×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

نموذج طلب الفتوى

لم تنقل الارقام بشكل صحيح

خطب المصلح / خطب مرئية / خطبة الجمعة : من ثمرات التوكل على الله تعالى

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

المشاهدات:8875

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعيِنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوُذُ بِاللهِ مِنْ شروُرِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَليًّا مُرْشِدًا.

وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِلَهُ الأَوَّليِنَ وَالآخِريِنَ، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحيِمُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسوُلُهُ، خِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىَ آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ وَاقْتَفَىَ أَثَرَهُ بِإِحْسانٍ إِلَىَ يَوْمِ الدِّيِنِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقوُا اللهَ عِبادَ اللهِ، اتَّقوُا اللهَ حَقَّ التَّقْوَىَ، وَأَديِموُا ذَلِكَ في قُلوُبِكُمْ وَأَعْمالِكُمْ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران: 102 .

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, اعْلَموُا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريِكَ لَهُ، هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هٌوَ الرَّحْمنُ الرَّحيِمُ، لا يَأْتِي بِالحَسناتِ إِلَّا هُوَ، وَلا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إِلَّا هُوَ، لا يَأْتيِ بِالخَيْرِ إِلَّا هُوَ، وَلا يَدْفَعُ الشَّرَّ إِلَّا هُوَ، لَبَّيْهِ وَسَعْدَيْهِ، وَالخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْهِ، لا مُعقِّبَ لحُكْمِهِ وَلا رَادَّ لِقَضائِهِ، ما شاءَ كانَ وَما لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ، فَهُوَ جَلَّ في عُلاهُ الملِكُ الحَقَّ المبينُ؛ فَلا تَرْجُ إِلَّا هُوَ، وَلا تَقْصِدْ إِلَّا وَجْهَهُ، وَلا تَلُذْ إِلَّا بجانِبِهِ، لا تَطْلُبْ حَوائِجَكَ إِلَّا مِنْهُ؛ فَلا مَانِعَ لما أَعْطَىَ وَلا مُعْطِيَ لما مَنَعَ، وَلا يَنْفَعُ صاحِبُ الغِنَىَ عَنْهُ غِناهُ.

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, إنَّ التَوَكَّلَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَالاعْتِمادَ عَلَيْهِ فيِ الدَّقيِقِ وَالجَليِلِ، وَالصَّغيِرِ وَالكبِيِرِ - مِنْ أَخَصِّ صِفاتِ أَهْلِ الإِيمانِ؛ قالَ اللهُ تَعالَىَ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَالأنفال: 2 ، فَالتَّوكُّلُ عَلَىَ اللهِ وَالاعْتِمادُ عَلَيْهِ - جَلَّ في عُلاهُ - جِماعُ الإيِمانِ، وَعَلَىَ قَدْرِ تَوَكُّلِكَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - تَكوُنُ قَدْ فُزْتَ بِخصالِ الإِيمانِ؛ فَإِنَّ قُوَّةَ التَّوَكُّلِ وَضَعْفَهُ بِحَسْبِ قُوَّةِ الإيِمانِ وَضَعْفِهِ.

فانْظُرْ يا عَبْدَ اللهِ، انْظُرْ أَيُّها المؤْمِنْ إِلَىَ إِيمانِكَ؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَ إِيمانُكَ بِاللهِ صَحَّ وَصَدَقَ تَوكُّلُكَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ ضَعْفَ الإيِمان يُثْمِرُ ضَعْفَ التَّوكُّلِ؛ قالَ اللهُ تعالَىَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَالمائدة: 23  فَجَعَلَ اللهُ سُبْحانَهُ التَّوكُّلَ عَلَيْهِ وَالاعْتِمادَ عَلَيْهِ في تَحْصيِلِ المطْلوُباتِ في ديِنٍ أَوْ دُنْيا شَرْطًا في الإيمانِ، فَالإيِمانُ يَنْتَفِيِ عِنْدَ انْتِفاءِ التَّوكُّلِ؛ قالَ اللهُ تَعالَىَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَالتوبة: 51 .

أَيُّها المؤْمنوُنَ, إِنَّ التَّوكُّلَ عَلَىَ اللهِ تَعالَىَ هُوَ اعْتِمادُ القَلْبِ عَلَيْهِ، صِدْقُ الُّلجْأِ إِلَيْهِ، صِدْقُ الرَّغْبَةِ فيما عِنْدَهُ، أَنْ توُقِنَ أَنَّهُ لا يَجْلِبُ النَّفْعَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّهُ لا يَدْفَعُ عَنْكَ الضُّرَّ إِلَّا اللهُ، وَأَلاَّ تَلْتَفِتَ إِلَىَ سِواهُ، فَلا تُعلِّقْ قَلْبَكَ بِغَيْرِ اللهِ؛ الَّذِي لَهُ ما في السَّمواتِ وَما فيِ الأَرْضِ، ما شاءَ كانَ وَما لمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

التَّوكُّلُ عَلَىَ اللهِ أَجَلُّ القُرُباتِ وَأَشْرَفُ الطَّاعاتِ؛ وَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: «التَّوَكُّلُ نِصْفُ الدِّينِ. وَالنِّصْفُ الثَّانِي الْإِنَابَةُ»ابْنُ القَيِّمِ في مَدارِ السَّالِكينَ،(2/113) صِدْقُ ذَلِكَ فيِ قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُالفاتحة: 5  فَإِيَّاكَ نَعْبُدُ صِدْقُ الإِنابَةِ إِلَىَ اللهِ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعيِنُ صِدْقُ التَّوَكُّلِ عَلَىَ اللهِ وَطَلبُ العَوْنِ مِنْهُ جَلَّ في عُلاهُ.

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, إِنَّ المتَوَكِّلَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يَفوُزُ بِإِدراكِ حاجتِهِ وَنَيْلِ مَطْلوُبِهِ؛ فَقَدْ تَكَفَّلَ الملِكُ الحَقُّ المبيِنُ الَّذِيِ إِذا أَرادَ شَيْئًا إِنَّما يِقوُلُ لَهُ كُنْ فَيَكوُنُ، أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ قَضَىَ حاجَتَهُ وَكَفاهُ هَمَّهُ وَأَدْرَكَ بِذَلِكَ مُبْتَغاهُ؛ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُالطلاق: 3  َأيْ: هُوَ كافِيِهِ - جَلَّ وَعَلا-.

فاللهُ كافيِ كُلَّ مَنْ وَثَقَ بِهِ، وَمَنْ أَنْزَلَ حاجَتَهُ بِهِ، يَكْفيِكَ كُلَّ ما أَهمَّكَ، وَيَكْفِيِكَ كُلَّ ما أَقْلَقَكَ، يَكْفيِكَ - جَلَّ في عُلاهُ - مَطْلوُباتُكَ بِتَبْليِغِها، وَمَكْروُهاتُكَ بِصَرْفِها؛ فَلا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ما أَجْمَلَ التَّوكُّلِّ وَأَطْيَبَ آثارِهِ.

أَيُّها المؤْمِنوُنَ,كُلَّما حَسُنَ الظَّنُّ بِاللهِ وَحُسْنُ الرَّجاءِ لَهُ؛ صِدْقُ العَبْدِ فيِ تَوَكُّلِهِ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وَاللهُ تَعالَىَ لا يُخيِّبُ أَمَلَ آمِلٍ صَادِقٍ، كَما لاَ يُضيِعُ عَمَلَ عامِلٍ؛ قالَ النَّبِيُّ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىَ آلِهِ وَسَلَّمَ - في بَيانِ ثَمَرَةِ التَّوَكُّلِ الصادقِ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا» تَذْهَبُ أَوَّلَ النَّهارِ جَائِعَةً «وتروح بِطانًا»أَخْرَجَهُ أَحْمَدُح(205) والتَّرْمِذِيُّ ح(2344), وَقاَلَ: حَسَنٌ صَحيِحٌ.. وَتَرْجِعُ في آخِرِ النَّهارِ قَدْ شَبِعَتْ وَحَصَّلَتْ مَطْلوُبَها.

توكَّلْ علَى الرحمنِ في كُلِّ حاجةٍ  *** أردتَ فإنَّ اللهَ يَكفِي ويَقدِرُ

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, إِنَّ المتوَكِّلَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يِنالُ إِضافةً إِلَىَ إِدْراكِ مَطْلوُبِهِ أَجْرًا عَظيمًا وَفَضْلًا كَبِيرًا؛ وَهُوَ قُوَّةُ قَلْبِهِ وَاسْتِغْناؤُهُ عَنِ الخَلْقِ، وَعَدَمِ الْتِفاتِهِ إِلَيْهِمْ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لا مانِعَ لما أَعْطَىَ وَلا مُعْطِيَ لما مَنَعَ، فَلا يَذِلُّ لِسِوَىَ اللهِ جَلَّ في عٌلاهٌ؛ قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حاتِمٍ فيِ تَفْسيِرِهِ(10/3252)؛ فَإِنَّ القُوَّةَ مَضْموُنَةٌ لِلمُتَوَكِّلِ؛ كَيْفَ لا وَاللهُ كافِيِهِ، وَاللهُ حافِظُهُ، وَاللهُ مُبَلِّغُهُ مُبْتَغاهُ وَمَطْلَبَهُ.

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, إِنَّ الكفايَةَ مِنَ اللهِ، وَالدَّفْعَ بِقَدْرِ ما في قَلْبِكَ مِنَ التَوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ لِذَلِكَ لما قِيِلَ لِلَّنِبِّي - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ - بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَدْ أَصابَهُمْ مِنْ الانْكِسارِ واَلهزيِمَةِ ما أَصابَهُمْ، وَالمنْهَزِمُ المُصابُ ضَعيِفُ القَلْبِ، لما قيِلَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَأَصْحابُهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوُا لَكُمْ فاخْشوْهُمْ. ماذا قالَ -صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالَ اللهُ تَعالَىَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُآل عمران: 173 ؛ اللهُ كافيِنا وَهُوَ وَكيِلُنا فيِ دَفْعِ كُلِّ ما يَضُرُّنا وَنَخافُهُ، قالَ تِلْكَ الكَلِمَةَ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ ما نَالَهُ وَأَصْحابَهَ مِنْ الإِصابِةِ وَما نالَهُ مِنَ الهزيِمةَ بَعْدَ النَّصْرِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ انظر النتيجة: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌآل عمران: 174  لمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِمْ أَيُّ مَكْروُهٍ؛ لا في قُلوُبِهمْ، وَلا فيِ أَمْوالِهمْ، وَلا فيِ أَنْفُسِهِمْ، وَلا فِيمَنْ مَعَهُمْ، بَلْ فازوُا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ، لمْ يَمسَسْهُمْ سَوُءٌ؛ هَكذا يَكوُنُ المتَوَكِّلُ فائزًا بِعَوْنِ اللهِ وَكِفايِتِهِ، وَبِقُوَّةِ قَلْبِهِ وَمُواجَهَةِ المكروُهِ بِثباتٍ وَيَقيِنٍ.

أَيُّها المؤْمِنوُنَ, إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - يُبلِّغُ العَبْدَ مَنْزِلَةً عُلْيا؛ وَهِيَ أَنَّ اللهَ ّيُحِبُّهُ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَآل عمران: 159 ؛ أَلَا تحُِبُّ أَنْ يُحِبَّكَ اللهُ؟ بَلَىَ كُلُّنا يُحِبُّ ذَلِكَ، الطَّريِقَ فيِ أَنْ تَأْخُذَ أَسْبابَ مَحَبَّةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَمِنْ أَسْبابِ مَحَبَّتِهِ - جَلَّ في عُلاهُ - أَنْ تَصَدَّقَ فيِ تَوَكُّلِكَ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَآل عمران: 159 .

كَما أَنَّ اللهَ تَعالَىَ يُعظِمُ الأَجْرَ في الآخِرَةِ لِأَصْحابِ التَّوكُّلِ؛ فَقَدْ قالَ النَّبِيُّ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قَوْمٍ يَدْخَلوُنَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ وَلا عَذابٍ: «هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون»البخاري(5705), ومسلم(218) إِنَّهُمْ صَدَقوُا في اعْتِمادِهِمْ عَلَىَ اللهِ؛ فَجَمَعوُا كُلَّ فَضِيِلَةٍ، وَانْدَفَعَ عَنْهُمْ كُلُّ مَكْروُهٍ، صَدقوُا في إِقْبالهِمْ عَلَىَ رَبِّهِمْ وَتَوْحِيِدِهِمْ لَهُ؛ فَكَفاهُمْ مَا أَهَمَّهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ مُرادَهُمْ، وَنالوُا فَوْزًا عَظيِمًا وَسَبْقًا كَبِيِرًا، يَدْخلُوُنَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ وَلا عَذابٍ، الَّلهُمَّ اجْعَلْنا مِنْهُمْ.

أَقوُلُ هَذا القَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظيِمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِروُهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفوُرُ الرَّحِيِمُ.

***                                                                       

الخطبة الثانية:

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، مالِكِ الملْكِ، هُوَ الملِكُ الحَقُّ المبينُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لا شَريِكَ لَهُ، لَهُ الملْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَىَ كُلَّ شَيْءٍ قَديِرٌ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسوُلُهُ، خِيِرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىَ آلِهِ وَأَصْحابِهِ أَجْمَعِيِنَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فاتَّقوُا اللهَ عِبادَ اللهِ، اتَّقوُا اللهَ تعالىَ، وَاعْرِفوُا قَدْرَ رَبَّكُمْ جَلَّ في عُلاهُ، فَقَدْرُهُ عَظيِمٌ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهالأنعام: 91 ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌالشورى: 11  سُبْحانَهُ وَبِحَمْدِهِ، لَهُ الأَسْماءُ الحُسْنَىَ وَالصِّفاتُ العُلَىَ، لَهُ المَجْدُ وَالفَضْلُ وَالثَّناءُ، لا نُحْصِيِ ثَناءً عَلَيْهِ، هُوَ كَما أَثْنَىَ عَلَىَ نَفْسِهِ.

عِلْمُ العَبْدِ بِرَبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ للهَ - عَزَّ وَجَلَّ - تُكْسِبُ قَلْبَهُ التَّوكُّلَ عَلَىَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -؛ فَمَنْ عَرَفَ اللهَ لمْ يَرْكَنْ إِلَىَ سِواهُ، مَنْ عَرَفَ اللهَ لمْ يَلَذَّ بِغَيْرهِ، مَنْ عَرَفَ اللهَ عَلِمَ أنَّ حوائِجَهُ تُقْضَىَ مِنْ لَدُنْهُ؛ جَلَّ فيِ عُلاهُ، سُبْحانَهُ وَبِحَمْدِهِ.

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌيس: 82 - 83 .

عِبادَ اللهِ, إِنَّ مِمَّا يَبْعَثُ التَّوَكُّلَ في قَلْبِ العَبْدِ عِلْمَهُ بِرِبِّهِ، فَتَعَرَّفوُا عَلَىَ اللهِ؛ بِقَدْرِ مَعْرِفَتِكُمْ للهِ بِأَسْمائِهِ وَصِفاتِهِ يَتَحَقَّقُ لَكُمْ الاعْتِمادَ عَلَيْهِ, بِقَدْرِ عِلْمِكُمْ بِاللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَأَنَّهُ المَلِكُ الَّذي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَّ مَفاتِيِحَ خَزائِنِ السَّمواتِ وَالأَرْضِ بِيَدَيِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحانَهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا لابُدَّ أَنْ يَكوُنَ؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُيس: 82 ، وَأَّنَّهُ لا يَقِفُ شَيْءٌ أَمامَ إِرادَتِهِ، فَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَديِرٌ، عِلْمُهُ بِاللهِ وَما لَهُ بِالكمالاتِ - يَمْلِكُ قَلْبَكُمْ ثِقَةً بِهِ وَتَوكُّلًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وَبِحَمْدِهِ.

َأمَّا الخَلْقُ فَهُمْ وَسائِلُ وَأَسْبابٌ؛ إِذا أَرادَ اللهُ أَنْ يَكوُنَ الشَّيْءُ قَيَّدَهُ لَكَ، وَإِذا لَمْ يُرِدِ أَنْ يَكوُنَ الشَّيء؛ لَوِ اجْتَمَعوُا عَلَىَ أَنْ يُبَلَّغوُكَ ما تَأْمَلُ أَوْ يَقُوكَ ما تَخافُ فَلَنْ يَكوُنَ ذَلِكَ، «واعلم أَنَّ الأُمَّةَ» - أَيْ: جَميِعُ الخَلْقِ - «لَوْ اجْتَمَعوُا عَلَىَ أَنْ يَنْفعوُكَ بِشَيْءٍ لمْ يَكْتُبْهُ اللهُ لَكَ ما نَفعوُكَ، وَلَوِ اجْتَمَعوُا عَلَىَ أَنْ يَضرُّوُكَ بِشَيْءٍ لمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لمْ يَضرُّوُكَ«الترمذي(2516), وقال: حسن صحيح .

إِذا كانَ كَذَلِكَ فَبِمَنْ تُعَلِّقُ قَلْبَكَ؟ لا تُعَلِّقْهُ إِلَّا بِالله، وَلا تَرْجُ سواهُ، وَلا تَلْتَفِتْ إِلَىَ غَيْرِهِ، إذا جَاءَكَ خَيْرٌ مِنْ قِبَلِ أَحَدٍ مِنَ البَشَرِ فاعْلَمْ أنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ ذلِكَ، وَأنَّ هذا السَّبَبَ إِنَّما هُوَ وَسِيِلَةٌ لإِمْضاءِ قَدَرِ اللهِ لَيْسَ إِلاَّ، وَإِذا جَاءَكَ ضُرٌّ مِنْ أَحَدٍ فاعْلَمْ أَنَّ الله هو الذي قدَّرهُ عَلَيْكَ؛ فَلا تَلْتَفِتْ إِلَىَ سِواهُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ الضُّر،ِّ فَلَوْ شاءَ ما كانَ، فَلَهُ - جَلَّ فيِ عُلاهُ - القُدْرَةُ النَّافِذَةُ وَالإِرادَةُ الكامِلَةُ، فَلا تَلْتَفِتْ إِلَىَ سِواهُ في إِدْراكِ مَطالِبِكَ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّيِنِيَّةِ.

التَّوكُّلُّ عَلَىَ اللهِ لا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَىَ المأْكَلِ وَالمشْرَبِ وَالملْبَسِ وَالمسْكَنِ، التَّوَكُّلِ عَلَىَ اللهِ يَشْمَلُ كُلَّ مَطالِبِكَ، يَشْمَلُ كُلَّ حَوائِجِكَ سَواءٌ كانَتْ في ديِنٍ أَوْ في دُنْيا، صَلاحُ قَلْبِكَ مِنَ اللهِ، هِدايَةُ قَلْبِكَ وَنَفْسِكَ وَعَمَلِكَ مِنَ اللهِ، صَلاحُ وَلَدِكَ مِنَ اللهِ، صَلاحُ زَوْجِكَ مِنَ اللهِ، فَعَلِّقْ قَلْبَكَ بِاللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - في مَطالِبِ الدُّنْيا وَفيِ مَطالِبِ الآخِرَةِ، لَنْ يَأْتِيَكَ قَطْرةُ ماءٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ جَلَّ في عُلاهُ، فَلا تُعلِّقْ قَلْبَكَ بَغَيْرِهِ، لَنْ يَنالَكَ مَكْروُهٌ وَلَوْ كانَ وَخْزُ إِبْرَةٍ أَوْ وَخْزُ شَوْكَةٍ إِلَّا بِإِذنِهِ، فَلا تَتَوَجَّهْ إِلَىَ سِواهُ، عَلِّقْ قَلْبَكَ بِاللهِ.

وَلا يَعْنِي هَذا أَنْ تُعَطّلَ الأَسْبابَ؛ فاللهُ تَعالَىَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شيئٍ سَبَبًا، وَلا قَدَّرَ اللهُ شَيْئًا في الدُّنْيا وَلا فيِ الآخِرَةِ إَلَّا بِسَبَبٍ، فَخُذِ الأَسْبابَ، وَاعْلَمْ أَنَّها أَدَواتٌ وَوَسائِلُ لِلوُصوُلِ إِلَىَ المطْلوُبَ، إِذا شاءَ اللهُ كانَتْ مُثْمِرَةً مُنْتِجَةً، وَإِنْ لمْ يَشَأْ فَلَنْ تُدْرِكَ مَطلوُبَكَ، فَلا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ إِلَّا في اللهِ جَلَّ في عُلاهُ، لَيْسَ مِنَ التَّوكُّلِ أَنْ تَتْرُكَ الأَسْبابَ وَتقَوُل: إِنْ شاءَ اللهُ كانَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ هَذا تَنْزيِلٌ لِلمَعْنَىَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ثِقْ بِاللهِ وَأَيْقَنْ أَنَّهُ ما شاءَ كانَ، وَما لمْ يَشَأْ لمْ يَكُنْ، لَكِنْ ابْذُلْ السَّبَبَ.

لنْ يَخْرُجَ زَرْعٌ بِلا بَذْلٍ، وَلَنْ تُدْرِكَ وَلَدًا بِلا نِكاحٍ، وَلَنْ تُدْرِكَ رِيًّا بِلا شُرْبٍ، وَلَنْ تُدْرِكَ شِبَعًا بِلا أَكْلٍ، فَهِيَ أَسْبابٌ تُؤَدِّيِ إِلَىَ النَّتائِجَ، لَكِنْ مَعَ أَخْذِكَ السَّبَبَ عَلِّقْ قَلْبَكَ بِالمسبِّبِ، عَلِّقْ قَلْبَكَ بِاللهِ، فَكَمْ مِنْ باذِرٍ لا يَنْتُجُ بَذْرُهُ زَرْعًا، وَكَمْ مِنْ آكِلٍ لا يَجِدُ شِبَعًا، وَكَمْ مِنْ واطئٍ ناَكِحٍ لا يُدْرِكُ وَلَدًا، هِيَ أَسْبابٌ إِنْ شاءَ اللهُ قَضَىَ بِها مَطْلوُبَكَ، وَإِنْ شاءَ اللهُ جَرَتْ دوُنَ ثَمَرِةٍ عَلِِّقْ قَلْبَكَ بِاللهِ؛ فَلا مانِعَ لما أَعْطَىَ وَلا مُعْطِيَ لما مَنَعَ.

الَّلهُمَّ أَلْهِمْنا رُشْدَنا، وَقِنا شَرَّ أَنْفُسِنا، ارْزُقْنا العَلْمَ بِكَ وَصِدْقَ العِبادَةِ لَكَ يا ذا الجَلالِ وَالِإكْرامِ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فيِ أَوْطانِنا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنا وَوُلاةَ أموُرِنا، واجْعَلْ وَلايِتَنا فِيمَنْ خَافَكَ واتَّقاكَ وَاتَّبَعَ رِضاكَ يا رَبَّ العالميَِن.

الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَليَّ أَمْرِنا إِلَىَ ما تُحِبُّ وَتَرْضَىَ، خُذْ بِناصيِتِهِ إِلَىَ البِرِّ وَالتَّقْوَىَ، سَدِّدْهُ في قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ يا ذا الجَلالِ وَالإِكْرامِ، وَاكْتُبْ مِثْلَ ذَلِكَ لِسائِرِ وُلاةِ المسْلِمينَ يا حَيُّ يا قَيُّوُمُ.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَعوُذُ بِكَ مِنْ شُروُرِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، نَسْأَلُكَ أَنْ تَدْفَعَ عَنَّا كُلَّ فِتْنَةٍ ظاهِرَةٍ وَباطِنَةٍ، مَنْ أرادَ بِلادَنا وَالمسْلِمينَ بِشرٍّ فَأَشْغِلْهُ بِنَفْسِهِ وَرُدَّ كَيْدَهُ فيِ نَحْرِهِ.

الَّلهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَتَنا عَلَىَ الحَقَّ وَالهُدَىَ يا ذا الجَلالِ وَالِإكْرامِ.

الَّلهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ رسوُخًا في العِلْمِ وَصَلاحًا فيِ العَمَلِ وَاسْتِقامةً في السِّرِّ وَالعَلَنِ يا رَبَّ العالمينَ.

رَّبنا آتِنا فيِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفيِ الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنكوُنَنَّ مِنَ الخاسريِنَ.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَعَلَىَ آلِ مُحَمَّدٍ؛ كَما صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْراهيِمَ وَعَلَىَ آلِ إِبْراهِيِمَ إِنَّكَ حَميِدٌ مَجيِدٌ.

أَكْثِروُا مِنَ الصَّلاةِ عَلَىَ نِبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ - صَلَّىَ اللهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَمَنْ صَلَّىَ عَلَيْهِ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا؛ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرمًا.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَىَ محُمَّدٍ وَعَلَىَ آلِ محُمَّدٍ؛ كَما صَلَّيْتَ عَلَىَ إِبْراهِيِمَ وَعَلَىَ آلِ إِبْراهِيِمَ إِنَّكَ حميِدٌ مَجيِدٌ.

 

الاكثر مشاهدة

4. لبس الحذاء أثناء العمرة ( عدد المشاهدات92380 )
6. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات87609 )

مواد تم زيارتها

التعليقات


×

هل ترغب فعلا بحذف المواد التي تمت زيارتها ؟؟

نعم؛ حذف