقوق، وبالمثال يتضح المقال. قال رحمه الله: (تستعمل القرعة عند المبهمِ) أي عند عدم إمكان تعيين المستحق للشيء. فمثلاً لو أن رجلاً قال: عبدي فلان حر. أو: بيتي الفلاني وقف لله تعالى، ثم اشتبه عليه، نسي أي البيوت عين، ولا سبيل إلى تعيين البيت الذي أوقفه، حاول أن يتذكر ما استطاع، فهنا المرجع في تعيين الوقف إلى القرعة، نقرع بين البيوت التي يملكها، ويحتمل أن يكون أراد إيقافها وما تعيّن -ما أخرجته القرعة- فهو الوقف. وهذا أحد ما تستعمل فيه القرعة. من الصور التي يمكن استعمال القرعة فيها عند الاستباق إلى الحق، عندنا الأذان مثلاً، ليس هناك مؤذن راتب في مسجد ما، وتقدم ثلاثة كلهم يريد أن يؤذن، واستووا في الأوصاف المطلوبة في المؤذن من حسن الأداء وقوة الصوت فمن نعين؟ إذا عينّا بدون قرعة أوقعنا بين هؤلاء العداوة أو البغضاء، فالذين لم يعينوا سيجدون في أنفسهم على إخوانهم الذين عينوا وعلى أخيهم الذي يُعَين. فالسبيل لتعيين المستحق هو أن نقرع بينهم، والقرعة قد جاءت إشارات عديدة في الكتاب وفي السنة إلى اعتبارها: فمما في الكتاب ما ذكره الله عز وجل في قصة يونس: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141)﴾( )، وكذلك في قصة مريم: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.( ) وفي السنة قول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النداء والصف الأول: ((لو لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه))( ) والاستهام هو الاقتراع. المهم أن أدلة هذا كثيرة وقد أطال ابن القيم رحمه الله في ذكر الشواهد الدالة على اعتبار القرعة، عند استواء الحقوق وعدم إمكان التعيين أو عند التزاحم في الحقوق. ثم قال رحمه لله: وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا (وإن تساوى العملان) والمراد بالتساوي هو التساوي من كل وجه، وهذا مبحث يفيد في تداخل النيات. لو أن إنساناً توضأ للصلاة ثم قدم إلىٰ المسجد، خرج توضأ ودخل المسجد الآن يسن في حقه أن يصلي ركعتين للوضوء وأن يصلي ركعتين لدخول المسجد، فإذا وافق دخوله بين الأذان والإقامة فأيضاً وافق سنة ثالثة وهي أنه بين كل أذانين صلاة. فهل يجزئ عن هذه الثلاثة أن يصلي صلاة واحدة؟ الجواب: نعم. لكن ما ضابط ذلك؟ ما ضابط إجزاء ذلك؟ هل هو في كل ما تساوى فيه العملان إذا اجتمعا؟ الجواب: لا، ضابط ذلك أن يكون المقصود حصول الفعل لأي سبب كان. فالآن دخول المسجد يُشرع له صلاة ركعتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))( ). هل لو صلى الفريضة حصل المقصود؟ حصل المقصود. لو صلى الراتبة حصل المقصود؟ حصل المقصود. لو لم يكن فريضة ولا راتبة، دخل في وقت لا فريضة ولا راتبة، فهنا يصلي ركعتين مستقلتين بنية استباحة أو تحقيق سنة الركعتين اللتين أمر بهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالصلاة هنا ليست مقصودة لذاتها، إنما المقصود ألا يجلس حتى يصلي، فكيف ما كانت الصلاة : كانت سنة وضوء، كانت صلاة استخارة، كانت صلاة وتر، كانت ما كانت، فإن المقصود ألا يجلس حتى يصلي ركعتين. ومثال ذلك أيضاً المعتمر إذا دخل البيت، تحية البيت الطواف كما قال ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فإذا دخل إلىٰ البيت هل يطوف تحية البيت ثم يطوف للعمرة، أم يكتفي بطواف العمرة عن الطواف الذي هو تحية البيت؟ الجواب: أنه يكتفي بطواف العمرة عن طواف التحية. ولذلك المتمتع بالحج إذا قدم مكة هل يطوف طواف القدوم؟ لا، لا يطوف طواف القدوم، لماذا لا يطوف طواف القدوم؟ لأن طواف العمرة يجزئ؛ لأن المقصود أن يبتدئ الداخل إلى البيت بالطواف بالبيت ويعظم هذا البيت بالطواف به، فكيفما حصل بطواف العمرة أو بغيرها من الأطوفة فإنه حصل المقصود، ولذلك لابد من تقييد كلام المؤلف هنا في قوله: وإن تساوى العملان اجتمعا*** وفعلت إحداهما فاستمعا يعني يكفي فعل إحداهما؛ لكن متى يكون فعل إحداهما كافياً؟ إذا كان الفعل ليس مقصوداً لذاته. لكن لو أن الشخص ما تسنن، لم يصلّ راتبة الفجر ودخل المسجد هل يجتزئ بالفريضة عن راتبة الفجر؟ دخل المسجد وهم يصلون صلاة الفجر هل نقول: الآن هذان الفعلان اجتمعا وتساويا فيكفي أحدهما عن الآخر؟ الجواب: لا؛ لأن صلاة الركعتين قبل الفجر مقصودة لذاتها فلا يجزئ عنهما الفريضة. كذلك سنة الضحى، لو أن إنساناً لم يصلّ الراتبة قبل الفجر، نام عنها وصلى الفريضة، ثم بقي في المسجد حتى أشرقت الشمس وارتفعت؛ حسناً الآن بارتفاع الشمس قيد رمح يكون قد حل وقت الضحى، دخل وقت صلاة الضحى، فإذا صلى ركعتين، ركعتا الفجر هل تكفيان عن صلاة الضحى؟ الجواب: لا؛ لأن صلاة الضحى مقصودة لذاتها. فانتبه لهذا فهو قيد مهم لكلام المؤلف رحمه الله. ثم قال: وكل مشغول فلا يشغَّل*** مثاله المرهون والمسبَّل (وكل مشغول فلا يشغَّل) أي لا يشغل، وهذه القاعدة المشهورة في كلام الفقهاء: أن المشغول لا يشغل، المشغول هو: الذي تعلق به عمل أو به حكم، فإنه لا يشغل بغير ما تعلق به أولاً، المشغول لا يشغل؛ يعني إذا تعلق الحكم أو العمل بأمر فإننا لا نشغله بحكم جديد أو بعمل جديد. مثّل له رحمه الله: (المرهون والمسبَّل) المرهون مفعول، والمراد به العين التي جُعلت رهناً، تعرفون الرهن؟ العين التي جعلت رهناً، اشتريت منك كتاباً، ثبت قيمة الكتاب في ذمتي لك، ما عندي مال قلت: ارهني قلمك. تمام ارهني القلم، أعطيتك هـٰذا القلم رهناً بالثمن، الآن هذه العين مشغولة أو ليست مشغولة؟ مشغولة، بأي شيء مشغولة؟ بالرهن، فهي مرهونة بالثمن الذي في ذمتي لك، فإذا لم تتمكن من استيفاء الثمن تستوفيه من قيمة القلم أليس كذلك. طيب الآن هذا قَبَّضْتُكَ إياه، الآن هذا عندك رهن في أي شيء؟ في ثمن الكتاب، أليس كذلك؟ الكتاب هذا استفدت منه، جئتك وقلت: أريد أن أشتري نسخة ثانية من الكتاب، قلت: طيب لا بأس خذ هذا الكتاب بثمن جديد، ثمن آخر. قلتَ: أعطني رهناً لهذا الثمن الجديد. قلت: ما عندي إلا القلم هذا يساوي مائة ريال والكتابان مجتمعان ما يساويان عشرين ريالاً، فهل يصح أن أزيد في الرهن؟ هل يصح أن أجعل هذا القلم في الكتابين؟ الجواب: لا، لأن القلم مشغول بالرهن الأول، بالثمن الأول فلا يُزاد عليه شيء جديد. واضح؟ إذاً الآن بما أن العين قد شُغلت، فلا نزيد شغلها؛ لأن الآن هذا مشغول، والمشغول لا يُشغل. طيب مثّل المؤلف رحمه الله بمثال ثانٍ وهو (المسبل) والمراد بالمسبل الموقوف. العين الموقوفة، أوقفت هذا البناء على طلبة العلم؛ الآن هل هذا البناء مشغول؟ مشغول، ثم بعد فترة قلت: طلبة العلم تأتيهم موارد كثيرة، سأجعل هذا أيضاً وقفاً للفقراء، هل لي هذا؟ ليس لي هذا، ليس لي هذا التحويل؛ لأن هذه العين مشغولة بجهة معينة وهي طلبة العلم، وما دام أن طلبة العلم عندهم حاجة ولو كانت الحاجة محصورة بواحد فإن العين تبقى وقفاً على الجهة التي أوقفت لأجلها، إلا إذا تعطلت فهنا مسألة أخرى إذا تعطلت هناك بحث آخر، تعطلت هذه الجهة فللناظر أن ينقله إلىٰ جهة مماثلة أو أوسع. أيضاً هذه العين موقوفة في عمل من أعمال البر، هل لي أن أعقد عليها عقد بيع؟ هل لي أن أبيع هذه العين؟ هل لي أن أهبها لشخص آخر؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن العين مشغولة. هـٰذا معنى قوله رحمه الله: وكل مشغول فلا يشغَّل*** مثاله المرهون والمسبَّل ثم قال: ومن يؤدِّ عن أخيه واجبا والواجب المراد به الثابت من الحقوق. " له الرجوع إن نوى يطالبا" (ومن يؤدِّ) أي من يوفِ (عن أخيه) أي عن غيره (واجبا) أي شيئاً ثابتاً من الحقوق (له الرجوع)، الضمير يعود إلى من؟ إلى المؤدي (له الرجوع) لكن متى؟ (إن نوى يطالبا). فعندنا الآن يا إخوان من أدى عن غيره واجباً، مثلاً أنا علمت أن زيداً مدين لعمرو، فذهبت إلى عمرو وقلت: أنت تطالب زيداً بألف ريال، هذه الألف الريال. أنا الآن أديت عنه واجباً أو لم أودّ واجباً؟ أديت واجباً، هذا الأداء لا يخلو من حالين؛ فعلي وهو الأداء لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يكون تبرّعاً، أن يكون تبرعاً مني، فإذا كان تبرعاً فليس لي حق الرجوع فيه؛ لأن التبرع هبة وليس لي الرجوع فيها إذا قبضها من استحقها؛ لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء)).( ) واضح هذا؟ إذاً إذا نوى المؤدي عن غيره واجباً التبرع فليس له الرجوع بالإجماع. هذه هي الحال الأولى. أما الحال الثانية: أن لا ينوي التبرع، وهذا له حالان، هذا القسم له حالان: الحالة الأولى: أن ينوي الرجوع، فهذا له المطالبة، فمثلاً أنا جئت إلى عمرو وقلت: أنت تطلب من زيد ألف ريال، خذ هذه الألف الريال. فأديت عن زيد حقّاً واجباً أو لا؟ أديت عنه حقّاً واجباً، نويت الرجوع على زيد، فجئت لزيد فقلت: يا زيد أعطني، هل لي الرجوع عليه؟ نعم لي الرجوع عليه, لا إشكال في ذلك. هذا لأني قد نويت الرجوع، ولم أنو التبرع. طيب أنا لم أنو التبرع، لما ذهبت إلى عمرو لم أنوِ التبرع. لكني أيضاً لم أنو الرجوع، ذهلت عن الرجوع، هذا يحصل، مثلاً لو جئت ووجدت آدم يمسك العصا على رشيد ويقول: يا رشيد أعطني المال الذي أطلبه منك. الآن يوجد مشكل أم ليس هناك مشكل؟ نعم هناك مشكل، جئت أنا وقلت: يا آدم أنت كم تطلب منه؟ قال: خمسين ريالاً. أعطيت آدم خمسين ريالاً، وانتهى الإشكال، الآن هل لي أن أرجع على رشيد بالخمسين؟ أنا الآن لم أنوِ التبرع لكن مع الإشكال ما استحضرت نية الرجوع على رشيد، إنما أردت فك المشكلة، فهل لي الرجوع؟ ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس لي الرجوع؛ لأني لم أنوِ المطالبة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أنه إذا لم ينو الرجوع فليس له الرجوع. والقول الثاني: أن له الرجوع مطلقاً إذا لم ينوِ التبرع، سواء نوى الرجوع أو ذهل عن ذلك وغفل عنه. وهذا القول الثاني هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله؛ لأن النية تفهم بقرينة الحال كما أنها تفهم بما يقوم في القلب، وقرينة الحال أني أريد الرجوع، ما أعطيته على وجه التبرع، فلم يبقَ إلا أني ناوٍ الرجوع، فإن نويت الرجوع فهذا واضح، وإن لم أنوِ الرجوع فالراجح من أقوال أهل العلم أن لي الرجوع عليه؛ لأني لم أنو التبرع. طيب انتهى الكلام على هذا البيت. ثم قال رحمه الله: والوازع الطبعيْ عن العصيان*** كالوازع الشرعيْ بلا نكران (الوازع) هو المانع، وزعته عن كذا أي منعته، فالوازع هو ما يوجب الترك. فيقول رحمه الله: (والوازع الطبعي) يعني الذي يمنع من فعل الشيء طبعاً (كالوازع الشرعي) يعني كالمانع الشرعي، فالمؤلف رحمه الله يقول: المانع الطبعي عن العصيان كالمانع الشرعي عنه في إفادة التحريم. فمثلاً أكل النجاسات هل موجب ترك ذلك الشرع أو الطبع؟ الطبع لا إشكال، الطبع يمنع من أكل النجاسات، فهو كما لو منع منه الشارع، والشارع قد منع منه؛ لأن ما منع منه الطبع السليم المستقيم فالشارع يمنع منه؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وبما يوافق الفطرة: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾( ). فكل ما اقتضته الفطرة فإن الشريعة تأمر به، وكل ما منعت منه الفطرة فإن الشريعة تمنع منه. لكن انتبه، الوازع الطبعي قد لا يرتب عليه الشارع عقوبة دنيوية، مع تحريمه لكن لا يرتب عليه الشارع عقوبة دنيوية، بخلاف الوازع الشرعي، فالزنى هل هو مستكره طبعاً؟ لا، إنما منع منه الشرع، لا إشكال أن أصحاب النفوس السوية يعلمون ذلك ويفهمونه؛ لكن ليس المانع منه كالمانع من أكل العذرة أو البول، هل المانع من الزنى نفسه طبعاً كالمانع من أكل العذرة والبول؟ الجواب: لا، فرق، هذا تكرهه النفوس وتأنف عنه، وأما هذا فكثير من النفوس تميل إليه. فالشارع في ذلك لم يرتب عقوبة دنيوية على أكل المستقذرات والقبائح، بينما رتب عقوبة شرعية على الزنى. فمعنى قول المؤلف: والوازع الطبعيْ عن العصيان*** كالوازع الشرعيْ بلا نكران أي في ثبوت التحريم، أما في العقوبة ففرق بينهما. فقوله: (كالوازع الشرعي) أي في ثبوت تحريم ذلك؛ في الحكم، لا فيما يترتب على التحريم من عقوبات. ثم قال رحمه الله: (والحـمد لله على التمـام)، حمد المؤلف -رحمه الله- الله جل وعلا على التمام؛ أي على إتمام ما قصد من هذه المنظومة (في البدء والختام والـدوام) أي أحمده في بدء نظمي وفي ختامه وأديم الحمد؛ لأنه المحمود جل وعلا في كل حال وفي كل وقت وفي كل حين. فالحمد له أولاً وآخراً كما قال الله جل وعلا: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾( ) فهو المحمود في الدنيا وفي الآخرة وهو المحمود في الابتداء والختام. ثم الصلاة معْ سلام شائع*** على النبيْ وصحبه والتابع وبهذا يكون قد ختم هذه المنظومة المختصرة في قواعد الفقه، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح. وكما ذكرت لكم آنفاً أن التعليق على هذه المنظومة لم نوفها حقها بسبب ضيق الوقت، ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين والعمل بالتنزيل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد. ونستمع إلىٰ الأسئلة. ثم إني أوصيكم أيها الإخوة بمواصلة طلب العلم، فإن العلم لا تحده دورات ولا يقف عند مناسبات، بل طالب العلم يطلب العلم في كل حين وفي كل وقت وفي كل زمان، ومن كان طلبه للعلم في المناسبات فإنه لن يحصل العلم؛ لأن العلم بحره واسع، وإذا أعطيته بعضك إنما تحصل جزءاً منه وشيئاً يسيراً منه. فكيف إذا كان لا يطلبه إلا في الدورات فقط ولمدة أسبوع أو أسبوعين؟ لا يحصل شيئاً كثيراً، فهذه الدورات بمثابة المفاتيح في تحصيل العلوم، تعين الإنسان على فهم بعض القواعد وفهم بعض المتون، وتكون مفتاحاً له ليواصل طلب العلم من خلال القراءة على المشايخ في الدروس الدائمة، أو من خلال القراءة في الكتب أو المطالعة في الأشرطة التي تفيده علماً وتفيده تأصيلاً. وأوصيكم كما أوصيتكم في أول الأمر أن تعتنوا في طلب العلم بالقواعد، فإن القواعد أصول ينطلق منها الطالب ويبني عليها ويدخل الصور المتنوعة تحت هذه القواعد والأصول. ومرادي بالقواعد ليس فقط القواعد الفقهية؛ بل القواعد في كل علم وفي كل فن تدرسونه، لا تشتغلوا بحفظ الجزئيات والفروع عن ضبط الكليات والأصول والقواعد. نسأل الله عز وجل أن أن يسلك بنا وإياكم سبيل الهدى والرشاد، وأن يجعلنا من أئمة الهدى العاملين بالكتاب والسنة الداعين إليهما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الاكثر مشاهدة

2. خطبة: التقوى ( عدد المشاهدات69449 )
3. خطبة : أهمية الدعاء ( عدد المشاهدات68936 )
5. خطبة: حسن الخلق ( عدد المشاهدات60674 )
6. خطبة: بمناسبة تأخر نزول المطر ( عدد المشاهدات54187 )
7. خطبة: آفات اللسان - الغيبة ( عدد المشاهدات46555 )
8. خطبة: صلاح القلوب ( عدد المشاهدات46082 )
10. فما ظنكم برب العالمين ( عدد المشاهدات43411 )
12. خطبة:بر الوالدين ( عدد المشاهدات41706 )
13. خطبة: التقوى ( عدد المشاهدات41616 )

مواد مقترحة

638.
1028. لبيك
1106. Jealousy
1116. L’envie
1367. "حسادت"
1390. MEDIA
1430. Hari Asyura
1482. مقدمة
1539. تمهيد
1697. تمهيد
1726. تمهيد
1901. تمهيد
1914. خاتمة
2005. معراج

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف