×
العربية english francais русский Deutsch فارسى اندونيسي اردو

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأعضاء الكرام ! اكتمل اليوم نصاب استقبال الفتاوى.

وغدا إن شاء الله تعالى في تمام السادسة صباحا يتم استقبال الفتاوى الجديدة.

ويمكنكم البحث في قسم الفتوى عما تريد الجواب عنه أو الاتصال المباشر

على الشيخ أ.د خالد المصلح على هذا الرقم 00966505147004

من الساعة العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهرا 

بارك الله فيكم

إدارة موقع أ.د خالد المصلح

مرئيات المصلح / دروس المصلح / التفسير / دفع إيهام الاضطراب / الدرس(68) سورة القتال والفتح والحجرات

مشاركة هذه الفقرة WhatsApp Messenger LinkedIn Facebook Twitter Pinterest AddThis

قوله تعالى:{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} هذه الآية يفهم من ظاهرها أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه وإجارته من عذاب أليم لا دخوله الجنة، وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بظاهر هذه الآية فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ويستأنس لهذا بقوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} لأنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس والجواب عن هذا أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة لأنه تعالى قال فيها: {ولمن خاف مقام ربه} وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم فقوله لمن خاف يعم كل خائف مقام ربه ثم صرح بشمول ذلك للجن والإنس معا بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه أي نعمه على الإنس والجن فلا تعارض بين الآيتين لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى ولو سلمنا أن قوله: { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} يفهم منه عدم دخولهم الجنة فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم وقوله {ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان} يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعى وجدناه معدوما من أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث، ولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو العلة أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب وليس داخلا في واحد منهما فظهر عدم دخوله فيه أصلا، أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط فلأن قوله {يغفر لكم من ذنوبكم} فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر لا بالجملة قبله كما قيل به وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور فتقرير المعنى أجيبوا داعي الله وآمنوا به أن تفعلوا ذلك يغفر لكم فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر، والجواب عن هذا أن مفهوم الشرط عند القائل به إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته فمفهوم أن تجيبوا داعي الله وتؤمنوا به يغفر لكم أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم وهو كذلك، أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره كما لو قلت لشخص مثلا إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع، لأن قطع اليد مرتب أيضا على السرقة كالغرم فكذلك الغفران والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي الله والإيمان به فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض ثم بين في موضع آخر وهذا لا إشكال فيه، وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يكن انتظام الكلام العربي دونه أعني المسند إليه سواء كان لقبا أو كنية أو اسما أو اسم جنس أو غير ذلك وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة. والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب أن الغفران والإجارة من العذاب المدعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما وأن تخصيصهما في الآية مسندان لا مسند إليهما بدليل أن المصدر فيهما كامن في الفعل ولا يسند إلى الفعل إجماعا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية، ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندا إليه لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة، وأجيب من جهة الجمهور بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم إذ لا يمكن الإسناد بدون مسند إليه ومما يوضح ذلك أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما هو في المسند إليه لا في المسند لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها فيقصد بعضها بالذكر دون بعض فيختص الحكم بالمذكور. أما المسند فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد ولا الأوصاف أصلا وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية فلو حكمت مثلا على الإنسان بأنه حيوان فإن المسند إليه الذي هو الإنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده لأن كل فرد منها حيوان بخلاف المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد، لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلا والحكم بالمباين على المباين باطل إذا كان إيجابيا باتفاق العقلاء وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي إن كانت خارجية أو الذهني إن كانت حقيقية. وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة وإنما يراعى فيه مطلق الماهية ولو سلمنا تسليما جدليا أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به وربما كان اعتباره كفرا كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى : {محمد رسول الله} فقال يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن رسول الله فهذا كفر بإجماع المسلمين فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعا ولا لغة ولا عقلا سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع أو غير ذلك، فقولك جاء زيد لا يفهم منه عدم مجيء عمرو، وقولك رأيت أسدا لا يفهم منه عدم رؤيتك غير الأسد والقول بالفرق بين اسم الجنس فيعتبر واسم العين فلا يعتبر لا يظهر فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية، ولا بقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية ولا بقول بعض الحنابلة باعتبار مفهوم اللقب لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به إلا أنه يقول لو لم يكن اللقب مختصا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة كما علل به مفهوم الصفة لأن الجمهور يقولون ذكر اللقب ليسند إليه وهو واضح لا إشكال فيه، وأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف المفاهيم بقوله: أضعفها اللقب وهو ما أبي *** من دونه نظم الكلام العربي وحاصل فقه هذه المسألة أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين وهو صريح، قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، وقوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون}، وقوله تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار} إلى غير ذلك من الآيات، وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين والظاهر دخولهم الجنة كم بينا والعلم عند الله تعالى.  (سورة القتال) قوله تعالى: {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} هذه الآية الكريمة تدل على تعدد الأنهار مع تعدد أنواعها، وقد جاءت آية أخرى يوهم ظاهرها أنه نهر واحد وهي قوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر} وقد تقدم الجمع واضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن} الآية، وبينا أن قوله: {ونهر} يعني أنهار.  (سورة الفتح) قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية، لا يخفى ما سبق إلى الذهن من تنافي هذه العلة ومعلولها لأن فتح الله لنبيه لا يظهر كونه علة لغفرانه له. والجواب عن هذا من وجهين: الأول: وهو اختيار ابن جرير لدلالة الكتاب والسنة عليه أن المعنى أن فتح الله لنبيه يدل بدلالة الالتزام على شكر النبي لنعمة الفتح فيغفر الله له ما تقدم وما تأخر بسبب شكره بأنواع العبادة على تلك النعمة فكأن شكر النبي لازم لنعمة الفتح والغفران مرتب على ذلك اللازم. أما دلالة الكتاب على هذا ففي قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} فصرح في هذه السورة الكريمة بأن تسبيحه بحمد ربه واستغفاره لربه شكرا على نعمة الفتح سبب لغفران ذنوبه لأنه رتب تسبيحه بحمده واستغفاره بالفاء على مجيء الفتح والنصر ترتيب المعلول على علته ثم بين أن ذلك الشكر سبب الغفران بقوله:{إنه كان توابا}. وأما دلالة السنة ففي قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض أصحابه لا تجهد نفسك بالعمل فإن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " أفلا أكون عبدا شكورا؟" فبين صلى الله عليه وسلم أن اجتهاده في العمل لشكر تلك النعمة وترتب الغفران على الاجتهاد في العمل لا خفاء به. الوجه الثاني: إن قوله {إنا فتحنا} يفهم منه بدلالة الالتزام الجهاد في سبيل الله لأنه السبب الأعظم في الفتح، والجهاد سبب لغفران الذنوب فيكون المعنى ليغفر لك الله بسبب جهادك المفهوم من ذكر الفتح، والعلم عند الله تعالى.  (سورة الحجرات) قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}. هذه الآية الكريمة تدل على أن خلق الناس ابتداؤه من ذكر وأنثى. وقد دلت آيات أخر على خلقهم من غير ذلك كقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب} وقوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب}. والجواب واضح وهو أن التراب هو الطور الأول وقد قال تعالى: {وقد خلقكم أطوارا} وقد بين الله أطوار خلق الإنسان من مبدئه إلى منتهاه بقوله تعالى: {ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} إلى آخره.

تاريخ النشر:13 ربيع آخر 1440 هـ - الموافق 22 ديسمبر 2018 م | المشاهدات:905

قوله تعالى:{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} هذه الآية يفهم من ظاهرها أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه وإجارته من عذاب أليم لا دخوله الجنة، وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بظاهر هذه الآية فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ويستأنس لهذا بقوله تعالى: {لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} لأنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس والجواب عن هذا أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة لأنه تعالى قال فيها: {ولمن خاف مقام ربه} وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم فقوله لمن خاف يعم كل خائف مقام ربه ثم صرح بشمول ذلك للجن والإنس معا بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه أي نعمه على الإنس والجن فلا تعارض بين الآيتين لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى ولو سلمنا أن قوله: { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} يفهم منه عدم دخولهم الجنة فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم وقوله {ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان} يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعى وجدناه معدوما من أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث، ولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو العلة أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب وليس داخلا في واحد منهما فظهر عدم دخوله فيه أصلا، أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط فلأن قوله {يغفر لكم من ذنوبكم} فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر لا بالجملة قبله كما قيل به وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور فتقرير المعنى أجيبوا داعي الله وآمنوا به أن تفعلوا ذلك يغفر لكم فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر، والجواب عن هذا أن مفهوم الشرط عند القائل به إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته فمفهوم أن تجيبوا داعي الله وتؤمنوا به يغفر لكم أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم وهو كذلك، أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره كما لو قلت لشخص مثلا إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع، لأن قطع اليد مرتب أيضا على السرقة كالغرم فكذلك الغفران والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي الله والإيمان به فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض ثم بين في موضع آخر وهذا لا إشكال فيه، وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يكن انتظام الكلام العربي دونه أعني المسند إليه سواء كان لقبا أو كنية أو اسما أو اسم جنس أو غير ذلك وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة.
والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب أن الغفران والإجارة من العذاب المدعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما وأن تخصيصهما في الآية مسندان لا مسند إليهما بدليل أن المصدر فيهما كامن في الفعل ولا يسند إلى الفعل إجماعا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية، ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندا إليه لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة، وأجيب من جهة الجمهور بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم إذ لا يمكن الإسناد بدون مسند إليه ومما يوضح ذلك أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما هو في المسند إليه لا في المسند لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها فيقصد بعضها بالذكر دون بعض فيختص الحكم بالمذكور.
أما المسند فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد ولا الأوصاف أصلا وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية فلو حكمت مثلا على الإنسان بأنه حيوان فإن المسند إليه الذي هو الإنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده لأن كل فرد منها حيوان بخلاف المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد، لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلا والحكم بالمباين على المباين باطل إذا كان إيجابيا باتفاق العقلاء وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي إن كانت خارجية أو الذهني إن كانت حقيقية.
وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة وإنما يراعى فيه مطلق الماهية ولو سلمنا تسليما جدليا أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به وربما كان اعتباره كفرا كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى : {محمد رسول الله} فقال يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن رسول الله فهذا كفر بإجماع المسلمين فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعا ولا لغة ولا عقلا سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع أو غير ذلك، فقولك جاء زيد لا يفهم منه عدم مجيء عمرو، وقولك رأيت أسدا لا يفهم منه عدم رؤيتك غير الأسد والقول بالفرق بين اسم الجنس فيعتبر واسم العين فلا يعتبر لا يظهر فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية، ولا بقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية ولا بقول بعض الحنابلة باعتبار مفهوم اللقب لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به إلا أنه يقول لو لم يكن اللقب مختصا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة كما علل به مفهوم الصفة لأن الجمهور يقولون ذكر اللقب ليسند إليه وهو واضح لا إشكال فيه، وأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف المفاهيم بقوله:
أضعفها اللقب وهو ما أبي *** من دونه نظم الكلام العربي
وحاصل فقه هذه المسألة أن الجن مكلفون على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين وهو صريح، قوله تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، وقوله تعالى: {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون}، وقوله تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس في النار} إلى غير ذلك من الآيات، وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين والظاهر دخولهم الجنة كم بينا والعلم عند الله تعالى.
 (سورة القتال)
قوله تعالى: {فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} هذه الآية الكريمة تدل على تعدد الأنهار مع تعدد أنواعها، وقد جاءت آية أخرى يوهم ظاهرها أنه نهر واحد وهي قوله تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر} وقد تقدم الجمع واضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن} الآية، وبينا أن قوله: {ونهر} يعني أنهار.
 (سورة الفتح)
قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} الآية، لا يخفى ما سبق إلى الذهن من تنافي هذه العلة ومعلولها لأن فتح الله لنبيه لا يظهر كونه علة لغفرانه له.
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: وهو اختيار ابن جرير لدلالة الكتاب والسنة عليه أن المعنى أن فتح الله لنبيه يدل بدلالة الالتزام على شكر النبي لنعمة الفتح فيغفر الله له ما تقدم وما تأخر بسبب شكره بأنواع العبادة على تلك النعمة فكأن شكر النبي لازم لنعمة الفتح والغفران مرتب على ذلك اللازم.
أما دلالة الكتاب على هذا ففي قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} فصرح في هذه السورة الكريمة بأن تسبيحه بحمد ربه واستغفاره لربه شكرا على نعمة الفتح سبب لغفران ذنوبه لأنه رتب تسبيحه بحمده واستغفاره بالفاء على مجيء الفتح والنصر ترتيب المعلول على علته ثم بين أن ذلك الشكر سبب الغفران بقوله:{إنه كان توابا}.
وأما دلالة السنة ففي قوله صلى الله عليه وسلم لما قال له بعض أصحابه لا تجهد نفسك بالعمل فإن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " أفلا أكون عبدا شكورا؟" فبين صلى الله عليه وسلم أن اجتهاده في العمل لشكر تلك النعمة وترتب الغفران على الاجتهاد في العمل لا خفاء به.
الوجه الثاني: إن قوله {إنا فتحنا} يفهم منه بدلالة الالتزام الجهاد في سبيل الله لأنه السبب الأعظم في الفتح، والجهاد سبب لغفران الذنوب فيكون المعنى ليغفر لك الله بسبب جهادك المفهوم من ذكر الفتح، والعلم عند الله تعالى.
 (سورة الحجرات)
قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}. هذه الآية الكريمة تدل على أن خلق الناس ابتداؤه من ذكر وأنثى. وقد دلت آيات أخر على خلقهم من غير ذلك كقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من تراب} وقوله تعالى: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب}.
والجواب واضح وهو أن التراب هو الطور الأول وقد قال تعالى: {وقد خلقكم أطوارا} وقد بين الله أطوار خلق الإنسان من مبدئه إلى منتهاه بقوله تعالى: {ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} إلى آخره.

المادة السابقة

الاكثر مشاهدة

4. كيف تعرف نتيجة الاستخارة؟ ( عدد المشاهدات67158 )
11. قراءة سورة البقرة لجلب المنافع ( عدد المشاهدات57505 )
13. أعمال يمحو الله بها الذنوب ( عدد المشاهدات53920 )

مواد مقترحة

372. Jealousy